![]() |
|
الإسلام دعوة نصرانية
يسوع الناصري - ويسوع المسيح
انها لسنة شرقية مألوفة تسمية معلم أو زعيم بالنسبة إلى بلدته ، أو مسقط رأسه .
فلما ظهر يسوع يدعو بين اليهود بدعوته ، لقبه اتباعه الأولون ، فالشعب ، فالسلطات اليهودية والرومانية : ( يسوع الناصري) نسبة إلى بلدته ، الناصرة ، التي نشأ فيها .
وصحابة يسوع الناصري كانت تؤمن انه المسيح ، وترادف بين اللقبين : فتدل بالأول على قوميته ،
وبالثاني على عقيدتهم فيه .
والإنجيل بحسب حرف البشير متى ، الذي دون في البيئة الإسرائيلية ، ولها قبل غيرها ، ينقل في مطلعه اللقب الذي اشتهر به يسوع ؛ فيقول : ( جاء وسكن في بلدة تسمى الناصرة ، ليتم ما قيل : (انه يدعى الناصري) متى 2 : 23.
انقسام اتباع يسوع في الاسم إلى (نصارى) و (مسيحيين)
بعد ارتفاع يسوع حيا إلى السماء ، ونزول الروح القدس على رسله وصحابته ، اندفعوا بالدعوة للإنجيل . وطالما بقيت الدعوة محصورة في فلسطين كانوا يسمون (نصارى) ؛ فلما انتشرت الدعوة المسيحية في سوريا اخذ الناس يسمونهم (المسيحيين) .
في الدعوة ليسوع المسيح في أورشليم قال بطرس ، زعيم الرسل ، في خطابه الأول لبني إسرائيل: ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال. يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون. هذا اخذتموه مسلّما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبايدي اثمة صلبتموه وقتلتموه. الذي اقامه الله ناقضا اوجاع الموت اذ لم يكن ممكنا ان يمسك منه. لان داود يقول فيه كنت ارى الرب امامي في كل حين انه عن يميني لكي لا اتزعزع. لذلك سرّ قلبي وتهلل لساني حتى جسدي ايضا سيسكن على رجاء.
لانك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادا. عرفتني سبل الحياة وستملأني سرورا مع وجهك. ايها الرجال الاخوة يسوغ ان يقال لكم جهارا عن رئيس الآباء داود انه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم. فاذ كان نبيا وعلم ان الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح انه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا. فيسوع هذا اقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك. واذ ارتفع بيمين الله واخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذي انتم الآن تبصرونه وتسمعونه. لان داود لم يصعد الى السموات. وهو نفسه يقول قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك. فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل ان الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم ربا ومسيحا ) . اعمال 1 : 22-36.
فيسوع الناصري هو، في دعوة الرسل الأولى ، المسيح الرب .
ثم جرت معجزة فظيعة على يد بطرس ، زعيم الدعوة ، بشفاء مقعد مشهور كان يجلس عند باب الهيكل يستعطي . شفاه بطرس (باسم يسوع المسيح الناصري ) اع 3 : 6 .
فأوقفه السنهدرين ، مجلس اليهود الاعلى ، مع يوحنا الرسول رفيقه لاستجوابهما في دعوتهما وفي المعجزة التي سببت ايمان المئات من اليهود بيسوع المسيح . اع 4:4 : ( فأجاب بطرس وهو ممتلئ من الروح القدس (الفارقليط) وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ اسرائيل ان كنا نفحص اليوم عن احسان الى انسان سقيم بماذا شفي هذا فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب اسرائيل انه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه انتم الذي اقامه الله من الاموات. بذاك وقف هذا امامكم صحيحا. هذا هو الحجر الذي احتقرتموه ايها البناؤون الذي صار راس الزاوية. وليس باحد غيره الخلاص. لان ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص ) اعمال 4 : 1-12.
فصحابة المسيح ورسله ، في بيئتهم اليهودية ، يجمعون في ألقاب يسوع اللقب النبوي الذي به يؤمنون ، المسيح ؛ واللقب القومي الذي به يعرفون، الناصري.
فلا بد إذن من ان يسمي اليهود الجاحدين مسيحية يسوع اتباعه : ناصريين او نصارى ( بحسب صيغة الجمع الآرامية ) .
نرى ذلك لما قبض اليهود على بولس الرسول في أورشليم لتقديمه للمحاكمة المدنية لدى الوالي الروماني فيلكس . فرفع الدعوة عليه باسم المجلس اليهودي الاعلى المحامي ترتلس الشهير عندهم ، قال : ( اننا حاصلون بواسطتك على سلام جزيل وقد صارت لهذه الامة مصالح بتدبيرك فنقبل ذلك ايها العزيز فيلكس بكل شكر في كل زمان وكل مكان. ولكن لئلا اعوقك اكثر التمس ان تسمعنا بالاختصار بحلمك. فاننا اذ وجدنا هذا الرجل مفسدا ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين وقد شرع ان ينجس الهيكل ايضا امسكناه واردنا ان نحكم عليه حسب ناموسنا. فاقبل ليسياس الامير بعنف شديد واخذه من بين ايدينا وامر المشتكين عليه ان يأتوا اليك. ومنه يمكنك اذا فحصت ان تعلم جميع هذه الامور التي نشتكي بها عليه. ثم وافقه اليهود ايضا قائلين ان هذه الامور هكذا ) اعمال 24 : 1-10.
ففي البيئة اليهودية اسم اتباع المسيح هو : (النصارى) ؛ وهم من بني اسرائيل .
ثم انتشرت الدعوة المسيحية خارج فلسطين . وقام بها كطلائع للرسل ، صحابة المسيح ، اليهود الهلينيون الذين ولدوا في المهاجر ونشأوا على الثقافة اليونانية ، ثم آمنوا بالمسيح .
وبسبب ثقافتهم والحرية الدينية التي تعودوا عليها في مها جرهم ، كانوا أجرا الناس دعوة للمسيحية، حتى في أورشليم ، فثارت عليهم السلطات اليهودية وقتلت زعيمهم اسطفان ( اع 7 : 54-60) ، وشتتوهم خار فلسطين ، (فاجتازوا الى فينيقية وقبرس وانطاكية وهم لا يكلمون احدا بالكلمة الا اليهود فقط. ولكن كان منهم قوم وهم رجال قبرسيون وقيروانيون الذين لما دخلوا انطاكية كانوا يخاطبون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع. وكانت يد الرب معهم فآمن عدد كثير ورجعوا الى الرب) اعمال 11 : 19-21.
وهنا يذكر سفر اعمال الرسل ، وهو تاريخ تأسيس المسيحية : ( وفي انطاكية أولا دعي التلاميذ مسيحيين ) اع 11: 27.
ومنذئذ شاع هذا الاسم مع الدعوة في أقطار الدولة الرومانية ، ثم في أقطار الأرض كلها .
فالمسيحيون هم من الامميين . وهكذا صار اسم تلاميذ المسيح من بني اسرائيل : نصارى . وصار اسمهم من الامميين : (مسيحيين). وهذا الانقسام في الاسم ، بسبب البيئة ، سيجر إلى انقسام في العقيدة .
بحث ثاني
اختلاف الأمة الواحدة في البيئة والثقافة قد يجر إلى اختلاف في العقيدة .
كان اتباع المسيح في أورشليم وفلسطين كلهم من اليهود، في بدء الدعوة .
وكما كان المسيح ، مع دعوته بالإنجيل ، يمارس الشريعة الموسوية ، كان الرسل صحابته في دعوتهم للمسيحية يمارسون الشريعة الموسوية ؛ فيترددون على الهيكل ، ويحفظون الأعياد اليهودية ، ويحافظون على الختان ، والصوم وسائر أحكام التوراة ، لأنها أمست جزاءً من قوميتهم.
فكانوا كل يوم يلازمون الهيكل بنفس واحدة (اع 2:46) ؛ ويصعدون إلى الهيكل للصلاة في أوقاتها ( اع 3 : 1) ؛ وخارج أورشليم يقيمون الصلاة الإسرائيلية بأوقاتها ( اع 10 : 9) ؛ وكان المتحررون منهم مثل بولس يحافظون على عوا ئدهم كالنذر التوراتي ( اع 18: 18) .
وكانوا يعيدون مع اليهود أعياد الفصح ( اع 20 : 6 ) . وهذه صورة كاملة للحياة النصرانية اليهودية ، في حوار يعقوب ، أسقف أورشليم ، مع بولس الرسول الذي كان يدعوا إلى التحرير من الشريعة الموسوية . قال يعقوب ، زعيم النصرانية ، لبولس ، زعيم المسيحية : ( أيها الأخ أنت ترى كم ربوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعا غيورون للناموس. وقد أخبروا عنك انك تعلّم جميع اليهود الذين بين الامم الارتداد عن موسى قائلا ان لا يختنوا اولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد.
فاذا ماذا يكون. لا بد على كل حال ان يجتمع الجمهور لانهم سيسمعون انك قد جئت. فافعل هذا الذي نقول لك. عندنا اربعة رجال عليهم نذر. خذ هؤلاء وتطهر معهم وانفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم فيعلم الجميع ان ليس شيء مما أخبروا عنك بل تسلك انت ايضا حافظا للناموس. واما من جهة الذين آمنوا من الامم فارسلنا نحن اليهم وحكمنا ان لا يحفظوا شيئا مثل ذلك سوى ان يحافظوا على انفسهم مما ذبح للاصنام ومن الدم والمخنوق والزنى. حينئذ اخذ بولس الرجال في الغد وتطهر معهم ودخل ) . أعمال 21 : 17- 27.
هذه الصورة تظهر لنا ان اتباع المسيح من اليهود ، وعلى رأسهم آل البيت ، كانوا يقيمون التوراة والإنجيل معاً ؛ وينادون بالايمان بموسى وعيسى معا؛ ويرفعون شعار العماد والختان معا .
هذا محور عقيدتهم ، الذي يظهر تشيعهم (النصراني) لأهل بيت المسيح وتوراة موسى ، على حساب الرسل ، صحابة المسيح ، وعلى حساب حقيقة الإنجيل ، كما نرى في رسائل العهد الجديد إليهم .
بدأت المشاكل تظهر عندما آمن بعضهم من الأميين المشركين .
وشريعة التوراة ، قبل القران : ( إنما المشركون نجس) ! وعلامة شركهم انهم غير مختوني! فهل يصح لليهودي النصراني ان يجتمع بالمسيحي من اصل وثني ، ويدخل بيته ، ويأكل معه ؟ فاحتاج بطرس (ولما صعد بطرس إلى اورشليم خاصمه الذين من أهل الختان . قائلين انك دخلت إلى رجال ذوي غلفة واكلت معهم) . اعمال 11 : 1-3
فشرح لهم بطرس انه فعل ذلك بأمر رباني ، وثبته الله بحلول الروح القدس على المهتدين من الامميين ، كما حل على الرسل أنفسهم ! ( فلما سمعوا ذلك سكتوا وكانوا يمجدون الله قائلين إذا أعطى الله الأمم أيضا التوبة للحياة) اع 11 : 17-18.
فالمشكل الأول الذي واجه الجماعة المسيحية هو المؤالفة بين أهل الكتاب وألاميين في الايمان بالمسيح : هل المهتدي إلى المسيح من الأمم عليه ان يتهود مع ايمانه بالمسيح حتى تصح مسيحيته؟.
انتشرت الدعوة المسيحية بين الأميين ، وتكاثر عدد المسيحيين من الأمم حتى فاق عدد أهل الكتاب من اليهود المتنصرين . كانوا يهتدون دون ان يتهودوا ويخضعوا لشريعة موسى والختان . فظهر بين اتباع المسيح سلوك في الحياة المسيحية متعارض : النصارى اليهود ظلوا يقيمون شريعة موسى مع العماد والايمان بالمسيح ؛ والمسيحيون من الأمم يعتنقون المسيحية من دون اليهودية وشريعتها . وسرعان ما ذر الشقاق قرنه بين العنصرين المؤمنين ايمانا واحدا : ما هو موقف الدعوة المسيحية من الشريعة الموسوية ؟ . جاء الجواب مختلفا ، باختلاف البيئة ؛ فالنصارى اليهود يقولون بإقامة التوراة والإنجيل معا بلا تفريق ؛ والمسيحيون من الاميين يقولون بالإنجيل وحده من دون الشريعة الموسوية والختان .
وتزعم مقالة النصارى ال بيت المسيح ، وعلى رأسهم أبناء قلوبا ، عم المسيح بحسب البشرية ، الذين كانوا يسمونهم لهذه القرابة (اخوة الرب)؛ وكانت منزلتهم عندهم تضاهي منزلة الرسل ، صحابة المسيح. ولذلك أمروهم أساقفة عليهم في أورشليم من دون الرسل أنفسهم . فكان زعيمهم وزعيم ال بيت المسيح ، يعقوب (أخو الرب) اول أسقف على أورشليم ، بوجود الرسل أنفسهم .وبدأ يظهر تشيعهم للشريعة ولآل بيت المسيح ، على حساب المسيحية العامة ، عند هداية جماعة الفريسيين ( اع 15: 5) .
وتزعم مقالة المسيحيين من غير أهل الكتاب بولس ، رسول الأمم ، منذ هدايته وبعثته .
فكان في رسالاته ورسائله ، إيلافاً للدعوة المسيحية بين الأمم غير الكتابية ، يدعو إلى تحرير المسيحية من اليهودية وشريعتها وختانها .
كان لكل فريق حججه في تأييد نظريته .
محمد في القران (خاتم النبيين)
توطئة
ألقاب محمد في القران
في القران ثلاثة أنواع الألقاب لمحمد :
ان القران يخاطب محمد باسم (النبي) نحوا من ثلاثين مرة ؛ وباسم (الرسول) نحو ماية مرة .
قالوا : الرسول هو النبي الذي يأتي بشرع جديد ؛ اما النبي ، فهو الذي جاء على شرع من قبله من رسول .
لكن مرادفة القران بين اللقبين لمحمد دليل وحدة المعنى ؛ وبرهانه ان القران يشرع للعرب دين موسى وعيسى معا بلا فرق (الشورى 13) ؛ وإسلام القران هو إسلام الكتاب : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) القران ( الحج 89).
والنوع الثاني من الألقاب ، قد يفسر معنى ( النبي) و (الرسول) في اصطلاح القران . من ذلك : النذير والبشير والشاهد والداعي.
ويختم المعاني كلها لقب خاتم ( النبيين) .
تلك سبعة ألقاب توضحها أوصاف نبؤته ورسالته .
مبعث محمد
القران وحده هو الحكم الفاصل على نفسه . ولا يقبل سواه في مسألة مبعث النبوة . فماذا يقول القران عن نبيه؟
1) لا يذكر القران لمحمد اتصالا بملاك الوحي سوى مرة واحدة ، على نزلتين ، في رؤيا غار حراء ، كما يصف ذلك في هذه الرباعيات : وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى . النجم 1-18.
انها رؤيا واقعية ، لا مراء فيها . لكنها رؤيا (بالفؤاد) أي روحية ، لا رؤية حسية : في النزلة الأولى ( أوحى الى عبده ما أوحى ) ؛ وفي الثانية : (رأى من آيات ربه الكبرى) . فالنص لا يكشف عن موضوع الوحي والتنزيل .
2) لكنه في سورة ( الشورى ) يكشف لنا عن موضوع الرؤيا وهدفها : لله ثلاث طرق في وحيه ، اختار لمحمد إحداها ، بل أدناها: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) . الشورى 51 -5.
الله يكلم الناس إما بالوحي المباشر ، كما جرى لعيسى بحسب القران ، او من وراء حجاب ، وهي طريقة موسى الكليم ، او يرسل رسولا فيوحي بالواساطة .
وكان نصيب محمد في رؤيا غار حراء ان أرسل الله اليه (روحا من أمرنا) ، أي روحا من عالم الأمر فهو مخلوق ، لا (روح منه) تعالى .
فماذا أوحى إلى عبده ؟ بنص القران القاطع ، أوحى إليه الايمان بالكتاب لان الكتاب ، والايمان به ، هو النور الذي يهدي به من يشاء من عباده .
والايمان بالكتاب هو الصراط المستقيم ، صراط الله . قرأنا (لتُهدي)، وهي اصح من (لتَهدي) لانسجامها مع السياق الذي يذكر هداية محمد الى الايمان بالكتاب .
وهذا ما يصرح به في السورة عينها : ( وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ . الشورى 15.
فمبعث الوحي هو الايمان بالكتاب ، والدعوة له بين العرب .
3) هذا هو القران الذي نزل عليه في غار حراء كما يردد: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( القدر 1) ،
( فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ؛ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا ، إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ). الدخان 1-5 .
ففي تلك الليلة المباركة ، التي فيها يفرق كل أمر كيم ، جاءه الأمر من عند الله بالرسالة ، للايمان بالكتاب ، فالقران الذي آتيه هو أمر الايمان بالكتاب والدعوة به واليه بين العرب.
وليلة القدر ، تلك الليلة المباركة ، كانت في ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) . البقرة 185.
ففي ليلة من شهر رمضان ابلغه ملاك الله (الأمر) بالايمان والدعوة بالكتاب .
هذا هو القران هدى للناس ؛ فهو ( بينات من الهدى والفرقان ): وتعبير ( الهدى) في اصطلاحه كناية عن الكتاب ؛ وتعبير (الفرقان) تفصيل له . فهو يؤمر ان ينقل للعرب الكتاب وفرقانه المتواتر ، بتشريعه لهم دين موسى وعيسى دينا واحدا (الشورى 13).
4) هذا ما يسميه (القران) . وما القران العربي الا خبر متواتر لهذا (القران) .
انه خبر عنه ، لان (القران) موجود قبل محمد ، وهو قران الكتاب، في ( المثل ، الذي يشهد به النصارى من بني إسرائيل) الأحقاف 10 .
فهذا هو الأمر الذي تلقاه في غار حراء : (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وان اتلوا القران . النمل 91-92.
فالمسلمون موجودون قبل محمد ، وهو يؤمر بالانضمام إليهم ، وتلاوة القران معهم.
هذا ما يشهد به مطلع السورة الثالثة، في تاريخ النزول : (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. المزمل 1-5
لم ينزل من القران العربي سوى عشر آيات ، هن مطلع سورتي (العلق) و(القلم) ! فما هو القران الذي يؤمر بترتيله هزيعا من الليل ، كعادة رهبان النصارى؟ التعبير معرف على العلمية، فلا يصح ان يكون القران العربي الذي لم ينزل بعد. انه قران الكتاب ، الذي يتلوه مع المسلمين الذين انضم اليهم . النمل 91-92.
فدرس الكتاب معهم : ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . الأنعام 105. فهو لا يرد مقالتهم ، بل يبين الغاية من الدرس : انها بيان الكتاب للعرب . وأخذ القران العربي ( يعلمهم الكتاب والحكمة) أي التوراة والإنجيل (البقرة 129 ؛ ال عمران 164؛ الجمعة2) .
هذا هو الوحي الذي ينذرهم به : ( قل : إنما أنذركم بالوحي ) الأنبياء 45 أي الوحي المعهود في الكتاب ، بحسب تصريحه: (بلاغا من الله ورسالاته) الجن 23. فبلاغ الله هو في (رسالاته) السابقة .
6) ان القران تنزيل رب العالمين ، لانه في زبر الأولين : ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) من النصارى الذين يستشهد بهم . الشعؤاء 193-197 .
ان القران (تفصيل الكتاب) يونس 37 أي تعريبه بحسب اصطلاحه.
لذلك ان هذا ( القران ) لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى .الأعلى 18-19.
وجاءت بينته في القران العربي : ( وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) في القران . طه 133.
فالقران (تفصيل الكتاب ) ، لأنه (مثله) عند بني إسرائيل النصارى : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) الأحقاف 10. فمثله عندهم بناء على مصدره في الكتاب الإمام : (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا). الأحقاف 12 ، فليس فيه من فارق مع (مثله) سوى اللسان العربي.
7) وهكذا يتضح لنا مبعث النبوة . كان أمر من الله ، بواسطة ملاك في رؤيا غار حراء ، لأجل (تفصيل الكتاب) بلسان عربي مبين ، به (بعلمهم الكتاب والحكمة ) أي التوراة والإنجيل ( بقرة 129؛ ال عمران 164 ؛ الجمعة 2 ).
فالقران العربي تنزيل ، لأنه (تفصيل وتصديق) التنزيل الكتابي؛ على مثال (المثل) الذي عندهم .
هذا معنى قوله المتواتر : ( وأوحي ألي هذا القران لأنذركم به ) الأنعام 19.
ونبوة محمد قائمة على (تفصيل الكتاب) لكي (يعلمهم الكتاب والحكمة ) أي التوراة والإنجيل . وتلك رسالته.
صلة محمد بالغيب
النبي ، بحسب اللغة ، حامل نبأ .
وفي اصطلاح القران ليس ( النبي) من يتصل بغيب الله ؛ إنما هو من يأتي بنبإ أي خبر عنه : ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . النجم 36 . والمعنى متواتر : ( مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) طه 99؛
( مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ ) . هود 120 ؛ ( مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى ) . هود 100
لكنه يصرح ثلاث مرات بأن ما يتلوه هو (من أنباء الغيب) ( ال عمران 44 ؛ هود 49؛ يوسف 102) .
فهل كان محمد في نبؤته على صلة مباشرة بغيب الله ؟.
ان (الغيب) من علم الله المحجوب : ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) هود 123؛
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). النحل 77 ؛ ( لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الكهف 26
فلا يطلع على غيبه الا من أرسله به : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا الا من ارتضى من رسله الجن 26. وبرسوله يطلع الناس عليه : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) . ال عمران 179. فغيب الله عند رسله .
لكن الله قد يطلع رسوله على الغيب مباشرة ، أو مداورة بواسطة الغيب المنزل قبله . فكيف اطلع محمد على غيب الله ووحيه ؟ .
1) يعلن مرتين : ( وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) أنعام 50 ؛( وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) هود 31 .
فمحمد لم يتصل بغيب الله مباشرة : ( لو كنت اعلم الغيب ، لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. أعراف 188.
2) اكان اتصاله بغيب الله المنزل في الكتاب من قبله ، فهو يدعو ببلاغ من رسالاته السابقة :
( لما قام عبد الله يدعوه ، كادوا يكونون عليه لبدا ! قل : إنما أدعو ربي ، ولا آشرك به أحدا ! قل: ( قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا . الجن19-23. فنبوة محمد بلاغ من رسالات الله السابقة . والقران ( بينة ما في الصحف الأولى) طه 133، (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) . الشعراء 196.
3) لذلك يسمي ما يتلوه من بشارة ذكريا بيحيى ، وبشارة مريم بالمسيح ، المكتوبتين في الإنجيل، من أنباء الغيب : ( ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) ال عمران 44 ) أي الغيب الذي في كتاب الله.
ويختم قصة يوسف بقوله : ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ). يوسف 102؛ كما يختم قصة نوح: ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ) هود 49
وسنرى ان تعبير (الوحي) من متشابهات القران ، لا يقطع بمعنى محدود.
فتلك الايات الثلاث يجب فهمها على ضوء تصريحه في سورة (القلم) ، ثانية السور نزولا : ( أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ؟ ام عندهم الغيب فهم يكتبون . القلم 35-42 .
فهو يجعل كتابة الغيب مع دراسة الكتاب ، اللتين يصرح بهما (الأنعام 105) .
4) انه يتحدى المشركين بالغيب الذي يدرسه في الكتاب ، مع المسلمين من قبله : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ! … ام عندهم الغيب فهم يكتبون. القلم 35 -37
محمد يستعلي المشركين المجرمين بالمسلمين من قبله ، فهم عندهم الكتاب الذي فيه يدرس ، وعنه يكتب غيب الله .
وهذا التحدي بالغيب المكتوب في الكتاب من قبله ، متواتر عنده : ( ام عندهم الغيب ، فهم يكتبون) الطور41.
والنتيجة الحاسمة ان محمد يتصل بغيب الله المنزل في كتاب من قبله : فهو يدرسه ، وعنه يكتب. هذا نص القران القاطع .
فنبوءته تبليغ غيب الكتاب ؛ ورسالته( تعليمهم الكتاب والحكمة.
ثالثا
صلة محمد بالكتاب المنزل
يتضح من ( الانعام105 و156) ان محمدا ( درس) الكتاب ، على طائفتين من قبله لان بني قومه كانوا (عن دراستهم لغافلين). هذا أمر الله له (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ). الأنعام 90 .
وهذا السر يكشفه لنا منذ سورة (القلم) ، الثانية في تاريخ النزول. فقد رأينا انه يتحدى المشركين المجرمين (بالمسلمين) من قبله ، وبدراسة الكتاب معهم ، وكتابة الغيب المنزل فيه : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ …. أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ …ام عندهم الغيب فهم يكتبون . القلم 35 -37.
ويرد على المشركين الكافرين بدعوته ، بأنها من الكتب المقدسة التي يدرسها ، وينذرهم بها :
( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ . سبإ 43-44.
فلا يحق لهم تكفير محمد ، ولا اتهامه بالأفاك المفترى ، او السحر، لان الحق الذي جاءهم به هو من( كتب يدرسها ) ويستعلي بها عليهم .
(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. لقمان 20
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. الحج 8 .
أما محمد فهو يجادل الناس بهدى الكتاب المنير وعلمه .
وقصة (درس) الكتاب المنزل قبله صريحة في قوله : ( وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ - وَلِيَقُولُوا: دَرَسْتَ ! - وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . انعام 105.
فهو لا يرد التهمة ، بل يبين الغاية من درس الكتاب : انها بيان الكتاب المنزل للناس ، كما يتضح من قوله في السرة عينها : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ). أنعام 155-156.
غفل بنو قومه عن دراسة الكتاب ، أي التوراة والإنجيل، فدرسهما محمد، ونقل تنزيلهما في القران ، بأمر ملاك الله له في رؤيا غار حراء .
فالقران العربي تنزيل لأنه ( تفصيل الكتاب) (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ). يونس 10 أي تعريب التنزيل الكتابي : ( وانه لتنزيل رب العالمين … وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) كما يشهد النصارى من علماء بني إسرائيل (الشعراء 193-197).
فمحمد (درس) الكتاب ، كما ( درسوا ما فيه ) الأعراف 168، ليبينه بتفصيله في القران العربي ( لقوم يعلمون) ، او لقوم كانوا عن دراسته غافلين .
يرد بعضهم على هذا الاستنتاج المحكم بقوله : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ، ولا تخطه بيمينك ، واذا لارتاب المبطلون) العنكبوت 48 .
لكن فاتهم ما بعدها : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت 49. وتعبير (الذين أوتوا العلم ) اصطلاح عنده ، كناية عن أهل الكتاب (المقسطين) ، (المحسنين) أي النصارى.
فإذا كان محمد لا يخط الكتاب بيده ، ولا يتلو الكتاب بنفسه ، فهذا لا يمنع انه (درسه) على أهله وأئمتهم ، (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) السجدة 23-24 ؛ لذلك فالقران (هو آيات بينا في صدورهم) ؛ لا بل (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) الأحقاف 10 : إن (مثل) القران موجود قبله، وينقله للعربية ( حكيم خبير) .
وقوله : ( ما كنت تتلو من قبله من كتاب) ، يفسره تصريحه لليهود الذين طالبوه ( بالبينة : رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً ، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ - وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ) البينة 2-5
لقد أعطاهم البينة المطلوبة : فهو يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً ، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ !.
فمن قرائن القران المتنوعة المتواترة يتضح ان صلة محمد بالكتاب الذي انزل قبله ، كانت صلة (درس) ، وتدريس لكي (يعلمهم الكتاب والحكمة) .
رابعا
بالقران يعلم محمد العرب
الكتاب والحكمة
نوجز ما فصلناه من قبل .
ان محمدا (درس) الكتاب (انعام105) لان بني قومه كانوا عن دراسته لغافلين (الأنعام 156)
وقد درسه مع (المسلمين) من قبله ، الذين أمر بان ينضم إليهم ويتلو قران الكتاب معهم (النمل 91-92) .
وعن قران الكتاب ينقل إليهم في القران العربي ما يكتب من (الغيب) القلم 37 والطور 41) .
وهكذا بالقران العربي ( تفصيل الكتاب) (يونس 36 ) ، ( يعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) (البقرة 151 ) . وهذه منة الله عليهم : ( لقد من الله على المؤمنين ، اذ يعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ( آل عمران 164) .
هذا هو واقع نبوة محمد ورسالته : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) (الجمعة 1-2).
وقد رأينا ان (الحكمة) في ذاك الاصطلاح كناية عن الإنجيل.
فبالقران العربي يعلم محمد العرب (الكتاب والحكمة) أي التوراة والإنجيل ؛ لا الكتاب الذي في السماء ، بل الكتاب الذي على الأرض : (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) (هود17) .
وليس بين الكتاب الإمام والقران الذي يفصله من الفارق سوى اللسان العربي : ( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ) (الأحقاف 12) - تلك حاله وواقعه.
ومع الكتاب الإمام ، فهو يجادلهم (بالكتاب المنير) الإنجيل الذي يجمع العلم والهدى، وليس كغيره ( من الناس ، من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) ) لقمان 20 ؛ الجد 8) .
فالكتاب الإمام والكتاب المنير يسميها ( البينات والزبر ، والكتاب المنير) ( فاطر 25) .
فهما (الكتاب والحكمة) أي التوراة والإنجيل - في اصطلاح عام- اللذين يعلمهم للعرب بالقران العربي ، (تفصيل الكتاب) على الإطلاق .
ويستشهد على صحة مقالته بأهل الكتاب والذكر والعلم : (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون البينات والزبر : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ا انزل إليهم ، ولعلهم يتفكرون ) (النحل 43-44).
هكذا يقتدي بهدى الكتاب وأهله (انهام90) .
فالذكر القرآني هو بيان الذكر الكتابي في التوراة والإنجيل ، كما يشهد أهل الذكر أنفسهم .
وفي بيانه ، لسانا عربيا ، يعلمهم بالقران العربي (الكتاب والحكمة) .
فليس من تنزيل جديد ، انما هو تعريب التنزيل ، ( تفصيل الكتاب) (يونس 37) ؛ وبما انه تعريب التنزيل ، فهو أيضا تنزيل .
خامسا
محمد خاتم النبيين
هذه هي صفة محمد الأخيرة في القران : ( ما محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين ) الأحزاب 40.
للفظ (خاتم) قراءتان : على الكسر (خاتِم) بمعنى خاتمة الأنبياء؛ وعلى الفتح (خاتَم) بمعنى آلة الختم (الجلالان) .
وليس في القران كله صفة لمحمد بمعنى خاتمة الأنبياء.
انما يرد هذا المعنى للمسيح وحده، بلفظ ( قفينا بعيسى ) البقرة 87؛ المائدة 49 ؛ الحديد 27، وليس من آية تقول بأنه ( قفي) على المسيح بأحد .
إنما الوصف المتواتر في القران لمحمد بأنه ( خاتَم) أي مصدق ، كما يصدق الختم رسالة او كتابا: فمحمد والقران هما ( مصدق لما معهم) البقرة 89 و101 ، (مصدقا لما معكم) ال عمران 81، (مصدق الذي بين يديه ) الأنعام 92 ،يونس 37 ؛ يوسف 111 ؛ فاطر 31 الأحقاف 30 . ( مصدق لما معكم ) بقرة 41 و 91 ؛ نساء 47، ( مصدقا لما معهم ) بقرة 91، (مصدق لما بين يديه )، أي قبله بقرة 97 ؛ ال عمران 3 و81 ؛ مائدة 46 و48 .
فالقران كتابا مصدقا لسانا عربيا ) الأحقاف 12 ؛ فهو ليس مفترى على الله ، ز(لكن تصديق الذي بين يديه)(أي قبله من الكتب) وتفصيل الكتاب) يونس 37.
تلك هي صفة القران المتواترة ؛ لذلك فهو (بلاغ من الله ورسالاته) السابقة (الجن 23) .
ومحمد هو (خاتم النبيين ) بصفة كونه مصدقا لهم ، وذلك بنص القران القاطع : ( بل جاء بالحق وصدق المرسلين) الصفات 37.
وهو يجعل نفسه مع المتقين في الصدق : ( والذي جاء بالصدق ، وصدق به ، أولئك هم المتقون) الزمر 33 ،
(وكل منهم قد صدق بالحسنى ) الليل 6.
فنبؤة محمد ورسالته تقتصر على ( تصديق الذي بين يديه ) وتفصيل الكتاب ) بالقران العربي الذي هو (كتاب مصدقا لسانا عربيا
الحنيفية من هم ..؟
لفظ "حنف " عرفتها اللغات التي كانت سائدة في تلك المنطقة آنذاك (وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن اللفظة من أصل عبراني هو " تحنيوث" أو من " حنف " ومعناها " التحنث " في العربية )
وكما يقول
الراغب الأصفهاني في كتابه
(المفردات
في غريب القرآن ، ص
133) :"
الحنف هو الميل
عن الضلال إلى الاستقامة ،وتحنف فلان أى تحرى طريق الاستقامة ، وسمت العرب كل من حج
أو إختتن حنيفاً.تنبيهاً
إلى أنه على دين إبراهيم
".
ويذهب
الألوسى في كتابه
(
بلوغ الإرب في
معرفة أحوال العرب
..
ج
2
، ص
225)
إلى أن الصابئة
هم قوم النبي إبراهيم وأهل دعوته ، مما دفع بعض العلماء إلى حسبان الحنفاء صنفاً من
الصابئة ، وبالتحديد
-
الصنف المؤمن أو
من بقى على الإيمان منهم
.
وكان منهم بالجزيرة العربية نفر غير قليل . إلا أننا لا نرى ذلك ، وقد سبق و بينا ذلك ، وهنا سنزيده إيضاحاً . والطريقة الغالبة على الحنفاء هي التوحيد والزهد . والحنفاء لم يكونوا مشتتين لا يجمعهم رابطة ، ولم يكونوا جماعة دينية بالمعنى الحصرى ، بل كانت تربطهم بعض العادات وتميز دعوتهم .
ومما كان يجمعهم أيضاً كفرهم بشرك قومهم ، وسخريتهم من أصنامهم وذبائحهم ، ثم دعوتهم إلى التوحيد التي تحملوا في سبيلها صنوفاً من الإهانات ، مما حمل أكثرهم وهم في الغالب من مكة وأطرافها ، على الفرار من بلدتهم إلى أطرافها المنعزلة الآمنة ليكونوا في أمان من إيذاء قومهم لهم (راجع في ذلك ، " المفصل في تاريخ العرب قبل
الإسلام ل د جواد علي- ج 5 ص 399.
كان يفصل بين الحكماء الموحدين - وهم ما سنتناولهم فيما بعد - والحنفاء ، أن الأولين كانوا عائشين مندمجين في مجتمعهم ، فيما الحنفاء المضطهدين كانوا منعزلين يميلون إلى الزهد ، والاقتداء برهبان النصارى ونساكهم .
كان الحنفاء من كل القبائل في كل أجزاء الجزيرة العربية ، ولكن إستقلوا خاصة في الحجاز ومكة.
قد عد الأخباريون في زمرة الحنفاء : قس بن ساعدة الإيادى ، وزيد بن عمرو إبن النفيل ، وأمية إبن أبى الصلت ، وأرباب بن رئاب ، وسويد بن عامر المصطلقى ، وأسعد أبو كرب الحميى ، ووكيع بن سلمة سيف بن ذى يزن اليمنى ، وورقة بن نوفل القرشى ، وعامر بن ظرب العدوانى ، وعبد الطابخة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة ، وعلاف بن شهاب التميمى ، والملتمس بن أمية الكنانى ، وزهير بن أبى سلمى ، وخالد بن سنان بن غيث العبيسى ، وعبد الله القضاعى ، وعبيد بن أبرص الأسدى ، وكعب بن لؤى بن غالب القرشى ! كان الحنفاء ، بسبب نزعتهم التوحيدية المستقلة يدخلون في النصرانية ثم من بعد في الإسلام ! وقد يعود بعضهم إلى توحيدهم المستقل الحنفى ، بدون حرج ، لوحدة التوحيد بين الحركات الثلاث ... هذا بالنسبة إلى
مفهومهم .
ومن الحنفاء من تنصر ، وبقى على نصرا نيته ، فيجب إخراجه من زمرتهم مثل : عدى بن زيد ، وأرباب بن رئاب ، والقرشيين الثلاثة الذين إحتضنوا محمداً يوم مبعثه : ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث .
ودعوة الحنفاء إلى التوحيد كانت أحياناً بالحكمة والموعظة الحسنة ، كما فعل أمية بن أبى الصلت، من ثقيف في الطائف ، الذي نافس محمداً في دعوته إبان عهدها المكي .
وأحياناً كانت بالحديد الذي فيه بأس شديد " مثل سيف بن ذي يزن ، الذي أستنصر كسرى ، والنعمان إبن صيفى الراهب الذي أستنصر قيصراً : ومما يلفت النظر أن قبيلة قريش ضمت عدداً من " الأحناف " ، و يؤكد بعض الإخباريين أن " الحنيفية " بدأت فيها مبكرة مع " قصى بن كلاب " الجد الأكبر لمحمد مؤسس دولة قريش في يثرب .
ويقول الشهرستانى عنه :" وكان قصى بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله تعالى من الأصنام وهو القائل أرباً واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير ! ويطلق عليه الدكتور سيد محمود القمنى - في كتابه " الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية " - لقب أستاذ الحنيفية وزعيمها ! وإن كان لنا تحفظ على هذا الرأي ذو النظرة السياسية للتاريخ الإسلامي ، لأنها تقر حقائق مبنية على فروض أولية ، إلا أنها غير مرفوضة على كل حال وعلى الجانب الأخر " الأستاذ يوسف الدرة حداد " ذو القراءة الدينية للتاريخ الإسلامي جاعلاً من التوراة والإنجيل أساس واعي للعرب في حياتهم ، حتى أنه في معرض
كلامه عن الحنيفية يقول : " إنها - الحنيفية - تعريب للتوحيد الكتابي (من التوراة والنبيين إلى الحكمة إلى الزبور إلى الإنجيل ) على ما كانت تقتضيه بيئة الحجاز البدائية.
ونحن في بحثنا هذا ،نرى أنه يخرج عن نطاقه الكشف عن مكان نشأتها ، ونقطة انطلاقها ، فسواء انبثقت في اليمن باعتبارها ديانة توحيدية ( ثم إمتد دين الوحدانية المجردة ، كما أمتد التوحيد المتجسد إلى قلب الجزيرة العربية لتوصيل المسيرة ، مسيرة خلق الدولة الموحدة لعموم المنطقة العربية) ويميل إلى هذا الرأي " عز الدين كشار " في كتابه "اليمن دين ودنيا " ، مستدلاً على ذلك بكثرة " الحنفاء اليمنيين " من أمثال ( قس بن ساعدة الأيادي ، وأرباب بن رئاب ، وأسعد أبو يكرب الحميرى ، ووكيع بن زهرة الأيادي .. وسيف بن زي يزن ، وخالد بن سنان بن غيث العبسى ، وعبد الله القضاعى ، وعلاف بن شهاب التميمى ... وقيس بن عاصم بن تميم ... وعفيف بن معد ى كرب من كندة ....... وغيرهم من الأسماء التي يبدو أنها يمنية الأصل ، كذلك ما هو معروف من أهل الجنوب قد عرفوا التوحيد ولو بصورة أولية قبل عرب الشمال التي تذكر في هذا الشأن ذو سموى ، والمقة التي يرجع بعض الباحثين أن أسم مكة هو تحوير لها . أو أن الحنيفية قد نشأت في اليمامة ، وهى إحدى
المناطق
المتحضرة والمتقدمة نسبياً في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وإنتشرت
في غربي الجزيرة العربية
.
نقول سواء كان
هذا أم ذلك فإن الثابت تاريخياً أنها كانت منتشرة في أنحاء عديدة من جزيرة العرب ،
ولو أننا نؤيد الباحثين اليمانيين في أن بدايتها كانت في اليمن
.
قريش من القبيلة
إلى الدولة المركزية
/
خليل عبد الكريم
.
علاقة الحنيفية بالاسلام
تعتبر الحنيفية حركة مستقلة عما عداها ، ويميل العلامة " شيخو " في كتابه (النصرانية وآدابها في عرب الجاهلية 1: 119 ) إلى اعتبار الحنيفية شيعة نصرانية . ونحن لا نؤيده في ذلك رغم إيمان الحنفاء بالمسيح وأمه ، ولكن بسبب هذا الإيمان عينه ، وبسبب استقبال الحنفاء بيت المقدس في صلاتهم ، وبسبب اعتمادهم الكتاب والنبيين أكثر من الإنجيل ، يميل في هذا الشأن إلى حشرهم في زمرة اليهود - النصارى الذين يقبلون باستقلال النصرانية عن اليهودية كما كان يدعو الرسول بولس، بل أرادوا دمج النصرانية باليهودية والموافقة بينهما . ويوم خراب أورشليم سنة سبعين وبعدها رحلوا إلى ديار العرب والحجاز، واستوطنوا هناك ونموا في دائرة ضيقة . وكانوا يعتمدون إنجيلاً منحولاً للرسول متى ، من جعل يسوع أبن يوسف ، وهذه تهمة ينور عليها القرآن وينقضها في كل مواقفه ، وبتسميته على الدوام يسوع "
بابن مريم " يتحدى اعتقادهم الفاسد : ومن يتلو القرآن يجد قرابة صميمة قوية بين الإسلام و الحنيفية . ففيما نسمع القرآن يقول { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } . [ النحل 16:123] . ونسمعه يقول في موضع آخر على لسان نبيه :{ وأُمرت أن أكون من المسلمين }[ النمل 27: 91]، بل {أول المسلمين }[ الأنعام 6: 163] ، ثم ننتقل من مكة إلى المدينة، ومن حالة التردد والحيرة إلى حالة الركون والصراحة فنسمعه يعلن الوحدة التامة بين الحنيفية والإسلام ، فكلاهما ملة واحدة قائمة بنفسها تجاه اليهود والنصارى والمشركين :{ وما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن حنيفا مسلما وما كان من المشركين . ال عمران 67.
وللأستاذ " يوسف الدرة حداد " باب قيم في هذا المجال بــكتابه ( القرآن والكتاب ) يبحث فيه علاقة محمد بالحنيفية ، ولفائدته ننقله هنا
" .. ونشاهد تطور هذه العقيدة في خمس سور مكية ، وخمس سور مدنية ، تتعاقب ما بين هجرة محمد إلى الطائف وانتصار المسلمين في معركة بدر : بدأ محمد فبل بعثته حنيفاً مستقلاً ، ويظهر في القرآن المكي حنيفاً كتابياً .. إن أول إشارة إلى الحنيفية نجدها في سورة يونس ( 1. ) ترينا الوحدة القائمة بين الدعوات الكتابية والحنيفية والقرآنية : { قل : يا أيها الناس ، إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ، لكن أعبد الله الذي يتوقاكم . وأُمرت أن أكون من المؤمنين ، وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين }[ 1.: 104- 105 ].فالدعوة إلى الله دون سواه هي الحنيفية ، والحنيفية هي إيمان المؤمنين الذين أمر أن يكون منهم
1: ومحمد لا يرى فرقاً بين الحنيفية والإسلام وتوحيد التوراة والإنجيل ، لأن الحنيف هو الذي لا
يشرك بالله :{ أنى وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أن من المشركين }[ الأنعام 6:79]. فلقد كانت اليهودية في مزاميرها خاصة تدعو إلى الصراط المستقيم أي دين الله ، والنصرانية تدعو إلى الدين القيم أي دين الله والمسيح ، والحنيفية إلى ملة إبراهيم ، أي الإسلام والتسليم لله وحده لا شريك له ، وحدها محمد في قوله:{هداني ربى إلى صراط مستقيم ، ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) الأنعام 161.
2 . وهذا النص الآخر يجعل من الثلاثة الإسلام لله رب العالمين :{ قل : إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين }[أنعام6: 162- 163]، أى من هذه الأمة ( الجلالان ) لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته ( البيضاوى) فالإسلام في هذه السورة هو توحيد الحنيفية والكتاب ن لاتمييز بينهما على الإطلاق ز وإذا قارنا الآية 161 من الأنعام بالآية 9. من السورة عينها ، رأينا أن الصراط المستقيم والدين القيم وملة إبراهيم الحنيف هي هدى الكتاب وأنبيائه :{أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة - فإن يكفر بها هؤلاء ( مشركو مكة ) فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين - أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}[ 89- 9. ] فإلى هدى أهل الكتاب أهتدي محمد ، وبه يؤمر ان يقتدى.
وفى سورة النحل ( 16 ) نجد إبراهيم أول حنيف ومحمد آخرهم :{ إن إبراهيم كان إماماً قانتاً لله، حنيفاً ولم يكن من المشركين ، شاكراً لأنعمه ، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ....ثم أوحينا إليك أنأن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } [ نحل 16: 12. - 123 ]. ولكن هذه الحنيفية هي الإيمان بالكتاب ، فإذا شك المكيين في ذلك فليسألوا أهل الكتاب :{ ... فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } [16: 43- 44 ] ، وإن إحالة السامعين على أهل الذكر ، العلماء بالتوراة والإنجيل ( الجلالان ) ، لتوحى بأن محمداً يتفق معهم بإيمان واحد في الذكر الكريم أي الكتاب ( البيضاوى ) وغاية القرآن أن يبين للعرب ما نزل للناس في الذكر الأول . ووحدة الاسم ( الذكر ) بين الكتاب والقرآن تدل أيضاً على وحدة الدعوة والإيمان بين الكتابيين ، المؤمنين الأولين والمسلمين :{قل : نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين}[ 16: 102 ]، فالقران إذن تثبيت للمؤمنين الاولين وهدى للمسلمين .
فى سورة إبراهيم ( 14 ) يصرح إبراهيم في دعائه إلى الله أن من تبعه فإنه منه ، لذك يدعو محمد أهل مكة إلى حنيفية إبراهيم الكتابية ليكونوا جديرين بجدهم خليل الله في الدين والقومية :{وإذ قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد أمناً واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [14: 35- 36 ].إنها شهادة متوترة في القرآن بأن أكثرية أهل مكة على الشرك ، ولكن هناك من لم يزل على التوحيد الإبراهيمي ، فمن كان على هذا التوحيد فإنه " من إبراهيم 4.
وفى سورة
الروم ( 3.
) يعلن
محمد أن هذا التوحيد الذى يدعو إليه مع أهل الكتاب والذكر هو الدين القيم ، وهو
الحنيفية التي فطر الناس عليها
: {
فأقم وجهك للدين
حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها
-
لا تبديل خلق
الله -
ذلك
الدين القيم لكن أكثر الناس لا يعلمون
} [ 3.: 3. ]
ففى جميع
الآيات المكية يأتي ذكر الحنيفية مقروناً بالتوحيد الكتابي كأنه لا فرق بينهما
....
ويختم محمد
كرازته في مكة بإعلان الوحدة الدينية بين أتباعه والكتابيين
:{
ولا تجادلوا أهل
الكتاب إلا بالتي هي أحسن
-
إلا الذين ظلموا
منهم -
وقولوا
:
أمنا بالذي
إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له لمسلمون
.
العنكبوت
46.
كانت الهجرة
النبوية إلى المدينة انقلابا في الداعي وفى الدعوة وطريقتها
ففي
الفترة التي سبقت الهجرة ، بعد رجوع محمد خائباً من الطائف ، أخذ يميل في توحيده
إلى الاستقلال عن أهل الكتاب ، ويظهر ذلك في السور المكية الأخيرة
(كالعنكبوت
مثلاً).وهذا
التوحيد هو الحنيفية التي أخذ محمد ، منذ سورة البقرة ، يحييها ويميزها عن اليهودية
والنصرانية:{
وفالوا
:
كونوا هوداً أو
نصارى تهتدوا
!
بل ملة إبراهيم
حنيفاً وما كان من المشركين
.
البقرة
135.
ثم جعل محمد يفكر في تأسيس الحنيفية ، ملة توحيدية كتابية عربية مستقلة كملتى الكتاب .
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } [ البقرة 2: 143] . ويريد أن يجعل هذه الأمة الجديدة الموحدة (وسطاً)بين الكتابيين والأميين أى مشركى العرب الذين لا كتاب لهم ( الجلالان ) كما ستصرح به آية [ آل عمران 3: 2. ] { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؛ فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما تولوا فإنما عليك البلاغ } . ولكن ، على ما تقوم هذه الأمة الوسط ؟ إنها تأخذ عقيدتها عن الكتابيين وتشترك مع أنبياء الكتاب في صحة التوحيد:{ قولوا : أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق والأسباط وما أوتى موسى وعيسى ، وما اوتى النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [ البقرة 2: 136 ]. وتأخذ شرائعها عن القومية العربية : ففى سورة النساء، يوضح القرآن أنه كان يهدى بسنن أهل الكتاب ثم عدل عنها إلى عادات قومه ليخفف عنهم :{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ..... يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) النساء 26-27.
هذا الاستقلال العربي في التوحيد والتشريع عن اليهود والنصارى لا ضير فيه لأن التوحيد من إبراهيم قبل الإنجيل والتوراة ، فلا سبيل إلى الحجاج :{ قل : أتحاجونا في الله ، وهو ربنا وربكم ، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ، أم تقولون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى ؟ قل : أأنتم أعلم أم الله ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ! ومالله بغافل عما تعلمون} البقرة 139.
وشعار الاستقلال في قبلة الصلاة . فقد كانت القبلة المحمدية في مكة إلى بيت المقدس مثل أهل الكتاب ، ولما إستقل عنهم في المدينة عاد إلى قبلة قومه نحو الكعبة ، ولم تطهر بعد :{ قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ؛ وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره }[ البقرة 2: 144 ]. وكانت وحدة التوحيد بين محمد وأهل الكتاب تظهر في مكة من خلال وحدة القبلة ، وإذاً الاستقلال، في المدينة ، يظهر في اختلاف القبلة ، شعار الملة . { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، لئلا يكون للناس عليكم حجة }[ 2: 15. ] . فبدت هذه الظاهرة الجديدة " كبيرة " على بعض الكتابيين :{ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ ... وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [142-143]
ويظهر لنا القرآن أن هذا التغبير والاستقلال والانقلاب كان لمصلحة محمد الشخصية:{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبه }[ 2: 143] ؛ ولمصلحة أمته :{ ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } [ 2: 15.] . لأن هذا الاستقلال في " الأمة الوسط " يعطيهم كياناً دينياً مستقلاً :{ كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ، ويعلمكم الكتاب والحكمة ، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } [ 2: 151 ] وهذا الاستقلال العربي في التوحيد لا يعنى انفصالا عن توحيد الكتاب ، فقد {آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله } [2: 185]؛ والقبلة والتشريعات الثانوية لا تضير وجه التوحيد بينهم [ 2: 177] . وفى سورة البقرة حتى واقعة بدر ، أستقل محمد بالحنيفية العربية الإبراهيمية " أمة وسطاً" ، وبعد واقعة بدر وظهور سلطان المسلمين ، بدأ محمد يدعو إلى توحيد ملل التوحيد الكتابي تحت أسم التوحيد الجديد الذي أحتكره ، أي " الإسلام " . وكان في مكة يدعو إلى توحيد الآلهة فأمسى في المدينة يدعو إلى توحيد التوحيد الكتابي :{ قل : يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله . فإن تولوا فقولوا: أشهدوا بأن مسلمون ( موحدون : الجلالان ) ال عمران 64.
فالإسلام من إبراهيم ، لا مراء في ذلك وهو الدين الحنيف :{ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ، ها أنتم حججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً ، وما كان من المشركين }[ آل عمران 3: 66 - 67] . لاحظ ، لقد كان إبراهيم في مكة من المؤمنين ، فصار في
البقرة حنيفاً ( 125 ) ، وأمسى في آل عمران مسلماً (67) كانت ملة إبراهيم في مكة إسلام التوحيد الكتابي ، فصارت في المدينة ، بعد بدر طائفة مستقلة في ذاك التوحيد المنزل ، تنسب مباشرة إلى إبراهيم من فوق الإنجيل والتوراة . وصار عيسى وموسى وإبراهيم مسلمون . لذلك فالمسلمون العرب أولى بإبراهيم من اليهود والنصارى لأن الإسلام هو الحنيفية الكتابية الإبراهيمية :{ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ( الحنفاء ) وهذا النبي ( محمد ) والذين آمنوا ( المسلمون ) والله ولى المؤمنين }[ آل عمران 3: 68 ]. وإسلام الحنيفية أفضل أمم التوحيد :{ قل: صدق الله ، فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}[ 3: 95] والأمة التي على هذه الحنيفية هي خير الأمم :{ كنتم خير أمة أخرجت للناس }[ 3: 11.] . وهذا الإسلام الحنفي الذي لا يقبل الله ديناً غيره [ 3: 85]، هو هدى الكتاب مَن به الله على العرب المسلمين :{ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آبائه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }[ 3: 164] . وفى سورة النساء (4) يصر على التوحيد الكتابي ويدعو إليه أهل الكتاب والمسلمين أنفسهم :{ يا أيها الذين أمنوا ، أمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً}[ 4:136]. لأن الأصل هو التوحيد لا الملة :{ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سؤاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ،
ومن يعمل من الصالحات ، من ذكر أو أنثى - وهو المؤمن - فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً}[ 4: 123 124 ]. ومع ذلك فأفضل ملل التوحيد ملة إبراهيم ، الحنيفية أي الإسلام :{ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وأتبع ملة إبراهيم حنيفاً ، واتخذ الله إبراهيم خليلاً} [ 4: 125] .
فطلبوا منه البينة ( 98 ) على أفضلية توحيد ه على سائر ملل التوحيد الكتابي :{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب منفكين حتى تأتيهم البينه ، رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة }[ البينة 98: 1- 3 ] ، فيجيب :لقد جاءتهم هذه البينة في القرآن فهو صحف مطهرة فيها كتب قيمة تدعو إلى الحنيفية ، دين القيمة :{ وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ، حنفاء ويقيمون الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة }[ 98: 5]؛ وإذ كان اليهود يدعون التوحيد التوراتى بالصراط المستقيم في زبورهم ، والنصارى يدعون التوحيد الإنجيلى بالدين القويم يقول القرآن بأن التوحيد الذي أمروا به في كتبهم المنزلة هو إسلام الحنيفية ، دين القيمة الذي ينشده المخلصون من اليهود والنصارى والعرب الحنفاء .
ولكنه في سورة الحج ( 22 ) وهى مبيعضة [ أي أن بعض آياتها مكي ، وبعضها مدني ] ، يميل إلى الاعتدال فيفوض أمر الملة الفضلى إلى الله:{ أن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا …. إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد {[ 22: 17] لأن الأصل الذي لا غنى عنه في الدين هو الابتعاد عن الشرك والتحنف لله :{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ، حنفاء غير مشركين به ، ومن يشرك بالله وما جعل عليكم في الدين من حرج ، ملة إبراهيم أبيكم .
وهو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول عليكم شهيداً وتكونوا شهداء على الناس }[ 22: 87] .
ويختم القرآن ، في العهد المدني على استقلال النبي في إسلام الحنيفية الكتابية ، نزل عرفة ، عام حجة الوداع ( الجلالان ) :{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}[ المائدة 5: 3] .
واستقلال
المسلمين في شريعة قرآنهم لا يمس استقلال اليهود في شريعة توراتهم
[ 5: 47]
ولا استقلال
النصارى في شريعة إنجيلهم
( 5: 5. )
لأنه
{
أنزلنا إليك
الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه
...
لكل جعلنا منكم
شرعة ومنهاجاً لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ؛ ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا
الخيرات }
5: 48.
فقد كرس القرآن نهائياً استقلال الشرائع الثلاث التوحيدية ، ومساواتها في التوحيد
مع أفضلية الحنيفية وهيمنة القرآن
.
وختم القرآن كما
أفتتح في سورة البقرة
2: 62
بإعلان المساواة
في عقيدة التوحيد بين أمم التوحيد المنزل كلها
: {
إن الذين أمنوا
والذين هادوا والنصارى ، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا
هم يحزنون }
. مائدة
5:69.
فالاستقلال بالشريعة ليس انفصالا في العقيدة لأن عقيدة التوحيد واحدة في الكتب
المنزلة الثلاثة ، كما جمعها القرآن في آخر سورة نزلت منه خواتيمها
:{
إن الله أشترى
من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
….
وعداً عليه حقاً
في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذي
بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
}[
التوبة
9: 111.
وهكذا
فإسلام القرآن هو الحنيفية العربية اهتدت في محمد إلى هدى الكتاب
[
الأنعام
6: 9. ] .
وهذه الحنيفية
القرآنية هي
"
تعريب
"
التوحيد الكتابي
في "
أمة وسط
" [
البقرة
2: 143]
وتشريع وسط
[
نساء
4: 25- 27.
وهذا يتفق و رأى الأستاذ / خليل عبد الكريم في كتابه " قريش من القبيلة .. ص 12. " الذي أورده كما ننقله هنا بنصه " وهناك رأى أن محمد مؤسس دولة القرشيين في يثرب كان قبل تبليغه رسالة من ( الأحناف ) [ .. يمكن الاستنتاج من رواية السهيلي إذا صحت أن الرسول في حياته الأولى ونشاطه الديني كان حنيفياً وعلى صلة بــ مسيلمة الكذاب وغيره من الأحناف ] ، ولعل ما يؤيده ما جاء في دواوين السنة النبوية .... أنه عرض عليه عمر بن الخطاب أنه يقرأ أشياء في التوراة تتفق مع ما جاء به الرسول غضب وقال :" أمتوكو ن يا بن الخطاب والله لقد جئتكم بــــ " الحنيفية " السمحة ، ولو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا إتباعى ، ولما ورد في مصحف عبد بن مسعود " إن الدين عند الله الحنيفية ( بدلاً) من " إن الدين عند الله الإسلام " [ آل عمران 3: 19 ] ، وكذلك أيضاً لما ورد في سيرة محمد من ترفع عن الدنايا والإنصاف بالأخلاق الحميدة والنفور من عبادة الأصنام ، والاعتكاف في غار حراء لــ " التحنث " في شهر رمضان . وحراء هو ذات الغار الذي كان يلجأ إليه " المتحنف " المجمع على تحنفه " زيد بن عمرو بن النفيل العدوى وأيضاً جده المباشر عبد المطلب زعيم الحنيفية .وكذا يذكر أبن هشام [ج1:ص235]كان رسول الله صلعم يجاور( يعتكف) في حراء من كل سنة شهراً ، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية .
بدون مقدمات أقول
المشهد الأول
لقد قيل عن ( القس ) ورقة بن نوفل انه كان على دين موسى ، ثم صار على دين عيسى، أي كان يهوديا ثم صار نصرانيا . راجع سيرة ابن هشام 1/203
وقد قيل ان ورقة بن نوفل قد استحكم بالنصرانية ، واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب . راجع سيرة ابن هشام 1/ 175 و 205 . وقد جاء في صحيح البخاري : ان القس ورقة كان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله ان يكتب . راجع صحيح البخاري بشرح أكرماني 1/38-39.
وجاء في صحيح مسلم : ان القس ورقة كان يكتب الكتاب العربي ، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله ان يكتب . راجع صحيح مسلم 1/78-79 .راجع أيضا الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 3/114 .
لم يعرف ، في كتب السير والتاريخ ، عن القس ورقة مهمة غير هذه ، وهي مهمة نقل الإنجيل العبراني إلى العربي .
كان قس مكة (ورقة بن نوفل ) ابن عم خديجة زوجة محمد. راجع سيرة ابن كثير 1/267.
المشهد الثاني
زواج محمد من خديجة
بعدما دخل محمد في خدمة خديجة ، بإلحاح من عمه أبي طالب الذي قال له يومها :
يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليس لي مال ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة تبعث رجالا يتجرون بمالها ويصيبون نفعا فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما بلغها عن أمانتك وطهارتك … الخ) . عن السيرة لابن هشام م1 .
راح محمد يعمل في تجارة خديجة ، راحت هي تدفق عليه الأموال وتعطيه ضعف ما تعطي رجلا من قومه . راجع طبقات ابن سعد 1/119 و156 و 168 والسيرة الحلبية 1/147.
ثم أرسلت اليه ذات يوم خادمتها نفيسة تفاوضه في الزواج منها :
(قالت نفيسة بنت منية : أرسلتني خديجة دسيسا إلى محمد بعد أن رجع من رحلة الشام ، فقلت له: يا محمد ما يمنعك من الزواج ، قال: ما بيدي مال أتزوج به ، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف ألا تجيب ، قال: من ، قلت: خديجة ، قال وكيف لي ذلك ؟ قلت: علي وأنا أفعل.) (راجع كتاب خديجة أم المؤمنين لمحمود شلبي ص137-138) .طبقات ابن سع 1/131 والسيرة الحلبية 1/152-153.
عندما بلغت الساعة الحاسمة ، أرسلت خديجة إلى أعمامها حضروا . وأرسل محمد إلى أعمامه فحضروا هم أيضا . واجتمع الناس . وخطب ولي أمره أبو طالب وقال … وابن اخي له في خديجة بنت خوبلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك .
وخطب القس ورقة ولي امر خديجة وقال : الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت . فنحن سادة العرب وقادتها ، وانتم أهل ذلك كله . لا ينكر العرب فضلكم . فاشهدوا على يا معشر قريش . اني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله. وفرح ابو طالب فرحا شديدا ، وقال الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الغموم . (راجع السيرة الحلبية م1 ص155) . راجع ايضا سيرة ابن هشام 1/206.
نتوقف عند حدث الزواج هذا لنبدي بعض الملاحظات المهمة والخطيرة والتي لها مدلولا اخطر ..
1) يلاحظ أولا مقام القس ورقة في مكة وفي ال قريش : فهو من سادات قريش وقواتها (فنحن سادة العرب وقادتها) راجع سيرة ابن هشام 1/206.
2) يلاحظ ثانيا ان القس ورقة لم يكن حاضرا حفلة الزواج ومتقدما على الحاضرين وحسب . بل كان محتفلا بالعقد ومكللا. فهو الذي ابرم العهد، وشهد عليه ، وأعلن على الحضور ما جرى. هو المحتفل الأول بالعقد ، أو قل هو الكاهن الذي ربط باسم الله ما لا يحله إنسان ، بحسب تعاليم إنجيل الابيونيين . كاهن نصراني يزوج العروسين ويبارك زواجهما(فاشهدوا على يا معشر قريش. اني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله) ، فعلى أي دين الزوجان اذن ؟؟؟
أضف إلى ذلك استمرارية الزواج الذي ربط بين الزوجين حتى موت إحداهما هي من صفات زواج النصارى .
الرسول احمد في الإنجيل
توطئة
قصة احمد في القران والسيرة :
1) في سورة الصف هذه الآية اليتيمة: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ
مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ? ?.
قال ابن هشام في سيرته النبوية ج 1/249 : صفة رسول الله من الإنجيل : " وقد كان فيما بلغني عمّا كان وَضَعَ عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) مما أثبت يُحَنّس الحواريّ لهم، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى بن مريم عليه السلام في رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إليهم أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أنّي صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي، ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بَطِرُوا وظنّوا أنهم يَعُزُّونني، وأيضاً للربّ، ولكن لا بد من أن تتمّ الكلمة التي في الناموس: أنهم أبغضوني مجاناً، أي باطلاً. فلو قد جاء المنْحَمنّا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الربّ، وروح القُدُس هذا الذي من عند الربّ خرج، فهو شهيد عليّ وأنتم أيضاً؛ لأنّكم قديماً كنتم معي في هذا، قلت لكم: لكيما لا تشكوا.
والـمُنْحَمنّا بالسريانية: محمد: وهو بالرومية :الْبَرَقْلِيطِس، صلى الله عليه وآله وسلم" .
فأهل السيرة يرشدونا في اسم (احمد) الوارد في القران ، الى لفظه السرياني والرومي، (مما أثبت يُحَنّس الحواريّ لهم، حين نسخ لهم الإنجيل).
1 - (احمد) في القران
نوجز الواقع القرآني في هذه الاعتبارات .
اسم النبي العربي في القران هو (محمد) ، كما يرد في أتربع آيات :
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ال عمران 144.
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ ). الأحزاب 40
(وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) . محمد 2 .
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) . الفتح 29 .
لذلك فوروده بلفظ (احمد) مرة يتيمة مشبوه ، ولا يعرفه الواقع التاريخي.
2) ان تغير اسم (محمد) المتواتر إلى (احمد) في لفظة يتيمة في القران كله ، تغيير مقصود ، لكي ينطبق على قراءة شاذة ، لا اصلها في المخطوطات الإنجيلية كلها ، في كلمة (الفارقليط) ، بحسب الإنجيل . فالتحريف ظاهر في القران ، كما سنرى .
3) في القران كله ، في النصوص كلها التي يرد فيها ذكر المسيح، ظاهرتان :
الأولى : يقفي القران على كل الرسل بالمسيح ، ولا يقفي على المسيح بأحد ( البقرة 87 ؛ المائدة 44 ؛ الحديد 27).
الثانية : المسيح نفسه في ما ذكر القران عنه، لا يبشر بأحد من بعده على الإطلاق ، إلا في بعض تلك الآية اليتيمة .
وهذا يجعل تعارضا ما بين الموقف المتواتر ، والموقف الشاذ اليتيم فيه .
والعقيدة في كتاب منزل تؤخذ من المحكم فيه ، لا من المتشابه .
4) وفي محكم نظم القران ، اذا اسقط بعض الآية المشبوه ، لا يختل النظم ولا البيان ولا التبيان ولا السياق اللفظي او المعنوي:
( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ . فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ?) ?.
ويؤكد ذلك المعنى نفسه المتواتر في ( ال عمران 49 ؛ المائدة 44؛ الزخرف 63 : ففيها جميعا لا يبشر المسيح برسول من بعده.
فهذا الواقع المتواتر يشير إلى إقحام مكشوف في آية الصف 6 .
5) سورة الصف كلها حملة على اليهود الذين كفروا بموسى (5)
وبعيسى ( 7 ويكفرون بمحمد(8-9) . ويختتم السورة بإعلان تأييد الدعوة القرآنية للنصرانية على اليهودية ، حتى )اصبحوا ظاهرين (14) . فلا إشارة في السورة ، ولا دليل ، يقضي بهذه الإضافة :
(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .
فتأمل موقف اليهود من المسيح وهو يبشرهم برسول يأتيهم من العرب الوثنيين ! فلو فعل لكفروه مرتين ، ولقتلوه مرتين ! .
6) ليست قراءة اسمه احمد ثابتة. فهي غير موجودة في قراءة أبي.
وهذا دليل اثري على تطور الإقحام قبل التدوين الأخير . راجع : blachère : le coran > T II p 909
فيحق لنا إسقاط قراءة (اسمه احمد) . حينئذ يأتي التبشير (برسول يأتي من بعدي ) متطابقا في القران والإنجيل على الروح القدس .
7) الإنجيل يعتبر المسيح خاتمة النبوة والكتاب . والقران يصدق الإنجيل في ذلك ، إذ انه لا يقفي ، في تسلسل الرسل على المسيح بأحد . والرسول الذي يبشر به الإنجيل ، هو الروح القدس ؛ وهو ليس ببشر ؛ ولا يظهر لبشر حتى يكون (رسولا بشرا) ، اسمه (احمد) .
فكل تلك القرائن والدلائل تشير إلى إقحام (اسم احمد) على آية الصف؛ وقد أسقطت الإقحام قراءة أبي .
2 - (الفارقليط) في الإنجيل
في الإنجيل بحسب يوحنا ، الذي تقودنا إليه السيرة النبوية لابن هشام ، لا كلمة (الفارقليط) تعني (احمد) ؛ ولا اوصاف (الفارقليط) فيه يمكن ان تعني ( محمدا) أو بشرا على الإطلاق.
وفي توحيد السيرة ، نقلا عن الإنجيل ، بين الفارقليط والروح القدس ما كان يغنيهم عن ورطتهم . فالإنجيل يقول (الروح القدس) على العلمية، وسنرى معناه في الإنجيل . والقران يجعل (روح القدس) ، جبريل،(النحل 103 ؛ البقرة 92) . فكيف يكون الفارقليط ، روح القدس جبريل النبي (احمد) ؟ وكيف خفي هذا عن أهل السيرة وأهل التفسير ؟ . وكيف يمكن لعاقل اليوم ان يدعي بان (احمد) هو الفارقليط ، روح القدس ؟ أكان ذلك بحسب قراءة القران ، أم بحسب قراءة الإنجيل .
والواقع الإنجيلي فيه مسألة أثرية ، ومسألة موضوعية .
1) المسالة الأثرية . ان المخطوطات الكبرى التي ينقلون عنها الإنجيل، والموجودة في المتاحف الشهيرة ، هي من القرن الرابع ميلادي ، قبل القران بمئتي سنة ونيف .
وكل المخطوطات قرأت الفارقليط ، البارقليطس (paracletos )
أي المعين - وبعضهم ترجم : المعزي ، المحامي ، المدافع - ولم يقرأ مخطوط على الإطلاق (Periklutos) أي محمود الصفات ، احمد الأفعال، كثير الحمد .
لكن في نقل الكلمة اليونانية بحرفها إلى العربية (برقليطس) ضاعت القراءة اليونانية الصحيحة ؛ وجاز تحريف المعنى إلى (احمد) . فقولوا الإنجيل ما لم يقل .
وقد حاول تقويم التحريف الذين قرأوا ( فارقليط) القريب في مخرجه من مطلع الحرف اليوناني .
فليس في الحرف اليوناني الصحيح ، الثابت في جميع المخطوطات ، من اثر لقراءة تعني (احمد) .
2) المسِألة الموضوعية .
كذلك ليس في أوصاف الفارقليط في الإنجيل ، ما يصح ان ينطبق على مخلوق : فكيف يطبقونه على بشر رسول ؟.
في حديث أول ، قال يسوع : ( وأنا أسأل الآب فيعطيكم فارقليط آخر ، ليقيم معكم إلى الأبد ، روح الحق ، الذي لا يستطيع العالم ان يراه ، ولا يعرفه . أما انتم فتعرفونه ، لأنه يقيم معكم ) يوحنا 14: 16-17. تلك الأوصاف تدل على إلهية الفارقليط :
الفارقليط يقيم مع تلاميذ المسيح إلى الأبد - وليس هذا في قدرة مخلوق.
الفارقليك هو (روح الحق) ، أي روح الله . وهو أيضا روح المسيح لأن المسيح وصف نفسه : (الحق) يوحنا 4: 6 - فهو روح الله وروح الحق . ومن الكفر نسبة هذه المصدرية إلى مخلوق .
الفارقليط يتمتع بطريقة وجود الله في كونه وعالمه : الوجود الخفي ، لذلك ( لا يستطيع العالم ان يراه) - ومن الكفر نسبة تلك الصفات إلى البشر .
الفارقليط يتمتع بسعة الله ، وروحانيته ، في إقامته بنفوس المؤمنين. (يكون معكم ويكون فيكم ) - ومن الكفر اسند هذه الصفة لمخلوق .
فكيف يكوت الروح القدس ، الفارقليط ، النبي (احمد) ؟ او أي بشر رسول ؟ او أي مخلوق ؟.
ومن ناحية أخرى ، فان الفارقليط ، الروح القدس ، يبعث إلى الحواريين الذين يخاطبهم المسيح ، مسليا لهم في رفعه عنهم إلى السماء . فكيف يكون الفارقليط (احمد) آلاتي بعد ستمائة سنة للعرب ؟.! .
فكل القرائن اللفظية والمعنوية تدل على ان الفارقليط لا يمكن ان يكون بشرا ولا مخلوقا .
وصفاته الإلهية وخلوده وعمله في المسيحيين (إلى الأبد) ، براهين ساطعة على ألهيته .
في حديث ثان ، يقول المسيح : ( قلت لكم هذه الأشياء وأنا مقيم معكم. والفارقليط ، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي ، فهو الذي يعلّمكم كل شيء ، ويذكركم بجميع ما قلت لكم) يوحن 14 : 25-26.
هنا يسمي الفارقليط باسمه المتواتر : (الروح القدس) . لاحظ التعبير المطلق ، على العلمية : فهو (الروح) على الإطلاق - وهذه صفة إلهية؛ وصفه (القدس) تنزيه له عن المخلوق ، لان (القدس) في لغة التوراة والإنجيل والقران كناية عن اله ، بصفة التجريد والتنزيه . ولاحظ الفرق العظيم مع التعبير القرآني ، (روح القدس) مرادفا لجبريل ، فهنا إضافة للتشريف ، لا للمصدرية . انها تسمية ، ما بين الإنجيل والقران ،على طريقة المشاكل، لا على طريقة المقابلة . وبما ان (روح القدس) هو جبريل في القران ، فقد كفر بمحمد نفسه من جعل محمدا الملاك جبريل، روح القدس ، الفارقليط .
هذا في ذات الفارقليط . وفي صفاته قول :
ان الفارقليط يرسله الله باسم المسيح - فهل أرسل (احمد) باسم المسيح ؟.
ان الفارقليط يعلم الحواريين كل شيء - فهل تخطى (احمد) الزمن وظهر للحواريين (يذكرهم جميع ما قاله المسيح لهم) ؟ .
والفارقليط يعلم رسل المسيح (كل شيء) : هذا هو العلم الرباني وسعته الإلهية - فهل ينطبق هذا على بشر ؟ ام على مخلوق ؟ .
فذات الفارقليط وصفاته تمنع من ان يكون (احمد) ، الرسول البشر.
ان مصدرية الفالقليط الإلهي ، وعمله الإلهي ، أسمى من المخلوق؛ ورسالته تتمة لرسالة المسيح ، وهي مخصوصة برسل المسيح والمسيحية .
في حديث ثالث قال : ( ومتى جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم من لدن الآب ، روح الحق الذي ينبثق من الآب ، فهو يشهد لي ، انتم أيضا تشهدون بما أنكم معي منذ الابتداء) يوحنا 15: 26.
هذه الآية تعلن مباشرة إلهية الفارقليط : انه (ينبثق من الآب) أي من ذات الآب. والتعبير (ينبثق) ينفي الصدور بالخلق .
فهو (روح الحق) يصدر من ذات الآب ، في ذات الآب ، لذات الآب.
وبما ان (الحق) هو أيضا (المسيح نفسه) فصفته (روح الحق) تدل على صدوره أيضا من المسيح، بصفة كونه (الحق) مع الله، أي كلمة الله. ودليل صلته المصدرية بالمسيح ، لمة الله ، كون المسيح هو الذي يرسله من لدن الآب : (أرسله إليكم من لدن الآب) .
فالفارقليط ، (روح الحق ، الذي ينبثق من الآب) هو روح الله الآب ، والمسيح الكلمة في آن واحد فمن الكفر نسبته إلى مخلوق .
ورسالته هي الشهادة ، مع الحواريين ، للمسيح :فهل كان (احمد) يشهد مع الحواريين في زمانهم للمسيح ؟ .
في حديث رابع يقول : (إني أقول لكم الحق : ان في انطلاقي لخيرا لكم ، فان لا انطلق لا يأتكم الفارقليط ؛ واما متى انطلقت ، فإني أرسله إليكم . ومتى جاء فهو يفحم العالم على الخطيئة ، وعلى البر وعلى الدينونة . فعلى الخطيئة لأنهم لم يؤمنوا بي . وعلى البر ، لأني منطلق إلى الآب ولا تروني من بعد . وعلى الدينونة ، لأن زعيم هذا العالم قد ين ) ب يوحنا 16: 7-11 .
يسلي المسيح حوارييه ببعثة الفارقليط إليهم ، ويربط بين رفعه إلى السماء ، وبين بعثة الروح الفارقليط . فهل من رابط شخصي او زماني او مكاني او حياتي او رسولي بين رفع المسيح وبعثة محمد ؟ وهل يصح ان ينطبق ذلك على (احمد) بعد مئات السنين ؟.
ورسالة الفارقليط ، ( الذي لا يستطيع العالم ان يراه ) ، هي رسالة روحية فلا يصح بحال ان تنسب إلى (احمد) . ورسالة الفارقليط هي تتمة متلاصقة لرسالة المسيح ؛ وليست هكذا بعثة (احمد) .
ورسالة الفارقليط هي الشهادة للمسيح وحده : فهو يفحم العالم على خطيئته لنه لم يؤمن بالمسيح ؛ ويفحم العالم بصحة الايمان بالمسيح ، وان رفع إلى السماء ؛ ويفحم العالم بنصر المسيح على إبليس ، زعيم هذا العالم ، الذي رفع المسيح سلطان إبليس عنه . وهذه رسالة لا يمكن ان يقوم بها (احمد) ولا أي رسول بشر .
في حديث خامس يقول أخيرا : ( وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم غير انكم لا تطيقون حملها الآن . ولكن متى جاء هو ، روح الحق فإنه يرشدكم الى الحقيقة كلها. فإنه لا يتكلم من عند نفسه ، بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما يأتي . إنه سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم . جميع ما هو للآب هو لي . من اجل هذا قلت لكم إنه يأخذ مما لي ويخبركم ). يوحنا 16: 12-15.
عالم الفارقليط الهي : فهو يرشد رسل المسيح ( إلى الحقيقة كلها) ويخبرهم بما يأتي ( - فهل يستطيع هذا (احمد) مع حواريي المسيح ؟ وهو لا يعلم الغيب ؟.
عالم الفارقليط الهي أيضا في مصدره : ومصدره هو العلم الإلهي الواحد بين الله الآب والمسيح كلمته ، (فجميع ما للآب هو لي؛ من اجل هذا قلت لكم إنه يأخذ مما لي ويخبركم ) - فهل يستمد (احمد ) علمه كما يستمد ذاته ، من الله الآب نفسه، ومن كلمته ذاته ؟.
وعمل الفارقليط الإلهي يتم مع صحابة المسيح أنفسهم : فهل كان (احمد) فوق الزمان والمكان مع صحابة المسيح ؟ .
وفصل الخطاب: ان ذات الفارقليط ، الروح القدس ، إلهية وصفاته إلهية ؛ وأفعاله إلهية . تلك هي شهادة النصوص الخمسة في الفارقليط. اليس من الكفر القول بان الفارقليط في الإنجيل هو (احمد) ؟. ولا تصح هنا أيضا فرية تحريف الإنجيل ، لان تلك النصوص الخمسة ، مكتوبة على الرق ، محفوظة إلى اليوم ، من قبل القران بمئتي سنة ونيف . فهي شهادة تاريخية - ان لم نقل منزلة - على الهية الفارقليط، الروح القدس . فمن الكفر تطبيقها على (احمد) الرسول البشر . فإن ذكر (احمد) لا اصل له لفظا ولا معنى في الإنجيل
عديّ بن زيد:
من شعراء البلاط في الجاهلية، وله قصيدة نظمها في معاتبة النعمان على حبسه يقول في
بيت منها:
سعى الأعداء لا يألون شراً
.....عليك
ورب مكة والصليب
1.
ولاية الكعبة لاجداد محمد كانت من قِبل ملوك كندة
(المسيحين):
نقل ابن خلدون في تاريخه
(
المجلد الثاني:
منشورات دار الكتاب اللبناني ص
690): "
كان التقدم في مضر كلها لكنانة، ثم لقريش؛ والتقدم في قريش لبني لؤي بن غالب بن فهر
بن مالك بن النضر.
وكان سيدهم قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي".
وكان ولد قصي:
عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي.
وكان جد قصي الغوث بن مرة.
"
كانت امه من جرهم، وكانت لا تلد.
فنذرت إن ولدت أن تتصدق به على الكعبه عبدا لها يخدمها، فولدت الغوث.
وخلى أخواله من جرهم بينه وبين من نافسه بذلك.
فكان له ولوالده وكان يقال لهم:
صوفة".
هذه رواية أولى عن انتقال ولاية البيت العتيق من جرهم الى قريش.
والرواية الثانية تدل على السبب الحقيقي:
"
وقال السهيلي عن بعض الاخباريين:
ان
ولاية الغوث بن مرة كانت من قبل ملوك كندة".
وهو الذي اورثها حفيده قصي، الذي تفرد دون بني عمومته:
"
فرأى قصي أنه
أحق بالكعبه وبامر مكة
وخزاعة وبني بكر، لشرفه بين قريش؛ وقد كثرت قريش سائر الناس واعتزت عليهم".
وبهذا نرى دخول
"
النصرانية"
في قريش، عند انتقال ولاية البيت العتيق اليهم من بني جرهم، بفضل ملوك كندة، ولاة
الحجاز من قبل التبابعة من حمير.
في ذلك يصح قول اليعقوبي في تاريخه
(1:
298): "أمّا
من تنصّر من أحياء العرب، فقوم من قريش".
والقب الذي اتخذوه حينئذ يدل عليهم:
"وكان
يقال لهم
صوفة".
2.
تنصر عبد المطلب زعيم مكة وتحنفه
لقد أجمعت السير النبوية على أن محمدا، قبل مبعثه، كان
"يتحنف"
مثل جده عبد المطلب، مع ورقة بن نوفل قس مكة.
وقد نقلت السيرة الحلبية
(1:
259)
في ذلك قول ابن الاثير في تاريخه:
"
اول من تحنث في حراء عبد المطلب:
كان اذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين، ثم تبعه على ذلك من كان يتعبد
كورقة بن نوفل،
وأبي أمية بن المغيرة".
3.
والدا محمد كانا مؤمنين.
قال الفخر الرازي في تفسيره
: "
ان أبوي النبي ص كانا على
الحنيفية،
دين ابراهيم عليه السلام....فوجب
ان لا يكون احد من اجداده مشركا".
وقد ارتضى كلامه هذا أئمة المحققون، منهم السنوسي، والتلمساني وغيرهم.
فعند أهل السيرة والمفسرين والمتكلمين كان والدا محمد مثل جده عبد المطلب الثاني،
على الحنيفية المسلمة اي
"النصرانية"
فانه ليس من اسلام قرآني قبل القرآن.
4.
هدى محمد في صباه:
هناك ثلاث روايات عن حدث جرى لمحمد في صباه، تفسرها جميعاً كلمة القران
"
وجدك ضالاً فهدى"
(الضحى
7).
رواية اولى في
"شق
الصدر"
وهو ابن خمس سنين:
عن أنس انه أتاه جبريل وهو يلعب بين الغلمان، فأخذه، فشق صدره، فاستخرج منه علقه،
فقال:
هذا حظ الشيطان منك.
ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم...ثم
أعاده الى مكانه.
رواية متواترة في الحديث يوردها الخازن عند تفسير قوله:
"
ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك"
(الشرح
1-3).
لقد جسّموا ما جاء مجازاً في القران، والحديث عن تطهير محمد من الاثم في صباه،
وبما أنه لا يوجد معجزة في سيرة محمد سوى القران،
فما معنى رواية شق الصدر وتطهير محمد من الاثم؟؟؟؟
رواية ثانية تقول بأن أمه آمنة ذهبت بمحمد الى يثرب
"لزيارة
أخواله"
أي أخوال جده من بني النجار؛ وربما لزيارة قبر زوجها عبدالله.
فمكثت به شهراً بينهم.
ولما قفلت راجعة به الى مكة ماتت ودفنت في الابواء، محل بين مكة والمدينة.
"
وكانت معها بركة الحبشية، أم أيمن التي ورثها عن ابيه عبدالله.
فحضنته وجاءت به الى جده عبدالمطلب".
وهكذا كان محمد ابن خمس سنوات لما فقد امه ايضا.
وحاضنته المسيحية هي التي رجعت به بعد زمن الرضاعة وبعد الزيارة ليثرب، الى مكة،
الى جده عبد المطلب.
رواية ثالثة عن ابن هشام
( 1:
176)
يقول:
(
قال ابن اسحق:
وزعم الناس في ما يتحدثون
-
والله اعلم
-
أن أمه السعدية
(
مرضعه)
لما قدمت به الى مكة، أضلها
(محمد)
في الناس، وهي مقبلة به نحو أهله.
فالتمسته فلم تجده.
فأتت عبد المطلب فقالت له:
اني قدمت بمحمد هذه الليلة.
فلما كنت بأعلى مكة أضلني.
فوالله ما أدري اين هو.
فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله ان يرده.
فيزعمزن أنه
وجده ورقة بن نوفل
، بن أسد، ورجل اخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب.
فقالا له:
هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة.
فأخذه عبد المطلب على عنقه،وهو
يطوف به الكعبة، يتعوذه ويدعو له.
ثم أرسل به الى أمه آمنة".
ان الانتحال ظاهر على الرواية كما يشعر ابن اسحق ناقلها:
فما الداعي ان يبقى طفلا مع مرضعه خمس سنين؟ وكيف تطيق امه فراق وحيدها اليتيم طوال
هذه المدة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إن هذه الرواية الثالثة تحريف للثانية.
إن أم أيمن، بركة الحبشية، هي التي رجعت الى مكة بمحمد.
وهنا تستقيم الرواية.
فجاءت الحاضنة المسيحية بمحمد الصبي الى ورقة بن نوفل، قس مكة، وهو بمعبده ومنسكه
في حراء
فعّمده بماء زمزم
.
وهذا معنى اسطورة
"
شق الصدر
"
لوضع الوزر الذي ينقض الظهر عن محمد.
ولا معنى
"
للهدى
"
في صباه بقوله
"
ووجدك ضالاً فهدى
" (الضحى
7)
إلا الهداية بالعماد والتنصير، كما يرشح من واقع الحال.
قد يكون لقاء ورقة لمحمد أمرا طارئا، وقد يكون مقصودا.
فما يعمل القس بمكان تعبده بأعلى مكة؟؟؟ وكيف يفلت محمد من حاضنته ويضيع؟؟؟ والغسل
لتطهير الصدر بماء زمزم؟؟؟ وما معنى وقوف عبدالمطلب
"
يدعو الله ان يرده"؟؟؟
ولما تسلمه من القس أخذ يطوف به حول الكعبة، بيت الله، على عادة اهل الانجيل الى
اليوم،
حيث يطوف الكاهن المعمِّد مع الكفيل يحمل المعمود في الكنيسة.
انه طواف العماد والتنصير الذي يفسر قوله:
وجدك ضالا فهدى"
؛
وقوله:
"
ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك"
(الشرح
1-3).
هذا هو
"
الهدى"
في الصبا، ولا هدى سواه، مهما حرّج المتخرصون
5.
تحنف محمد مع القس ورقة.
ان التحنث أو التحنف، أو التعبد في الصوم والخلوة، عادة
"نصرانية"
رهبانية:
فالحركة تدور من عبد المطلب الى حفيده محمد
حول
ورقة بن نوفل، قس مكة
"النصرني"؛
ونعتها
"بالتحنف"
يأتي من صفة
"النصارى
الحنفاء"
كما ينعتهم اهل السنة المسيحية؛ وقيامها في شهر رمضان، قبل القرآن، يدل على ان
الشهر شهر الصيام عند
"النصارى"،
فرمضان شهر صيام
"نصراني"
قبل ان يكون قرآنيا فانه
"كتب
عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"
(البقرة
183)
جاء في السيرة الهاشمية
(1:
176)
على لسان عبدالله بن الزبير:
"كان
رسول الله ص يجاور في حراء، من كل سنة، شهرا.
وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية
-
والتحنث:
التبرر
"كلمة
نصرانية"
-
تقول العرب:
"التحنث
والتحنف".
وعلى لسان عبيد بن عمير:
"
فكان رسول الله ص يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين.
فاذا قضى ص جواره من ذلك الشهر، كان اول ما يبدأ به، اذا انصرف من جواره، الكعبه،
قبل ان يدحل بيته، فيطوف بها سبعا، او ما شاء الله من ذلك.
ثم يرجع الى بيته.
حتى كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما اراد من كرامته".
وتضيف السيرة الحلبية
(1:
259): "وكان
ذلك مما تتحنث فيه قريش في الجاهلية
-
أي
المتألهون منهم
-
وكان أول من تحنث فيه من قريش جده ص عبد المطلب.
فقد قال ابن الاثير:
(
أول من تحنث بحراء عبدالمطلب؛ كان اذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين؛ ثم
تبعه على ذلك من كان
يتأله
-
اي
يتعبد
-
كورقة بن نوفل
وأبي أمية بن المغيرة).
ولم يصح انه اختلى اكثر من شهر".
فواقع الحال في
"التحنف"،
من خلوة وصوم واطعام مساكين، وذلك فس شهر الصيام
"النصراني"
شهر رمضان، يدل على ان محمدا كان
"نصرانيا"
في صيامه وتحنفه.
يؤيد ذلك القيام به اسوة بقس مكة
"النصراني"
ورقة بن نوفل.
هذا دليل أول.
وكيفية تعبده تدل على ان محمد كان
"نصرانيا"
في تحنفه.
يقول السراج البلقيني، في
(شرح
البخاري)
كما نقلت السيرة المكية والحلبية:
"لم
يجىء في الاحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ص.
وقال بعضهم باطعام المساكين والانقطاع عن الناس.
وقيل:
التفكر مع الانقطاع.
وقيل:
كان تعبده
بالذكر.
وقيل:
كان يتعبد قبل النبؤة بشرع ابراهيم؛ وقيل:
بشرع موسى".
وعليه يجاب:
ان التعبد في الصوم والخلوة، وفي شهر رمضان، ليس من شرع ابراهيم، ولا من شرع موسى؛
انما هو عادة
"نصرانية"،
وبممارسة الخلوة على انفراد عادة رهبانية.
نجهل جميعنا شرع ابراهيم، ولم يكن محمد قبل مبعثه نبيا ليعرف شرع ابراهيم.
والقول بتعبده على شرع موسى،
يجعل محمدا قبل بعثته على اليهودية،
وهذا ما ينقضه القرآن كله.
لقد تحنف على طريقة
"النصرانية".
هذا دليل ثان.
واعتماد شهر رمضان، قبل القرآن، للتحنف والصيام، دليل ثالث على
"نصرانية"
محمد.
فعادة الصيام والخلوة في شهر رمضان،
لا عهد للعرب بها، ولا اليهود.
انها عادة
"نصرانية"
أدخلها النصارى معهم الى مكة، عند هجرتهم اليها؛ وكان يتعبد بها من
"تنصر"
معهم.
يقول اليعقوبي في تاريخه
(1:
298)
"
وأما من تنصر من أحياء العرب قوم من قريش"
وهذا دليل على غزو النصرانية قبيلة محمد الحاكمة في مكة وكعبتها وفي تجارتها
وديانتها.
فتحنف عبد المطلب جد محمد، وتحنف محمد نفسه، على طريقة قس مكة
"النصراني"
شهادة ثابته قائمة على
"نصرانية"
محمد وجده من قبله.
"فالنبي"
العربي، بهذا التحنف
"نصراني"،
ابن
"نصراني"،
ابن
"نصراني".
ولقد اختلف علماء المسلمين في كيفية تعبد محمد قبل مبعثه، بين اطعام المساكين،
والانقطاع عن الناس، والتفكير،
والذكر الحكيم
-
لاحظوا كلمة الذكر قبل القرآن!!!
وفاتهم الاساس:
الصيام!
لقد كان تعبده بهذه جميعا.
وهذه عادة رهبان النصارى في صيامهم.
فكان محمد يصوم، مع قس مكة، صيام الرهبان.
وهذا دليل رابع على
"نصرانيته".
وطواف محمد بالكعبة
سبعا،
بعد جواره شهر رمضان،
كطواف النصارى في الاعياد في كنائسهم أو حولها الى اليوم، كما يشهده الجميع في أحد
الشعانين بختام الشهر
دليل خامس مزدوج:
بما ان محمدا يطوف بالكعبة مثل قس مكة،
فهذا برهان على ان الكعبة لم تكن بيت أوثان
كما يتوهمون ويوهمون،
بل
كعبة توحيد، ورسم صور المسيح ومريم العذراء والملائكه والانبياء على جدرانها من
الداخل خير شاهد على انها كعبة توحيد انجيلي.
وطواف محمد بها، اسوة بقس مكة، بعد جواره وصيامه وتعبده، شاهد كذلك على
"نصرانية"
محمد.
6.
درس محمد للكتاب وترتيله ليلا:-
سورة المزمل:
هي من بين السور الخمس الاولى في التنزيل
-
لم يكن القرآن قد نزل بعد فأي قرآن يدعى محمد الى ترتيله؟؟؟؟ هل يدعى الى ترتيل
"قراءة"
-
قرآن أو قريانا بالسريانيه والعبريه
-
من الكتاب المقدس حسب عادة النصارى الى اليوم في استفتاح تلاوة أسفار الكتاب في
الصلاة:
"قراءة
او قرآن من سفر النبي فلان"؟؟؟؟؟
ففي السورة الثانيه
(القلم)
إشارة صريحه الى كتابة الوحي ودراسة الكتاب المقدس!
فمحمد يستعلي على بني قومه المشركين بقوله:
"أفنجعل
المسلمين كالمجرمين؟ ما لكم كيف تحكمون؟{ced]
أم لكم كتاب فيه تدرسون؟
...أم
عندهم الغيب فهم يكتبون؟
(35 - 37
مه
47).
محمد
وحيد لا جماعة له بعد، فالمسلمون المذكورون هم الذين أُمر ان ينضم اليهم وان يتلو
القرآن معهم
(النمل
91-92)،
وهو يستعلي على المشركين المجرمين بانتسابه الى اهل الكتاب
"المسلمين"
اي
النصارى من بني اسرائيل، جماعة القس ورقة بن نوفل وعداس القسين في مكة على النصارى
العرب، والنصارى الاجانب، ويستعلي عليهم بالكتاب الذي يدرسه مع هذه الجماعة وبالغيب
المنزل فيه.
وهي
شهادة متواترة:
"أم
آتيناهم كتابا، فهم على بينه منه"؟
(فاطر
40)
محمد
عنده كتاب، وهو على بينه منه؛
"
وما آتيناهم من
كتب يدرسونها"
(سبأ
44)
محمد
عنده كتب يدرسها.
ولا
يكتفي محمد بدرس الكتاب الامام، بل يؤمر بترتيله في قيام الليل:
"...ورتل
القرآن ترتيلا...”
(المزمل).
لم
ينزل من القرآن العربي بعد سوى عشر آيات في مطلع
)العلق
والقلم)،
ولم يُعرف حتى يُعرّف على الاطلاق:
"القرآن"
المشهور.
فقد
اهتدى محمد الى الايمان بالكتاب
(الشورى
52)،
وهنا يؤمر بترتيل قرآن الكتاب:
فالكتاب هو
"القرآن"
على
الاطلاق.
وقيام الليل للصلاة وترتيل آيات الله ليست عادة عربيه، ولا يهودية، بل نصرانيه
رهبانيه:
فمحمد يؤمر بترتيل الكتاب مع جماعة النصارى بمكة في صلاة الليل، بعد دراسة وكتابة
الوحي منه.
فقرآن الكتاب هو دراسة محمد، وصلاته في قيام الليل.
بل
ان اهل مكة يعرفون ان محمدا يدرس الكتاب ويكتبه:
"
وقالوا اساطير الاوليين اكتتبها، فهي تملى عليه بكرة
واصيلاا"
(الفرقان
5).
فهو
لا يرد على هذه التهمة، انما يرد قبل هذه الاية على افتراء القرآن العربي:
"
وقال الذين كفروا:
إن
هذا الا افك افتراه!
واعانه علييه قوم اخرون!
-
فقد جاؤوا ظلما وزورا"
(الفرقان
4).
فمن
الظلم والزور ان ينعتوا القرآن العربي
(افكا
افتراه)،
لكنه لا يرد على إعانة القوم الاخرين التي يؤكدها في الاية التاليه:
"اساطير
الاوليين اكتتبها، فهي تملى عليه بكرة واصيلا"
(الفرقان
5).
فما
كان القرآن العربي لينقل تهمة كتابه للكتاب الذي يصفونه
"اساطير
الاوليين"،
لو لم تكن كتابته
(اي
محمد)
للكتاب امرا مشهودا.
ومحمد قد
"درس"
الكتاب كما
"يدرسه"
أهل
الكتاب:
فيقول: :وكذلك
نصرف الايات
-
وليقولوا:
درست!
-
ولنبينه لقوم يعلمون"
(الانعام)
فمحمد لا يرد على تهمة الدرس، إنما يبين الغاية منه، وهي تبيان الكتاب!
والمفاجئة الضخمة لقاروق:
ان
الكعبة مسجد مسيحي قبل القرآن:-
فلو كانت الكعبة بيت شرك وأوثان لما كان القس ورقة بن نوفل، قس مكة، ومحمد قبل
"بعثته"،
وبعد تحنفهما في غار حراء، يطوفان بالكعبة قبل الدخول الى بيتهما.
وهذا خبر عليه اجماع في السيرة، بالنسبة لمحمد نفسه.
والحوادث التاريخية تدل على تحول الكعبة الى مسجد مسيحي قبل الاسلام.
مهّد لذلك تحويل الوثنية العربية الى ما يسميه القرآن
"الشرك"،
بفضل الدعوات الكتابية، من يهودية ومسيحية ونصرانية؛ وكان توحيدهم التوحيد
الاسلامي، او قريبا من التوحيد الاسلامي
(
د.
جواد علي:
تاريخ العرب قبل الاسلام، ج
5
ص
428).
جاء في
(الاغاني
13:
109)
ان
سادس ملوك جرهم كان عبد المسيح بن باقية، وكانت سدانة البيت العتيق
"
لاسقف عليه
".
وهذه الشهادة تقطع بأن الكعبة كانت مسجدا مسيحيا على زمن بني جرهم!!!
يؤيد ذلك ما رواه الازرقي، واجماع الاخباريين عليه، ان أهل مكة لما جددوا بناء
الكعبة، خمس سنوات قبل مبعث محمد، رسموا على جدرانها صور الملائكه والانبياء مع صور
السيد المسيح وامه.
وهذه ليست عادة عربية، ولا يهودية، ولا نصرانية:
انما هي عادة مسيحية.
وعند فتح مكة امر محمد بمسح جميع الصور، ما عدا صورة المسيح وامه.
وهذا عمل
"
نصراني"
من
رواسب اليهودية في
"النصرانية".
والوضع السياسي العام يؤيد ذلك ايضا.
فقد كان الحجاز تحت إمراء آل كندة المسيحين في نجد، التابعين للتبابعة المسيحيين في
اليمن.
وقد قُتل والد امرىء القيس، فقام سيد شعراء الجاهلية يستنصر قيصر في دم أبيه.
ومنذ هذه الحادثه قام الصراع بين المسيحية واليهودية، وزاده تأججا هجرة
"النصارى"
الى مكة للاستيلاء على البيت العتيق، وبه على الحجاز والعرب.