Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

معجزة حفظ القران

 

(إنا أنزلنا الذكر  وإنا له لحافظون ) الحجر 9.

تنزيل الذكر ، قضية إيمانية لا تمس .

أما قصة ( حفظ الذكر) من الضياع ، والتي يقول بها أيضا كل مؤمن بالوحي السماوي، فتلك قصة أخرى عند أهل الذكر أنفسهم في كيفية حفظهم له ، ومدى هذا احفظ؛ ومطابقته للنص الأصلي المنزل .

وبحثنا هذا بحث عملي تاريخي على هامش عقيدة الوحي والتنزيل.

يؤمن المسلم بان النص الأصلي الذي فاه به الرسول منزل ؛ أما ما جمعه الجامعون ، على أيام عثمان ، بعد تطورات دامت ثلاثين سنة ، فلا يقطع بصحته إلا بعد دراسة قصته.

يستفتح أهل القران على أهل التوراة والإنجيل بان القران حفظ بمعجزة سالما كما نزل على (النبي الأمي ) ، ويستعلون عليهم متهمين إياهم بتحريف التوراة والإنجيل بينما هم قد حافظوا على صحة نقل القران ، ، وسلامة حفظه : (آنا أنزلنا الذكر وآنا له لحافظون) : هذه نبوة عن حفظ القران ، وفي تواتر نقله سالما عن الرسول معجزة تؤيد تلك النبوة

ومن روايات السلف الصالح ، الواردة في الصحاح ، عن المبادئ الأربعة التي استنها الرسول لامته في قراءة القران ، وعن قصة جمع القران في إصداراته الثلاثة على أيام أبو بكر ، وعثمان ، والحجاج ، تفوح شبهات قد يحار فيها المؤمن والمؤرخ معا

 

 

بحث أول

بعض تلميحات قرآنية وأحاديث نبوية في شأن

 معجزة )حفظ القران(

 

نجد في القران المكي هذه الآية : ( وإذا بدلنا آية مكان آية ، والله اعلم بما ينزل ، قالوا: إنما أنت مفترٍ ! - بل أكثرهم لا يعلمون. قل: نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ، وهدى وبشرى للمسلمين) النحل 101 -102) ؛ وقد جمع فيها التنزيل إلى التبديل ، وقرن التبديل بالتنزيل : يرد تهمة التعلم من بشر (103) ، ولا يرد تهمة التبديل بل يجعله من روح القدس مثل التنزيل

( قالوا إنما أنت مفترٍ أي وجدوا مدخلا للطعن فطعنوا ، وكانوا يقولون : ان محمد يسخر من أصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا فيأتيهم بما هو أهون ) الزمخشري .

والتخفيف سنة قرآنية يقو بها مرارا  ويشرعها كمبدأ في سورة النساء : (يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) 25-27: ( قال الكفرة : إنما أنت مفتر، متقول على الله  : تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهي عنه ) البيضاوي .

ونجد في القران المدني هذه الآية : ( ما ننسخ من آية ، أو ننسها ، نأت بخير منها أو مثلها : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ؟) بقرة 106 فالنسخ بحسب القراءة - منسوب إلى الله أو إلى جبريل أو إلى النبي .

قال البيضاوي : ( نزلت لما قال المشركون أو اليهود : الا ترون محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه.. ونسخ الآية بيان انتهاء القيد بقراءتها  أو الحكم المستفاد منها أو بهما جميعاوإنساؤها ، إذهابها عن القلوب) .

  فالقران يعترف في النسخ في بعض آياته ؛ والحديث كما سترى يروي بان عثمان اسقط المنسوخ  ، ومع ذلك فالأمة تأخذ إلى اليوم بعقيدة الناسخ والمنسوخ،   وتالف الكتب لبيان ذلك .

ومن غريب الناسخ والمنسوخ ( ما نسخ تلاوته وحكمه معا . قالت عائشة :( كان فيما انزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله وهن مما يقرأ من القران). رواه الشيخان وقد تكلموا في قولها( وهن مما يقرأ من القران) قال الاشعري : نزلت ثم رفعت . وقال مكي : هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ  أيضا غير متلو. ولا اعلم له نظيرا . وقال السيوطي في إتقانه : والنسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير . وقد اجمع المسلمون على جوازه  وأنكره اليهود ظنا منهم انه بداء. واختلف العلماء فقيل: لا ينسخ القران إلا بقران كقوله (نأت بخير منها أو مثلها) . وقيل : بل ينسخ القران بالسنة لأنها أيضا من عند الله . بهذا اظهر السيوطي للقران ميزتان : الأولى النسخ ؛ والثانية نسخ القران بالسنة.   وينكر هذا أهل الكتاب .    

وآية التبديل (النحل 101) أثارت الشكوك  عند المشركين ؛ وآية النسخ (البقرة106) أثارت التساؤل  حتى الكفر ) عند لمسلمين أنفسهم : ( أم تريدون ان تسألوا رسولكم كما سل موسى من قبل ، ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سوء السبيل) البقرة 108 ؛ لقد حذرهم من تشكيك اليهود لهم في التبديل والنسخ ونسيان القران (109) ، وحسم التساؤل فيه والسؤال عنه بكلمة ذهبت مبدأ في التنزيل القراني .

ونجد في القران المكي والمدني معا الإقرار المتواتر بنسيان القران. ومما يؤيد ظاهرة نسيان النبي للوحي  منذ مطلع بعثته هذا القول : ( سنقرئك فلا تنسى  إلا ما شاء الله) الاعلى 6-7 . وقد قال الطبري في ذلك : اخبر انه ينسي نبيه منه ما شاء : فالذي ذهب منه هو الذي استثناه اله . وظلت هذه الظاهرة عالقة بالنبي طيلة العهد بمكة ، ففي سورة الكهف : ( واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى ان يهدني ربي لأقرب من هذا رشدا ) 24 ؛

وفي العهد المدني يقرر بأن النسيان يعرض للنبي ، وقد يفعله الله فيه : فنسيان الوحي ظاهرية بشرية نبوية إلهية في القران . راجع تفسير الطبري لآية البقرة .106 . ويأتي الحديث فيبين لنا هذه الظاهرة الغريبة بالأمثال ويصف كيفيتها ومداها . نقل الطبري عن قتادة : ( كان ينسخ الآية بالآية بعدها ، ويقرأ نبي الله . الآية أو اكثر  من ذلك ثم تنسى وترفع) .

فمن الثابت اذن ( ان النبي أقرئ قرانا  ثم نسيه  كما انه من الثابت أيضا ان الله انزل أمورا من القران ثم رفعها .

وقد روى في الأخبار الصحاح أيضا بعض من القران الذي رفع: عن انس : ان أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتابا ( بلغوا عنا قومنا آنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ! ) ثم ان ذلك رفع .

 ويستنتج الطبري من الأخبار والأحاديث المتواترة عن نسيان النبي للوحي ، ورفع الله بعض ما انزل في القران فيقول : وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها  الكتاب.

فإذا كان النبي ذاته  قد ينسى ما انزل اليه ، فكم بالأحرى القراء  الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ؟  جاء ان ابا موسى الاشعري قال لخمسماية  من القراء بالبصرة : ( إنا  كنا نقرأ  سورة بطول السهم وحدها ، أما الآن فقد نسيتها  ما عدا بعض آيات منها.

وهناك أيضا ظاهرة غريبة فريدة يمتاز بها التنزيل القرآني ، ولا يقول بها الكتاب ، ولا الزبور ، ولا النبيون ولا الحكمة ولا الإنجيل، الا وهي إمكانية تدخل الشيطان في تحريف وافساد الوحي والتنزيل

قال الجلالان في حديث الغرانيق : ( قرأ النبي في سورة النجم بمجلس من قريش بعد (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرىبإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه به . . ( تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى) ) ففرحوا بذلك . ثم اخبره جبريل بم ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن . فسلي بآية الحج 52 - أخرجه البخاري عن ابن عباس أورده ابن إسحاق في السيرة ؛ وزاد في (أسباب النزول) : كثرة الطرق تدل على ان للقصة أصلا .   

وقد يكون للقصة اصل ، قد تكون مدسوسة . وانما لمشكل المحرج ما ورد في سورة الحج تبريرا للقصة . : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا إذا تمنى (قرأ) ألقى الشيطان في أمنيته . فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته،  والله عليم حكيم ، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ) .

فهذه الآية تؤكد إلقاء الشيطان في قراءة النبي ما ليس من القران !. وتؤكد أيضا ان هذا الدس الشيطاني قد جرى لمحمد ، مثلا في سورة النجم ؛ ومما يزيد الامر خطورة ان النبي لم ينتبه اليه ولم يشعر به حتى اخبره جبريل .     

وتؤكد كذلك ، تعزية لمحمد ، ان هذا السهو ، وهذا التدخل الشيطاني اللاشعوري في الوحي قد حدث لسائر الرسل والأنبياء : (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا إذا تمنى (قرأ) ألقى الشيطان في أمنيته ). فالقضية اخطر من إمكانية ، بل هي واقع تاريخي  يسجله القران على كل الأنبياء والرسل !.

وهذا الاذن الرباني الغريب بالسماح للشيطان ، بتحريف الوحي وإفساده أحيانا ، يدعمه سبب اغرب وأحرج (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) أتسمح فتنة المنافقين بتحريف الوحي ، ولو لفترة ؟ وهل هذا السماح الذي بعده (يحكم الله آياته ) يزيد في الأعجاز لافحام الذين في قلوبهم مرض ؟ - الراسخون في العلم يقولون : آمنا ، كل من عند ربنا) آل عمران 7.

وقد يتخذ إبليس في فتنة الأنبياء عن التنزيل الحق وتبليغه أعوانا من الناس كما جرى لمحمد ، في فتنته عن الوحي وفي فتنته بهجرة إلى الشام  ارض الأنبياء :

( وان كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ، واذا لاتخذوك خليلا . ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . - سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتا تحويلا ) الإسراء 73-77.  وعن ابن عباس : كادوا ليفتنوك ، ليستفزوك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا  : لقد هممت ان تميل إليهم شيئا قليلا ). قال البيضاوي : والمعنى انهم قاربوا بمبالغتهم ان يوقعوك في الفتنة بالاستنزال ، عن الذي أوحينا إليك ، من الأحكام ، لتفتري علينا غير ما أوحينا إليك . وقد قاربت ان تميل إلى اتباع مرادهم . لكن ادركتك عصمتنا.

ألم تتأخر بعض الشيء في مثل هذه المواقف التي يذكرها القران بصراحة ؟ 

  ويزيد الأمر غرابة واستغرابا ان الله اذن في فتنة جميع الأنبياء في الوحي والسيرة آنا بعد آخر : (سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتا تحويلا ) : أيسمح الله بفتنة أنبيائه لفتنة خلقه ؟ ! تلك سنة الله في رسله يفتن ما يشاء ويعصم متى يشاء!!.

وتبلغ الفتنة إلى العجلة في القران . ويتأسى محمد أيضا في ذلك بمثل الرسل ، وجدهم الأول آدم : ( ولا تعجل بالقران من قبل ان يقضي إليك وحيه ، وقل : ربي زدني علما . ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ! ) طه114.  يطلب النبي زيادة العلم بالوحي، والقران حتى لا يعجل بتنزيله وحفظه وقراءته ، ويتأسى بمثل آدم الذي نزل عليه الوحي ، فأنساه إياه الشيطان ، وافسده عليه ، وأغرى آدم وأزله .   ولذلك علم القران محمد وأمته الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القران : ( فإذا قرأت القران فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) نحل 98 ؛ جاء تعليم الاستعاذة بمناسبة التصريح بتبديل آية مكان آية ؛ وهذا يؤيد ما ورد في سورة  الحج52 .

انه لأمر غريب ، وأيم الحق ، ان يأمر القران محمدا وأمته بالاستعاذة من الشيطان الرجيم ، قبل الاستفتاح باسم الله  الرحمن الرحيم 

 

 

الرخص النبوية الأربعة

 في قراءة القران على سبعة أحرف

 

ذاك واقع النبي في تنزيل القران .

وهذا واقع الأمة في قراءته ، على زمن النبي وبعده ، قبل ان جمع عثمان المصحف الأميري .

استن النبي العربي لامته مبادئ أربعة لتلاوة القران قد تكون صيغا متنوعة لحديث واحد : ( انزل القران على سبعة أحرف). وقد عمل الصحابة والامة بهذه الرخصة أو الرخص نحوا من نصف قرن قبل ان يجمع عثمان الأمة على قراءة القران بحرف واحد ، ولغة واحدة ، وقراءة واحدة في مصحف واحد، هو المصحف العثماني الذي لم يبقى غيره .

وحديث نزول القران على سبعة أحرف شائع متواتر نقلته جميع كتب الحديث وجميع كتب التفسير : ( انزل القران على سبعة أحرف) ويزيد بعضهم (فاقرأوا ما تيسر منها) . ويزيد بعضهم (كلها شاف كاف آيها قرأت أصبت فمن قرأ منها حرفاً فهو كما قرأ  فأيما حرف قرأوا  فقد أصابوا 000 كلها شاف كاف ما لم يختم آية عذاب برحمة ،آو آية رحمة بعذاب كقوله : هلم وتعال. راجع: الطبري 1/20-45 .

بحسب هذا الحديث كان النزول نفسه على سبعة أحرف . وهناك صيغة أخرى تجعل قراءة القران على سبعة أحرف ، وهي ذات مغزى : ( ان الله امرني ان أقرأ القران على سبعة أحرف) فهي تعني انه نزل على حرف وقرئ على سبعة وسواء جاء الحديث بالصيغة الأولى أم الأخرى فهو حديث ذو شؤون وشجون .  

 والأخبار ، عن اختلاف الصحابة في زمن النبي على قراءة القران بنصوص مختلفة، متواترة عديدة : نقتصر منها على بعضها .

نقل الطبري عن زيد بن ارقم : ( جاء رجل إلى رسول الله فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود ، أقرأنيها زيد وأقرأنيها ابي بن كعب  فاختلف قراءتهم : فبقراءة آيهم آخذ؟ قال، فسكت رسول،  الله وعلي إلى جانبه،فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم ، كل حسن جميل. الطبري 1/24.

في حديث أخرجه الستة عن الزهري وغيره (انهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله 00 فاستمعت لقراءته  فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنها رسول الله . فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم  فلما سلم لببته  بردائه فقلتمن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ؟ قال أقرأنيها رسول الله . فقلت : كذبت ! فوالله ان رسول الله . لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها . فانطلقت به اقوده إلى رسول الله فقلت : يا رسول الله سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حرف لم تقرئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان . فقال رسول الله أرسله يا عمر فقال: أقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها فقال رسول الله هكذا أنزلت  ! ثم قال رسول الله أقرأ يا عمر   فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله . فقال رسول الله هكذا أنزلت. ثم قال رسول الله : (ان هذا القران انزل على سبعة أتحرف  فاقرأوا ما تيسر منه) . راجع الطبري 1/24 وابن حجر في الفتح 12/248 والبخاري 8/215 و3/226 والخصومات 2/61 واستتابة المرتدين 4/198 وجامع الترمذي 11/60 وسنن النسائي 1/149  شرح صحيح مسلم للنووي 6/99.

سؤال: لو ان الاختلاف الواقع في القران هو اختلاف فقط في الألفاظ دون المعاني ، فلماذا فكر ابن الخطاب ان يساور ابن حكيم أثناء صلاتها سمعه يقرأ القران على أحرف كثيرة؟.

ان عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من قبيلة واحدة ذو لهجة واحدة مع هذا اختلفت قرأتهما للقران ،فهل يعقل بان يكون هذا الاختلاف هو اختلاف في الألفاظ دون المعاني؟؟.

هذا الحديث يبين ان الاختلاف في النص القرآني بلغ مبلغاً كبيراً كاد منه عمر ان يقتل صاحبه؛ ويشهد ان الاختلاف في القراءة ، ليس فقط من القراء ، بل هو أيضا من النبي نفسه الذي ثبت قراءتين بأحرف متعددة لنص واحد!.

لقد أدخلت هذه التوسعة النبوية في القراءات والأحرف المتعددة والمختلفة  الشك إلى نفس عمر بن الخطاب ( قرأ رجل عند عمر بن الخطاب فغير عليه. فقال: لقد قرأت على رسول الله فلم يغير علي. قال: فاختصما عند النبي . فقال : يا رسول الله ،آلم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فوقع في صدر عمر شئ . (الشك) فعرف رسول الله ذلك في وجهه ، فضرب صدره وقال : ابعد شيطاناً - قالها ثلاثة مرات- ثم قال : يا عمر ، ان القران كله صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً آو عذاباً رحمة . راجع الطبري 1/25.

هنا يذهب النبي في التوسعة في قراءة القران إلى أقصى مداها  يوسع ما وسعه في اختلاف الألفاظ والنصوص، ما لم تؤدي إلى تناقض في المعاني . وهذه التوسعة توقع عمر في شك منها، يكون معه بحاجة إلى طرد الشيطان من صدره ثلاثاً.

وقد ساور الشك والارتياب من هذه التوسعة في القراءة بأحرف مختلفة الصحابي ابي بن كعب اكثر من مرة .

وقد روى عنه قال: روى مسلم بمسنده عن ابي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله فقلت: ان هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل الآخر وقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله فقرآ، فحسن النبي شانهما ، فاسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقاً ، كأنما انظر إلى الله فقال لي: يا ابي، أرسل آلي ان اقرأ القران على حرف فرددت إليه، ان هون على أمتي، فرد آلي الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه ان هون على أمتي، فرد آلي الثالثة: اقرأه على سبعة أتحرف. راجع صحيح مسلم 2/561-562 وصحيح مسلم بشرح النووي 6/102-103 مسند احمد 5/127 و148 وتفسير الطبري 1/46-38 .

عن آبى بن كعب قال: دخلت المسجد فصليت فقرأت النحل . ثم جاء رجل فقرأها خلاف قراءتنا  ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه  فدخل نفسي من الشك والتكذيب اشد ما كنت في الجاهلية . فأخذت بأيدهما  فأتيت بهما النبي . فقلت: يا رسول الله استقرئ هذين . فقرأ  أحدهما ، فقال: أصبت . ثم استقرئ الأخر فقال :أصبت ‍ فدخل قلبي اشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب . فضرب رسول الله صدري وقال: أعاذك الله  من الشك واخسأ عنك الشيطان. راجع الطبري 1/ 38. 

ووصل الشك في  تلك التوسعة النبوية إلى كُتاب الوحي أنفسهم، فقد اخبر سعيد بن المسيب : ان الذي  ذكر الله ( إنما يعلمه بشر) النحل إنما افتتن انه كان يكتب الوحي ، فكان يملي عليه رسول الله ( سميع عليم آو عزيز حكيم ) آو غير ذلك من خواتم الآية . ثم يشتغل عنه رسول الله وهو على الوحي ، فيستفهم رسول الله (العزيز حكيم آو سميع عليم)؟ فيقول له رسول الله : آي ذلك كتبت  فهو كذلك. راجع الطبري 1/54.

عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله سورة حم .ورحت إلى المسجد عشية فجلس آلي رهط. فقلت لرجل من الرهط اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حروفاً لا أقرؤها . فقلت له: من اقرأكها؟ قال أقرأني رسول الله فانطلقنا إلى رسول الله وإذا عنده رجل، فقلت له: اختلفنا في قراءتنا  فإذا وجه رسول الله قد تغير ، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف ، فقال:إنما هلك من قبلكم  الاختلاف. ثم اسر إلى علي فقال علي: ان رسول الله يأمركم ان يقرأ كل رجل منكم كما علم.فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفاً لا يقرؤها صاحبه. راجع المستدرك 223- 224 . وراجع صحيح البخاري بحاشية السدي باب فضائل القران3/237 وفتح الباري 9/80-81.

الى هذا الحد وصلت الحالة في زمن النبي . وهو بنفسه يقر الاختلاف في ألفاظ القران ، حتى جاء الحديث المتواتر يكرس الوضع ويجعله مخرجا علويا بحديث ( الأحرف السبعة)  

 

 

معنى نزول القران على سبعة أحرف

 

سبعة نصوص متلفة بمعنى  واحد

كما انزل الإنجيل على أربعة أحرف { أربعة بشائر} مختلفة الألفاظ متفقة المعاني. هكذا انزل القران على سبعة أحرف مختلفة الألفاظ متفقة المعاني .

لقد اختلفوا في نوع الاختلاف بين هذه الأحرف السبعة اهو في الألفاظ أم في المعاني؟.

قال بعضهم: هو في المعاني، بتنوعها إلى أمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال. راجع الطبري 1/47.

أما اكثر العلماء فهم على انه اختلاف الألفاظ ذاتها، واتفاق المعاني

روى الأزهري عن أبي العباس انه سئل عن قوله على سبعة أتحرف؟ فقال: ما هي إلا اللغات.

وقال الأمام عبد الرحمن بن الجوزي : المراد بالحديث انزل القران على سبعة لغات .

وقد ذهب إلى هذا القول ابن الأثير في النهاية . وابن قتيبة فيتأويل مشاكل القران {الاختلاف  نوعان :اختلاف تغاير ، واختلاف تضاد.فاختلاف التضاد لا يجوز. ولست واجده  بحمد الله في شيء من القران. راجع تأويل مشاكل القران لابن قتيبة 31.

وشيخ  المفسرين الطبري ، يرى ان ( اختلاف الأحرف السبعة هو اختلاف الألفاظ باتفاق المعاني . طبري 1/48.

يبدأ الطبري عرضه الطويل بقوله : ان القراءة بالأحرف السبعة لم تكن أمر إيجاب وفرض بل كانت أمر إباحة ورخصة طبري 1/64.

وقال{ ان الأحرف الستة الآخر أسقطها عثمان ومنع من تلاوتها ولا حاجة بنا إلى معرفتها} طبري 1/66.

لان الحكمة  في جمع الناس على حرف واحد ,والصواب ما فعل عثمان} طبري 1/63. بعد ان وصلت الحالة إلى أقصاها من الاختلاف والاقتتال !.

ويلتفت الطبري إلى اعتراض بديهي فيقول{ فان قال قائل : ما بال الأحرف الستة غير موجودة ان كان أمر في ذلك على ما وصفت وقد اقرهن رسول الله وأمر بالقراءة بهن الأمة  وهي مأمورة بحفظها فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟ أما ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تُنسخ فترفع ولا ضيعتها الأمة ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف شاءت. فرأت- لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحلاف الستة الباقية} طبري 1/59.

فأتلفت  واندثرت. وكانت العلة الموجبة تفاقم الخلاف على القراءة بين أهل الأمصار, وتكفيرهم بعضهم بعضاً في القراءة والاقتتال على أفضلية  القراءة  من مكة بحضرة الخليفة إلى الثغور في معارك القتال} طبري 1/62.

فلم يسلم آلا الحرف الذي أراده عثمان  وان يكن عثمان وجماعة غير معصومين في تفضيل الحرف الأفضل المعجز الذي انزل به القرآن!.

ويرد الطبري بعد تعريفه هذا للأحرف السبعة على اعتراض قوم مستشهدين بهذه الآية { أفلا يتدبرون القران, ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً  كثيراً} نساء 82 أنها تقصد اختلاف المعاني والأحكام لا اختلاف الألفاظ والتعبير بدليل اختلاف الصحابة كل في قراءته  وتصويب النبي لهم جميعاً. طبري 1/48.

ويرد على من قال أنها لغات سبع في حرف واحد في كلمة واحدة { بأنها باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني } 1/57.

ويرد فيهم الأحرف السبعة أنها القراءات السبع الشائعة اليوم على المصحف العثماني,{ وان اختلاف القراءة في الرفع والجر والنصب ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة , كما هي القراءة اليوم, ليس من الأحرف السبعة في شيء . وان المراء فيها لا يوجب كفراً} راجع طبري 1/65.

من الذين تابعوا الطبري في تفسيره ابو عبد الله الزنجاني, قال: {المراد بالأحرف السبعة اوجه من المعاني المتفقة , بالألفاظ المختلفة}. مما يجمعها سبعة نصوص مختلفة لقرآن واحد. وأبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ . قال {يُفهم من سلف الآمة وخيار الأئمة ان معنى نزول القرآن على سبعة أحرف من انه نزل بسبع لغات وأمر بقراءته على سبعة السن باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني }.

إذن  تعدد نصوص القرآن, مع اتفاق المعاني،ناتج وواضح من حديث الأحرف السبعة؛  وبعض التبديل في المعاني والأحكام ظاهر من الناسخ والمنسوخ الذي أسقطه عثمان  وما بقي من مصحفه !.

وبعد الطبري  تضاربت الآراء وتعددت في فهم الحديث المذكور. فجاء السيوطي خاتمة المحققين  فعقد في إتقانه فصلاً قيماً يعدد فيه تفاسيرهم المتضاربة . بدأ فأكد صحة الحديث بشهادة واحد وعشرين صحابيا ذكروه. وينقل خبر استفتاء شعبي آجراه  الخليفة عثمان في المسجد فشهد جميع الحاضرين بصحته وهد هو علياً معهم على الإجماع عليه. ثم استهل تفسير الحديث بأغرب منه فقال: ليس المراد بالأحرف السبعة حقيقة العدد بل المراد التيسير والتسهيل والسعة .

وقال اختلف في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولاً 000وانه من المشكل الذي لا يدرى معناه. لان الحرف يصدق لغةً على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة.

ويختصر ما جاء مطولاً في الطبري: ان المراد سبعة اوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة , نحو اقبل وتعال وهلم وعجل واسرع 000 والى هذا ذهب سفيان بن عينية وابن جرير الطبري وابن وهب وخلائق. ونسبه ابن عبد البر لاكثر العلماء. ويدل له ما أخرجه احمد والطبراني من حديث ابي بكرة  ان جبريل قال { يا محمد  أقرأ القران على حرف. فقال ميكائل استزده0000 حتى بلغ سبعة أتحرف. وقال كلٍ شاف كاف ما لم تخلط آية عذاب برحمة وآية رحمة بعذاب , نحو قولك: تعال واقبل وهلم واذهب واسرع وعجل . هذا اللفظ رواية احمد, وإسناده جيد. واخرج احمد والطبراني أيضا عن ابن مسعود نحوه. وعند ابي داود عن ابي بن كعب: قلت {سميعاً عليماً} آو {عزيزاً حكيماً} ما لم تخلط آية عذاب برحمة وآية رحمة بعذاب وعند احمد من حديث ابو هريرة {انزل القران على سبعة أتحرف مثل: عليماً حكيماً آو : غفوراً رحيماً. وعنده أيضا من حديث عمر بأن القران كله صواب ما لم تجعل مغفرةً عذاباً وعذاباً مغفرةقال ابن عبد البر: إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف الذي نزل القران عليها, أنها معاني متفق مفهومها مختلف مسموعها , لا يكون في شيء منها معنى وضده  ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفه ويضاده   كالرحمة التي هي خلاف العذاب, وضده. ثم اسند عن ابي بكر انه كان يقرأ

 { كلما اضاء لهم مشوا فيه} مروا فيه سعوا فيه.وكان ابن مسعود يقرأ{ الذين آمنوا افطرونا } أمهلونا, أخرونا. وينقل الطبري مثلاً على تصرف انس بن مالك في قراءته, فقد قرأ {ان ناشئة الليل هي اشد وطئاً واصوب ميلاً }

( مزمل 6) فقال له بعضهم: يا آبا حمزة : إنما هي أقوم! فقال: أقوم واصوب وأهيأ واحد. طبري 1"/52.

وينقل السيوطي للحديث معنى آخر يعيد فيه نسبة الأحرف السبعة إلى أصحابها الأول: أنها سبع قراءات لسبعة من الصحابة: ابي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس  وآبى بن كعب . راجع أتفان 1/50.

وهذه القراءات كانت قبل إصدار عثمان النسخة الموحدة, فهي سبع نسخ مختلفة لقرآن واحد, فالسيوطي يزيد{ وقد ظن كثيراً من العوام ان المراد بها القراءات السبع المصحف العثماني وهو جهل قبيح} إتقان/51.

وهكذا بلغت التوسعة في قراءة القرآن على سبعة أتحرف مختلفة في ألفاظها ، مؤتلفة في معانيها، مداها البعيد، لا يحدها في زعمه، وامثالهم على زعمهم، سوى تناقض المعنى  كالفرق بين الرحمة والعذاب. فقد كان يكفيهم في زمن الرسول وفي حضرته وبتأييد منه ان يحافظوا على سلامة المعنى دون سلامة الحرف والنص . ونحن نتساءل : كيف يتفق هذا الحديث النبوي! وهذا العمل الصحابي، مع معجزة حفظ القرآن ومعجزة أعجازه ؟؟.

وقد اتفق المسلمون على ان أصحاب النبي تماروا في هذه الأحرف، والنبي بين أظهرهم، فنهاهم عن ذلك والح في نهيهم . فلما توفى النبي استمر أصحابه يقرأون القران على هذه الأحرف السبعة ، كل يقرأ على الحرف الذي سمعه من النبي ، فأشدت الخلاف والمراء في ذلك حتى كادت تقع الفتنة بين الناس، ولا سيما في جيوش المسلمين .

فرفع الأمر إلى عثمان فجزع له واشفق . فجمع لهم المصحف الأمام وأذاعه في الأمصار أتمر بما عداه من المصاحف فمحي محواً. وعلى هذا محيت من الأحرف السبعة الأحرف الستة ولم يبقى آلا حرف واحد هو الذي نقرأه في مصحف عثمان. وهو حرف قريش. وهو الحرف الذي عادت فاختلف لهجات القراء فيه  فمد بعضهم وقصر بعضهم، وفخم فريق ورقق فريق, ونقلت طائفة وأثبتت طائفة . ثم أورد الأستاذ ما ورد في الجزء الأول من تفسير الطبري لتأييد رأيه}.

وهكذا فحديث الأحرف السبعة التي تختلف بالألفاظ فتكون السنةً مختلفة ذات نصوص مختلفة يبعث أشكالا ضخماً على وحدة القران مع تعدد نصوصه إلى سبعة، وعلى صحة النص العثماني بعد إسقاط الحروف الستة، وعلى أفضلية أعجاز الحرف العثماني دون سواه . وهذا الأشكال الضخم تنبه له أدباء العصر . فكان أهون ما عندهم انهم نفوه آو كادوا. قال أحدهم : { والتوفيق بين هذه الأحاديث الكثيرة، التي تكاد تتفق في معناها ، وما ذكرنا من تفسير للأحرف السبعة عسير. ولكن لتفهم الأحاديث على آي وجه شاء الناس. أما الذي نعتقد ان من الخير فهمه هو عدم جواز هذا التبديل والتعديل في القران.

 

 

ماذا قالوا في معنى الأحرف السبع

 

قال ابن حبان : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا (فمنهم) من قال هي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال .

الثاني : حلال وحرام وأمر ونهي وزجر وخبر ما هو كائن بعد وأمثال .

الثالث : وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج.

الرابع : أمر ونهي وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال .

الخامس : محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص .

السادس : أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل

السابع : أمر ونهي وجد وعلم وسر وظهر وبطن .

الثامن : ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورغم وتأديب وإنذار .

التاسع : حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات .

العاشر : أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص

الحادي عشر : حلال وحرام وأمثال ومنصوص وقصص وإباحات .

الثاني عشر : ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال .

الثالث عشر : أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار.

الرابع عشر : مقدم ومؤخر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال .

الخامس عشر : مقيس ومجمل ومقضى وندب وحتم وأمثال .

السادس عشر : أمر حتم وأمر ندب ونهي حتم ونهي ندب وأخبار وإباحات .

السابع عشر : أمر فرض ونهي حتم وأمر ندب ونهي مرشد ووعد ووعيد وقصص .

الثامن عشر : سبع جهات لا يتعداها الكلام لفظ خاص أريد به الخاص  ولفظ عام أريد به العام ولفظ عام أريد به الخاص ولفظ خاص أريد به العام ولفظ  يستغني بتنزيله عن تأويله ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء ولفظ لا يعلم  معناه إلا الراسخون التاسع عشر : إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانية الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب والعقاب .

العشرون : سبع لغات منها خمس في هوازن واثنتان لسائر العرب .

الحادي والعشرون : سبع لغات متفرقة لجميع العرب كل حرف منها لقبيلة مشهورة .

الثاني والعشرون : سبع لغات أربع لعجز هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر ابن معاوية وثلاث لقريش .

الثالث والعشرون : سبع لغات لقريش ولغة لليمن ولغة لجرهم ولغة لهوازن ولغة لقضاعة ولغة لتميم ولغة لطي .

الرابع والعشرون : لغة الكعبين كعب بن عمر وكعب بن لؤي ولهما سبع لغات.

الخامس والعشرون : اللغات المختلفة لإحياء في معنى واحد مثل هلم وهات وتعال  وأقبل .

 السادس والعشرون : سبع قراءات لسبعة من الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي  وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم .

السابع والعشرون : همز إمالة وفتح وكسر وتفخيم ومد وقصر.

الثامن والعشرون : تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها في  شئ واحد .

التاسع والعشرون : كلمة واحدة تعرب بسبعة أوجه حتى يكون المعنى واحدا وإن اختلف اللفظ فيها .

الثلاثون : أمهات الهجاء الألف والباء والجيم والدال والراء والسين والعين لأن عليها تدور جوامع كلام العرب .

الحادي والثلاثون : أنها في أسماء الرب مثل الغفور الرحيم السميع البصير العليم الحكيم .

الثاني والثلاثون : هي آية في صفات الذات ،  وآية تفسيرها في آية أخرى ، وآية بيانها في السنة الصحيحة ، وآية في قصة الأنبياء والرسل ، وآية في خلق الأشياء ، وآية في وصف الجنة ، وآية في وصف النار .

الثالث والثلاثون : في وصف الصانع ، وآية في إثبات الوحدانية له وآية في إثبات  صفاته  وآية في إثبات رسله ، وآية في إثبات كتبه ، وآية في إثبات الإسلام ، وآية في نفي الكفر .

الرابع والثلاثون : سبع جهات من صفات الذات لله التي لا يقع عليها التكييف .

الخامس والثلاثون : الإيمان بالله ومجانبة الشرك وإثبات الأوامر ومجانية الزواجر  والثبات على الإيمان ، وتحريم ما حرم الله وطاعة رسوله .

قال ابن حبان : فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضا ، وكلها محتملة ويحتمل غيرها .

 

أخيرا هل تتماشى آية سورة النساء 82 : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) . مع الأحرف السبع الذي انزل القران بها ؟.

 

 

 

 

هل نسخ القران التوراة الإنجيل

 

النسخ ميزة القران وحده في الناسخ والمنسوخ منه .

قال السيوطي في إتقانه 2: 22: (النسخ مما خص الله به هذه الأمة)!.

فالنسخ في القران من خصائص القران في أحكامه من الناسخ والمنسوخ.

اما فكرة نسخ القران للتوراة والإنجيل فهي غريبة عن القران ولا يقول بها على الإطلاق .

والنسخ يقع في العقيدة او الشريعة ؛ والعقيدة تسمى في القران الهدى ؛ والشريعة تسمى الدين.

والمبدأ العام في القران ان الهدى في التوراة والإنجيل والقران واحد ، لذلك يأمر القران نبيه ؛ ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة أولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتده) الأنعام 91.  فلا نسخ في العقيدة ما بين القران والكتاب كله .

والمبدأ العام في القران أيضا ان الدين في التوراة والإنجيل والقران واحد، ولذلك يقول: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ….  والذي أوحينا إليك_ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى : ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الشورى 13: فلا نسخ في الشريعة والدين ما بين توراة موسى وإنجيل عيسى وقران محمدفمن أين جاءوا القوم ببدعة نسخ القران  للتوراة والإنجيل ؟.

 

 

 

 

النسخ في لغة القران

 

ترد لفظة نسخ في أربع آيات قرآنية لا غير :     

1 ) {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمونالجاثية 29 .

الأمر هنا في هذه الآية يتعلق بملائكة الله الذين ينسخون أفعال البشر ليوم الدين .

2 ) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ . الأعراف 154 . الص صريح لا يحتاج الى تعليق .

3 ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ والله عليم حكيم . الحج 52.

عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله  بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى " قال فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية " وما أرسلنا من قبلك رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم " .

كان رسول الله قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبه وأحزنه ضلالهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله سورة النجم قال " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى " ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله آخر النجم سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع ملء كفه تراب فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله وحدثهم به الشيطان أن رسول الله قد قرأها في السورة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظه من القرية وقال الله " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم  الله آياته والله عليم حكيم .

فالنسخ المذكور هنا هو اذن من خصائص القران في تنزيله ، ولا يعني نسخ كتاب بكتاب ، او شرع بشرع. والنسخ عند كل رسول ( او نبي) من قبل محمد يتعلق بنسخ ما يلقيه الشيطان في الوحي ، لا بأحكام الكتاب.

 

4 ) مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  .البقرة 106 .

تلك هي آية النسخ الشهيرة . وهي صريحة وواضحة انها تحصر نسخ آية بآية في القران نفسه .

?عن ابن عباس "ما ننسخ من آية" ما نبدل من آية وقال ابن جريج عن مجاهد "ما ننسخ من آية" أي ما نمحو من آية وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "ما ننسخ من آية" قال نثبت خطها ونبدل حكمها .

عن الضحاك في قوله : "ما ننسخ من آية" ما ننسك وقال عطاء أما "ما ننسخ" فما نترك من القرآن . وقال السدى "ما ننسخ من آية" نسخها قبضها وقال ابن أبي حاتم: يعني قبضها رفعها مثل قوله "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وقوله "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا" وقال ابن جرير "ما ننسخ من آية" ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.

وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة .

 

فالنسخ اذن من خصائص القران في تنزيله ، ولا علاقة له على الإطلاق بنسخ كتاب منزل بكتاب آخر ، أو بنسخ شرع منزل بشرع آخر!.

هذا هو الواقع القرآني في لغة النسخ . ان القران يحصر آية النسخ في آياته وأحكامه .

فالاستناد إلى آية النسخ للقول بنسخ كتاب بكتاب  او شرع بشرع هو فرية على القران، والقران منها براء .

 

 

 

 

النسخ في علوم القران

 

يذكر السيوطي في ( الإتقان 2: 20-21) معاني النسخ،  فيقول

1) يرد النسخ )بمعنى الإزالة ، ومنه قوله : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ) الحج52.

 

2) وبمعنى التبديل ، ومنه : وإذا بدلنا آية مكان آية ، …. الآية نحل 101 .

3 ) وبمعنى التحويل ، كتناسخ المواريث من واحد إلى واحد.

4 ) وبمعنى النقل ، من موضع إلى موضع ومنه ( نسخت الكتاب) إذ نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه يشهد قوله تعالى: ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) … النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير . وقد اجمع المسلمون على جوازه . وأنكره اليهود ظنا منهم انه بداءٍ .

في هذه المعاني كلها يحصر القران أنواع النسخ وأسماءه وأشكاله بنفسه، ولا تطال سواه .

القول بنسخ القران للتوراة والإنجيل ينقض القران نفسه

الكتاب في الثلاثة واحد

1) القران يعلن وحدة الكتاب في التوراة والإنجيل والقران : (كان الناس أمة واحدة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة 212. فالكتاب واحد في التوراة والإنجيل والقران، فلا نسخ بينها.

والقران ينذر بعذاب النار من يكفر بأحد الكتب  الثلاثة لأنها كلها الكتاب: ( الذين كذبوا بالكتاب ، وما أرسلنا به رسلنا ، فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ، يسبحون في الحميم ، ثم في النار يسجرونغافر .

 

2) التنزيل في الثلاثة واحد

( الله انزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يده، وانزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ؛ وانزل الفرقان ) ال عمران.

فالكتب الثلاثة تنزيل الله ، فلا ينسخ بعضها بعضا ، بل ، في نظر القران ، يصدف بعضها بعضا وقفينا على آثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة . وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين   وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ( أي شاهدا له) المائدة 46 -51.  فلكتاب الذي يصدق كتابا لا ينسخه!.

 

3) الإسلام في الثلاثة واحد

قل آمنا بالله وما انزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم : لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون : ومن اتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ال عمران .

فالإسلام في نظر القران ، واحد من إبراهيم إلى موسى إلى عيسى إلى محمد ؛ ولا دين عند الله غير هذا الإسلام التوراتي الإنجيلي القرآني . فهل يعقل بان ينسخ الإسلام نفسه بنفسه ؟.

 

4) ومن الإسلام الايمان بكتبه تعالى ورسله بلا تفريق   

( يا ايها الذين آمنوا، آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي انزل على رسوله ، والكتاب الذي انزل من قبل : ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد ضل ضلالا بعيدا ) النساء . والمسلمون مأمورون بالايمان بالكتاب كله . آل عمران وهذا الايمان لا يضره اختلاف طرق العبادة : ( ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ! ولكن البر من امن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين ) البقرة .

فالكتاب واحد ، والنبوة واحدة ،  والإسلام واحد، والايمان واحد: فهل من نسخ مقبول معقول ، بعد هذا كله ، في نظر القران .

 

5) إعلان القران المتواتر انه تصديق الكتاب برهان ينفي النسخ .

وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي .

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  . البقرة 89.

لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ . البقرة 101.

َإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ .ال عمران 81 .

وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا .الانعام 92 .

وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ .الاحقاف 12 .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْالبقرة 91.

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . البقرة 97 .

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَ لْإِنْجِيلَ .ال عمران 3 .

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ .ال عمران 50 .

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ  

النساء 47 .

 

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ  لْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وهدى وموعظة للمتقين . المائدة 46.

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ . المائدة 48 . مهيمنا عليه - أي شاهد عليه .

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. فاطر 31 .

قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ .الأحقاف 30 .

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.الصف 6.

وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ .يونس 37 .

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . يوسف 111.

 

فالقران تصديق الكتاب أي مطابق له : فكيف يتجاسر أحدهم ويزعم انه نسخه ؟!.

فالقول بان القران نسخ التوراة والإنجيل هو نقض لتعاليم القران كله .

وما يقول بذلك إلا جاهل بالقران او متجاهل لتعليمه .

صفة القران انه ( تصديق التوراة والإنجيل : والقول بالتصديق والنسخ نقيضان لا يتفقان .

فليس في القران تعليم لنسخ التوراة والإنجيل ؛ بل (تصديق الذي بين يديه) أي قبله . يونس 37 .

 

رابعا

القول بنسخ شرع القران لشرع التوراة والإنجيل ينقض القران

في هذا الباب للقران ثلاثة مواقف . وفيها جميعا لا ذكر لنسخ شرع بشرع .

1) في الموقف الأول يعلن انه ينقل للعرب شرع الكتاب وسننه : شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .42 الشورى 13 .

في هذه الآية ثلاثة تصاريح : الأول ان الشرع من نوح آلي إبراهيم إلى موسى الى عيسى  إلى محمد هو واحد ؛ الثاني ان القران يشرع للعرب شرع الكتاب ؛ الثالث انه لا يصح تفريق في الشرع بين شرع إبراهيم وشرع موسى وشرع عيسى وشرع محمدفالقران الذي يشرع للعرب شرع الكتاب لا ينسخ شرعه شرع الكتاب .

 

2) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . النساء 26 .

فسره الجلالين : " يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ سُنَنَ  الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ : أي طرائق الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم  وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  .

فالقران الذي يهدي العرب ويبين لهم سنن (طرائق) الأنبياء الذين قبلهم في التحريم والتحليل ، كيف ندعي انه ينسخ شرائع الأنبياء في التحليل والتحريم ؟.

 

في الموقف الثاني يعلن القران استقلال كل أمة في شرعها .

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ  وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ. ال عمران 46.

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ال عمران 46-49.

ولما فارق محمد قبلة اهل الكتاب جاء : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قدير .

قال العوفي عن ابن عباس "ولكل وجهة هو موليها" يعني بذلك أهل الأديان يقول لكل قبيلة قبلة يرضونها ووجهة الله حيث توجه المؤمنون وقال أبو العالبة: لليهودي وجهة هو موليها وللنصراني وجهة هو موليها وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة.

لكل أمة إذن قبلة مستقلة : فلا تنسخ قبلة قبلة . والقبلة عنوان الدين .

 ولما شرع الحج الى مكة ،  بدل بيت المقدس ، جاء :

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحد فله اسلموا . الحج 34.

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ) الحج 67.

تحويل الحج من بيت المقدس إلى مكة ليس تحويلا في الإسلام : فلا داعي للنزاع في الأمر . والمبدأ العام : لكل أمة مناسك وحج ، كما لكل أمة شرع مستقل .

فسره الجلالين : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا  شريعة هُمْ عاملون بها .

وهكذا يشرع القران جملة وتفصيلا استقلال الأمم الثلاثة في شرعها .وفي هذا الموقف  أيضا لا ينسخ القران شرعا بشرع!.

وهكذا كيفما تأملنا القران في موقفه كلها لا نجد أساسا لشبهة النسخ لشرع بشرع آخر . والمقالة بذلك بدعة في الإسلام ، وفرية على القران .

 

القران في عرف القران

نطلب من القارئ الكريم قراءة  هذا البحث بنزاهة واهتمام ، قبل الإسراع بالاتهام.

فما هو سر قوله ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) ؟ الأحقاف 10 .

أولا : الوحي والتنزيل تعبيران متشابهان في القران

يعلن القران العربي عن نفسه بأنه وحي من الله ، وتنزيل من رب العالمين .

ولكن الوحي والتنزيل من المتشابهات في القران ، فلا يقطع لفظهما بمعنى محدد فيهما.

 

1) الوحي في لغة القران

 الوحي تعبير يطلقه القران على أشياء متفاوتة ، من الجماد ، إلى الحيوان إلى الإنسان، إلى الشيطان ، إلى الملاك ، إلى الله.

فقد أوحى الله إلى الأرض : (إذ زلزلت الأرض زلزالها ، وخرجت الأرض أثقالها ، وقال الإنسان : ما لها ؟ يومئذ تحدث أخبارها ، بان ربك أوحى لها ) الزلزال 1-5 .

( وأوحى ربك إلى النمل ) النمل 68. 

( بل أوحى في كل سماء أمرها) فصلت 12 .

 وفي تصرف أم موسى بأمر ابنها : ( وأوحينا إلى أم موسى ) القصص 116 و 159 ؛ يونس 87 ؛ طه 77 ؛ الشعراء 53 و46 .  ويؤكد ( أوحينا إلى أم موسى ما يوحى) طه 38 - وهو مثل قوله لفظا : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) النجم 10 .

وزكريا : (خرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم بان سبحوا بكرة وعشيا) مريم 11 .

(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا : شياطين الأنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ) الأنعام 112 .

( وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) الأنعام 121.

لذلك ، بسبب تلك المتشابهات في تعبير (الوحي) ، عندما يذكر القران العربي مرارا وتكرارا وحيه الى محمد ، لا نستبين طريقة الوحي إليه يقينا ،والتعبير لا يقطع بمعنى محدود .

 

2) التنزيل في لغة القران

ان تعبير (التنزيل ) أيضا متشابه في لغة القران .

  ( انزل من الماء ماء ) البقرة 22 ؛ قابل الرعد 19؛ ايراهيم 32 ؛ النحل 65 ؛ طه 53 ؛ السجدة 63 ؛ فاطر 27 ؛ الزمر 21 ) .

والتنزيل أيضا على الأرض : ( فإذا أنزلناعليها الماء) الحج 5.

( وأنزلنا عليكم المن ) البقرة 57 ؛ قابل الأعراف 159 .

( وأنزل لكم من الأنعام ) الزمر 6  : فالأنعام على أنواعها منزلة من الله.

( وأنزلنا الحديد ، فيه بأس شديد) الحديد 25 . كذلك الحديد منزل من الله.

( أنزل الله سكينته ) التوبة 9 و 41 ؛ الفتح 4 و 18 و26 .

( وانزل جنودا لم تروها ) التوبة 9 .

( وانزل الذين ظاهروهم من صياصيهم  ) الأحزاب 26 .

وقد يكون للشياطين تنزيل : ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ؟ تنزل على كل أفاك أثيم) الشعراء 220 -222 .

اما القران : ( ما تنزلت به الشياطين ) الشعراء 210 .

وقد يدس الشيطان تنزيله في تنزيل الله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ، ولا نبي ، إلا إذا تمنى (قرأ) ألقى الشيطان في أمنيته ؛ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) الحج 56 .

 

لتلك الاعتبارات كلها ، والمتشابهات جميعها ، في تعبير (التنزيل) فعندما يذكر القران العربي تنزيله من الله ، لا نستبين طريقة تنزيل يقينا كقوله : ( الله الذي انزل الكتاب بالحق ، والميزان ) الشورى 17 . فالكتاب والميزان كلاهما تنزيل الله .

والقران نفسه ، الذي يؤكد مرارا وتكرارا تنزيله ، يجهل هو نفسه الطريقة : ( إنما انزل بعلم الله هود 14 ؛ فقد ( أنزله بعلمه ) النساء 156 .

اجل ان القران : ( تنزيل العزيز الرحيم ) يس 5 ، ( تنزيل من الرحمن الرحيم ) فصلت 2 ؛

( تنزيل من حكيم حميد ) فصلت 42 ؛ ( تنزيل من رب العالمين ) الواقعة 80 ؛ الحاقة 43 .

لكن طريقة التنزيل مجهولة او مطوية : ( إنما انزل بعلم الله ) الشعراء 192 ؛ النساء 156.

فالتشابه قائم في معنى التنزيل ، وفي طريقته : تلك هي النتيجة المحتومة الحاسمة لتلك القرائن القرآنية .

لذلك عندما يصرح : وانه لتنزيل رب العالمين …. وانه لفي زبر الأولين ) الشعراء 193-197

يصح ان نستنتج انه ان القران تنزيل من (زبر الأولين ) ، أي تفصيل الكتاب الذي قبله (يونس 37).

وعندما يؤكد : ( قل : نزله روح القدس من ربك بالحق ) النحل 102 لا يزل الإبهام في طريقة التنزيل ؛ ونتساءل ما سر قوله: (وانك لتلقي القران من لدن حكيم عليم) النمل 2 ؟ هل من جواب في تصريحه : ( فلا تكن في مرية من لقائه ، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) السجدة 23-24 ؟ - وبنو إسرائيل الذين يقتدى بهداهم ويستشهد بهم هم ( النصارى) ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الأعراف 158.

فهل ( الحكيم العليم) الذي يلقي القران على محمد هو الذي ينوه به في تصريحه: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) الأحقاف 10 ؟.

ذاك التساؤل ، وذاك الاستنتاج ، هما حق ؛ لان معنى التنزيل وطريقة التنزيل في القران هما من المتشابه فيه .

 

 

ثانيا

تعابير متشابهة عن مصدر القران العربي

 

هناك أربعة تعابير متشابهة عن مصدر القران العربي ، لا ترفع الابهام والغموض في معنى تنزيله .

تعبير أول : ( فلا ! اقسم بمواقع النجوم - وانه لقسم لو تعلمون عظيم - انه لقران كريم، في كتاب مكنون ، لا يمسه الا المطهرون ، تنزيل من رب العالمين ) الواقعة 75-80 .

ان القران الكريم هو ( في كتاب مكنون) . ولكن أين هو هذا (الكتاب المكنون) ؟  يقول: ( لا يمسه الا المطهرون) ؛ والطهارة في لغة القران تتعلق بجسد الإنسان اكثر من قلبه؛ (والله يحب المطهرين) التوبة 109 ، ( ويحب المتطهرين ) البقرة 222 ؛ فالتعبير ليس كناية عن الملائكة ، بل عن البشر المتطهرين ، المطهرين . وقوله : ( تنزيل من رب العالمين ) يدل على ان ( الكتاب المكنون) قد نزل ، وليس بعد في السماء ؛ إنما هو على الأرض ، لكن لا يمسه إلا المطهرون .

 

تعبير ثان

( بل هو قران مجيد، في لوح محفوظ) البروج 21-22.

 هاتان الآيتان هما ختام حديث طويل عن أهل الأخدود ، شهداء نجران النصارى ؛ وختام حديث مقتضب يقتصر على الإشارة: (هل أتاك حديث الجنود ، فرعون وثمود). فكفر أهل مكة بالحديثين : (  بل الذين كفروا في تكذيب) حينئذ يرد عليهم بقوله: ( والله من ورائهم محيط ) ؛ ثم بقوله : ( بل هو قران مجيد في لوح محفوظ) . فسياق الحديث كله انه لا يصح لأهل مكة التكذيب به لانه ( في لوح محفوظ) ؛ هذا الاستشهاد بمصدر الحديث برهان على ان اللوح المحفوظ الذي يحويه هو على الأرض ، لانه لا يعقل أن يحيلهم إلى لوح محفوظ في السماء ، لا سبيل لهم اليه.       

وليس من قرينة في الآية ، ولا في السورة كلها ، تدل على ان هذا اللوح محفوظ في السماء .

 

تعبير ثالث

( لكل اجل كتاب ، يمحو الله ما يشاء ويثبت ؛ وعنده ام الكتاب) الرعد 40-41 .

قالوا : ( أم الكتاب : اصله الذي لا يتغير منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل ( الجلالان) .

هذا تعريف متناقض : ففي الأزل ، قبل الخلق ، ليس الله بحاجة ان يكتب لذاته، وليس من خلق ليكتب لهم . وهب ان الله عنده (لوح محفوظ) هو (ام الكتاب) الذي ينزل منه على خلقه: فكيف يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ، في كل اجل ، عند تنزيل الكتاب؟ هل يبدأ الله ويعيد؟ فليس ( عنده ام الكتاب) في السماء منذ الأزل ، لان قوله : (يمحو الله ما يشاء ويثبت) من الكتاب بحسب كل اجل ، دليل على كتاب على الأرض ، لا على كتاب في السماء منذ الأزل، لان ما كتبه الله في الأزل لا يتغير منه شيء  : لذلك فان ( ام الكتاب ) أي اصله الذي بموجبه ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) هو قابل للتبديل والنسخ ، والمحو الإثبات ؛ وهذا لا يصح الا في كتاب الله الذي على الأرض . فلا صلة (لام الكتاب ) بالسماء ولا بالأزل ؛  لان هذا يقول بقديمين : الله وكتابه الأزلي.

هذا ما يتضح من قوله أيضا : ( حم والكتاب المبين : إنا جعلناه قرانا عربيا لعلكم تعقلون! وانه في أم الكتاب لدينا ، لعلي حكيم) الزخرف 1-4 .يقسم على طريقة أهل الكتاب ( بالكتاب المبين) انه (جعله قرانا عربيا) . فالقران العربي ( مجعول ) ؛ والكتاب المبين قد جعل قرانا عربيا .

وبما ان القران العربي (تصديق الذي بين يديه) (قبله) وتفصيل الكتاب ، يونس 37 ؛ فالكتاب المبين الذي جعل قرانا عربيا هو (الذي بين يديه) أي قبله وفي قوله : ( وانه في ام الكتاب لدينا، لعلي حكيم) ، إن لفظ (لدينا) قد يكون في السماء ، او على الأرض، فلا يقطع بمعنى كان وجوده

فالتصريح لا يعني الا انه جعل الكتاب المبين الذي عند أهل الكتاب قرانا عربيا .ولئلا يطالب بإبراز ( ام الكتاب ) استدرك فقال : ( انه لدينا، لعلي حكيم) ، مثل قوله : ( في لوح محفوظ) ، ومثل قوله : (لا يمسه إلا المطهرونأي انه لا يحل للمشركين ان يلمسوه .

ولما أحرجوه قال ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) ان (مثل) القران عند اهل الكتاب ، لا في السماء .

 

تعبير رابع

كلا ! انها تذكرة ، فمن شاء ذكره ، في صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة ،بأيدي سفرة، كرام بررة) عبس 11-16.

في هذا الوصف ، التصريح بالقران واصله : انه ذكر من

(الصحف المكرمة) . يقابله قوله : ( وان هذا لفي الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى) الأعلى 18-19؛  ويؤكده قوله : ( او لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) ص 133  : فان (الصحف المكرمة) هي التي بين أيدي أهل الكتاب ، (مرفوعة ) عن الناس ، (مطهرة) من المشركين ، او من غير المتطهرين من الكتابيين .

وهو جواب لهم : ( بل يريد كل امرئ ان يؤتى صحفا منشرة ! - كلا ، بل لا يخافون الآخرة ! كلا ، انه تذكرة ، فمن شاء ذكره ) المدثر 53-55 ؛ فهو يجيب بأن (الصحف ) المذكورة التي ينقل عنها الذكر هي ( مرفوعة مطهرة) .  هذا جواب للمشركين . وجوابه لليهود الكتابيين ، المطالبين (بالبينة : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة ) ؛ فيجيب : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب (اليهود) إلا من بعد ما جاءتهم  البينة) البينة 1-4 .

فمحمد (يتلو صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة) ، والقران العربي (تذكرة) منها. ودليل ثالث من اسم (السفرة)  : فهو نقل حرفي للكلمة العبرية (سوفريم) أي كتبة الكتاب؛ ومهنتهم المقدسة تجعلهم (كراما بررة) .

فالقران العربي تذكرة من الصحف المكرمة ، المرفوعة عن تداول العامة ، المطهرة من مس غير المطهرين ؛ وهي موجودة بأيدي (سفرة بررة) . فلا شيء من تلك الأوصاف كلها يوحي بأنها في السماء ن منذ الأزل .

ان القران العربي (تذكرة) من الكتاب الموجود عند أهل الكتاب.

ويقطع غموض تلك التعابير الأربعة تصريحه : ( وشهد شاهدا من بني إسرائيل على مثله ) أحقاف 10: فمثل القران هو عند بني إسرائيل النصارى ، لان اليهود من بني إسرائيل هم مع المشركين (شر البرية) البينة فلا يستشهد بهم .

 

 

ثالثا

التصاريح القرآنية

عن مصدر القران العربي

التصريح الأول :

ان القران من ( الصحف الأولى ) .

انه تصريح ثلاثي ، لا يدع مجالا للشك في مصدره: ( ان هذا (القران) لفي الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى الأعلى 18-19 : ( او لم يتنبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفيّ ) النجم 37-38 ؛ ( او لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) طه133. ان واقع نسبة القران العربي للصحف الأولى ،هو نبأ عن ذلك ، وهو بينة عليه .

وهذا التصريح الثلاثي يأتي في سورة (النجم 37-38) بعد وصف رؤيا ملاك الوحي في نزلتين ، مما يدل على ان القران العربي وحي من الصحف الأولى .      

يؤيده قوله : ( هذا نذير من النذر الأولى) النجم 56.

فالقران العربي هو ( من الصحف الأولى ) ، ( من النذر الأولى).

 

التصريح الثاني :

تنزيل رب العالمين هو في زبر الأولين .

التصريح الضخم الذي يعلن ان تنزيل رب العالمين في القران هو من زبر الأولين : ( وانه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، بلسان عربي مبين ، على قلبك لتكون من المنذرين ن وانه لفي زبر الأولين : او لم يكن لهم آية ان يعلمه علماء بني إسرائيل) ؟ الشعراء 193-197.

بمقارنة هذا النص بتصريح (الشورى 52) يتضح ان الله أرسل إلى محمد (روحا من أمره) يصفه (بالروح الامين ) تمييزا عن غيره ، فخاطبه بلسان عربيا مبين ، وأمره بالايمان بالكتاب الذي جعله نورا يهدي به من يشاء من عباده .

وهذا الأمر بالايمان بالكتاب هو (تنزيل رب العالمين ، على قلبك لتكون من المنذرين).

والتنزيل الذي ينذر به ( هو في زبر الأولين) .

ويستشهد على ان القران العربي ( في زبر الأولين ) بشهادة (علماء بني إسرائيل ) أي (أولى العلم قائما بالقسط ) ، وهم النصارى من بني إسرائيل ،  ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الأعراف 158 قابل الصف 14 . فشهادة هؤلاء النصارى بان تنزيل رب العالمين في القران العربي ، هو من ( زبر الأولين) أي ( كتبهم كالتوراة والإنجيل) هي (آيه لهم) على صحة دعوة محمد بالقران العربي.

وهم يستطيعون ان يشهدوا على مطابقة القران العربي (للمثل ) الذي عندهم ، بين أيديهم ؛ لا لكتاب في السماء ، ما من سبيل لهم للوصول اليه .

فالقران العربي ينقل للعرب تنزيل رب العالمين من (زبر الأولين)، كما أمره الروح الأمين ، بلسان عربي مبين . هذا مصدره ، ومصدر تنزيله.

 

التصريح الثالث :

إمامة الكتاب للقران العربي

التصريح مزدوج في إمامة الكتاب للقران العربي : ( ومن قبله كتاب موسى إمام ورحمة : وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا) الأحقاف 12 . ومن قبله أيضا (الكتاب المنير) الذي يجادل المشركين بعلمه وهداه (لقمان 20 ؛ فاطر 25 ؛ الحج 8 ).

إن إمامة الكتاب، التوراة والإنجيل ، للقران العربي ، كاملة فلا يختلف عنه إلا (باللسان العربي) . 

ويقتصر دور القران العربي على التصديق ( لسانا عربيا ) : هذه هي حالهفالكتاب الذي عند أهل الكتاب هو مصدر القران: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) الأحقاف 10.

 

 التصريح الرابع:

أشراف أئمة الكتاب على تعريبه بالقران . يقول : ( ولقد آتينا موسى الكتاب : فلا تكن في مرية من لقائه ؛ وجعلناه هدى لنبي إسرائيل ؛ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) السجدة 23-24.

ان الله جعل الكتاب هدى لبني إسرائيل ؛ وجعل منهم أئمة يهدون بأمره تعالى الى هدى الكتاب ؛ فما على محمد ان يشك في لقائه الكتاب ، بواسطتهم .

وهؤلاء الأئمة هم ( الراسخون في العلم ) ، من ( اولي العلم قائما بالقسط) أي النصارى من بني إسرائيل) الأعراف 158 والصف 14.

فهؤلاء الأئمة النصارى هم الذين يشرفون على لقاء محمد بالكتاب ، وعلى نقل الكتاب الى القران العربي : ( وانه لتنزيل رب العالمين  …. وانه لفي زبر الأولين: او لم تن لهم آية ان يعلمه علماء بني إسرائيل ) الشعراء 193 -197 . فالشهادات متواترة مؤتلفة   ويدل على أشراف أئمة النصارى على نقل الكتاب إلى القران العربي تصريحه بأن القران نفسه  (هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت 47 ؛ وتصريحه بأن (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الأنعام 20 ؛ البقرة 146 أي معرفة أبوية مصدرية .

 

تصريح خامس :

 مرادفات (التنزيل) في لغة القران من متشابهاته  ، فلا يقطع بمعنى محدود

والان نرى ان مرادفاته لا تساعد على تحديد معناه .

 

1) التنزيل هو تيسير القران للعرب :

( ولقد يسرنا القران للذكر ، فهل من مذكر) القمر 17 و23 و32 و40) . فهو تيسير عربي لذلك الكتاب : ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين، وتنذر قوما لدا) مريم 97 ؛ (فإنما يسرناه بلسانك ، لعلهم يتذكرون) الدخان 58. لاحظ دقة التعبير (يسرناه بلسانك) .

 

2) التنزيل هو تصريف الآيات في القران للعرب :

( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) الفرقان 50.

لقد صرفه ، وصرف فيه : ( ولقد صرفنا في هذا القران ليذكروا) الإسراء 41 .

وصرف فيه من كل مثل : (ولقد صرفنا في هذا القران للناس من كل مثل) الكهف 55.

وبيانه بالأمثال لم يحملهم على الهداية : (ولقد صرفنا في هذا القران للناس من كل مثل ، فأبى اكثر الناس الا كفورا ) الإسراء 89 ؛ كما ( صرفنا فيه من الوعيد ، لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرا) طه 113 . فالتعريف دليل المقدرة البيانية ، ولا يحمل معنى التنزيل : ( وكذلك نصرف الآيات ) الأنعام 105 ؛ الأعراف 57 .

فالتصريف في البيان والتبيين ، ولا يقطع بمعنى الوحي والتنزيل: (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ) الأنعام 46 .

 

3) التنزيل هو تبيين آيات الله للعرب :

( يبين الله لكم الآيات ) (البقرة 219 و266 ؛ النور 18 و 58 و61) ؛ ( يبين الله لكم آياته ) (البقرة 242 ؛ ال عمران 103 ؛ مائدة 92 ؛ نور 59).

 والتبيين يتعلق بلسان القوم اكثر منه بالتنزيل : ( وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم ) إبراهيم 4 .  وموضوع هذا البيان نوعان ؛ الأول : ( وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبيين لهم ما اختلفوا فيه النحل 64 ؛  والثاني : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبيين للناس ما انزل إليهم ، ولعلهم يتفكرون) النحل 44.

فالقران هو بيان الكتاب الذي انزل إليهم واختلفوا فيه إلى يهود ونصارى (النمل 76) .

وهو أيضا بيان للعرب : (  يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) النساء 25 .

فالقران هو تبيان الكتاب المنزل قبله ، بلسان محمد ، ولسان قومه .

 

4) التنزيل هو ( تفصيل الكتاب) المنزل من قبل : ( وما كان هذا القران ان يفترى من دون الله ؛ ولكن تصديق الذي بين يديه  (قبله) وتفصيل الكتاب ، لا ريب فيه ، من رب العالمين ) يونس 37.   وهو يفصل جملة وتفصيلا : ( وكذلك تفصل الآيات ) أنعام 55 ؛ أعراف 31 و 173 ؛ يونس 24 ؛ الروم 28 ) .  فالصلة القائمة بين الكتاب والقران ، هي صلة التنزيل في الكتاب بتفصيله في القران : ( تنزيل من الرحمان الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا أي عربت (فصلت 2-3) ؛ فالتنزيل (كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن خبير حكيم ) هود 1  .

فالتفصيل في لغة القران يعني التعريب : ( ولو جعلناه قرانا أعجميا لقالوا : لولا فصلت آياته ) فصلت 44 .

وهذا هو القول الفصل في معنى التنزيل في القران : انه (تفصيل الكتاب) أي تعريب الكتاب بحسب (المثل) الأحقاف10 .

فقوله : ( وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا) النحل 113 يعني : ( انا جعلناه قرآنا عربيا) الزخرف 2-3 .

فالقران العربي هو نقل الكتاب المنزل قبله الى العربية بالتيسير ، والتصريف ، والتبيين ، والتفصيل ، أي بالتعريب؛ وقوله المتواتر (أنزلناه) يعني (جعلناه) . هذا هو تنزيل القران بلغته واصطلاحه .

 

التصريح السادس:

واسطة الهداية والبعثة ، وواسطة القران.

في القران العربي ظاهرتان متقاربتان ، لكنهما تختلفان معنى ومضمونا.

الأولى يصرح فيها : ( انا أنزلناه في ليلية القدر ) القدر1 ؛ (انا أنزلناه في ليلة مباركة  ….. أمرا من عندنا، انا كنا مرسلين ) الدخان 1-5 ؛ (شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس) البقرة 185 . هنا يظهر ان القران نزل جملة واحدة .

ويصرح أيضا : ( قرانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه  تنزيلا ) الإسراء 106 أي  نزلناه مفرقا في عشرين سنه او وثلاث (لتقرأه على الناس على مكث) مهل وتؤدة ليفهموه (وانزلناه تنزيلاشيئا بعد شيء على حسب المصالح (الجلالان) . يؤيد ذلك رده على الكفار : ( وقال الذين كفروا : لولا نزل عليه القران جملة واحدة ؟ - كذلك لنثبت يه فؤادك ، ورتلناه ترتيلا) الفرقان 32 أي  نزلناه ( كذلك) مفرقا لنثبت به فؤادك (أي نقوي قلبك) ورتلناه ترتيلا ( أتينا به شيئا بعد شيء بتمهل وتؤدة لتيسير فهمه وحفظه) الجلالان.

وهنا يظهر ان القران نزل منجما ، مفرقا مدى عشرين سنة وثلاث.   

لتفسير تلك الظاهرة القرآنية الغريبة المتعارضة طلعوا بنظرية نزول القران جملة واحدة ، ليلة القدر ، من شهر رمضان ، الى بيت العزة ، في السماء الدنيا ؛ ثم نجمه جبريل على محمد مدة عشرين سنة وثلاث

انها نظرية متعارضة في ذاتها ، ولا أساس لها في القران ، وهي تكثر من الوسائط في تنزيل القران مما يعطل أعجازه في التنزيل. والجواب الصحيح هو في سورة الدخان : ( انا أنزلناه في ليلة مباركة  ….. أمرا من عندنا ) الدخان 1-5 فالذي نزل الى محمد  ليلة القدر من شهر رمضان هو الأمر بالايمان بالكتاب (الشورى 52) . وهذا ما يرح به مرارا ، كقوله : ( وأمرت ان أكون من المسلمين ، وان أتلو القران ) معهم النمل 91 .  هناك موقفان متباينان : ظهور ملاك في رؤيا غار حراء لمحمد يأمره بالايمان بالكتاب والدعوة له بين العرب ؛ ثم (تفصيل الكتاب) أي تعريبه بلسان قومه لكي يفهموه . والواسطة تختلف بين الموقفين .

وهذه هي الظاهرة الثانية . يعلن بتواتر : ( قل نزله روح القدس، من ربك ، بالحق) النحل 102 ؛ ( نزل به الروح الامين ، بلسان عربي مبين، على قلبك لتكون من المنذرين ) الشعراء 194-195 ؛ ( قول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين ، وما صاحبكم بمجنون، ( لقد رآه بالأفق المبين ، وما هو على الغيب بضنين ) التكوير 19-24 ؛ وانه لقول رسول كريم ، ما هو بشاعر ! … ولا بقول كاهن ! ) الحاقة 40-42.   

ففي هذه كلها ، الرسول الكريم ، الروح الامين ، هو الملاك الذي أتاه في رؤيا غار حراء  يأمره بالايمان بالكتاب (الشورى 52 ، والدعوة له (الشورى15) .

 وهو غير الذي يتلقى القران عنه : ( وانك لتلقي القران من لدن حكيم عليم) النمل 6 .

يتضح معناها من قوله : ( كتاب أحكمت آياته ، ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) هود1. فقد تم (تفصيل الكتاب ) أي تعريبه ، بواسطة خبير حكيم، غير الروح الامين الذي رآه في غار حراء. ويتضح السر بالتصريح التالي .

 

 

التصريح السابع :

وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله .

يتحدى لاثبات صحته وأعجازه ( بحديث مثله ) الطور 34  ؛ (لا يأتون بمثله) الإسراء 88 ؛ ( فأتوا بعشر سور مثله) هود 12 ؛ فأتوا بسورة مثله) يونس 38 ؛ بل ( بسورة من مثله) البقرة 23.

ولكن هذا التحدي (بمثله) ساقط لان (مثله) موجود قبله :( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) الأحقاف 10 .

وفي وجود هذا (المثل) قبل القران العربي سره ، كما يظهر أيضا من تصريحه : ( أفمن كان على بينه من ربه - ويتلوه شاهد منه ، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة - أولئك يؤمنون به ؛ ومن يكفر من به الأحزاب فالنار موعده : فلا تكن في مرية منه ؛ انه الحق من ربك ولكن اكثر الناس لا يؤمنون) هود 17 . 

فسر القران العربي هو في ذاك ( المثل) ، الذي هو القران .

 

 

رابعا : صفات القران الذاتية تؤيد نسبته ال (المثل)

 

الصفة الأولى :

القران العربي ذكر او تذكرة من تلك (الصحف المكرمة) .

( ان هو الا ذكر للعالمين) يوسف 104 قابل ص 87 ؛ التكوير 27) .  كذلك ( ما هو الا ذكر للعالمين ) القلم 52 . ويكرر للتوضيح والترسيخ : ( ولقد يسرنا القران للذكر، فهل من مذكر ) القمر 17 و22 و32 و40 .  فصفة القران العربي انه ذكر ، للذكر ( وانه لذكر لك ولقومك) (الزخرف 44) وهو ذكر من الذكر الذي مع (أهل الذكر) : ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) الأنبياء 24.

بذلك يشهد اهل الذكر أنفسهم : ( فأسالوا أهل الذكر ، إذا كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) النحل 43-44.

(ذلك ذكرى للذاكرين ) هود 115، ( ان هو الا ذكرى) أنعام 90 ، (ذكرى للمؤمنين ) أعراف 1 ؛ هود 120 ، ( ذكرى للعابدين ) الأنبياء 84 ، ( ذكرى لقوم يؤمنون) العنكبوت 50 ، ( ذكرى لاولي الألبابص  43 ؛ غافر 54. وهذا التعبير يجعل صفة القران العربي تذكرة للعرب بذكر ( أهل الذكر) .

( وانه لتذكرة للمتقين) من العرب ) الحاقة 48 ؛ ( كلا ! انه تذكرة ، فمن شاء ذكره) المدثر 54-55 ؛ عبس 12 .

وهذه التذكرة ( في صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة ، بأيدي سفرة كرام بررة ) عبس 11-16.

فهذه ( الصحف المكرمة) هي مصدر القران العربي ؛ لأن محمد (يتلوا صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة) البينة 2-3 ، ويستعلي عليهم بدراستها (سبأ 44 ؛ القلم 37.

 

الصفة الثانية :

القران العربي ( حديثمن كتاب الله .

 (الله نزل احسن الحديث، كتابا متشابها ) الزمر 23 يشبه (المثل) الذي ( يتلوه شاهد منه) .

لذلك ، ( ما كان حديثا يفترى ) يوسف 111 ؛ ( ومن اصدق من الله حديثا) النساء 86.

فلا يحق لأحد ان (يكذب بهذا الحديث) القلم 44 : ( أفهذا الحديث انتم مدهنون) !  الواقعة 81 .

وهو يتحداهم : ( فليأتوا بحديث مثله، ان كانوا صادقين) الطور 34 ؛ لانه هو عنده (مثل) هذا الحديث الذي ( شهد شاهد من بني إسرائيل علة مثله فآمن واستكبرتم ) الأحقاف 10 .

 فعلى محمد ان يدعهم ( حتى يخوضوا في حديث غيره ) النساء 139 ؛ الأنعام 68 .

فالقران العربي حديث من كتاب الله ، في (المثل) الذي عند أهله.

 

الصفة الثالثة :

القران العربي بينة ما في الصحف الأولى .

نوجز ما فصلناه سابقا . يعلن : ( هذا بيان للناس ) ال عمران 138.

لكنه ليس بيانا جديدا ، إنما هو (بينة ما في الصحف الأولى ) طه 133 ، ( لتبين للناس ما انزل إليهم) في الكتاب الإمام ، والكتاب المنير ( النحل44) .

وقد جاء محمد بالبينة التي طلبها اليهود والمشركون : ( رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة  . وما اختلفوا الا من بعد ما جاءتهم البينة) البينة 1-4 .  فهو يصرح بان محمدا تلا (صحفا مطهرة فيها كتب قيمة؛ وقد (درسها) الأنعام 105 و 156.

وما القران العربي سوى ( ما في الصحف الأولى ) الأعلى 18-19 .

 

عودة الى الصفحة الرئيسية