Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

الفكر الإسلامى ومهاجمته للعقيد ةالمسيحية

 

        أظهر الفكر الإسلامى فى بداية العهد المكى الأول تعاطفا كبيرا مع المسيحية والسيد المسيح وأمه مريم وكانت كلها كلمات تفيض بالنعومة حتى أنه فى وصفه لبشارة الملاك للسيدة العذراء وميلادها للسيد المسيح نجد أن هذا الفكر لا يكون إلا من خلال فكر مسيحى أو تأثر بالمسيحية وهذا ما ذكره فى صورة مريم من العدد (16-34) والتى كانت لها تأثير على الملك النجاشى النصرانى ملك الحبشة وجعلت محمد يدفع بالمسلمين للهروب من مكة إلى الحبشة بل أن بعض الكتاب يصف هذا العهد بأنه عهد إخاء فقد ذكر الدكتور/ محمد حسين هيكل فى كتابه حياة محمد ص 22 (وإنك لتجد فى القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام الله لهما وتقديمه إياهما ما تشعر منه حق الشعور بهذا الإخاء) ولكن بعد انتصار محمد وأتباعه فى موقعة بدر (624) والخندق (627) وبدء النبى والمسلمين يفرضون الهيبة على الجوار بدء عهد الأستقلال المحمدى من كل ما خلا فكره وبدء الإسلام التوحيدى الذى تحدنا عنه سابقا وبدءت تظهر مشاكل بين الفكر الإسلامى والعقيدة المسيحية.

1-  هاجم آلوهية السيد المسيح:

        "سورة المائدة 17" (لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح إبن مريم قل فمن يملك أن الله شيئا أن أراد أن يهلك المسيح أبن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا). ثم كررها ثانية فى "سورة المائدة 73" (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح أبن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل أعبدوا الله ربى وربمكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومآواه النار وما للظالمين من أنصار) وآتى بها مرة أخرى فى صورة أستجواب "المائدة 116" (وإذا قال الله يا عيسى أبن مريم أنت قلت للناس إتخذونى وأمى آلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لى أن اقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك أنت علام الغيوب).

2-  تهكم على عقيدة الثالوث:

        بدأ يتهكم على عقيدة الثالوث حيث وجدها تخالف الوحدانية التى نادى بها وإتهم النصارى بالشرك بالله والغلو فى دينهم بعد أن كان يمدحهم وقال فى سورة "المائدة 73" (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من آلة إلا إله واحد وأن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب آليم). كما يتنكر الإسلام إنكارا صريحا بأن يكون لله ولد إذ يقول فى "سورة الاخلاص" (قل هو الله آحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا آحد). ويقول أيضا فى "سورة مريم 35" (ما كان لله أن يتخذ منه ولد سبحانه) وفى "سورة آل عمران 59" (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم من تراب ثم قال له كن فيكون). وفى "سورة مريم 35" (ما كان لله أن يتخذ من ولد سحابنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون). وأيضا فى "سورة مريم 88/94" (قالوا أتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا آدا..... أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من فى السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا). كلمة أدا أى منكر عظيم. وفى "سورة الزخرف 15-16" (وجعلوا له من عباده جزءا أن الإنسان لكفور مبين أم أتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين). "سورة الأنعام 100-101" (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصنعون بديع السموات والأرض إنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم). وفى "سورة المائدة 75-77" (ما المسيح أبن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام........ قل يا أهل الكتاب لا تضلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوء السبيل). "النساء 17" (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ولا الملائكة المقربون) "الخزرف 59" (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل).

        ولا شك أن سبب تنكر محمد لهذه العقيدة هو أنه وجدها مخالفة للوحدانية التى ينادى بها. مع أن المسيحية لا تؤمن إلا بالوحدانية وقد ذكر معلمنا مرقس الرسول 12: 29 (الرب إلهنا رب واحد) وجاء قانون الإيمان يؤكد هذا التوحيد قائلا (بالحقيقة نؤمن بإله واحد) ولكن لعل محمد أخذ بثالوث أهل البدع من النصارى الذن كانوا منتشرين فى شبة الجزيرة العربية والذين كان ثالوثهم مؤلفا من الماء والصاحبة مريم وأبنها عيسى ومع أن أحدا من المسيحيين لم ينادى بهذا مطلقا لكن المسلمين جعلوا منها مشكلة لا يتنازلون عنها بالرغم من كل الإيضاحات التى يصفها المسيحيون أمامهم.

        ويقول البيضاوى (أى الألهة ثلاثة: الله والمسيح ومريم ويشهد عليه قوله أأنت قلت للناس إتخذونى وأمى آلهين من دون الله أو الله ثلاثة إن صح إنهم يقولون: الله ثلاثة أقانيم الآب والإبن والروح القدس ويريدون بالآب الذات وبالأبن العلم وبروح القدس الحياة) ونحن نقول وإن صح أن المسيحيين يقصدون بالآب الذات وبالإبن العلم وبالروح القدس الحياة فذلك لا يدل على تعدد الذات الإلهية لأن العلم والحياة فى الله هم ذات الله بعينها.

        ويقول الرازى (قوله ثلاثة خبر مبتدأ محذوف ثم إختلفوا فى تعيين المبتدأ هل هو : (أ) الأقانيم الثلاثة. أو (ب) آلهتنا ثلاثة. أو (جـ) هم ثلاثة. سيقولون ثلاثة وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين. ثم يفسر رايه (الأقانيم الثلاثة) أى (أن الله واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم) وأعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا والذى يتحصل منه أنهم اثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة إلا أنهم وأن سموها صفات فهى فى الحقيقة ذوات قائمة بأنفسها فلهذا المعنى قال (ولا تقولوا ثلاثة أنتبهوا) ومما سبق نجد أن الرازى يعتبر أن مذهب النصارى مجهول جدا وللعلم أن الفكر المسيحى لا يناقض التوحيد ولا يمكن تفسيره على اساس ثلاثة آلهة فليست الأقانيم ثلاثة ذوات قائمة بأنفسها بل هى علاقات جوهرية قائمة بالذات الآلهية الواحدة.

        والمشكلة المعقدة فى الإسلام هو الأعتقاد بأن التثليث يعنى ثلاثة آلهة: الله والمسيح ومريم مع أن المسيحيين (سواء كان قبل الإسلام أم بعده) تؤمن بقانون الإيمان قائلة (بالحقيقة نؤمن باله واحد) أما موضوع كلمة تثليث لم ترد أبدا بمعنى (3) آلهة ولا نؤمن بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آهلة ولكن هذه أفكار بعض المبتدعين والذين رفضتهم الكنيسة فالتصقوا بعرب الجاهلية ومنه أخذ الإسلام الفكر المشوه عن المسيحية.

3-  مشكلة أخرى فجرها بنص قرآنى:

        "الصف 6" (إذ قال عيسى أبن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراه ومبشرا برسول يأتى من بعدى إسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين). وعندما خلا الإنجيل من أية إشارة إلى نبوة محمد ومن أى قول للسيد المسيح يبشر به قالوا أن الإنجيل محرف.

4-  نفى القرآن موضوع صلب السيد المسيح نفيا قاطعا:

        إذ يقول عن اليهود فى "سورة النساء 157 ، 158" (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى إبن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين إختلفوا لفى شدة منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما). ومع أن هناك آيات قرآنية تؤكد موت المسيح مثل "مريم 33 ، 34" (السلام على يوم ولدت ويوم أموت ويم أبعث حيا). "سورة آل عمران 55" (إنى متوفيك ورافعك إلى). "والمائدة 116 ، 117" (فلما توفيتنى كنت الرقيب عليهم) وهنا نسال إن كان الإسلام يعتبر أن يهوذا هو الذى صلب بدلا من السيد المسيح فهل الله لم يكن له اسلوب آخر ينقذ به السيد المسيح من يد اليهود سوى المكر والخداع وموت شخص بدلا منه وهو يهوذا؟؟!.

        ومع من يدرس الآية جيدا يكتشف أن النفى لا يقع على حادثة الصليب بل على الأثر والنتيجة فعندما يتحدث الإسلام عن موت الشهداء يقول أنهم أحياء ففى "آل عمران 169" (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) إذن الشهداء ماتوا ولم يموتوا قتلوا ولم يقتلوا أى أن المقصود من الموت لم يحدث لأنهم أحياء عند ربهم لذلك نرى أن إنكار الصليب إنما أنكار على آثار الصليب وليس على حقيقة الصليب.

        مما سبق نستنتج أن الفكر الإسلامى يحاول أثبات ناسوت السيد المسيح وبشريته ولذلك تحدث بعض الكتاب الحديثيين فى ذلك الأمر:

     قال الأستاذ أحمد طاهر فى كتابة الأناجيل دراسة مقارنة ص 117: (المسيح فى نظر المسلمين كغيرة من الرسل بشر.... أختاره الله رسولا إلى اليهود إن الرسل عامة لا ينطقون عن الهوى إنما يوحى إليهم سواء فى أفعالهم أم أقوالهم).

     ذكر لنا الدكتو محمد حسين هيكل فى كتابه حياة محمد ص 22 ، 23 (وإنك لتجد فى القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام الله لهما... فالقرىن قد ذكر أن يحى الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص ويخلق من الطين طيرا ويخبر بالغيب وكل هذه خصائص آلهية (هذا راى نصار عهد النبى الذين كانوا يحاجونه ويجادلونه) ويذهبون إلى أن عيسى إله مع الله وقد ذهبت طائفة منهم إلى تأليه مريم إن ألقى الله إليها بكلمته وكان أصحاب هذا الراى من نصارى ذلك العهد يعتبرون مريم ثالث الثلاثة الآب والإبن والروح القدس ولم يكن أصحاب هذا القول بألوهية عيسى وأمه إلا طائفة من طوائف النصرانية الكثيرة المتفرقة).

        من خلال ما سبق نجد أن هناك مقاومة مستمرة وتكفير من الفكر الإسلامى إلى العقيدة من المسيحية ومهما حاولنا شرح الأمور أو تفسيرها نجد الحكم الصادر هو التكفير لأنه من وجهة النظر الإسلامية لا يقوم الحوار الصحيح على أساس الفلسفة والمنطق لأن كل من يدخل فيهما يكون باستمرار موضع شبهة وهناك قول شائع عندهم (من تمنطق فقد تزندق) ويعتبر الإسلام أن باب الفلسفة والمنطق ما هو إلا باب الإلحاد ومن يذهب إليه إنما ذهب إلى الزندقة كما أن الحوار الصحيح فى نظرهم لا يقوم على أساس الكلام (علم اللاهوت) ويقول الإمام الغزالى راية فى هذا الأمر (نعود إلى علم الكلام ونقول: أن فيه منفعة وفيه مضرة فهو باعتبار منفعته فى وقت الأنتفاع.......... فهو واجب كما يقتضيه الحال وهو باعتبار مضرته فى وقت الأستضرار حرام لأنه فيه إثارة الشبهات أو تحريك العقائد وإزالتها). ويذكر لنا أبو المحاسن فى تاريخه عن (الذهبى) (أن أبا المعالى الجوينى أستاذ الغزالى قد ندم وهو على فراش الموت على اشتغاله بالكلام وكان يقول أن آلام علته سببها تلك الدراسة الآثمة) (من كتاب التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية) كما أن الحوار الصحيح فى نظرهم لا يقوم على أساس التاريخ والمقارنة بين الأديان لأن فيه رائحة الطعن فى النبوة والقرىن بأسم التاريخ ويجعل المسلم الصحيح يتنكر لدين المسيح ويطعن فى صحة الأناجيل وصحة تعليم المسيحية وهكذا لا نجد أسلوب سليم للحوار إلا من خلال ما جاء فى كتابهم نصا والرجوع إلى تفسير الآئمة وما جاء من أحاديث ولذلك نجد أن هناك أمور التفاهم فيها وفوضى من أساسه لأنه يخالف نصوصهم أو أحاديثهم.

الفصل الثانى:  لاهوت السيد المسيح:

        ذكرت كلمة اللاهوت فى المعجم الوجيز على أنها (مقصود بها الخالق أما عبارة علم اللاهوت فى تعنى العلم الذى يبحث فى الخالق وصفاته وعلاقاته بمخلوقاته) ويلاحظ فى كلمة لاهوت أنها تستمد حروفها من كلمة الله وكما أن كلمة ناسوت مأخوذه من كلمة إنسان وملكوت من كلمة ملك كذلك لاهوت فمن الله وعى تعبر عن طبيعة الله وقد ذكرت كلمة اللاهوت بالكتاب المقدس:

1-   أع 17: 28 ، 29: (إننا به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم أيضا لأننا أيضا ذريتن فإذ نحن ذرية الله لا ينبغى أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة إختراع إنسان).

2-   رؤ1 :20: (لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر).

3-   كو2: 9: (لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا). وكلمة اللاهوت تحمل فى معناها طبيعة الله التى لم يراها أحد ولا يستطيع أحد النظر إليه أو التفكر فيه. وعندا نقول لاهوت السيد المسيح إنما نتحدث عن طبيعة السيد المسيح الإلهية التى اتحدث بالطبيعة الإنسانية بغير أختلاط ولا أمتزاج ولا تغيير ولم ينفصل قط لاهوته عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

لاهوت المسيح فى الإسلام:

        لعل الخلاف الأكبر فى الحوار بين المسيحية والإسلام هو القائم على اعتقاد المسيحيين بالوهية المسيح ، الأمر الذى يحسبه القرآن كفرا. وقد اعترض عليه بعدة آيات أبرزها أربع وردت فى سورة المائدة ، وآية خامسة فى سورة النساء:

1-   لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح أبن مريم قل فمن يملك من الله شئا أن اراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا. (المائدة 17).

        يقول الرازى فى شرح هذه الآية ، أن فيها سؤال وهو أن أحدا من النصارى ، لا يقول أن الله هو املسيح أبن مريم. فكيف حكى الله عنهم ذلك ، مع أنهم لا يقولون؟ وجوابه: أن كثيرين من الحلولية يقولن أن الله تعالى ، قد يحل بيدن إنسان معين أو فى روحه. وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: أن قوما من النصارى ، ذهبوا إلى هذا القول. بل هذا أقرب ما يذهب إليه النصارى وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة أتحد بعيسى.

        فأقنوم الكلمة ، أما أن يكون ذاتا أو صفة فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد حلت فى عيسى ، وأتحدت بعيسى فيكون عيسى الإله ، على هذا القول وأن قلنا الأقنوم عبارة عن الصفة ، فأنتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول.

        ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله من العالم ومن لم يكن عالما لم يكن آلها وحينئذ يكون الإله عيسى على قولهم فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلا أن حاصل مذهبهم ليس إلا ذلك.

        ثم أن الله سبحانه ، أحتج على فساد هذا المذهب بقوله: "من يملك من الله شيئا أن يهلك المسيح عيسى أبن مريم وأمه" فهذه الكلمة بحسب رأى المفسرين تعنى أن عيسى مشاكل لمن فى الأرض ، فى الصورة والخلقة والجسمية والتركيب ، وتغيير الصفات والأحوال (مشابه لنا فى كل شئ).

2-   لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح أبن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل أعبدوا الله ربى وربكم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواة النار وما الظالمين من أنصار. (المائدة 72).

        قال الإمام الرازى فى شرح هذه الآية: أن الله لما استقصى الكلام مع اليهود ، شرع ههنا فى الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: أن الله تعالى حل فى ذات عيسى وأتحد بذات عيسى.

3-   لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا واحدا وأن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب آليم. (المائدة 73).

        ينطلق الإسلام من هذه الآية فيتهم المسيحيين بأنهم يعبدون ثلاثة آلهة: الله ومريم وعيسى. ويستعرض الرازى عقيدة النصارى على الوجه التالى: حكوا عن النصارى أنهم يقولون جوهر واحد ، ثلاثة أقانيم ، آب وأبن وروح القدس. وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن أسم الشمس يتناول القرص والشعاع والحرارة وعنوا بالآب الذات ، وبالأبن الكلمة ، وبالروح الحياة. واثبتوا الذات والكلمة والحياة. وقالوا: أن الكلمة التى هى كلام الله اختلطت بجسد عيسى ، اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن. وزعموا أن الآب إله ، والأبن إله والروح إله. ويختم الرازى شرحه بهذا التعليق: وأعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهية العقل. فإن الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة.

4-   وإذ قال الله يا عيسى أبن مريم أأنت قلت للناس أتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما تكون لى أن أقول ما ليس لى بحق أن كنت قلته فقد علمته تعلم ما بنفسى ولا أعلم ما بنفسك أنت علام الغيوب. (المائدة 116). يجد الرازى فى هذا القول مسائل:

المسألة الأولى: أنه معطوف على قول الله: يا عيسى أبن مريم أذكر نعمتى عليك فهو يذكره هنا بوجاهته يوم القيامة. (المائدة 110).

المسألة الثانية: أن الله وهو علام الغيوب كان عالما بأن عيسى لم يقل ذلك فليس لائقا بعلام الغيوب أن يسأله فلماذا يخاطبه؟ إن قلتم أن الغرض من توبيخ النصارى وتقريعهم ، فنقول أن أحدا من النصارى لم يهذب إلى القول بآلهية عيسى ومريم من دون الله فكيف يجوز أن ينسب هذا القول لهم ، مع أن أحدا لم يقل به؟.

        والجواب عن السؤال الأول أنه أستفهام على سبيل الإنكار. والجواب على السؤال الثانى: أن الآلهة ، هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التى ظهرت على يد عيسى ومريم ، هو عيسى ، والله ما خلقها البته. وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا أن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم ، والله تعالى ليس خالقها. فصح أنهم أثبتوا فى حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له. مع أن الله تعالى ليس إلها. فصح بهذا التاويل هذه الحكاية والرواية.

        وعلى أى حال ، فقد فقد أختلف مفسرو القرآن فى تحديد الوقت الذى فيه طرح الله هذا السؤال على عيسى. فالسدى مثلا يقول أن الله لما رفع عيسى أبن مريم إليه ساله: أنت قلت الناس أتخذونى وأمى آلهين؟ أما قتادة فيقول: أن السؤال لم يطرح بعد ، وإنما سيطرح فى القيامة ويوافقه فى راية أبن جريح وميسرة.

5-   يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة أنتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد. (سورة النساء 170).

        قال أبو جعفر الطبرى فى تفسير هذه الآية: يا أهل الأنجيل من النصارى لا تجاوزوا الحق فى دينكم فتفرطوا فيه ، ولا تقولوا فى عيسى غير الحق... انتهوا أيها القائلون: لله ثالث ثلاثة ، عما تقولون من الزور والشرك بالله. فإن الأنتهاء عن ذلك خير لكم من قيله ، لما لكن عند الله من العقاب العاجل لكم على قيلكم ذلك ، أن اقمتم عليه. ولم نيبوا إلى الحق الذى أمرتكم بالأنابه إليه ، والأجل فى معادكم.

        فالمشكلة المعقدة فى الإسلام هو الأعتقاد بأن التثليث يعنى ثلاثة آلهة ، الله والمسيح ومريم والمسيحية مدى أجيالها نادت سواء كان قبل الإسلام أم بعده ، أن كلمة تثليث ليست واردة أنها أوهام أهل البدع الذين نبذتهم الكنيسة وشجبت البدع التى اخترعوها فالتصقوا بعرب الجاهلية ومنه أخذ الإسلام الفكر المشوة عن المسيحية وسوف نقوم بدراسة موضوع التثليث بأكثر إيضاح فيما بعد أن شاء الرب وعشنا.

ميزات المسيح فى القرآن:

        بالرغم من اعتراض الإسلام على العقائد المسيحية الأساسية فإن القرآن يضفى على المسيح صفات وكرامات ، تجعله فوق مستوى البشر. وهذه الميزات تنبع من سيرته ، ومن رسالته ومن شخصيته. وحين نقارن بين هذه الميزات والميزات التى ذكرها القرآن للأنبياء والرسل ، نرى أنه لا يعطى أحدا منهم حتى محمدا شيئا من ميزات المسيح:

أولا: الحبل العجيب:

        كما نقرا فى سورة التحريم: "ومريم أبنه عمران التى احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين" (التحريم 13 ، الأنباء 91). وكلمة أحصنت: تكلفت فى عفتها. القانتين: المطيعين.

        قال الفخر الرازى: نفخنا فيه من روحنا أى فى عيسى.... لأن عيسى كان فى بطنها واختلفوا فى النافخ قال بعضهم: كان الفنخ من الله ، لقوله فنفخنا فيه من روحنا وظاهره أن النافخ هو الله تعالى. وقال آخرون النافخ هو جبريل. لأن الظاهر من قول جبريل "لأهب لك".

        ثم اختلفوا فى كيفية النفخ: (1) قول وهب أنه نفخ جبريل فى جيبها حتى وصل الرحم. (2) فى ذيلها فوصلت إلى الفرج. (3) قول السدى: أخذ بكمها فنفخ فى جنب درعها ، فدخلت لنفخة صدرها ، فحملتز فجاءتها أختها إمرأة زكريا بالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى ، وذكرت مريم حالها فقالت إمرأة زكريا أنى وجدت ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك. فذلك قوله (مصدقا بكلمة الله) (4) أن النفخة كانت فى فيها فوصلت إلى بطنها فحملت فى الحال.

        وعن أبن عباس أنه قال: نفخ جبريل فى جدوف الدرع ومده بأصبعه ونفخ فيه ، وكل ما فى الدرع من خرق ونحوه فأنه يقع عليه اسم الفرج.

        وقيل "أحصنت" تكلفت فى عفتها والمحصنة العفيفة "ونفخنا فيه من روحنا" أى فرج ثوبها وقبل خلقنا فيه ما يظهر به الحياة فى الأبدان. وقال مقاتل فى شرح "وصدقت بكلمات ربها" يعنى بعيسى. ويدل على قراءة الحسن بكلمة ربها وسمى عيسى كلمة الله فى عدة مواضع من القرآن.

ثانيا: الملائكة تبشر بالولادة العجيبة:

        يذكر لنا القرآن هذا الحوار بين مريم العذراء وملاك الرب حين جاء ليبشرها ، قال: أنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ـ قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ، ولم أك بغيا ـ قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا. (مريم 18-20).

        وقد علق البيضاوى على الحبل بطريقة معجزية تلك ميزة أنفرد بها المسيح على العالمين والمرسلين لأنه ولد دون أن تضمه الأصلاب والأرحام الطوامس.

أما الفخر الرازى فعلق على الموضوع هكذا:

أ‌-   العبارة "لأهب لك غلاما زكيا" قال: الزكى يفيد أمورا ثلاثة: الأول أنه الطاهر من الذنوب. الثانى أنه ينمو على التزكية لأنه يقال فيمن لا ذنب له زكى ، وفى الزرع النامى زكى. الثالث النزاهة والطهارة.

ب‌-  العبارة "ولنجعله آية للناس ورحمة" أى لنجعل خلقة آية للناس إذ ولد من غير ذكر. ورحمة منا أى يرحم عبادنا بإظهار هذه الآيات ، حتى لا تكون دلائل صدقه أبهر فيكون قبول قوله أقرب.

        وقال الإمام أبو جعفر الطبرى فى تفسير "غلاما زكيا" وذلك بالأستناد إلى قول ابى عمرو: "الغلام الزكى هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاك وزكى ، وعال وعلى.

3-  آية الله:

        يسمى الوحى حسب القرىن المسيح "آية الله" لأن الله جعله وأمه آية للعالمين. "فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وأبنها آية للعالمين" (الأنبياء 21: 91). "ولنجعله آية للناس ورحمة منا" (مريم 19: 21). ولم يتلق المسيح هذا اللقب الفريد من البشر بل من الله مباشرة يحمل هذه الصفة البارزة.

        يعرف الإسلام وخاصة الشيعة علماء كثيرين يحملون اللقب آية الله وغالى الشيعة فى إكرام آية الله خمينى إذ قال البعض منهم إنه قائدهم والروح القدس.

        ولقد أغتاظ علماء السنة من آية الله الخمينى لأنه قبل ألقابا لم يستحقها حتى محمد‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ فأجمع بعض العلماء من عدة بلدان عربية فى مؤتمر بالدار البيضاء بقرارهم: إنه يجب على أية الله خمينى أن يمنع أتباعه من أن يسموه روح الله أو روح القدس ، وغلا فإنه يحرم من الإسلام لأن شخصا واحدا فى الدنيا والآخرة يستحق أن يسمى نفسه روح القدس ألا وهو أبن مريم المولود من روح الله.

        إن كان آية الله خمينى قائدا خاصا للفرس والشيعة أجمعين ، فإن الله عين للمسيح بدعوة أوسع وسماه آية لجميع الناس فليس أبن مريم آية الله للمسيحيين أو لليهود فحسب بل أيضا للهندوسيين والبوذيين والكنفوشيين وللملحدين وللمسلمين فمن يتعمق فى المسيح يدرك أنه "آية الله" الكامل لكل الناس.

4-  رحمة الله:

        نقرأ عن المسيح فى القرآن أن الله يسميه: "آية للناس ورحمة منا" (مريم 19: 21). كما قال الله عن محمد: "ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء 21: 107). ولكن تختلف رحمة السيد المسيح عن رحمة محمد جوهريا.

        عرض الإسلام مفهوم الرحمة من خلال تقديم الوحى لمحمد بواسطة آيات القرآن وإعلاناته فى الحديث وقدوته فى السنة. واتحدت هذه الإلهامات فى الشريعة مع أوامرها ومحرماتها منظمة جميع نواحى حياة الأمة الإسلامية. فتنظر العبادات بالتفاصيل كالوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج وحتى الختان والدفن. وأما المعاملات فتنظم جميع نواحى الحياة فى العائلة والإرث والعقود والجهاد والعقوبات. فتسير حياة المسلم حسب الشريعة. وهكذا ظهرت خلاصة رحمة الله للمسلم فى إنشاء الشريعة.

        يخبرنا الإنجيل أن الإنسان لا يتبرر بحفظ الشريعة لأن لا أحد أكمل فرائضها فإن شريعة الله تدين الإنسان بأعماله ونياته. وخلاصة الشريعة هى الحكم على الإنسان الخاطئ لأجل الفشل والذهب والفساد نعم شريعة محمد نظمت حياة الأمة نظاما شاملا كما أن شريعة موسى ركزت الحياة على الله فى كل نواحيها طالبة التسليم الكامل والخضوع للخالق إنما لشريعة لن تبرر الخاطئ ولن تحرر المذهب من ذنبه. فكل شريعة تحكم على الأثيم وتهلكه الريعة هى الديان العادل ولا يستطيع أحد أن يرضيها ويعلمنا معلمنا بولس الرسول فى "رو3: 19-20" (ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين فى الناموس لكى يستند كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله... لأن الناموس معرفة الخطية). فى "رو 4: 15" (لأن الناموس ينشئ نضبا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعد). وفى "رومية7: 7-25" (فماذا نقول هل الناموس خطية حاشا بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإننى لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشتهه... إذا الناموس مقدس والوصية مقدسة عادلة وصالحة.. فإننا نعلم ان الناموس روحى وأما أنا فجسدى بيع تحت الخطية... أشكر الله بيسوع المسيح ربنا إذا أنا نفس بذهنى أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية).

        لذلك كل الذين تحت الشريعة إنما يتحنون الغفران فيرجو المسلم أن (الحسنات يذهبن السيئات) هو 114 ، وفاطر 29-30) كما أنهم منتظرين يوم الدين حيث سينال كل واحد حسب أعماله ويرهب الإسلام تابعين من يوم الدينونة قائلا: " فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جيثا... وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا" (مريم 19: 68و 71). (إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) (هود 11: 119-120).

ب‌-  أما رحمة السيد المسيح فهى:

        إننا فى السيد المسيح نجد رحمة لكل الناس رحمة لا تدين الخطاة ولا تهلكم بل تبحث على خلاصهم (لم آت لا دعوا أبرار بل خطاة إلى التوبة) (مت 9: 13) بل تنجيهم من غضب الله ودينونته العادلة (لأنه لم يرسل الله أبنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم ـ الذى يؤمن به لا يدان والذى لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن بأسم أبن الله الوحيد) (يو3: 17 ، 18).

        لم يلغ المسيح حفظ وصايا الله وطلب من حوارييه إتمامها عمليا. إنما الهدف الأخير لمجئ المسيح ليس تعيين شريعة يستجيل تطبيقها ، بل إعلان محبة الله للخطاة وتبريرهم المجانى فعاش المسيح ما قاله وأكمل الشريعة بذاته وصار حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يوحنا1: 29) وأنبأ أشعياء النبى موضحا نيابة المسيح عنا فى دينونة الله.

        "لكن أحزاننا وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مضروبا من الله ومذلولا وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا كلما كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أشعياء53: 4-6).

        خلص المسيح أتباعه من لعنة الشريعة وتجاهم من حكم الدينونة فى اليوم الأخير وبرر الذين يقبلون إليه مؤمنين بتبريره لقد صالح المسيح البشر بالله وأوجد سلاما أدبيا ويحرضنا الرسول بولس لقبول هذه الحقيقة الروحية كاتا إلينا "تصالحوا مع الله لأن جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2 كورنثوس5: 21). لذلك أستطاع المسيح أن يؤكد للمفلوج أمامه: "ثق يا بنى مغفوة لك خطاياك". وأعلن أيضا للخطائة التائبة: "مغفورة لك خطاياك". ويستمر المسيح بدعوته لكل تائب نادم على إثمه ويؤكد له: "إن الله يحبك لأنى صالحتك به".

        لم يرسل الله المسيح رسولا إلى العالمين لينشئ شريعة ثقيلة يستحيل تطبيقها كلا! إنما المسيح نفسه كان رحمة الله المتجسد ، حين ظهرت فيه محبة القدوس للجميع وأحب الخطاة وبارك أعداءه وشجع الفاشلين فأبن مريم هو رحمة الرحمن الرحيم. ويدل هذا اللقب على أنه جوهر من جوهر وروح من الله فى الجسد (النساء4: 171) فليس خلاف ولا فرق بينه وبين رحمة الله. لذلك أصبحت كفارته النائبة عن البشر كله عرض من الله للهالكين فكل من يقبل نعمة التبرير يتصالح مع الله ويبصر متأكدا أن المسيح حى جالس عن يمين العظمة فرحمة المسيح لا تديننا ولا تهلكنا بل أوجدت تبريرا عاما ونعمة خاصة وسلاما مع الله.

        ويثبت القرآن هذا الأمتياز بكل وضوح: "فليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" 0المائدة5: 47). فالقرآن يحرر المسيحيين من الشريعة شرعيا ويثبتهم رسميا فى نعمة الأنجيل بأن رحمة المسيح تمنح سلاما عاما ونشاطا روحيا فى يقين الخلاص وتقودنا لخدمات المحبة والرجاء واليقين هذا هو رحمة للعالمين وقد ذكر لنا القرآن أيضا عن ميلاد السيد المسيح العجيب فى سورة "آل عمران 45-47". (إذ قالت الملائكة يا مريم أن الله يبشرك) بكلمة منه أسمه المسيح عيسى أبن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد كهلا ومن الصالحين قالت: ربى أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذ قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون). وذكر أيضا فى سورة النساء 117 (إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه). ومن خلال تلك النصوص نجد أن القرآن لقب السيد المسيح:

1-   كلمة الله.                     2- روح الله.                 3- رسول الله.

1-   السيد المسيح كلمة الله:

        فقد لقب إبراهيم خليل الله ، وموسى كليم الله ، أما المسيح فافضل من كل هؤلاء... إنه الكلمة لا الكليم. يؤمن المسلمون أن القرى كلمة الله مسطور فى معانى وؤمن المسيحيون أن المسيح كلمة الله متجسدا فى بشريتنا والمسيح هو الوحيد الذى لقب باسم كلمة الله فى الأنجيل والقرآن. لذا فموسى كلم الله فما لأذن ،وسمع صوته ذاته فى عوسجة تحترق ، وأخبر بنى إسرائيل بما سمع وبما رأى. ومحمد كان يخبر شعبه بما يأتيه من الله عن طريق جبريل ، أما المسيح فنطق من ذاته ، لا عن طريق جبريل كمحمد ولا بما سمعه كموسى. لكن ليس المسيح كلمة الله لأنه نطق بكلمة الله أو لأنه خلق بمنطوق كن من الله.

        إنما المسيح كلمة الله لأنه عقل الله الناطق ونطق الله العاقل. وكعدم انفصال العقل عن صابحه وكان أرتباط المسيح بالله الآب فى وحدة ثالوثية "وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (1يو5: 7). يرى القرى فى السيد المسيح أنه (كلمة الله وروح منه).

أ‌-   قبل ظهور المسيح تبشر الملائكة زكريا بيحيى (فنادته الملائكه وهو قائم يصلى فى المحراب: أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله ، وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين). (آل عمران 39).

        قال الرازى: "كلمة من الله: أى كتاب من الله وهو قول أبى عبيدة واختيار الجمهور أن المراد (بكلمة من الله) هو عيسى وقال أبن عباس: أن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر. وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه. فيحيى يدعو المسيح أنه كلمة الله وروح الله فهو أبعد من كونه "أبن مريم".

ب‌-  حين ظهوره تبشر الملائكة مريم بمولده منها وبسر شخصيته: (إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ، أسمه المسيح عيسى أبن مريم ، وجيها فى الدنيا والآخرة ، ومن المقربين). (آل عمران 45).

        والقرآن يقطع الطريق على كل تفسير منحرف لمعنى "كلمة منه" بهذا البعد المرادف: "أسمه المسيح عيسى أبن مريم" فالملائكة تبشر مريم بشخص يولد منها أسمه كلمة الله ، لا بأمر منه تعالى. فالمسيح عيسى أبن مريم هو فى ذاته السامية "كلمة منه" فمصدره ليس من الأرض بل من السماء ، وقبل إلقائه إلى مريم هو "من المقربين" وليس من البشر المقربين بعد البعث فى اليوم الآخر ، إنما هو ملقى إلى مريم "من المقربين" فى السماء أى "الملائكة المقربين" (النساء 171). فشخصية المسيح التى تكشف الملائكة عن سرها لأمة فى بشارتها به هو "كلمة الله" ، "من المقربين" فهو ينزل من السماء ليولد من مريم ، يصير "اسمه المسيح عيسى أبن مريم".

ج‍‌-  وحين ظهوره "صدقت (مريم) بكلمة ربها وكتابه" ـ وعلى قراءة أخرى : "بكلمات ربها وكتبه" (التحريم 12) والقراءة الصحيحة هى "كلمة ربها وكتابه" وهى عن مجاه: "بكلمة الله وكتابه ، أى بعيسى والأنجيل" تؤيدها بشارة الملائكة لها "بكلمة منه أسمه المسيح عيسى أبن مريم". وقوله "من روحنا" (التحريم 12) قد يعنى الواسطة ، جبريل المبشر ، وقد يعنى وهو الأصح "من روح خلقناه بلا توسط أصل" (البيضاوى) فهو روح من الله نفخة فى مريم فهو إذن ليس ببشر بحت. فقد آمنت مريم أن وليدها هو "كلمة ربها" ، و "من روحه" نفخه فيها فهو حى قائم قبل أمه ، وكائن عند الله بصفة كونة "كلمة الله" و "من روحه".

د-   وبعد ظهوره يأتى النبى العربى فيقول بأمر الوحى له: "قل: يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا ، الذى له ملك السماوات والأرض ، لا إله إلا هو يحيى ويميت: فآمنوا بالله ورسوله ، النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلمته ، واتبعوه لعلكم تهتدون" (الأعراف 157). وهناك قراءة أخرى: "بالله وكلماته" أى بالله والمسيح ـ وهذا موضوع الدعوة القرآنية كلها. ولتخفيف وطأة تلك الشهادة "لله وكلمته" كانت تلك القراءة الضعيفة "الله وكلماته". ومن لم يستطيع أن يستغنى عن قراءة "الله وكلمته" فسر "كلمته" مثل البيضاوى: "وقرئ (كلمته) على القرآن ، أو عيسى عليه السلام".

هـ‌- أخيرا فى محاورة وفد نجران يأتى التعريف الجامع المانع للمسيح ، "إنما المسيح عيسى أبن مريم ، رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" (النساء 170). وهنا تظهر الثنائية جليا فى شخصية السيد المسيح: إنه "عيسى أبن مريم" ، لكنه أيضا "كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" فهو "كلمته وروح منه" قبل إلقائه إلى مريم ، فهو قائم فى الله قبل أن يلقيه إلى مريم. فإن الترادف بين "كلمته وروح منه" يقطع قطعا مبرما بمعنى "كلمته" أنه ذات من الله ، "روح منه" تعالى وهذا "الروح منه" تعالى الذى أسمه وصفته وذاته أنه "كلمته" ، موجود قبل مريم فهو "كلمته ألقاها إلى مريم". وقوله "روح منه" فريد فى القرىن يدل على مصدره: أنه ذات من الله. والسؤال فى مصدر "كلمته وروح منه" هل هو من ذات الله ، أو هو روح من الأرواح الملائكية؟ هذا ما نراه فى التحليل الصحيح لعقيدة القرآن فى المسيح.

كيف فهم المفسرون تعبير كلمة الله:

        هذا الإسم الذى به أنفرد المسيح وتميز وتمايز ، "كلمة الله" لو قيلت على القرآن والأنجيل والتوراه ، لما كانت هناك أى غرابة ، أما أن تقال على كائن كالمسيح ، له كل مقومات البشر ، وبهذا اللقب ينسب لله ، فهذا هو الغريب وهذه هى الغرابة. فلا يحتاج المسلم إلى إيضاح أو تفسير لتلقيب القرآن بأسم كلمة الله ، ولكنه يحتاه إلى تفسير لماذا دعى المسيح كلمة الله ، ولم يلقب بهذا الإسم آخر غيره.

     فإبراهيم خليل الله.                        وموسى كليم الله.

     وميخائيل قوة الله.                        وجبرائيل جبروت الله.

     وسوريال بوق الله.                       وروفائيل رأفة الله.

أما المسيح فهو كلمة الله وروح الله

        وهذا الإسم لم تخلعه عليه العذارء ولم يختلسه المسيح لنفسه.

     إنما دعاه به الله (إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته).

     ولقبه به القرآن: (ذلك عيسى أبن مريم قول الحق الذى فيه يمتزون) (مريم19: 34).

     ونادته به الملائكة: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أسمه عيسى أبن مريم) (آل عمران45).

        فالله ، وقرآنه ـ كتابه ـ وملائكته ورسله دعوا المسيح كلمة الله ، إنها شهادات من أفواه عدة وليست من فم واحد. فهل المسيح كلمة الله لأنه مولود من الله قبل كل الدهور كما يقول المسيحيون؟ أم هو كلمة الله لأنه خلق بكلمة من الله أو نطق كلمات الله كما يقول المسلمون؟.. فما هو تفسير الآئمة فى هذا: جاء فى كتاب القرآن والمسيحية تأليف الآب الحداد ص 187-189. قد استجمع الرازى تفاسيرهم بقوله (على آل عمران 39):

(أ‌)   "سمى عيسى (كلمة الله) من وجوه: أنه خلق بكلمة الله وهو قوله (كن) من غير واسطة الآب وكما يسمى المخلوق خلقا ، وهو باب مشهور فى اللغة" ـ لو صح ذلك لكان آدم أولى بالأسم ، لكنه لعم مختص بالمسيح وحده دليلا على ذاته.

(ب‌) "أنه تكلم فى الطفولية ، وآتاه الله الكتاب فى زمن طفوليته فكان فى كونه متكلما بالغا مبلغا عظيما ، فسمى "كلمة" أى كاملا فى الكلام) ـ فالإعجاز الكامل فى الكلام برهان ذاته.

(ج‍‌)  "إن الكلمة كما أنها تفيد المعانى والحقائق ، كذلك كان عيسى يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية كما يسمى القرآن روحا" ـ لم يسم القرآن روحا ، إنما التعبير "أوحينا إليك روحا من أمرنا" (الشورى 52) أى ملاكا جاءه فى رؤيا حراء ، كما تدل الآية السابقة على طرق الوحى الثلاث فالمسيح بصفة كونه (كلمة الله) كان "يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية" ، فهو يعرف غيب الله ويكشفه لعباده. وعلم الغيب صفة إلهية يتمتع بها المسيح لأنه "كلمة الله".

(د‌)   "لأنه حقق كلمة بشارة الأنبياء به ، كما قال (وحقت كلمة ربك) ـ وحده بشر به الأنبياء ، وهو وحده حقق بشارتهم به ، فهو "كلمة ربك" فى سيرته ورسالته ، كما هو "كلمة الله" فى ذاته.

(ه‍‌)  "إن الإنسان يسمى (فضل الله) و (لطف الله) ، فكذا عيسى عليه السلام كان أسمه العلم "كلمة الله" و (روح الله) ـ ولكنه أسم علم من الله نفسه لا من البشر: "إذ قالت الملائكة: إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح عيسى أبن مريم" (آل عمران 45). وعندما ينزل الله أسما على شخص فهو دليل على ذاته ، وليس فقط على العلمية.

(و‌)  أضاف الرازى (على آل عمران 45): "سمى كلمة الله كأنه صار عين كلمة الله الخالقة له بوجوده المعجز" ـ وهذا برهان اعجازه فى ذاته ، إنه كلمة الله عينها.

(ز‌)  "أو لأنه أبان كلمة الله أفضل بيان" ـ وهذا برهان اعجازه فى كلامه ، لا فى التنزيل إليه فقط ، واعجاز غيره يقتصر على التنزيل. لكن كل تلك التفاسير قاصرة ، بسب الترادف بين "كلمته" وبين "روح منه" أى "روح صدر منه" تعالى (البيضاوى) لذلك أستدرك الرازى وقال: "اعلم أن كلمة الله هى كلامه وكلامه على قول أهل السنة: صفة قديمة قائمة بذاته". لكن الرازى يرفض هذه النتيجة الحتمية لأنها برهان إلوهية "كلمة الله" ، وكان عليه أن لا ينسى مرادفها: "روح منه". فالمسيح هو "كلمة الله" أى "عين كلمة الله" وهى "وصفة قديمة قائمة بذاته" تعالى هذا منطوق الأسم الكريم ، كما ورد فى الإنجيل بحسب يوحنا (1: 1-4) ، والقرآن "تصديق الذى بين يديه (قبله) وتفصيل الكتاب" (يونس 36). فإن تشابه الإسم فى القرآن ، "فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك". لكن القرآن يرفع التشابه بالجزم أن "كلمة الله" هو "روح منه" تعالى.

2-المسيح روح الله أو روح منه:

        فالملائكة أرواح مخلوقة من الله وروح الإنسان نفخة من أنفاث الله. أما المسيح فهو روح الله ، أو روح منه وبارتباط الكلمتين معا: كلمة الله ، وروح منه ، يعرف أن المسيح ليس بمخلوق بكلمة ، وليس مجرد روح لقد كان المسيح كلمة وروحا قبل أن يطأ بطن العذراء مريم ، وفقا للقول القرآنى الشهير: (إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته ، ألقاها إلى مريم ، روح منه) (النساء4: 171). فالمسيح بحسب هذا النص: رسول الله ، كلمة الله ، روح الله وكلمة رسول لاحقة لولادته لأنه بدأ عمله كرسول بعدما ولد ، أما كلمتا "كلمة الله ، روح الله"  فسابقة لمولدة ، لأنه قبلما ولد كان كلمة الله وكان روح الله. بعد أن ولد صار رسولا لله.

فالمسيح كلمة الله قبل ولادته وبعدها.

والمسيح روح الله قبل ولادته وبعدها وإن لبس جسدا

        أما المسيح فرسول الله بعد ولادته لا قبلها لأنه مرسل إلى البشر ، وإلى شعب بنى إسرائيل بين البشر. ليس المسيح مجرد روح وإلا ما كنا قد رىيناه بصوتنا وسمعناه بأذاننا وشهادناه ولمسته أيدينا (1يو1: 1). المسيح روح الله ومن الأستحالة أن يكون روح الله مخلوقا.

     روح الله.

     الله روح بسيط ، وليس مركبا ، فهو الروح الأعظم.

     والملائكة أرواح ، أو رياح ، أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع.

     والمسيح دعى روح الله فى الأحاديث الشريفة ، ودعى روح منه فى القرآن.

        فهو (كلمة الله وروح منه) تعبيران متلاصقان مرتبطان ببعضهما البعض ، كى لا نظن أن المسيح كلمة الله كالقرآن كلمة الله المنطوقة ، فالقرآن كلمة الله وليس روحا منه.

     والإنسان فيه روح كما فى جسد.

        ولقد أوقف القرآن كل بحث فى مجال الروح ، حسبما ورد فى سورة الكهف: "يسالونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربى وما أوتيت من العلم إلا قليلا".

فمن هذا الذى دعى روح الله ، أو روح منه؟

        ولو اعتقدنا بأن المسيح أحد الأرواح الآتية من الله ن لسقطنا فى بدعة النظرية الخلقية ، والتى نادى فيها أصحابها بخلقة جميع الأرواح معا قبل أجسادها ، وتلبس أجسادها عند الولادة عقوبة لها على خطأ عملته أو على خطية اقترفتها حين كانت فى عالم الأرواح. ولا تخرج من عالمنا هذا إلا إذا تنقت بانتقالها ومتنوعة منها الشرير ومنها المعوق ومنها المريض ومنها الحيوانات العجماوات ، وأطلق أصحاب هذه النظرية أسم الأستجساد Reincarnation على عقيدتهم هذه فمحمد نفسه لا يدعى بأسم روح الله وإن دعى رسول الله ونبيه ولا موسى سمى روح الله وإن دعى كليم الله وبيه. إنما المسيح هو روح الله أو روح منه.

        جاء فى كتاب القرآن والمسيحية ، تأليف الأب الحداد ص 190-197 ما نصه: إنه روح منه تعالى............. يبلغ التشابه ذروته ، فى القرآن فى تعبير "الروح" نرى أولا الواقع القرآنى فى تعابير الروح ، ثم ندرس تفاسيرهم لقوله: "روح منه".

1-   تعابير "الروح" فى القرىن متنوعة:

     قد يأتى تعبير "روح" على أسلوب ما بين المجاز والحقيقة فى موضعين: (أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه) (المجادلة 22) أى "بنور" (الجلالان). وقال يعقوب لبنيه: "يا بنى أذهبوا فتجسسوا من يوسف وأخيه ، ولا تيأسوا من روح الله ، إنه لا يياس من روح الله إلا القوم الكافرون" (يوسف 87) ، هنا روح الله يعنى "رحمته" (الجلالان). وقد يكون التعبير كناية عن الملائكة الحفظة الذى وكلهم الله بحراسة البشر.

     وقد يأتى التعبير كناية عن روح الإنسان ، كما فى قوله: "وإذ قال ربك للملائكة: إنى خالق بشرا من صلصال ، من حمأ مسنون: فإذا سويته ونفخت فيه من روحى ، فقعوا له ساجدين" (الحجر 38 ، 39 ، ص 72) ، وقوله: "ونفخ فيه من روحه" (آلم السجدة 9).

     وقد يأتى كناية عن ملاك الهوحى الذى أوحى إلى النبى العربى فى غار حراء: "قل: نزله روح القدس" (النحل 102) ، "نزل به الروح الأمين" (الشعراء 193) ، "أوحينا إليك من أمرنا" (الشورى 52). فالروح الأمين ، روح القدس ، هو روح من أمر الله أى مخلوق ، هو جبريل نفسه بحسب تصريحه: (قل: من كان عدوا لجبريل ، فإنه نزله على قلبك بإذن الله ، مصدقا لما بين يديه ، وهدى وبشرى للمؤمنين) (البقرة 97). وقد سمى جبريل (روح القدس" على الإضافة إلى "القدس" أى الله ، للتشريف ، وهو غير قوله فى عيسى: "وأيديناه بروح القدس" (البقرة 87 ، 253) :ما سنرى قيل أن "روحا من أمرنا" (الشورى 85) قد تعنى القرآن بسبب القرينة "أوحينا إليك روحا من أمرنا" ، وهذا يتعارض مع الآية السابقة (الشورى 51) التى تفصل طرق الوحى الثلاث: الوحى المباشر مع عيسى ، والوحى من وراء حجاب مع موسى ، والوحى بالواسطة ، واسطة ملاك الوحى ، فهو "روح من أمرنا".

     والروح هو أيضا الملاك الذى بشر مريم بالمسيح: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا" (مريم 16). وهذا امللاك نفخ فى مريم فحملت بالمسيح: "ونفخنا فيها من روحنا" (الأنبياء 91) ، (فنفخنا فيه (فرجها) من روحنا) (التحريم 12). فقوله "من روحنا" يعنى على الفاعل الملاك النافخ على مريم ، وعلى المفغول الروح المنفوخ فى مريم كما سنرى.

     ويأتى "الروح" على العلمية فى صلة مع الملائكة ، أولا فى الوحى والتنزيل: (ينزل الملائكة بالروح على من يشاء من عبادة أن أنذروا أن لا إله إلا أنا فأتقونى) (النحل 2) فى هذا التعبير قد يكون "الروح" منزلا الملائكة ، على الفاعل ، أو منزلا بالملائكة ، على المفعول: فعلى المفعول يعنى "الوحى" (الجلالان) ، وعلى الفاعل يكون "الروح" سيد الملائكة ، وهو الأصح. ثانيا فى لية القدر (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) (القدر 4) هنا يظهر "الروح" متميزا عن الملائكة فى قضاء أقدار الله من كل أمر: فمن هو؟ ثالثا فى يوم القيامة (تعرج الملائكة والروح إليه "الله ذى المعارج" فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (المعارج 4) ، هنا أيضا يتميز الروح عن الملائكة: فمن هو؟ رابعا فى يوم الدين ، (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا) (النبأ 38). هنا أيضا يتميز الروح عن الملائكة ويتقدمهم كأنه سيدهم ، ومثول "الروح" أمام الخالق الديان الرحمان لا يتكلم بإذنه ، قرينة ظاهرة على أن "الروح" مخلوق مثل الملائكة. لكن من هو؟.

     ويأتى "الروح" أيضا على العلمية فى صلة مع الوحى: "رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده ، لينذر يوم التلاق) (غافر ـ المؤمن 15) أى يوم القيامة والحشر فى (النحل 2) (ينزل الملائكة بالروح على من يشاء من عباده) ، أما فى (غافر 15) فالروح وحده يلقى على الأنبياء ، فكأنه يتميز عن ملائكة: فمن هو؟.

     أخيرا يأتى "الروح" كذات المسيح ، فى ثلاثة تعابير:

1-   التعبير الأول: (إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه... لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ، ولا الملائكة المقربون) (النساء 170-171). نلاحظ أولا أن قوله "روح منه" هو مرادف على "كلمة الله" ، وهذا الترادف يقطع بأن "كلمته" ذات قائمة بنفسها ، لا مجرد كلام الله أو أمر الله ، وثانيا أن التعبير "روح منه" وحيد فريد فى القرآن لا يأتى فيه إلا بحق المسيح ، وسنرى تفاسيرهم لهذا التعبير ، وجوهرها أن كلمة الله بمنزلة "روح منه" تعالى ، أى منزله ملاك ، لذلك فهو يجعله مع الملائكة المقربين "عبدا" لله ، لا ربا معبودا مع أن التعبير "روح منه" يدل على أكثر من ذلك ، على صدور خاص من الله ، ثالثا أن وصف المسيح بأنه "روح منه" يكشف معنى كامنا فى التعبيرين الآخريين.

2-   التعبير الثانى: (وأيدناه بروح القدس) (البقرة 87 ، 253) ، (وإذا ايدتكم بروح القدس) (المائدة 113) له معنيان: الظاهر هو أن (روح القدس) هو غير روح المسيح ، وهو الذى يؤيد المسيح فى فعله المعجز ، ومعنى باطن وهو أن "روح القدس" فى هذا التعبير يعنى ذات روح المسيح. وفسروه: (بروح القدس أى بالروح المقدسة ، أراد به جبريل ، أو روح عيسى ـ ووصفها به لطهارته من الشيطان ، أو لكرامته على الله تعالى ولذلك أضافها إلى نفسه تعالى ، أو لأنه لم تضمنه الأصلاب ولا الأرحام الطوامث ، وقيل: بالإنجيل كما قال فى القرآن "روحا من أمرنا" ، وقيل باسم الله الأعظم الذى كان يحيى الموتى يذكره (الزمخشرى) ـ "فى تفسيره أقوال: الأول قال الحسن: القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والذى يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى (قل: نزله روح القدس) ، والقول الثانى وهو المنقول عن أبن عباس: إن روح القدس هو الأسم الذى كان يحيى به عيسى عليه السلام الموتى ، والقول الثالث هو قول أبى مسلم: إن روح القدس الذى أيده به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التى نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والأنثى ـ وهذه الأقوال الثلاثة متواترة منذ الطبرى. أما قولهم بأن "روح القدس" الذى تأيد به المسيح هو جبريل فقد جاء على المشاكله مع "روح القدس" الذى جاء محمدا بالوحى. وأما قولهم بأنه الإنجيل فهذا بعيد الأحتمال ، لأن الإنجيل ليس "روحا منه" تعالى. وأما القول بأنه "الأسم الأعظم" فهو يدل على قدرة إلهية فى المسيح تقدر على الأحياء والخلق ، ترفع المسيح فوق المخلوق. أخيرا يقى أن "روح القدس" فى المسيح هو ذات المسيح ، ويدل عليه قوله "روح منه" ، حيث ذات المسيح روح القدس أى روح الله الحال فيه ، فهو روح قدس فوق البشر من عالم الأرواح الملائكية ، مثل قوله "من المقربين" (آل عمران 45) أى من "الملائكة المقربين" (النساء 171) ، فيكون ذات عيسى ملاكا فى إنسان.

        وهذا ما يعنيه التعبير الثالث: "نفخنا فيها من روحنا" ، "نفخنا فيه من روحنا". فعلى الفاعل يكون "روحنا" ملاك البشارة النافخ ، على المفعول يكون "روحنا" هو المنفوخ فى المسيح والنتيجة من التعابير الثلاثة أن المسيح "روح منه" تعالى أى ملاك "من المقربين" ألقاه إلى مريم فكان المسيح عيسى أبن مريم فكلها تقود إلى ثنائية فى شخصية المسيح. أنه ملاك ألقى إلى مريم لكن تعبير "روح منه" يدل على أكثر من ذلك ، على صلة مصدرية خاصة من الله تعالى.

        فتلك التعابير السبعة المتنوعة فى "الروح" جعلت الناس يسالون النبى العربى عن ماهية الروح الذى يذكره: (ويسألونك عن الروح) ـ قل: الروح من أمر ربى ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الأسراء 85). فالتعريف (الروح من أمر ربى) أى (علمه لا تعلمونه) (الجلالان) ، "قل: الروح من أمر ربى(1) من الابداعيات الكائنة بكن ، من غير مادة ، وتولد من أصل كأعضاء جسده (2) ، أو وجد بأمره وحدث بتكوينه ، على أن السؤال عن قدمه وحدوثه (3) وقيل ‎: مما استأثر الله بعلمه.. وأبهم أمر الروح وهو مبهم فى التوراه(4) وقبل: الروج جبريل(5) وقيل: خلق أعظم من الملاك(6) وقيل: القرآن(7) و (من أمر ربى) (معناه من وحيه) (البيضاوى)ز أما كون "الروح" جبريل أو القرآن فهذا غريب لأنه يتعارض مع النص "من أمر ربى" الذى أستأثر بعلمه. وقول البيضاوى أنه "من الابداعيات" أو "وجد بأمره وحدث بتكوينه" فيتعارض مع الأبهام الذى "من أمر ربى ، ومعناه من وحيه" كما يقول بقى أن "الروح": "خلق أعظم من الملاك" ، أو أنه "مما أستأثر الله بعلمه" ، والقولان متكاملان ونلاحظ أنه يستخدم العلمية فى تسميته "الروح": فهو كائن فوق الملاك أقرب غلى الخالق منه إلى المخلوق.

        قال الأستاذ/ دروزه فىالتفسير الحديث ج3 بص 262: (فى الآية 85) حكاية لسؤال أورد علىالنبى عن الروح ، وأمر له بالإجابة بأن الروح من أمر الله تعالى واختصاصه وعلمه ، وليس من شأن البشر إدراكه ، وأن ما أوتيه الناس من العلم هو قليل بالنسبة إلى علم الله وآياته فى كونه". ليس فقط علم الناس قليلا فى سر "الروح" المطلق ، وليس فى الآية من مقابلة مع علم الله وآياته فى كونه ، إنما العلم المنزل فى القرآن بشأن "الروح" هو القليل. وقال أحدهم: مضى محمد ولما يدر ما الروح!.

2-  "روح منه" هو سر المسيح "كلمة الله" ـ تفاسيرهم له:

        إن "الروح" على العلمية والمطلق ذات غير ذات المسيح ، "كلمتة ألقاها إلى مريم ، وروح منه". قال الجلالان: "روح منه: (روح) أى ذى روح ، (منه) أضيف إليه تعالى تشريفا له" ـ لكن التعبير (منه) لا يعنى الإضافة بل الصدور.

        قال الزمخشرى: "قبل له (روح الله) أو (روح منه) تعالى ، لأنه ذو روح وجسد ، من غير جزء من ذى روح... وإنما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته الخالصة" ـ لكن التعبير لا يدل فقط على وجوده المعجز بقدرة الله ن إنما على ذاته ، وليس معنى المقابلة "كلمته وروح منه" أنه "ذو روح وجسد من غير جزء من ذى روح".

        قال البيضاوى: "روح منه: ذو روح صدر منه تعالى ، لا بتوسط ما يجرى مجرى الأصل والمادة له. وقيل: سمى (روحا) لأنه كان يحيى الأموات والقلوب". وهذا هو التفسير الصحيح لحرف القرآن الوحيد فيه: "ذو روح صدر منه تعالى". والمشكل الكلامى الذى اختلف عليه النصارى والمسيحيون ، وانتقل إلى الإسلام والمسيحية ، هو فى كيفية هذا الصدور عنه تعالى قولهم: "سمى (روحا) لأنه كان يحيى الأموات والقلوب" فيه إشارة إلى كيفية ذلك الصدور ، عن طريق الأنبثاق من ذاته تعالى ، لا عن طريق الخلق والإبداع ، فمن يحيى الأموات والقلوب فيه قدرة من قدرة الله تدل عليه.

قال الرازى مستجمعا تفاسيرهم "أما قوله (روح منه) ففيه وجوه":

     "إنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب ، وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام وصف بأنه روح" ـ لكن التعريف يفسر "كلمته ألقاها إلى مريم" بأنه (روح منه) تعالى ، على الترادف ، فهو وصف ذاته ، ولا وصف تكوينه ، فإنه كلمة الله قبل إلقائه إلى مريم ، لذلك فهو "روح منه" تعالى.

     "إنه كان سببا لحياة الخلق فى أديانهم ، ومن كان كذلك وصف بأنه روح" ـ فالأسم الكريم يستوعب فى ذاته معنى "السبب لحياة الخلق" ، فى ذلك إشارة إلى أن "روحا منه" أقرب إلى الخالق منه إلى المخلوق فى صدوره (منه) تعالى. والقول يشير إلى فاتحة الإنجيل بحسب يوحنا فى تعريفة بكلمة الله: "فيه كانت الحياة ، والحياة كانت نور الناس" (يو1: 4).

     "روح منه أى رحمة منه: فقد كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أن كان يرشدهم إلى مصالحهم فى دينهم ودنياهم لا جرم أنه سمى روحا منه" ـ هذا القول يستند إلى قوله: "ولنجعله آية للناس ورحمة منا" (مريم 20). هذا مفعول كونه "روحا منه" تعالى ، لا برهان ذاته بحسب الترادف "كلمته وروح منه".

     قوله (روح) أدخل التنكير ليفيد التعظيم فكان المعنى: روح من الأرواح الشريفة العالية القدسية. وقوله (منه) إضافة ذلك الروح إلى نفسه تعالى لأجل التشريف والتعظيم" ـ نقول: إن تعريف المسيح بأنه "روح من الأرواح الشريفة العالية القدسية" يتفق مع وصفه "من المقربين" (آل عمران 45) أى "الملائكة المقربين" (النساء 171). وهذه هى صفة المسيح فى القرآن: إنه "ملاك كلمة الله" ألقى إلى مريم ، بحسب عقيدة النصارى ولكن يبقى سر صدوره (منه) تعالى موضع حيرة وتساؤل. فليس قوله (روح منه) فقط إضافة تشريف وتعظيم بل (ذو روح صدر منه تعالى) كما يقول البيضاوى وليس نسبة مصدرية كسائر المخلوقين عن طريق الخلق والإبداع روح منه تعالى يعنى نسبة مصدرية ذاتية لذلك يظل التشابه قائما فى معرفة سر المسيح (كلمته وروح منه).

3-   المسيح رسول الله:

أ‌-   شهد المسيح عن نفسه أنه رسول الله فى قوله لليهود: "يا بنى إسرائيل إنى رسول ربكم إليكم".

ب‌-  وشهد عنه أنه رسول الله حواريوه: "ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول (عسى) فأكتبنا مع الشاهدين) (سورة آل عمران).

ج‍‌-  وشهد عنه كرسول الله اليهود فى قولهم: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (النساء 156).

     فالمسيح رسول الله.                              والمسيح كلمة الله.

        وإذا كان الإنسان حين يرسل كلمته ، خارجة من فكره ، لا تنفصل الفكرة عن علقه ، وإن وجدت لها مستقرا فى عقول أخرى غيره.

        فالله أرسل كلمته من غير أن ينفصل عنه ، كالشمس التى ترسل شعاعها ، تبث حرارتها ، وتبثق ضوءها ونورها من غير أن يكون هناك أى داعى كأنفصال الشعاع عن القرص والحرارة عن الشعاع والنور عن الحرارة.

     فالمسيح ليس رسولا كباقى الرسل.

     لأن المسيح ليس إنسانا كباقى الناس.

     وليس نبيا كباقى الأنبياء.

        فكل نبى أو رسول ، كان رسولا يحمل رسالة ، أما المسيح فهو رسالة ورسول ، ولا فصل مطلقا بين الرسول والمرسل ، لأن الكتاب المقدس يقول عنه: أنت رسالة المسيح الحية المقروءة من جميع الناس. والقرآن يجعل المسيح رسولا لله إلى بنى إسرائيل فقط: "إذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول ربكم إليكم". حتى تكون رسالته ناقصة غير كاملة ، فيأتى محمد إلى العالم أجمع:

     وأرسلناك رحمة للعالمين.

     أرسلت إلى العالم كافة.

        وبهذا المعنى ، تطورت الرسالة المحمدية فى آدائها وفى حدودها وجغرافياتها:

أ‌-   فقد بدأ رسالته ليخبر أم القرى وما حلوها ، حين كان فى مكة ، وحين بدا فى خدمة الطائف ، ومن ثم هاجر إلى يثرب ، وآنذاك بدأ فى المرحلة الثانية.

ب‌-  أن تكون دعوته لكل من ينطق العربية ، فأتى قرآنه بلسان عربى مبين ، وجاء فى القرآن أن لكل أمة أرسل الله رسولا وكتابا. وحين مات محمد ، قال مقولته المشهورة بلسان على بن أبى طالب فى حجة الوداع:

     لا يبقى فى بلاد العرب دينان.

     ولا يحج الكعبة كافر.

     ولا يطوف البيت عريان.

ج‍‌-  ثم توسعت هذه الرسالة فشملت العالم كله ، فقال محمد عن نفسه (أنا رحمة مهداه للعالم كله).

        ففى العام السابع للهجرة أرسل وفودا لكل الدول المحيطة بشبه الجزيرة العربية يدعوها إلى الإسلام ، حتى سمى هذا العام بعام الوفود. وفى مصرنا جاءنا حاطب بن بلتعه يحمل رسالة إلى المقوقس بطريرك مصر الملكانى ، يقول له فيها أسلم تسلم يؤتك الله خيرا جزيلا ، ويهدده بأن لم يسلم فعليه إثم القبط جميعا.

        بهذا تمايز محمد فى القرآن عن المسيح. فالمسيح رسول لبنى إسرائيل فقط ، أما محمد فرسول للعالم كله ، رسول عالمى أو رسول مسكونى.

د‌-   ثم توسعت هذه الرسالة بصورة أكبر وأكثر ، فشملت العالمين: العالم كله وعالم الجن أيضا. فهو رسول الله للإنس والجن معا. جاء فى القرآن قول الله لمحمد: (وإذا نسوق إليك نفرا من الجن تتلو عليهم القرآن ، فلما سمعوا قالوا لقد سمعنا قرآنا عجبا يدعو إلى الرشد).

     فالإنسان مبشر بالإسلام.

     والجن مدعو للبشارة بالإسلامز

     وإليهما كان يتساءل القرآن بقوله: فباى ألاء ربكما تكذبان؟.

        كتب أحد المسلمين كتابا أسمه "حوار صحفى مع الجن المتأسلم مصطفى كنجور" الذى كان مسيحيا هنديا وأسلم على يديه وأسلم بإسلامه عشرة آلاف جنى آخر.

        وهنا نتساءل ما فائدة دعوة الجن للإيمان؟ هل سيدخل بإسلامه إلى الجنة كمسلم؟ أم يزج به النار كجنى. هب أن مدرسا قال لتلاميذه: "سأقدم لكم امتحانا ، إما أن تسقطوا فيه ، أو أن ترسبوا فيه" فماذا تقول أنت عن هذا المدرس؟.

        فرسالة الإسلام للإنسان والجن فمن الجن المسلمون ومن الجن غير المسلمين ، حتى دعى القرآن نحو الجن أن نشاركهم فى المال والولد ، ومن هنا نشأ عند بعض الناس فكرة التزاوج بالجن والتناسل منه ، وهذا موضوع كبير يحتاج إلى دراسة خاصة.

هل المسيح لبنى إسرائيل فقط؟

     يتذرع بعض الكتاب المسلمين بقول الإنجيل القائل "إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله"

     وبأمره إلى تلاميذه حوارييه القائل: "لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائل الضالة".

     وبأمره إلى تلاميذ حوارييه قائلا: "إلى طريق الأمم لا تمضوا ، إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ، بل أذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".

     وبحديثه مع المرأة السامرية قائلا: "لأن الخلاص هو من اليهود".

     فهل رسالة المسيح محلية مكانية ، أم عالمية مسكونية؟.

        جاء المسيح من اليهود دون غيرهم. ولكنه لم يأت لليهود دون غيرهم. فالأمة اليهودية هى التى أنفردت عن العالم كله بولادة المسيح منها دون غيرها ، ولكن مسيحية المسيح أستفاد بها العالم دونهم. فالآيات المقدسة السابقة ، لم تكن إلا شرحا للبداية حيث جاء المسيح ليزرع شجرة المسيحية فى أصيص يهودى قبل أن ينقلها لتغرس فى حدائق الأمم Nations.

        فالسيد المسيح لم يخرج برسالته بعيدا عن دائرة اليهود واليهودية ، ومن هذه الأمة التى خدمت قبلا ، اختار رسله وحوارييه الذين أسسوا كنيسة الأمم والأممين ، بعد أن أزال تعصبهم اليهودى الموروث والممقوت.

        فخروج المسيح خارج جغرافية فلسطين ، لم يحدث إلا حين هرب إلى أرض مصر ، وعاد إلى بلاده إسرائيل غير مغادرها. حتى أن البعض أرتأى أن يكون قد مضى فى سنى شبابه إلى الهند ، وفيها أخذ كل مبادئه التى أعلنها ولا يجد هذا الرأى له سندا. فالكنيسة الأممية تدين بالفضل للأمة والكنيسة اليهودية ، فإليهم أرسلت كلمة الله بأفواه يهودية ومن أشخاص كانوا يهودا. فالمسيح لم يخرج خارج جغرافية إسرائيل وإلا لأستجاب لدعوة الملك أبجار حاكم إدسا أو بين النهرين الذى أرسل له ليستضيفه فى مدينة خاصة مع خاصته ، بغية أن يشفيه من مرض جلدى ، ولأستجاب لدعوة اليونانيين الذين حضروا له فى أيام آلامه.

أما رسالة المسيح فبدأت كالتالى:

     المرحلة الأولى: أرسل تلاميذه لا ليخدموا فقط ، بل ليتدربوا على الخدمة ، فأرسلهم إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ، ومنعهم من الذهاب فى طريق الأمم ، أو مدن السامريين ، وهذا ما ذكره الرسولان متى ولوقا فى إنجيليهما ، وفى الأصحاح العاشر من كل إنجيل. فالإرسالية الأولى كانت تدريبه اختبارية ، وكما خدموا خدموا أيضا ، فالخدمة فى حقل مخدوم ، ليس كالخدمة فى حقل بكر مملؤ جدبا.

     المرحلة الثانية: أرسل فيها تلاميذه ليبنوا ويؤسسوا ويكرزوا ويخدموا. وهذه المرحلة ذكرها القديس متى فى الأصحاح الثامن والعشرين ،والقديس مرقس فى الأصحاح السادس عشر والقديس لوقا فى الأصحاح الرابع والعشرين ، كذلك يوحنا فى الحادى والعشرين.

جاءت أقواله فى هذه الأناجيل:

     أذهبوا إلى العالم أجمع.

     أكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.

     مبتدئين من أورشليم فالسامرة فأقاصى الأرض.

     تلمذوا جميع الأمم.

     عمدوهم ، علموهم جميع ما أوصيتكم به.

        فغن كان المسيح كارزا لليهود فقط ، إلا أن المسيحية ليست لليهود فقط. فنقطة البداية كانت منهم وفيهم ، أما المشوار الكرازى كله ، فكان للكل.

        وفى هذا الأمر نحن نحتاج إلى أن نطرق باب الكتاب المقدس سائلينه فبماذا يجيب؟

شهادة الكتاب المقدس:

        قال السيد المسيح له المجد فى حديثه مع المرأة السامرية: (لأن الخلاص هو من اليهود) (يو4: 22) وقديما قال أشعياء النبى: لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب (أش2: 3) لأجل هذا ابتدأت الكرازة بأسمة من أورشليم (لو24: 47).

        إن كان يسوع المسيح قد جاء من اليهود فاليهود لم يقبلوه مع أنه جاء منهم فقط (يو1: 11) لكنه لم يأت لهم فقط ، فقد جاء للعالم كله ، حقا لقد كانت أمة اليهود هى الأمة التى أستؤمنت على أقوال الله (رؤ3: 1 ، 2). لأجل هذا ظهر فيهم الآباء (رؤ9: 4 ، 5) وولد منهم المسيح (يو 11) لأن العالم كله كان مغموسا فى الشر ، ليس من يعمل صلاحا ، وليس ولا واحد ، الجميع زاغوا وفسدوا (رومية 5) فرأى الله أن يعزل هذه الأمة عن كافة الأمم البشرية كنوع من العزل الوقائى كما يعزل السليم عن المريض حتى لا تصيبه العدوى. وهذا لكى يحتفظ الله بالرموز والنبؤات وكلام الأنبياء والطقوس حتى مجئ السيد المسيح فى شعب خاص لم يصاب بمرض الوثنية.

        وعندما جاء المسيح لم يبق بعد يهودى ولا أممى ، لأن الجميع فى المسيح واحد ، لقد اجتمع فى ميلاده المجوس (الأمم) مع الرعاة (اليهود). لأن الكل له وهو للكل.

أمثلة إيضاحية:

أ‌-   جزة الصوف:

        ظهر الله لجدعون لكى يشجعه ويؤازره لخلاص بنى إسرائيل وأعطى جدعون علامة لله ، فقال: إن كنت تخلص بنى إسرائيل كما تكلمت فها إنى واضع جزة الصوف فى البيدر ، فإن كان طل على الجزة وحدها وجفاف على الأرض كلها علمت أنك تخلص بيدى إسرائيل كما تكلمت ، وكان كذلك فبكر فى الغد وضغط الجزة فعصر طلا من الجزة ملأ قصعة ماء ، فقال جدعون لله لا يحم غضبك على فأتكلم هذه المرة فقط ، امتحن هذه المرة فقط بالجزة فليكن جفاف فى الجزة وحدها ، وعلى الأرض ليكن طل ، ففعل كذلك فى تلك الليلة فكان جفاف فى الجزة وحدها وعلى الأرض كلها كان طل (قض6: 36-40).

        كانت الجزة مملؤة من المياه وكانت الأرض كلها جافة ، إشارة إلى حلول الله وسط شعب بنى إسرائيل واختياره لهم فقط ، ولأجل هذا كانت الضرورة تقشى أن يسمى شعب الله المختار ذلك الأسم الذى انتهى بانتهاء الغرض منه ، إذ صار كل من ؤمن بالسيد المسيح شعبا لله مختارا دون تحيز إلى عنصرية معينة ، أو لون معين ، أو لغة معينة ، أو جنس معين ، لكن الأمر قد تغير فصار جفاف فى الجرة وحدها وعلى كل الأرض بقى طل (قض6: 39-40).

        حينما رفض بنو إسرائيل الإيمان بالسيد المسيح لأنهم لم يكونوا يتوقعوه هكذا وديعا متواضعا فقبله الأمم وتمت فى هذه نبؤة أشعياء النبى التى تقول "ها أمة لا تعرفها تدعوها وأمة لم تعرفك تركض إليك" (اش55: 5) وتمت نبوته أيضا التى تقول جعلتك نور للأمم لتكون خلاصا إلى اقصى الأرض" (أش49: 76). ونبوته التى تقول أصغيت إلى الذين لم يسألوا وجدت من الذين لم يطلبونى ، قلت ها أنذا لأمة لم تسمى بأسمى (أش65: 1). ونبوته التى تقول يكون فى ذلك اليوم أن أصل يسبى القائم وراية الشعوب أياه تطلب الأمم ، ويكون محلة ممجدا ، وأيضا ويكون فى آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتا فى رأس الجبال. ويرتفع فوق التلالز وتجرى إليه كل الأمم ، وتسير شعوب كثيرة ، ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب. إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك فى سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ، ومن أورشليم كلمة الرب"(أش20: 2 ، 3).

        قال يوئيل النبى "ويكون فى ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرا ، والتلال تفيض لبنا وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماء ومن الرب يخرج ينبوع ويسقى وادى السنط" (يوئيل3: 18). يوضح كل هذا أن الخلاص يخرج منهم ولا يكون قاصرا عليهم ، بل على العكس لقد خرج منهم الخلاص ، وكانوا هم الوحيدين الذين لم يستفيدوا منه ، فامتلأت الأرض بمعرفة الله كما تغطى المياه البحر ، ومع ذلك فالجزة لا تزال يابسة. فكانوا كالصنبور الذى يعطى الماء ولا يرتشفه ، وكالأجراس التى تدعو الناس لدخول الكنائس وهى لا تدخلها.

ب‌-  مثال آخر: الآتان والجحش:

        ح  حيمحيينينييييييينيينما دخل المسيح إلى أورشليم راكبا على آتان وجحش أبن آتان عملا بالنبوة التى فاه بها زكريا النبى (زك9: 9) ، (مت22: 2 ، 7). لماذا اختار الرب هذه الطريقة بالذات للدخول بها كملك؟. كان لهذا حكمة كبرى فالآتان ركب كثيرا من قبل وجلس عليه صاحبه وتملك من فوقه ، أما الجحش فلم يركب بعد ، ولم يتملك عليه صاحبه بعد ، ومع فارق المقارنة بين الإنسان والحيوان كان الجحش يشير إلى الأمم الذين لم يعرفوه ، وكان الآتان يشير إلى اليهود الذين بعد أن عرفوه ، رفضوه ، فخاصته لم تقبله أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون بأسمه (يور1: 11-12). لأجل هذا اقتضت حكمته أن يركب الإثنين لأنه صار لكليهما ، فلم يعد ملكوت الله ولم يعد الله حكرا على أرض معينة ، أو على شعب معين ، أو لأسرة معينة ، أو لمبادئ خاصة ، بل صار المسيح للعالم كله.

قال الرسول بولس:

        "ليس يهودى ولا يونانى (الاختلاف العنصرى) ختان وغرلة (الاختلاف الدينى) ، بربرى وسكيسى (الاختلاف الحضارى). عبد ور (الاختلاف الاجتماعى) بل المسيح الكل وفى الكل (كو3: 11). ولم يعد هناك لله شعب دون الشعوب ، وصارت كنيسة المسيح إسرائيل الروحى الجديد ، ذلك لأن المسيح مع أنه منهم دون غيرهم (رؤ9: 4 ، 5) إلا أنه ليس لهم دون غيرهم (مت18: 20).

ثالثا: الميلاد الفريد:

        ذكر القرآن عن ولادة السيدا لمسيح فى سورة مريم 22-34 (فحملته فانتبذب "أعتزلت وتنحت" به مكانا قصيا "بعيدا" فاجآءها المخاص إلى جذع النخلة قالت يا يليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها آلا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا "ماء سارى" وهزى إليك بجزع النحلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى وأشربى وقرى عينا فإماترين من البشر أحد فقولى إنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شئيا فريا "عجيبا ومختلفا" يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا قال إنى عبد الله أتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون "يشكون").

1-  أن السيدا لمسيح ولد به بطريقة لم تحدث مع أى شخص آخر:

        ويخبرنا القرآن مرارا أن المسيح لم يولد بطريقة طبيعية كسائر البشر ، ولم يكن أبوه بشراز فولد من مريم العذراء ، بدون تدخل أى رجل ، لأن الله نفخ من روحه فيها فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذى ولد من روح الله. (النساء4: 171). (إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله ولكمته ألقاها إلى مريم وروح منه فأمنوا بالله ورسوله) وفى سورة الأنبياء 91 (والتى أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وأبنها آية للعالمين).

        ليس المسيح إذن إنسانا عاديا بل روح إلهى وبنفس الوقت جسد عادى ، إذ ولد من روح الله ومن مريم العذراء. لم يولد محمد من روح الله إنما ولد من أب حق وأم حقة ، فهو جسد عادى فقط لا روح إلهى.

2-  ولد من عذراء:

        من السهل أن تكون أم الإنسان زوجة أو أرملة ولكن من الذى كانت له أم عذراء غير المسيح؟ وكيف حبلت هذه العذراء بهذا الوليد ، وكيف ولدته؟ وبماذا أجاب الإسلام عن هذا الموضوع؟.

جاء فى القرآن قوله:

        (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى أبن مريموجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا من الصالحين). (آل عمران 45-46).

        قال الإمامان الجلالان أسمه المسيح عيسى أبن مريم خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم.. فنفخ جبريل فى درعها فحملت. جاء فى سورة مريم: (وأ        ذكر فى الكتاب مريم إذا أنتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ، قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا ، قال كذلك قال ربك هو على هين) (مريم 16-21).

        قال الجلالان إن الحمل والتصوير والولادة فى ساعة ، أما ابن عباس فيقول أنه فى ثلاث ساعات. وقال الإمام القرطبى أن جبريل عليه السلام حين قال هذه المقالة نفخ فى جيب درعها وكمها قال أبن جريح أبن عباس أن جبريل عليه السلام أمسك ردن قميصها بأصبعه فنفخ فحملت من ساعتها بعيسى ، وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بنى إسرائيل يقال له يوسف النجار كان يخدم معها فى المسجد ، وقبل ليوسف أنها حملت من زنى وأن الملك يقتلها فهرب بها وهم فى الطريق بقتلها ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له أنه من روح القدس.

        وحكى الطبرى عن أبن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها لا تحزنى فقالت له كيف لا أحزن وأنت معى لا ذات زوج ولا مملوكه أى شئ عذرى عند الناس يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نيسا منسيا فقال لها عيسى أنا أكفيك الكلام.

        ويذكر الإمام القرطبى أيضا فى كتابه الجامع لأحكام القرآن: قال بعضهم وقع نفخ جبريل فى رحمها فعلقت بذلك وقال بعضهم لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس ، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء فى أصلاب الآباء وبعض فى أرحا الأمهات ، فإذا اجتمع الماء أن صارا ولدا ، وأن الله تعالى جعل المائين فى مريم بعضه فى رحمها وبعضه فى صلبها ، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها ، لأن المرأة ما لم تهيج شهوتها لا تحبل ، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذى كان فى صلبها فى رحمها ، فاختلط الماء أن فعلقت بذلك.

3-  حبل به بمصدر غير بشرى:

        سجل كتاب التفسير المنير ص 4 حديثا أدلى به يوسف النجار لمريم العذراء جاء فيه: قال وهب أن مريم لما حملت بعيسى كان معها أبن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذى عند جبل صهيون وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم فى أهل زمانهما أحد أشد عبادة منهما وأول من علم حمل مريم هو يوسف فتحير فى أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها وأنها لم تغيب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها رأى الذى ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم به أن قال قد وقع فى نفسى من أمرك شئ وقد حرصت على كتمانه فغلبنى ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدرى فقالت قل قولا جميلا قال أخبرينى يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذى أنبته من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث والقادرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أو تقول أن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ولولا ذلك لم يقدر على انباتها فقال يوسف لا أقول هذا ولكنى أقول أن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون فقالت له مريم آلم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وأمرأته من غير ذكر ولا أنثى فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها فى خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنت ولادتها أوحى الله إليها أن أخرجى من أرض قومك فخرجت أقصى الدار.

4-   ذكره القرآن باسم أمه:

        آدم وحواء والمسيح ، هؤلاء الثلاثة خروج على قاعدة خضع لها ملايين الملايين من البشر الذين استلوا طريقهم نحو الحياة من بوابة الميلاد الذى صنعته الأمومة وغرسته الأبوة.

     فآدم ليس له أب وأم.

     وحواء لها مصدر ذكرى وليس لها مصدر أنثوى.

     أما المسيح فليس له بين الناس أب ، له أن يقول يا أماه ن وليس له أن يقول يا أبى.

     لآدم وحواء عذر فى هذا ، فلم يكن قبلهما بشر ولا بشرى ، منه يأتينا آدم وتفد إلينا حواء.

     أما المسيح فلماذا ولدته عذراء؟

     ولماذا لم تكن أمه سيدة ثيبا.

        هل أختفى الرجال عن مسرح زمانها ، بحيث لم نجد لها صاحبا؟ كلا ، لأن الصاحب كان مصاحبا. وكما أغفل التاريخ ذكر أبيه الحقيقى (الله) إلا ان القرآن ذكر أسم أمه أكثر من أم أى شخص آخر. فمريم هى الإسم الأنثوى الوحيد فى القرآن.

5-   سجدت له الآجنة وهو فى البطن:

        ذكر الطبرى أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى فجاءت أختها زائرة فقالت يا مريم أشعرت أنى حملت ، فقالت لها مريم أشعرت أنت أيضا أنى حملت ، فقالت لها وأنى لأجد ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك ، وذلك أنه روى أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم. ويحيى هذا (يوحنا المعمدان) جاء عنه فى الحديث عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: "كل أبن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى أبن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا".

6-   تكلم وهو فى المهد بعد الولادة مباشرة:

        يذكر القرآن أن السيد المسيح تحدث وهو فى المهد بعد الولادة مباشرة ثلاث مرات ـ المرة الأولى: تحدث إلى أمه بعد ولادته مباشرة (فناداها من تحتها لا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى وإشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحد فثولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) وهنا نجد السيد المسيح يذكرعنه القرآن إنه نطق فى المهد لكى يعز بها ويعرفها ما يجب أن تفعله (لا تحزنى ـ هذى بجزع النخلة ـ أشربى من ينبوع ماء يفجره الله لك ماءا سريا ـ كلما من رطب النخلة ـ قرى عينا ـ إذ سألك أحد قولى أنى نذرت صوما للرحمن فلن أكلم اليوم أحدا). المرة الثانية: دافع عن أمه مريم 27-29 (فأنت به قومها تحمله قولوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا).

     قال المفسرين أن قوم مريم لما بالغوا فى توبيخها سكنت إشارت إلى وليدها كأنها تقول لهم هو الذى يجيبكم.

     قال السدى لما أشارت إليه غضبوا غضبا شديدا وقالوا أن بسخريتها بنا أشد من زناها.

     وفى رواية أخرى أن عيسى كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهة وأتكأ على يساره وأشار بسبابته وكلمهم.

     وهناك رواية أخرى نقلها الرازى أن زكريا أتاها عند مناظرة اليهود أياها فقال لعيسى أنطق بحجتك أن كنت أمرت بها فقال عيسى (أنى عبدالله أتانى الحكمة وجعلنى نبيا).

المرة الثالثة: كلامه مع قوم أمه: مريم 30-34 (قال أنى عبدالله أتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى شقيا والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أموت ويوم أبعث حيا. ذلك عيسى أبن مريم قول الحق الذى فيه يجترون). وهنا يتحدث السيد المسيح مع قوم أمه ويصف نفسه ورسالته التى أتى من أجلها ويعطى لنفسه ألقابا وصفاتا:

أ‌-   نبى الله.                                      ب‌- مباركا أينما كنت.

ج‍‌-  بارا بوالدتى.                                 د‌-  جبارا شقيا.

هـ‌- السلام على يوم ولدت (الوحيد).              و‌-  فيه يجترون.

أ‌-   المسيح عبد الله:

أ‌-   قال المسيح عن نفسه فى القرآن: (قال أنى عبد الله). مريم 30.

ب‌-  وقال القرآن عنه: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدالله ولا الملائكة المقربون) النساء 172.

ج‍‌-  وقال عنه الله مرة آخرى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ، وجعلناه مثلا بنى إسرائيل) (الزخرف 59).

جاء فى كتبا أسباب النزول تأليف الشيخ النيسابورى ص 106 ، 107:

     قوله تعالى (المائدة 77) (لا تغلوا فى دينكم) الآية نزلت فى طوائف من النصارى حين قالوا عيسى أبن الله ، فأنزل الله تعالى ـ لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقز

     قوله تعالى (لن يستنكف المسيح) الآية. قال الكلبنى: إن وفد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى ، قال: وأى شئ أقول فيه؟ قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله ، فقال لهم:  إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدا لله ، قالوا: بلى ، فنزلت: لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله.

أما كتابنا المقدس فقد ذكر هذا المسمى بصورة ليفتخر بها ولا يخجل منها: قال الرسول بولس: "فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضا. الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله لكنى أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا فى شبه الناس. وإذا وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه أسما فوق كل أسم لكى تجثو بأسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب" (فيلبى2: 5-11).

(ب‌)  المسيح نبى الله:

        إذا دعى المسيح نبيا فى القرآن ، فهذا أمر طبيعى... أما إذا لقب بهذا اللقب فى الإنجيل ، فهذا لا يؤرقنا.

جاء فى حديث المسيح لقوم مريم أمه: (قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا) (مريم19: 30). فالمسيح بموجب هذا لقول نبى قرىنى ، ومن الأنبياء المعتمدين فى القرآن أما الإنجيل فيذكر هذا الأمر بإيضاح:

أ‌-   فى نبؤة موسى عنه: "يقيم لك الرب إلهك من بين إخوتك نبيا مثلى".

ب‌-  فى حديث نثانائيل: "فيلبس وجد نثانائل وقال وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس ، يسوع بن يوسف ، النبى الذى من ناصرة الجليل".

ج‍‌-  بعد إقامة أبن أرملة نايين: "صرخت الجموع قائلة: قد قام فينا نبى عظيم وأفتقد الله شعبه".

د‌-   فى حديث المرأة السامرية: "قالت للمسيح أرى أنك نبى".

ه‍‌-   فى مأدبة سمعان الفريسى: "فكر فى نفسه قائلا: لو كان هذا نبيا ، لعلم من هذه المرأة ، وما هو حالها".

و‌-   فى حديث تلميذى عمواس: قائلا "نبى مقتدر فى القول والفعل".

ز‌-   بعد إشباع الجموع بالخبز والسمك: "فى الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا بعد ما أشبعهم من الخبوز قالن الجموع عنه: بالحقيقة هذا هو النبى الآتى إلى العالم.

أنبياء القرآن:

        بموجب النصوص القرآنية ، يتبين أن من دعى عليهم أسم النبى كانوا عددا قليلا لا يزيد عن أصابع اليدين.

أ‌-   ابراهيم: جاء فى (سورة مريم19: 41) "واذكر فى الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا".

ب‌-  اسحق: جاء فى (سورة مريم19:49) فى معرض حديثة عن ابراهيم قوله: ووهبنا له اسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا" وجاء فى سورة (الصافات37: 112) وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين".

ج‍‌-  يعقوب: نفس النص السابق.

د‌-   إدريس: "واذكر فى الكتاب إدريس أنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا"(سورة مريم19: 56).

ه‍‌-   موسى: "واذكر فى الكتاب موسى ، إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا" (سورة مريم19: 54) (إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (عدد 54)ز

ز‌-   يحيى بن زكريا: جاء فى بشارة الله لزكريا بمولد يوحنا المعمدان "إن الله يبشرك بيحيى ، مصدقا بكلمة من الله ، وسيدا وحصورا ونبيا" (آل عمران3: 39).

ح‍‌-  عيسى ابن مريم: "قال إنى عبد الله ، آتانى الكتاب وجعلنى نبيا" (مريم19: 30).

وذكر القرآن الأنبياء أو النبيون بأسلوبى جمع التكسير المذكر السالم.

ط‌-  محمد بن عبد الله: وهو الذى خاطبه الله فى القرآن بكلمة يا أيها النبى عشرات المرات (راجع الأحزاب33: 28 ، المتحفة60: 12 ، التحريم66: 1 ، 9).

        أما هود ، وشعيب ، وصالح ، وذو الكفل فلم يطلق عليهم القرآن لقب نبى ولنا معهم دراسة فى كتاب آخر هو المسيح بين الأنبياء.

النبؤة:

        وردت كلمة نبؤة فى القرآن خمس مرات ، تحدثت كليها على قصرة النبؤة على بنى اسرائيل ، وبصفة خاصة على نسلى اسحق ويعقوب (راجع كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمؤلفه أ. محمد فؤاد عبدالباقى ص 687).

أ‌-   (سورة الأنعام6: 89) (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين ، وزكريا ويحيى وعيسى والياس كلا من الصالحين ، واسماعيل وأليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين.. أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبؤة).

ب‌-  (سورة العنكبوت29: 27) (وهبنا له ـ لأبراهيم اسحق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبؤة والكتاب.

ج‍‌-  (سورة الجاثية45: 16) (ولقد آتينا بنى اسرائيل الكتاب والحكم والنبؤة).

د‌-   (سورة الحديد57: 26) (ولقد أرسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون).

        واضح من السرد السابق حصر النبوة فى نسل نوح. ثم حصرها فى ابراهيم الذى تناسل من عابر بن سام ابن نوح.

أما عن شروط النبوة فقد قالها القرآن فى:

ه‍‌-   (سورة آل عمران3: 79) (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله).

المسيح نبى الله يبدأ خدمته فور ولادته:

      إذ نطق المسيح ف مهده ، فهذه معجزة. أما كلماته التى فاه بها ، فقد دلت على شئ آخر.. إن المسيح بدأ خدمته فور ولادته. فلا فاصل زمنى بين بدائته ككائن ، وبدائته كنبى. "فأتت أمه تحمله إلى قومها... قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ، ياأخت هارون ، ما كان أبوك امرئ سوء ، وما كانت أمك بغيا). فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا. قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا. إن المسيح لم يصغ وقتا من عمره فى غير خدمته ، فهو يكلم الناس فى المهد وكهلا ، أى من طفولته حتى كهولته.

     إن موسى بدأ خدمته فى سن الثمانينز

     ومحمدا بدأ خدمته فى سن الأربعين.

     أما المسيح فقد آتاه الله الكتاب وجعله نبيا وهو فى "اللفه" وهذا ما لم يتوفر لغيره لا من قبله ولا من بعده.

     فموسى الشيخ النبى ، ومحمد الرجل النبى ، أما المسيح فهو الوليد النبى. وهذه سمة أنفراد بها عن طابور الأنبياء فنطق المسيح المعجزة ، يدل على خدمة المسيح المعجزة.

وجعلنى مباركا أينما كنت:

        يقول القرىن عن لسان المسيح: "وجعلنى مباركا أينما كنت" (مريم 31). قال الطبرى عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان إن يفسر "جعلنى مباركا" هو جعلنى معلما للخير. وقال الإمام الرازى قوله "وجعلنى مباركا أينما كنت". إن فى تفسير المبارك وجوها (أحدها) أن البركة فى اللغة هى الثبات ، وأصله من بروك البعير فمعناه جعلنى ثابتا على دين الله مستقرا عليه. (وثانيهما) أنه إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم وديدعوهم إلى طريق الحق ، فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله. وروى الحسن عن النبى قال: أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى الكتاب ، فقالت للمعلم: أدفعه إليك على ألا تضربه فقال له المعلم: أكتب فقال أى شئ أكتب؟ فقال: أكتب أبجد. فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال: هل تدرى ما أبجد؟ فعلاه بالدره ليضربه فقال: يا مؤدب لا تضربنى إن كنت لا تدرى فاسألنى فأنا أعلمك: الألف من آلاء الله ، والباء من بهاء الله ، والجيم من جمال الله ، والدال من آداء الحق إلى الله. (وثالثها) البركة الزيادة والعلوم ، فكأنه قال: جعلنى فى جميع الأحوال غالبا مفلحا منجحا لأنى ما دمت أبقى فى الدنيا أكون على الغير مستعليا بالحجة ، فإذا جاء الوقت المعلوم يكرمنى الله تعالى بالرفع إلى السماء. (ورابعها) مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعائى إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص. عن قتاده أنه رأته أمرأة وهو يحيى الموتى ويبرئ الأكمة الأبرص ، فقالت طوبى لبطن حملك وثدى أرضعت به. فقال عيسى عليه السلام مجيبا: طوبى لمن تلا كتاب الله وأتبع ما فيه ولم يكن جبارا. جاء فى كتاب عرائس المجالس للإمام الثعلبى ص 398 ، 399: أعلم أن الحواريين كانوا أصفياء عيسى بن مريم وأولياءه وأرضياءه وأنصاره ووزراءه وكانوا ردلا وأسماؤهم شمعون الصفار المسمى بطرس وأندراوس أخوه ويعقوب بن زبدى ويحيى أخوه وفيلبس وبرتولوماوس وتوما ومتى العشار ، ويعقوب بن حلفا وليا الذى يدعى تداوس وشمعون القنانى ويهوذا الأسخريوطى عليهم السلام.

        واختلف العلماء فيهم لم سموا بذلك؟ فقال أبن عباس: كانوا صيادين يصطادون السمك فمر بهم عيسى فقال لهم ما تصنعون؟ فقالاو نصطاد السمك. فقال لهم ألا تمشون معى حتى نصطاد الناس ، قالوا وكيف ذلك؟ قال ندعوا إلى الله. قالوا ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله. قالوا: فهل يكون أحد من الأنبياء فوقك؟ قال نعم النبى العربى فأتبعه ألئك وآمنوا به وانطلقوا معه. وقال السدى: كانوا ملاحين وقال أبن أرطاة: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يخورون الثيات: أى يبيضونها.

        أخبرنا أبن فتحويه باسناده عن مصعب قال: الحواريون إثنا عشر رجلا اتبعوا عيسى فكانوا إذا جاعوا قالوا: يار روح الله جعنا فيضرب بيده إلى الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج لكل إنسان رغيفان فيأكلهما وإذا عطشوا قالوا: ياروحا لله عطشنا فيضرب الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج الماء فيشربون. فقالوا يا روح الله من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا أسقيتنا وآمنا بك واتبعناك؟ قال أفضل منكم من يعمل بينده ويأكل من كسبه. قال فصاروا يعملون الثياب بالكراء. قال ابن عون: صنع ملك من الملوك طاما فدعا الناس إليك ، ومال عيسى على قصعة فكانت القصعة لا تنقص. فقال له الملك من أنت؟. قال عيسى بن مريم قال الملك إنى أترك ملكى وأتبعك فانطلق بمن اتبعه منهم وهوم الحواريون ، وقيل هو الصباغ وأصحابه وقد مضت القصة.

        قال الضحاك: سموا حواريين لصفاء قلوبهم وقال عبد الله بن المبارك سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وبياضها وبهاؤها. وأصل الحور عند العرب شدة البياض ، ومنه الأحور والحور. قال الحسن: الحواريون الأنصار وقال قتادة هم الذين تصلح لهم الخلافة.

        جاء فى كتاب أسباب النزول تأليف الشيخ النيسابورى ص 127 ، 128 ما نصه: قوله تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليومنن بها) إلى قوله تعالى ـ ولكن أكثرهم يجهلون ـ أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل قال: حدثنا محمد بن يعقوب الأموى قال: حدثنا أحمد بن عبدالجبار قال: حدثنا يونس بين بكير عن أبى معشر ، عن محمد بن كعب قال: كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قريش فاقلوا: يا محمد تخبرنا أن موسى عليه السلام كانت مع عصا ضرب بها الحجر فانفجرت منه أثنتا عشر عينا ، وأن عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى ، وأن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك ، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: أى شئ تحبون أن آتيكم به ، فقالوا: تجعلم لنا الصفا ذهبا: فإن فعلت تصدقونى؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين فقام رسول الله صلى عليه وسلم يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام وقال: إن شئت أصبح الصفا ذهب ولكنى لم أرسل آية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: اتركهم حتى يتوب تائبهم فنزل الله تعالى (وأقسموا بالله جهدا أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) إلى قوله (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله).

(د‌)   وبرا بوالدتى:

        قيل عن يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا): "وبرا بوالديه" أما المسيح فقال "وبرا بوالدتى" ذلك لأن يحيى كان له والدان ،والد ووالدة. أما المسيح فلم يكن له والد ،ولم يكن له أكثر من والدة ، فهى والدة بلا والد وهو مولود بوالدة من غير أن يلده والد أو أب.

عاش المسيح برا بوالدته منذ طفولته حتى صليبه:

أ‌-   طفل الأنى عشر عاما:

        جاء فى إنجيل القديس لوقا قوله: "وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم فى عيد الفصح ولما كانت له أثنتا عشرة سنة صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد. وبعد ما أكملوا الأيام بقى عند رجوعهما الصبى يسوع فى أورشليم ويوسف وأمه لم يعلما. وإذا ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف. ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه ، وبعد ثلاثة أيام وجداه فى الهيكل جالسا فى وسط العلمين يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته فيما أبصراه أندهشا وقالت له أمه يا بنى لماذا فعلت بنا هكذا هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين فقال لهما لماذا كنتما تطلباننى ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فى ما لأبى فلم يفهما الكلام الذى قاله لهما ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعا لهما وكانت أمه تحفظ جميع هذه الأمور فى قلبها" (لو2: 41-51). ففكى به ما قاله الإنجيل: كان خاضعا لهما.

ب‌-  شاب العقد الرابع:

        وبعد هذا التاريخ تحولت العذراء إلى تلميذه مع تلاميذه ، تتلمذت عليه ، بعدما تربى هو عليها وبها ، وصارت تسمع له ، كما سمعت صوته أذنا البشرية كلها.

        جاء فى أنجيل القديس متى: "وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه. فقال هل واحد هوذا أمك وأخوتكم واقفون خارجا طالبين أن يكلموك فأجاب وقال للقائل له من هى أمى ومن هم إخوتى ثم مد يده نحو تلاميذ وقال ها أمى وإخوتى لأن من يصنع مشيئة أبى الذى فى السموات هو أخى وأختى وأمى." (مت12: 46-50)ز

ج‍‌-  رجل فوق صليبه:

        إن المريض ومن يكون فى ضيقة يكون موضع اهتمام من حوله ، ولا يطلب منه أن يهتم بأحد أما املسيح فوق صليبه فقد اهتم بأمه ، أكثر من ولع ولوعة أمه عليه ،ولم يسلم روحه ليد أبيه ، قبلما يسلم أمه ليد تليمذه.

        جاء فى إنجيل القديس يوحنا: "وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية. فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذى كان يحبه واقفا قال لأمه يا أمرأة هوذا أبنك ثم قال للتمليذ هوذا أمك ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته". (يو19: 24-27).

ه‍‌-  ولم يجعلنى جبارا شقيا:

        يتسم الإسلام بثلاثة أمور نشر بها وانتشر: السرايا ، الغزوات ، الفتوحات. الأولى والثانية حدثتا فى عهد محمد ، أما الثالثة فقد تمت فى عهود الخلفاء الراشدين. لقد بلغت السرايا 47 سرية ، أما الغزوات فعددها 28 غزوة. فعندما استقر فى المدينة ، كان يرسل سرايا لتتعرض للقوافل التى تسير من قريش ومكه إلى الشام أو التى تعود من الشام إلى الحجاز.

        ذكر الأستاذ/ عبدالرحمن عنبر فى كتابه عيسى ومحمد ص 27 أن القافلة الواحدة كانت تحوى من 2000 إلى 3000 جمل محملة ذهابا وعودة ، وكانت تضم من 200 إلى 300 حارس.

        وذكر مؤلف كتاب مكة أم القرى الأستاذ/ عبدالغنى عبدالرحمن محمد فى كتابه ص 46 أن الغزوات أسماؤها كالتالى: غزوة بدر الكبرى ، غزوة أحد ، غزوة الأحزات (الخندق) ، ومحاربة بنو قنيقاع وبنو النضير وبنو قريظة ، وحملة خيبر ، غزوة مؤته ، فتح مكة ، غزوة حنين وأخيرا غزوة تبوك.

        فماذا يكون حاصل جمع وضرب هذا العدد فى 47 سرية مع تثمين كل هذه الغنائم؟. والأستاذ/ سعيد حوى فى كتابه "الرسول" فى ص 14 وصف الرسول محمد بصفات كثيرة قال فيها: كان الرسول ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة إذا جاء مع القوم غمرهم أبيض ضخم الهامة (أى الرأس) أغر أبلج أهدب الأشفار (أى طويل شعر العين أسوده) كأن العرق فى وجهه كاللؤلؤ لم أر قبله ولا بعده مثله.

        ومن وصف هند بن أبى هالة له: كان رسول الله فخما مفخما يتلألأ وجهه تلؤلؤ القمر ليلة البدر..عظيم الهامة رجل الشعر.. أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ فى غير قرن بينهما عرق بدره الغضب (الحاجب الأزج المقوس الطويل الوافر الشعر) أقنى العرنين (العرنين الأنف أو ما صلب منه والقنأ طول الأنف ودقة أرنبته وأحدداب وسطه) له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم (الأشم الطويل قصبة الأنف) كث اللحية أدعج (الدعج شدة سواد العين) سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان (أى لأسنانه رونق وغير متراكبة) دقيق المسرية (أى خفيف أشعر ما فوق السرة) كأن عنقة جيد دمية فى صفاء ، معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين.. أنور المتجرد طويل الزندين رحب الراحة. شئن الكفين والقدمين سابل الأطراف (أى طويل الأصابع) خمصان الأخمصين.. ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء..

        أما الإمام الثعليبى فى كتابه عرائس المجالس ص 395 فقد وصف عيسى بهذه الصفات: قال كعب الأحبار: كان عيسى بن مريم رجلا أحمر مائلا إلى البياض ما هو سبط الرأس ولم يدهن رأسه قط وكان عيسى يمشى حافيا ولم يتخذ بيتا ولا حلية ولا متاعا ولا ثيابا ولا رزقا إلا قوت يومه وكان حيثما غابت الشمس صف قدميه وصلى حتى يصبح وكان يبرئ الأكمة والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله وكان يخبر قومه بما يأكلون فى بيوتهم وما يدخرون لغد وكان يمشى على وجه الماء فى البحر وكان أشعث الرأس صغير الوجه زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة حريصا على عبادة الله وكان سياحا فى الأرض حتى طلبته اليهود وأرادوا قتله فرفعه الله إلى السماء والله أعلم.

        وكلمة جبار شقيا ماذا تعنى: الجبار هو من كانت يده على كل أحد. والشقى من كانت يد كل أحد عليه. فالمسيح لم تكن يده على أحد ولم تتسلط يد أحد عليه.

و‌-     والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا:  

        فيحيى  بن زكريا قيلت عنه الآية: (مريم19: 14) (سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) أما السيد المسيح فهو قائلها وليس قابلها. فليحيى بن زكريا قيلت عنه وللمسيح بين مريم قيلت منه. وهذا النص منفرد به المسيح فى القرآن فهو قد ولد ومات ثم بعث حيا قبل أن يرفع نحو السماء إلى الله أبيه وسيد الكل. وحتى لو تضمن النص بعث المسيح يوم القيامة فهذا يدل على السلام الذى يحيط بالمسيح من كل ناحية من يوم ولد حتى بعدما يموت وإلى أن يقوم فالمسيح قد انفرد بهذه المقولة القرآنية ولم تطلق على آخر غيره ولم يطلقها أحد غيره. أن يحيى بن زكريا الذى قيلت عنه تختلف فى معناها عن تلك قالها المسيح عن نفسه. (وسلام عليه ، وسلام على) (يوم ولد ، يوم ولدت) (يوم يبعث حيا ، يوم أبعث حيا) فمن يملك أن ينطق بهذا إن لم يكن هو السلام والسلام أحد اسماء الله الحسنى الـ 99 ويذكر القرآن عن محمد (أن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (الأحزات 56) وهنا نرى أن القرآن يفرض على جميع المسلمين فى كل العصور أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما.

        أما المسيح فيشهد حسب القرآن: السلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا). فإبن مريم هو رئيس السلام الذى عاش من بداية حياته إلى نهايتها فى سلام مع الله وفى رضاه.

        وقد تمت ودلاته من مريم العذراء حسب إرادة الله وقدرته بدون خطية. فعم السلام لأجل تجسد كلمة الله حتى انفتحت السماوات وأنشدت الملائكة مرنمة: "المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لوقا2: 41).

        مات المسيح موتا حقيقيا إنما لم يمت بسبب خطاياه بل بسبب خطايانا نحن الخطاة فأختبر المسيح حتى فى موته السلام مع الله جميع الناس يموتون بسبب خطاياهم الشنيعة "لأن أجرة الخطية هى موت) (رومية6: 32). أما الله فسر بالمسيح لأنه صالح القدوس مع البشر بموته النيابى عنهم فتستقر مسرة الله على أبن مريم.

        يروى أبن هشام فى كتابه عن سيرة النبى أن محمدا مات بعد حمى شديدة وقال إن سم اليهود كسر قلبه لقد دست إمراة يهودية السم فى طعامه فمات الضيف عند محمد ولكنه لاحظ السم وبصق الطعام قبل بلعه. إنما دخل قليل من السم فى جوفه وأدى إلى وفاته فمات محمد موتا غصبا عنه على صدر زوجته عائشة فى المدينة المنورة.

        لم يمت المسيح حسب القرآن نتيجة لمرض أو حيلة من أعدائه إنما الله تدخل فى هذا الأمر حسب سورة آل عمران 3: 55 وقال القدير للمسيح شخصيا: إنى متفيك ورافعك إلى (مع العلم أن هذه الحادثة غير معلنة فى الإنجيل) فنستنتج من هذه الآية أن المسيح لم يمت موتا عاديا بل توفى حسب خطة الله ولطفه فى السلام.

        لا ينكر القرآن موت المسيح التاريخى خاصة إن قرآنا نبوة المسيح عن نفسه فى سورة مريم19: 33 حيث يقول: "السلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا". المسيح ولد ومات وقام من قبره حسب القرآن كما أخبرنا الإنجيل مسبقا. وكل من يؤمن بهذه الحقيقة التاريخية يحيا مع الحى المقام من بين الأموات.

        ويلاحظ أن السيد المسيح سوف لا يموت بعد رجوعه على الأرض لأنه لم يقل "سوف أموت" فى المستقبل البعيد بل قال "أموت" فى المستقبل القريب الحاضر. فالقرآن يعترف بولادة المسيح وموته وقيامته متتابعا كما يشهد جميع المسيحيين متأكدين من تاريخية موت أبن مريم.

        مات المسيح بإرادته فى سلام تام. ونقرأ فى الإنجيل أن المسيح عرف كيفية موته مسبقا وعين اليوم والساعة لوفاته. فمات طوعا لا غصبا حسب إرادة الله. يموت الجميع لأجل خطاياهم ، إلا المسيح الذى لم يخطئ قط. فيوجد لموته فى سلام الله معنى خاص ، لأنه رفع فى محبته كحمل الله خطية العالم.

        دفن محمد فى المدينة المنورة وقبره معروف حتى الأن. ويزوره ملايين من الحجاج سنويا مؤمنين أن عظام محمد لا تزال فى قبره وأن نفسه دخلت البرزخ وهو ينتظر يوم الدين العظيم.

        أما المسيح فرفعه الله إليه: "إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى" (آل عمران3: 55) "بل رفعه الله إليه" (النساء4: 158). فالله أخرج أبن مريم من قبره ، وأصعده إلى نفسه ، وهو من المقربين وجيها فى الدنيا والآخرة". "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين" (آل عمران3: 39).

        لقد وجد قبر المسيح فارغا لأنه قام حقا كما أعلن مسبقا وأما عظام محمد فلا تزال فى قبره المسيح حى وأما محمد فميت لم يقم بعد من الأموات ولم يصعد إلى جنة عدن حتى الأن. ما أعظم الفرق بين الموت والحياة.

        إن قيامة المسيح من بين الأموات هى أعظم برهان على براءته وقداسته ولو ارتكب المسيح خطية واحدة فى حياته لوجد الموت فيه حقا وقبضه مثل محمد. لكنه لم يرتكب خطية ولا شبه خطية ، ولأجل ذلك غلب الموت ، وترك قبره ظافرا ، فالمسيح حى ، لذلك يشهد جميع المسلمين عند ذكر أسم المسيح "السلام عليه" شاهدين بأنه يحيا فى السلام.

        لقد أختبر محمد اضطهادات مرة ، وقام بالجهاد والحروب مرارا وأمر بقتل أعدائه والمشركين والمرتدين. "اقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فأقتلوهم كذلك جزاء الكافرين" (البقرة2: 191). "فلا تتخذوا منهم أوليا حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم" (النساء4: 89). "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" (الأنفال8: 17). "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال8: 39). "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم وأقعدوما لهم كل مرصد" (التوبة9: 5).

        فلم يأت محمد بسلام بدون جهاد بل أمر بغزوات وأشترك بسفك الدماء لأجل السلام ، فكان أمير المؤمنيين والقائد السياسى المحنك فى الجزيرة العربية.

        لقد اضطهد اليهود المسيح بالعنف أيضا إنما لم يدافع عن نفسه بالسيف ومنع اتباعه من سفك الدماء قائلا: "من يأخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ" (متى26: 52) فكل مسيحى يقاتل لأجل نصر المسيحية بالسلاح سافكا دم الأعداء يدخل جهنم لأنه يعصى ويخالف أمر سيده رئيس السلام أما المسلم الذى مات فى الجهاد فيرجو انتقاله إلى الجنة مبررا. فيظهر جليا أن المسيح وحده أسس سلاما حقيقيا دون قتال وحرب. بينما فرض محمد الجهاد والقتال مرارا على المسلمين أما المسيح ففضل أن يسفك دمه الثمين عوضا عن دم أعدائه ، لكى لا يقتلهم. وصلى لأجل قاتليه: "أغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (لوقا23: 34).

و‌-   فيه يمترون:

        جاء فى سورة مريم قول القرآن: "ذلك عيسى أبن مريم قول الحق الذى فيه يمترون" وكلمة يمترون أى يختلفون. يؤمن المسيحيون بالرب يسوع أنه الإله المتجسد ، الذى قبل أن يتحد بطبيعتنا الإنسانية حتى يموت نائبا عن الجنس البشرى فيتم الفداء بكفارته اللا محدودة وبهذا يرفع عقوبة الموت عن كل من يقبله كفادى للبشرية. فالسيد المسيح ليس إنسانا عاديا ، بل هو الله نفسه ، وقد صار له كيان جسدى ولكن دون أن يحده مكان ما ، فقد كان على الأرض فى نفس الوقت الذى كان فيه فى السماء. "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء أبن الإنسان الذى هو فى السماء"(يو3: 13). لقد صار منظورا فى الزمان ولكن دون أن يحده زمان. "وها أنا معكم كل الأيام وإلى أنقضاء الدهر آمين" (مت28: 20)ز "لم يزل إلها أتى وصار أبن بشر" (تذاكية يوم الخميس).

        وإن كان السيد المسيح قد اتخذ صورة الإنسان ، وصار فى شبها لناس فى ملء الزمان فلا يجب أن ننسى إطلاقا أنه الأزلى الأبدى السرمدى الضابط الكل. وهنا يجب أن ننتبه إلى حقيقتين هامتين:

1-   أنه لاصحة إطلاقا لما يردده بعض المؤلفين الغير مسيحيين على اختلاف فى شخص المسيح. فالواقع أنه ليس هناك أدنى اختلاف بين الطوائف المسيحية فى الإيمان بلاهوت السيد المسيح فالكل يؤمنون بأنه الإله الظاهر فى الجسدز حقيقة إنه كان هناك اختلاف لا ينكر بين الطوائف المسيحية فى طريقة التعبير عن الأتحاد القائم بين لاهوت السيد المسيح وبين ناسوته.. ولكن هذا الاختلاف لا يمس من بعيد أو قريب وحدة إيمانهم بلاهوت السيد المسيح وبناسوته وإيمانهم المتفق بالمسيح إنه الإله المتأنس. وقد حسم هذا الأختلاف بعدى خمسة عشر قرنا فى هذه السنوات القريبة. فالخلاف محصور فقط فى طريقة التعبير عن اتحاد اللاهوت والناسوت وهذا لا يمس اطلاقا إيمانهم بأزلية المسيح أو أبديته أو...الخ.

2-   إنه لاصحة إطلاقا لما يردده بعض المؤلفين الغير المسيحيين من أن عقيدتنا فى لاهوت السيد المسيح قد تطورت وأن إيماننا بلاهوت السيد المسيح ليس هو الإيمان الذى كان موجودا فى عصر المسيحية الأول.. وأن عقيدة الثالوث هى من نتاج مجمع نيقية فى القرن الرابع. فالحقيقة الدامغة إن إيماننا هو بعينة الإيمان الرسولى الذى دافع عنه الأباء الرسل.. هناك آيات كثيرة جدا فى العهد الجديد تؤكد أن إيمانا بلاهوت السيد المسيح عقيدة كتابية بكل يقين ، إلى جانهب أن كتابات آباء الكنيسة فى القرون المسيحية الأولى السابقة لمجمع نيقية تؤكد إيمان المسيحيين الأوائل.

ثالثا:   ميزات لم ينالها غير السيد المسيح:

     هناك أمور اشترك فيها السيد المسيح مع الناس وهناك أمور أنفرد فيها السيد المسيح ولم يشترك أو يشابهه فيها أحد.

     وقد أفرد القرآن السيد المسيح وأعطاه من الصفات ما تجعله مميزا عن غيره من الشر قد أطلق المسيحيون على السيد المسيح لقب (الوحيد الجنس). لأنه وحيد فى نبوته للآب ووحيد فى ميلاده... لذلك وجدنا أنه من الواجب أن تدريس بعض من تلك المميزات الكثيرة التى أنفرد بها السيد المسيح القرآنى الإنسان.

1-  مؤيدا بالروح القدس:

        الروح القدس كلمة إنجيلية أما فى القرآن فيقابلها كلمة روح القدس. والفرق بين كليهما أن القدس فى الأولى صفة ، وفى الثانية مضاف إليه. تفهم إذا ترجمناها للغة أخرى ، فمثلا كلمية Holy Spirit تعنى الروح القدس ، أما كلمة Spirit of the Holy تعنى روح القدس. سواء هذا أم ذلك. فلا أحد غير المسيح تأيد بروحا لقدس ، وإن اختلفلت آراء الأئمة والمفسرين فيمن يكون روح القدس هذا. فعيسى أبن مريم مؤيد من السماء. هذا التأييد تأييد بروح القدس ، الذى قد يكون جبريل كروح الله القدوس ، وقد يكون الروح الذى به كان عيسى يصنع المعجزات ، وقد يكون روح الله القدوس ذاته كقول الفقهاء إن من قال إن روح القدس مخلوق فهذه بدعة. إن اختصاص السيد المسيح دون الرسل أجمعين ، بتأييد الروح القدس الدائم له فى سيرته ورسالته وشخصيته: يحصر القرآن لأحد آخر تأيد الروح القدس ، أما السيد المسيح فيمتاز فى القرآن بتأييد الروح القدس الشامل المطلق له فى السيرة والرسالة الشخصية كما نرى فى النصوص الآتية:

     (ولقد آتينا موسى الكتاب ، وقفينا من بعده بالرسل ،وآتينا عيسى بين مريم البينات وأيدناه بروح القدس) (البقرة 87) وواضح هنا أن السيد المسيح من دون الرسل له الروح القدس.

     (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) (البقرة 23).

     (إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس فى المهد وكهلا) (المائدة 110).

جاء فى تفسير الطبرى:

        وقد خص الله مريم بمالم يؤته أحدا من النساء ، وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ فى درعها ، ودنا منها للنفخة. فليس لأحد من النساء هذا ، وصدقت بكلمات ربها ولم تسال عندما بشرها جبريل كما سأل زكريا لذلك سماها الله صديقة فقال (وأمه صديقة) وقال (صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى ، وشهد لها بالقنواتز فحينما بشر زكريا بغلام لحظ كبر سنه ، وعقامة رحم إمرأته فقال: أنى يكون لى غلام؟ فسأل آية وبشرت مريم بالغلام فحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها (كذلك قال ربك) فاقتصرت على ذلك وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنهة هذا الأمر.

        قال ابن عباس: "إن روح القدس هو الأسم الذى كان عيسى يحيى الموتى" وقال أبو مسلم: "روح القدس الذى أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التى نفخها الله تعالى فيه ن وابانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع الذكر والأنثى". ونقرأ فى النساء 171: "المسيح عيسى بن  مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فأمنوا بالله ورسله".

        وخلاصة هذه الآيات أن الله أعطى عيسى فى ذاته روحا وأن هذا الروح يؤيده فى شخصيته ومع ذلك فقد اختلف علماء الإسلام فى تفسير الروح القدس الذى تأيد به المسيح فقد قال أبن أنس: "هو الروح الذى نفخ فى المسيح. أضافة الله إلى نفسه تكريما وتخصيصا والقدس هوا لله يدل عليه قوله "فنفخنا فيه من روحنا".

        وقال السدى وكعب: "روح القدس هو اسم الله الأعظم ،وبه كان عيسى يحيى الموتى". وقال القاشانى: "الله طهر جسم عيسى من الأقذار الطبيعية ، فهو روح متجسد ، فى بدن مثالى روحانى ،وذلك من صفاء جوهر طينته ولطافتها وصفاء طينة أمه وطهارتها. ونزه روحه وقدسه من التأثير بالهيئات الطبيعية والصفات البدنية ، لتأييده بروح القدس ، الذى هو على صورته". وقال أبن عطا: "إن أحسن النبات ما كان ثمرته مثل عيسى روح الله". وقال البيضاوى: "كان المسيح يحيى الأموات والقلوب ، لذا سمى إن تعليم القرآن عن الروح غامض "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء 85). وروح القدس الذى اختص به عيسى ابن مريم دون سائر الناس والأنبياء ، هو خلاف باقى الأرواح وإضافته ونسبته إلى القدس تجعله فى صلة خاصة بالله تعالى ، فقد جعلوا "القدس" مرادفا لله (ابن عباس) فإنه نزله على قلبك بإذن الله ، مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين" (البقرة 97). وبهذا فهو يتميز عن روح القدس الذى خص القرآن تأييد المسيح به فهو روح قدرة إلهية ، به أحيا عيسى الموتى وخلق من الطين طيرا".

        وقد أيد الله نفسه عيسى ومن اتبعوه فيقول: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى أبن مريم للحواريين: من أنصارى إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله فأمنت طائفة من بنى اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فاصبحوا ظاهرين" (الصف 14).

2-  لا سلطان للشيطان عليه:

        جاء فى كتاب الباكورة الشهية لأحد الأفاضل من سورية: ص 128: روى فى كتاب الإمام الغزالى جزء ثالث وجه 38 أنه لما ولد عيسى ابن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس قالت: قد اصبحت الأصنام منكسة الرؤوس ، فقال هذا حادث قد حدث أمكثوا هنا مكانكم حتى أتيكم بالخبر اليقين فطار حتى أتى خافقى الأرض فلم يجد شيئا ، ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد وإذا الملائكة حافين به ، فرجع إليهم فقال أن نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا حاضرها إلا هذا فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن أئتوا بنى آدم من قبل العجلة والخفة.

        جاء فى صحيح مسلم لأبى عبدالله محمد ابن ابراهيم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من من مولود يولد إلا الشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وأبنها".

        قال العلماء أفاد هذا الحديث أن الله استجاب دعاء أم مريم فإن الشيطان ينخس جميع أولاد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وأبنها. قال قتادة كل مولود يطعن الشيطان فى جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شئ.

        عصمته فى رسالته كما فى سيرته: يتوهم البعض أن العصمة فى الرسالة تقترن حتما بالعصمة فى السيرة ، ولكن نصوص القرآن تنقض هذا الوهم إذ نقرأ فى السيرة الكثيرة من النصوص التى تفيد أن الأنياء لم تكن حياتهم بلا لوم ، لا قبل الرسالة ولا بعدها أما المسيح فى القرآن فسيرته معصومة كرسالته. فقد شهد الملاك بذلك إذ قال لأمه: "وأنا رسول ربك لأهب لك غلاما ذكيا" وقد قال البيضاوى فى تفسير كلمة "ذكى" أن عيسى كان مترفعا من سن إلى سن.

        تفرد رسالته بالبينات: فكما انفردت رسالته على الرسالات جميعا بتأييد الروح القدس انفردت أيضا بالبينات ، وباستجماعها كما لم تجمع لغيره إذ نقرأ: "وقد آتينا عيسى بالبينات" (البقرة87: 253) ، والبينات هى العجائب.

        قال البيضاوى: "لقد خصه الله بالتعيين ،وجعل معجزاته سبب تفضيله على الرسل لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره". وبالرغم من اعتراض الإسلام على العقائد المسيحية الأساسية فإن القرآن يضفى على المسيح صفات وكرامات ترفعه فوق مستوى البشرز وهذه الميزات تنبع من سيرته ، ومن رسالته ، ومن شخصيته ، وحين نقارن بين هذه الميزات والميزات التى ذكرها القرآن للأنبياء والرسل ، نرى أنه لا يعطى أحدا منهم (حتى محمد) شيئا من ميزات المسيح وينسب القرآن الخطيئة إلى كل الأنبياء ـ نورد منهم: آدم وزوجته (فأزلهما الشيطان) (البقرة 3) ، وعصى آدم ربه فغوى (طه 121) ، وباراهيم أب المؤمنين والأنبياء  كفر ثم اهتدى (الأنعام 76 ، ابراهيم 41) وكذب ثلاث مرات (البقرة 26 ، الأنبياء 64) ، وموسى سيد الشريعة الذى كلم الله تكليما (النساء 163) ، وكز المصرى فقضى عليه فقال أهذا من عمل الشيطان قال ربى فأغفر لى مغفر له)(القصص 16 ، الشعراء 19 ، الأعراف 149).  وداود صاحب الزبور "وظن داود أنا فتناه فأستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له" (ص24 ، 25). وينسب القرآن الخطأ إلى محمد فيقول: "ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك" (الشرح1-3) ، ولابد أنه كان وزرا ثقيلا الذى أنقض ظهره ، ويقول له: "وجدك ضالا فهدى" (اضحى 7 ، 8) ،و الضلال من أعظم المعاصى "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" 0الفتح 2) ، فسبق له ذنوب تتبعها ذنوب وقد شعر محمد بحاجة دائمة إلى الأستغفار "وأستغفر لذنبك" (غافر 55) ، ويتكرر استغفاره فى (النساء 106 ، محمد 19). ينسب الشك إلى محمد: "فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من المتمردين" (يونس 14). وتملق قومه بالشفاعة للصنام فى (الإراء 73) فيقول له: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك". وأذن للمنافقين بالقعود عن الجهاد: "عفا الله عنك لما أذنت لهم" (التوبة 43).

        وفى الحديث ورد قوله: "توبوا إلى ربكم فو الله إنى لأتوب إلى الله عز وجل سبعين مرة فى اليوم" ، وعلى قول بعضهم (مئة مرة) لكن هناك واحدا فقط لا يذكر له القرآن إثما ولا علاقة بالخطية على الإطلاق ، هو المسيح عيسى أبن مريم ولا نجد له حاجة للأستغفار أو التوبة ، بل ميزة القرآن بصفات يسطع نورها بالمقارنة بين ما تلطخ به الأنبياء من خطايا.

3-  رفعته عند وفاته:

        إذ نقرأ فى سورة آل عمران وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا....(آل عمران 55). قال الفخر الرازى: لتفسير هذه الآية عدة وجوة منها:

الوجة الأول: المراد (بالرفعة أنى رافعك) إلى محل كرامتى وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم ومثلها قوله: إنى ذاهب إلى ربى (هذه العبارة مستعارة من الإنجيل).

الوجه الثانى: فى التأويل أن يكون قوله "ورافعك إلى" معناه أنه يرفعه إلى مكان لا يملك أحد الحكم عليه فيه. لأن فى الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام. أما فى السموات فلا حاكم فى الحقيقة وفى الظاهر إلا الله".

     إنى متوفيك وارفعك إلى لم يحتضنه ثرى ، ولم يأويه قبر ، ولم يغمره تراب إنه المسيح الحى.

     له قبر يحمل ذكرى موته ولا يحوى له بدنا كبقية قبور الأنبياء ومشاهير التاريخ.

     وله كفن ترك فه بصمات استغرق أداؤها أياما ثلاثة ، ولكنها شوهدت وشهدت لقرون عشرين.

     وله صليب حمله ساعات ، وأما المسيح فحمله شعارا سنوات وقرون وإلى أنقضاء الساعة.

     له مغسل غسلوا فيه هذا الجسد بعد خروج الروح منه ، ليعلن أن لاهوته لم ينفصل قط لا من جسده ولا من نفسه.

     وعاد المسيح إلى سمائه التى منها نزل ، صعد إليها حيث منها هبط وتجسد فالله فى القرآن.

     توفاه ، رفعه ، نصره ، حفظ ديانته إلى يوم القيامة ، ونصر ناصريته وتابعيه.

     ورد الله فى القرآن كبد كل هؤلاء بأن جعل آخر يكابد العذاب فى الصليب بدلا منه ، ومكروا ومكر الله ، وكان الله خير الماكرين. حيث مسخ من سبوه قرده وخنازير وانفرد بنبيه العظيم عيسى بلا صليب وبغير صلب.

4-  له مجيئان:

        فكل من سبقه ولحقه جاء مرة واحدة. ولن تراه عين إلا يوم القيامة. ولن يلبس ذات الجسد الذى ارتداه وعمل به قبلا أما المسيح فهو الوحيد الذى له مجيئان مجئ أتاه ومجى آخر ننتظره. مجئ كان فيه صورة الضعف والذل والمسكنة والوداعة ، وأما الثانى فسيصير فيه فى صورة الجبروت والقوة والعدل أو كقول القديس أغسطينوس: "سوف يأتى ليدين فى ذات الجسد الذى أتى فيه ليدان".

        جاء فى كتاب علامات يوم القيامة للحافظ بين كثير الدمشقى ص 75 ، 76 قوله: عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "ينزل أبن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويرجع السلم ، ويتخذون السيوف مناجل ، وتنزل السماء رزقها ، وتخرج الأرض بركتها حتى يلعب الصبى بالثعبان فلا يضره ، ويراعى الغنم الذئب فلا يضرها ، ويرعى الأسد البقر فلا يضرها".

        وقال البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "والذى نفسى بيده ، ليوشكن أن ينزل فيكم أبن مريم حكما عادلا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها".

        وقال الإمام أحمد: عن أبى هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وإنى أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بينى وبينه نبى ، وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر ، وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله فى زمانه الملل كلها إلا الإسلام ،ويهلك الله فى زمانه الدجال ، ثم تقع الأمنة على الأرض ، حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والثمار مع البقر ، الذئاب مع الغنم ، ويلعب الصبيان بالحيات فلا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلى عليه المسلمون.

        قال الإمام أحمد عن رسول الله صلى عليه وسلم قال: لقيت ليلة الإسراء أبى إبراهيم وموسى ، وعيسى عليهم الصلاة والسلام قال: فتذاكروا أمر الساعة ، فردوا أمرهم إلى ابراهيم فقال: لا علم لى بها ، فردوا أمرهم إلى موسى؟ فقال: لا علم لى بها. فردوا أمرهم إلى عيسى؟ فقال: أما وجبتها ، فلا يعلم بها أحد إلا الله ، وفيما عهد إلى ربى عز وجل ، أن الدجال خارج ، ومعى قضيبان ، فإذا رأنى ذاب كما يذوب الرصاص ، قال: فيهلكه الله إذا رأنى ، حتى أن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتى كافرا فتعال فأقتله. إن الساعة كالحامل المتم ، لا يدرى أهلها متى تفجؤهم بولادها ، ليلا أو نهارا".

5-  أنفراد رسالته بالبينات:

        فكما انفردت رسالته على الرسالات جميعا بتأييد الروح القدس ، أنفردت أيضا بالبينات وباستجماعها ، كما لم تجتمع لغيره. إذ نقرأ فى سورة البقرة: "وقد أتينا عيسى البينات (البقرة 253) والبينات هى العجائب والمعجزات.

        قال البيضاوى: لقد خصه الله بالتعيين وجعل معجزاته سبب تفضيله على الرسل. لأنها آيات واضحة ، ومعجزات عظيمة ، لم يستجمعها غيره. ويشهد القرآن للمسيح بأعماله العجيبة وشفاءاته المتعددة. لم يلعن المسيح أعداءه. ولم يتصرف كجبار شقى ، بل أظهر نفسه أنه ينبوع اللطف ومصدر المحبة والرحمة. وعظمت قوة الله فيه بآيات متعددة عجيبة. (مريم19: 31-32).

أ‌-   لقد برهن القرآن أن المسيح شفى العمى بدون عملية جراحية وبلا أدوية ،وأبرأهم بكلمتها القوية وتضمنت كلماته قوة شافية آنذاك وحتى اليوم فالمسيح هو المبارك أينما يكون ومنبع البركة لجميع الناس فى كل العصور. (آل عمران3: 49 ، المائدة5: 110 ، مريم19: 31).

ب‌-  لم يخف أبن مريم من الأبرص بل لمس جلده وشفاه بكلمة سطانه ، فالمسيح هو الطيب الأعظم فى كل أوان. أحب المساكين وقبل المرضى وخلق فيهم رجاء وإيمانا بقدرته ، وشفى كل مريض تقدم إليه.

ج‍‌-  وأعظم عمل قام المسيح به هو إقامة الموتى المشهود له من الإنجيل والقرآن لقد أقام ابن مريم طفلة صغيرة وشابا راشدا ورجلا بالغا من الموت. فمن يقدر أنيقيم الأموات ويعيدهم إلى الحياة إلا الله؟! فيجيب علينا إدراك عمق هذا المعنى فى الآيات القرآنية أن المسيح أستطاع إقامة الموتى مرارا.

        ويقول الناقد إن ابن مريم لم يقدر أنيقوم بآية ما من تلقاء نفسه ، بل الله هو الذى أيده بروح القدس ليستطيع أن يتمم مشئة الله. "ولقد أتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون" (البقرة2: 87). "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، وآتينا عيسى أبن مريم البينات وأيدناه بروح القدس" (البقرة2: 253). "إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس فى المهد وكهلا ، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى ، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى ، وتبرئ الأكمة والأبرص بإذنى ، وإذ تخرج الموتى بإذنى... فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين" (المائدة5: 110).

        القرآن يشهد مرارا بتعاون الله مع المسيح وروحه القدوس! فالثلاثة اجتمعوا وتعاونوا فى آيات المسيح فى وحدة متكاتملة لقوة الله عاملة فى ضعف جسد أبن مريم بسلطان آلهى.

د‌-   ونقرأ فى القرآن لا فى الإنجيل أن المسيح وهو طفل خلق من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فأصبح حيا طائرا فى الفضاءز "إنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمة والأبرص وأحى الموتى بإذن الله" (آل عمران3: 49). نجد فى هذه الآية العبارة المدهشة "أخلق" الدالة على أن المسيح هو خالق مقتدر. لا يقدر إنسان أن يخلق من العدم شيئا ، ولا أن يعيد المادة الميتة إلى الحياة إلا المسيح. ويشهد القرآن بقدرة المسيح الخالقة بواسطة نفخته المحيية. فنلخ فى هيئة الطير فأصبحت طاشرا حيا كما أن الله نفخ نسمته فى آدم سابقا. فكان المسيح قادرا أن يبث الحياة فى الطين الميت.

ه‍‌-   لاحظت الجماهير قدرة ابن مريم فتبعته حتى إلى الصحراء ناسية المكان والزمان وباقية معه حتى الليل. فالقرآن يشهد بأن المسيح أنزل لأتباعه مائدة من السماء وسط الصحراء وأشبع أتباعه المخلصين. "إذا قال الحواريون يا عيسى ابن مريم ، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال أتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فأنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" (المائدة5: 112-115).

        يبحث البعض فى نوعية أطعمة السماء على المائدة أكثر من أن يتعمقوا ببحثهم فى شخصية وهاب الهبة العجيبة لقد أشبع المسيح حسب الإنجيل خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد من خمسة أرغفة وسمكتين. فأظهر بذلك قدرته الخالقة بطريقة عملية لم يتفوه بكلام فارغ بل عمل ما قاله وشفى وفعل أعمالا حقيقية.

        كل من يقارن آيات محمد بآيات المسيح يرى أن آيات محمد فى القرآن هى كلمات ، ولكن آيات المسيح وعجائبه هى أعمال المحبة وخدمات الرحمة.

لم ينسب له القرآن خطية واحدة:

        يتوهم البعض أن العصمة فى الرسالة ، تقترن حتما بالعصمة فى السيرة ولكن نصوص القرآن تنقض هذا الوهم. إذ نقرأ الكثير من النصوص ، التى تفيد أن أنبياء ، لم تكن حياتهم بلا لوم ، لا قبل الرسالة ولا بعدها. أما المسيح فى القرآن فسيرته معصومة كرسالته. السيد المسيح هو الشخصية القرآنية الوحيدة التى لم ينسب لها القرآن ضعفا ولا ضعفات فكل شخصيات القرآن كانوا محاطين بالضعفات والذلات. تقول شريعة الله: "أجرة الخطية هى موت" (رومية6: 23) والموت المقصود هنا هو الأنفصال الروحى عن الله. فلما أخطأ آدم مات روحيا وتابعت ذريته السير على مواله "عصى آدم فعصت ذريته" (العلق96: 6) "إن الإنسان لظلوم كفار" (ابراهيم14: 34) "إن الإنسان لربه لكنود" أى كفور جاحد بالنعمة (العاديات100: 6) ونفس الإنسان "أمارة بالسور" (يوسف12: 53) "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمم ما ترك عليها من دابة" (النحل16: 61) إذا كيف ينجو الإنسان من الجحيم وهو بهذه الطبيعة الساقطة؟!. ولا ينسب القرآن الخطية إلى آدم فحسب ، بل ينسبها إلى كل الأنبياء ـ نورد منهم: ابراهيم أب المؤمنين والأنبياء ، كفر ثم أهتدى (الأنعام6: 76 وابراهيم14: 41) وكذب ثلاث مرات كما يقول الحديث: " لم يكذب ابراهيم النبى عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات إثنتين فى ذات الله: قوله "إنى سقيم" (الصافات37: 89) وقوله: "بل فعله كبيرهم هذا" (الأنبياء21: 63) وقوله لسارة "هى أختى".

        وموسى صاحب الشريعة ، الذى كلم الله تكليما (النساء4: 64) وكز المصرى فقضى عليه ، فقال: "هذا من عمل الشيطان ، قال رب ، إنى ظلمت نفسى ، فأغفر لى ، فغفر له" (القصص28: 16).

        وداود صاحب الزبور: "ظن داود أنا فتناه ، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ، فغفرنا له" (ص38: 34 ، 25).4). وتملق محمد قومه بالشفاعة للأصنام فى (الإسراء17: 73) فيقال له: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره". وأذن محمد للمنافقين بالقعود عن الجهاد: "عفا الله عنك لما أذنت لهم" (التوبة9: 43). وفى الحديث ورد قول: "توبوا إلى ربكم فو الله أنى لأتوب إلى الله عز وجل سبعين مرة فى اليوم) وعلى قول بعضهم من مرة لكن هناك واحد فقط لا يذكر له القرآن إثما ولا علاقة بالخطية على الأطلاق هو السيد المسيح له المجد عيسى أبن مريم ولا نجد له حاجة للأستغفار أو التوبة بل ميزة القرآن بصفات يسطع نورها بالمقارنة بين ما تلطخ به الأنبياء من خطايا.

        وينسب القرآن الخطأ إلى محمد فيقول: "ألم نشرح لك صدرك ،ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك" (الشرح94: 1-3). ولابد أنه كان وزرا ثقيلا ذلك الذى أنقض ظهره! ويقول له: "وجدك ضالا فهدى" (الضحى93: 7) ، والضلال من أعظم المعاصى والكبائر. ويقول له: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (الفتح48: 2) فسبق له ذنوب تتبعها ذنوب. وقد شعر محمد بحاجة دائمة إلى الأستغفار "واستغفر لذنلك" (غافر55) ويتكرر استغفاره فى النساء 106 ومحمد 19.

        وينسب الشك إلى محمد ، فقال له: "فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقراون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممتمرين" (يونس10: 94) وتملق محمد قومه بالشفاعة للأصنام فى (الإسراء17: 73) فيقال له: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيرة". وأذن محمد للمنافقين بالقعود عن الجهاد: عفا الله عنك لما أذنت لهم" (التعوبة9: 73). وفى الحديث ورد قوله: "توبوا إلى ربكم فو الله لأتوب إلى الله عز وجل سبعين مرة فى اليوم) وعلى قول بعضهم مئة مرة لكن هناك واحد فقط لا يذكر له القرآن إثما ولا علاقة بالخطية على الإطلاق هو السيد المسيح له المجد عيسى ابن مريم ولا نجد له حاجة للأستغفار أو التوبة بل ميزة القرىن بصفات يسطع نورها بالمقارنة بين ما تلطخ به الأنبياء من خطايا.

ويفسر بعض العلماء ما نسب إلى محمد بأنه:

        لما كان محمد فتى أتى إليه ملاكان وطهرا قلبه ، وفى هذا يقول القرآن: "آلم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك" (الأنشراح94: 1-3). ومنذ ذلك الوقت أصبح له اللقب الشريف "المصطفى" فلم يكن صافيا وطاهرا فى ذاته إنما أخذ الملاكان الوزر من قلبه فطهرا. أعترف محمد شخصيا ثلاث مرات فى القرآن بأن كان يجب عليه استغفار ربه. "فأصبر إن وعد الله حق ، واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشىوالإبكار"(غافر40: 55). "فأعلم أن لا إله إلا الله ، استغفر لذنبك للمؤمنين ، المؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم" (محمد47: 19). "وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ، وأتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه ، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرأ زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعايئهم إذا قضوا منهن وطرا ، وكان الله أمر الله مفعولا" (الأحزاب33: 37).

        ويظهر أن أكثرة المسلمين يرفضون هذه الحقيقة ويؤولونها ، إنما القرآن هنا واضح ويتكلم بصراحة.

رابعا:  السيد المسيح يعمل أعمال الله:

1-      الخلق:

        جاء فى القرآن هذا القول: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتى عليك... إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراه والإنجيل. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيها فتكون طيرا بأذنى. (مائدة 110).

        قال أبن العربى فى تفسير هذه الآية: لقد خص الله عيسى بكونه روحا وأضاف النفخ فى خلقه من الطين ولم يضف نفخا فى اعطاء الحياة لغير عيسى ، بل لنفسه تعالى. من السهل أن أزاحم أو أشابه أنا كإنسان الله فى كل صفاته والقابه مثل الغنى العظمة القدرة اللطف الرحمة العدل الحب الجبروت العلو الدنو العلم والحكمة الجمال الجلال......الخ. ولكن من الصعب إن لم يكن من العيسير أن أشابهه أو أدانيه أو أناظره فى صفة الخلق ، فالله وحده الخالق ، ولا خالق له ، ولا خالق معه ، و لا خالق أياه ولا خالق سواه. فالخلقة هى عمل الله الذى لا يشاركه فيها أحد ، فهو الخالق غير المخلوق ، أما بقية الكائنات فمخلوقة غير خالقة.

        ومن الجهل أن أخلط بين معنى الخلقة والصناعة ، فالخالق يخلق من عدم أما الصانع فيصنع من شئ أو من كائن يكونه ، فالخلقة شئ والصناعة شئ آخر والخاق شئ والصانع شئ آخر.

        والقرآن ذكر اسم الله كخالق بأشكال متنوعة مثل الخالق ، المصور ، البارى ، الفاطر ، البديع والكلمتان الأخيرتان تنتميان إلى أصل غير عربى اللغة ، فالبارئ عبرية من الفعل العبرى (برا) أى خلق ، وجاء منها كلمة ألبرية أى الخلقة والكلمة الثانية تنتمى لليونانية (باتير) والتى تعنى الله الآب خالق السموات والأرض.

        وأما كلمة مصور فقد تعنى مشكل الإنسان فى داخل رحم أمه ، من ناحية النوع ذكرا كان أم أنثى ، أو اللون أبيضا كان أم أسودا ، أم البدن قصيرا كان أم طويلا ، وبالجملة كل شئ يخص سحنة الإنسان ومظهرة. وكلمة بديع ، تعنى خالق وقد وردت فى القرآن هكذا: "بديع السموات والأرض أنى يكون له ولدا وأنى تكون له صاحبه".

لذا ذكر القرآن الحقائق التالية:

أ‌-      ذكر القرآن أنه لا يستطيع الخلقة غير الله فحتى الآلهة المعبودة هى مخلوقة لله الخالق:

       ورد فى سورة الحج رقم 22 عدد 73 "أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له".

       وجاء فى سورة النحل 16 عدد 20 "والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون".

       وذكر فى سورة لقمان 31 عدد 11 "هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه".

       وذكر فى سورة النمل 16 عدد 17 "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون".

       وذكر فى سورة الفرقان رقم 25 عدد 3 "وإتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون".

ملخص هذا القول:

        إذن لا خالق إلا "الله" وهؤلاء الآلهة هم مخلوقون لا خالقين ولو اجتمعوا معا لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة واحدة والله خالق هؤلاء لآلهة".

ب‌-    ذكر القرآن أن الله خلق الإنسان من عدم كما ورد فى سورة مريم 19 عدد 17. "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا".

ج‍‌-     وذكر القرآن أن عمل الخلقة خاص بالله وحده.

       ورد فى سورة الواقعة 56 عدد 58 ، 59 "أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"؟.

       ورد فى سورة الواقعة 56: 63 ، 64 "أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون"؟.

       ورد فى سورة فاطر 35 عدد 3 "هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض".

       ورد فى سورة الحشر 59 عدد 24 "هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى".

الله أحسن الخالقين:

من الممكن أن نتقبل هذه المسميات الوارد ذكرها فى القرآن:

أ‌-      ممكن أن نتقبل من الله أن يكون خير الناصرين. كما ورد فى سورة آل عمران رقم 3 عدد 150.

ب‌-    وممكن أن نتقبل من الله أن يكون خير الرازقين كما ورد فى سورة المائدة رقم 5 عدد 114.

ج‍‌-     وقد نقبل أن يكون الله هو خير الفاصلين: أى الذى يفصل الحق عن الباطل كما ورد فى سورة الأنعام رقم 6 عدد 57".

د‌-     ويمكن أن يكون الله خير الحاكمين كما ورد فى سورة الأعراف 7 عدد 87.

ه‍‌-     ويمكن أن يكون الله خير الفاتحين كما ورد فى سورة الأعراف رقم 7 عدد 89".

و‌-     ويمكن أن يكون خير الغافرين كما ورد فى سورة الأعراف رقم 7 عدد 155.

ز‌-     وممكن أن يكون الله خير الحاكمين كما جاء فى سورة يونس رقم 10 عدد 109. "وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".

ح‌-     ويمكن أن يكون الله خير المنزلين كما ورد فى سورة يوسف 12 عدد 59. "ألا ترون أنى أوفى الكل وأنا خير المنزلين".

ط‌-     وممكن أن يكون الله خير الوارثين كما ورد فى سورة الأنبياء رقم 21 عدد 89 "وأنت خير الوارثين" "زكريا إذ نادى ربه لا تذرنى ـ لا تتركنى ـ وأنت خير الوارثين".

ى-    وممكن أن يكون الله خير الرازقين:وردت فى سورة الحج 58 ، صورة المؤمنين 72 ، سورة سبأ 39 ، سورة الجمعة 11.

        ولكن... هل يمكننى استساغة لفظ أحسن الخالقين إذ تطلق علىالله ، وإذا يدعى بها الله؟ فالله خير الرازقين لوجود رازقين به معه ، وخير الحاكمين لوجود من يحكم ، وخير الغافرين جمع غفير غافر. لكن هل كان الله أحسن الخالقين؟ وهل يوجد بجوار الله خالقون؟.

ورد فى القرآن هذا النص وهذا التعبير مرتين على أنا لله أحسن الخالقين...

أ‌-      المرة الأولى: ورد فى سورة المؤمنون من عدد 12 إلى عدد 16: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفه "السائل المنوى" فى قرار مكين "رحم المرأة" ثم خلقنا النطفة علقة "أى دما جامدا" فخلقنا العلقة مضغة "أى لحمة بقدر ما يمضغ" فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناها خلقا آخر "أى بنفخ لاروح فيه فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم أنكم يوم اليامة تبعثون" (راجع تفسير الإمامين الجلالين ، سورة المؤمنين 12-16.

ب‌-    المرة الثانية: ورد فى سورة الصافات رقم 37 من عدد 123 إلى عدد 125: "وإن ألياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضورون" بمعنى: أى محضرون فى النار كما جاء فى تفسير الإمامين الجلالين صفحة 595.

        جاء فى كتاب أسباب النزول تأليف الإمام الشيخ أبى الحسن على أبن أحمد الواحدى النيسابورى الناشر دار الكتب العلمية بيروت لبنان سنة 468 هـ ص 126 ما نصه: قوله تعالى: "من قال سأنزل مثل ما أنزل الله" نزلت فى عبد الله بن سعد أبن أبى سرح كان قد تكلم بالإسلام ، فدعاه رسول الله صلى عليه وسلم ذات يوم يكتب له شيئا ، فلما نزلت الآية التى فى المؤمنين ـ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ـ أملاها عليه ، فلما أنتهى إلى قوله ـ ثم أنشأناه خلقا آخر ـ عجب عبدالله فى تفصيل خلقا لإنسان ، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت على ، فشك عبدالله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلى كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ، وذلك قوله ـ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ـ وأرتد عن الإسلام ، وهذا قول أبن عباس فى رواية الكلبى.

        أخبرنا عبدالرحمن بن عبدان قال: حدثنا محمد بن عبدالله قال: حدثنى محمد ابن يعقوب الأموى قال: حدثنا أحمد بن عبدالجبار قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال: حدثنى شرحبيل بن سعد قال: نزلت فى عبدالله بن سعد ابن سرح قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ، وارتد عن الإسلام فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكه أتى به عثمان رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاستأمن له.

        كما جاء أيضا فى نفس المرجع السابق ص 178 ، 179: قوله تعالى "فتبارك الله أحسن الخالقين" الآية أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدالله الحافظ قال: أخبرنا عبدالله بن محمد بن حيان قال: أخبرنا محمد بن سليمان قال: أخبرنا أحمد بن عبدالله بن سويد بن منجوف قال: أخبرنا أبو داود ، عن حماد أبن سلمة ، عن على بن زند بن جدعان ، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وافقت ربى فى أربع. قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام ، فأنزل الله تعالى ـ واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ـ وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل عليك البر والفاجر ، فأنزل الله تعالى ـ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ـ وقلت لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله سبحانه أزواجا خيرا منكن ، فأنزل الله ـ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ـ الآية ، ونزلت ـ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ـ إلى قوله تعالى ـ ثم أنشأناه خلقا آخر ـ فقلت ـ فتبارك الله أحسن الخالقين.

        فهل كان تعبير "الله أحسن الخالقين" مرجعه الله أم عمر بن الخطاب ، أم عبدالله بن أبى سرح؟.

المسيح خالقا:

        لم يستثن الله كائنا أيا كان فى أداء عمله كخالق فهذه صفة آلهية لاهوتية ، لا يتسنى لغير الله القيام بها. أما المسيح فقد خرج عن هذه القاعدة. فهو الوحيد الذى قال الله له: إذ تخلق.... وهو الوحيد الذى قال بفمه: إنى أخلق.

        فلو قيلت منه فقط ، لإعتبرناها إستلالا ، وخطفا لمساواته بالآب. ولو قيلت فقط ، لظننا أنه أستعفى منها لعظمتها وجسامتها ولم يقبلها ، ولم يتقبلها. فالله منح. والمسيح قبل ووافق. الله قال له إذ تخلق ، والمسيح قال إنى أخلق أنى كائن هذا الذى بمقدوره أن يخلق ، حتى ولو كان بإذن الله؟ رغم أن هذا الإنعام الفريد ، لم يحظ به ملاك ، ولم ينعم به بشر ، وإختص به الله فقط.

أ‌-   إذ تخلق:

        جاء فى سورة المائدة5: 110 قول الله لعيسى أبن مريم: إذ قال الله يا عيسى بن مريم أذكر نعمتى عليك وعلى والدتكم ، إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس فى المهد وكهلا ، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتواره والإنجيل ، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى ، فتنفخ فيها ، فتكون طيرا بإذنى ، وإذ تبرئ الأكمة والأبرص ، وإذ تخرج الموتى بإذنى ، وإذا كففت بنى اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين".

استخدم الله كلمة بإذنى فى حديثه مع عيسى بن مريم فى حالتين:

     حين يخلق ، وحين ينفخ فيما يخلق فيكون طيرا بإذن الله.

     حين يخرج الموتى ، استخدم الله كلمته بإذنى.

ب‌-  إنى أخلق:

        جاء فى سورة (آل عمران3: 49) قول عيسى بن مريم لبنى اسرائيل: إنى قد جئتكم بآية من ربكم ، إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيها ، فيكون طيرا بإذن الله". فلم ينطق بهذه الكلمة مع الله آخر غير المسيح ، فالله هو الذى قال أنا خالق ، إنى أخلق.

        ومن الملاحظ خلال النصين السابقين ، إن المسيح حين يخلق يستخدم نفس الأسلوب الأول الذى استخدمه الله حين خلق الإنسان على غير فساد مثله.

1-   ماد الخلقة (الطين):

     إذ تخلق من الطين.. (المائدة5: 110).

     إنى أخلق من الطين... (آل عمران3: 49).

فالمادة المستخدمة فىالخلق هى الطين:

     جاء فى التوراه قوله: فخلق الرب الإله ترابا من الأرض.

     جاء فى القرآن قوله: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين" (المؤمنون23: 12).

     خلق الإنسان من طين (المسجد325: 7).

     إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين" (ص38: 71)

     "فسجدوا إلا أبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا" (الإسراء17: 61).

     "أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين" (الأعراف7: 112).

     "هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا" (الأنعام6: 2).

     "إنا خلقناكم من طين لازب" (الصافات37: 11).

ب‌-  استخدم أسلوب الخلق ، النفخ:

        فالله حين خلق الإنسان نفخ فيه: جاء فى التواره قوله: وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ، ثم نفخ فيه.... فصار آدم نفسا حية". جاء فى القرآن قوله عن الإنسان: "الله خلقه ، ثم سواه ، ونفخ فيه من روحه" (سورة المسجد32: 9).

وقال الله فى القرآن للملائكة:

     "إنى خالق فى الأرض خليفة ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين" (سورة الحجر1: 29).

     "إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين" (سورة ص38: 72).

أما عن المسيح:

     فقال له الله: "فتنفخ فيها فتصير طيرا" (المائدة5: 110).

     وقال هو عن نفسه: "وأنفخ فيها فتصير طيرا" (آل عمران3: 49).

ج‍‌-  استخدام تعبير الخلق (إخلق تخلق):

        فالفعل خلق ورد عن الله 64 مرة فى القرآن موزعة على خلق الله للسموات وللأرض وللملائكة وللإنسان وللجن. وورد بأسلوب المخاطب "هو الذى خلقكم" 16 مرة ، ووردت كلمة خلقك مرتين ، وخلقتنى ثلاث مرات ، وكلمة خلقت خمس مرات ، وكلمة خلقنا 24 مرة ، وخلقناكم 9 مرات ، وخلقنا 4 مرات ، وخلقناهم 3 مرات ، وخلقه 4 مرات ، واتلفعل خلق هو إيجاد من عدم.

استخدم مصطلح الهيئة:

        أما كلمة (هيئة) التى وردت فى (آل عمران3: 49) ، المائدة5: 110) فلم ترد فى القرآن كله إلا فى هذين الموضوعين:

     تخلق من الطين كهيئة الطير.

     أخلق من الطين كهيئة الطير.

        وقد قالت بعض التفاسير أن المسيح كان يخلق الخفاش ولسنا ندرى لماذا هذا التحديد لهذا النوع من الطيور فى حين أن القرآن تركها مشاعا دون ذكر نوع معين من الطيور.

ه‍‌-   استخدم أسلوب نتيجة الخلق:

        لا يلعب ولا يلهو عيسى مع الأطفال فى تراب الأرض وطينها ، وليس هو بالمثال أو النحات الذى يشكل صورا وأصنافا ، فتمثال رمسيس لع أربعة ألاف عام قبل الميلاد ، وألفا عام بعده ، وحتى الأن لم يصر كائنا متحركا. أما المسيح فما يصنعه بيديه من طين ألأرض يصير طير السماء ، فتكون طيرا بإذن الله.

        فمن هو هذا الكائن الذى يحول الطين طيرا؟ إلا إذا كان خالق الطين؟ فالخارى يصنع منه آنية كرامة ، وآنية هوان. ولم يسمع قط عن واحد آخر نافس المسيح فى هذا التخصص ، الذى أختص به الله وحده.

        إن آنية الفخارى لم تصر كائنات لأن القوة لا تكمن فى طين الأرض ، وإنما فى النفخة التى تبث فيه ، والقرآن فى حديثيه لم يقل أن عيسى يصنع الطير من الطين ، والله ينفخ فى طين عيسى ، إنما عيسى هو الذى يشكل ، وعيسى هو الذى ينفخ فلو أن الله أباح لعيسى تشكيل الطين ، فكيف أباح له خلقته وتحويله من تراب تحت الأقدام إلى طائر فوق الرؤوس؟ ومن مادة صلبه ، إلى كائن حى؟ ومن تراب يذرى إذا تلاقى بالهواء ، ويعجن إذا تلاقى بالماء ، إلى طائر يشرب الماء ويسبح فى الهواء؟ ومن الذى بث النسمة الحية فى هذا الجماد وجعل الجماد كائنا متحركا؟.

        وهذا الطائر لابد وإن يكون كاملا فيه كل الأعضاء والأجهزة التى تصلح للرؤية والتنفس والإكثار والتناسل والحركة والحس والنمو والتغذية. ومن الذى أوجد فى هذا التراب نسمة حيوانية حية ، فلكل كائن نفس Soul تتناسب مع نوعه ، نفس نباتية للنباتات ، ونفس حيوانية للحيوان ، ونفس للطيور.

و‌-   لم ينفصل المسيح الإبن فى عمله كخالق عن الله الآب ضابط الكل خالق السموات والأرض. المسيحى تؤرقه كلمة "بإذن الله" والمسلم يجد فى هذه الكلمة إعلانا عن بشرية المسيح. ولكن لا تعارض مطلقا بين الفكرين ، فالكتاب المقدس أسرد لنا ما يتناسب مع هذه الكلمة. جاء فى أقول السيد المسيح له المجد الواردة فى إنجيل معلمنا يوحنا (5: 19-23) "فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الإبن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل لأن مهما عمل ذلك فهذا يعمله الأبن كذلك. لأن الأب يحب الإبن ويريه جميع ما هو يعمله. وسيريه أعمالا أ‘ظم من هذه لتعجبوا أنتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيى كذلك الأبن أيضا يحيى من يشاء لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للإبن. لكى يكرم الجميع الأبن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الإبن لا يكرم الآب الذى أرسله. الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامى ويؤمن بالذى أرسلنى فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة. الحق الحق أقول لكم إنه تأتى ساعة وهى الآن حين يسمع الأموات صوت أبن الله والسامعون يحيون". (يو5: 19-23).

وإيماننا المسيحى يقدم لنا الخلقة عملا للثالوث القدوس:

     فالآب: قيل عنه فى قانون الإيمان: الله الآب ضابط الكل خالق السموات والأرض ما يرى وما لا يرى.

     والإبن: قيل عنه أيضا: الذى به كان كل شئ.

     والروح القدس: سماه قانون الإيمان بأسم الرب المحيى ، لأنه الله يرسل روحه فيخلق ويجدد الأرض ، وروح الله حين رف على وجته المياه منح خصوبة لها ، فاأخرج منها كل كائن حى.

        فالإبن يخلق بإذن الآب... لأن الآب كذلك لا ييفعل شيئا إن لم يرى الإبن فاعله والإبن لا يصنع شيئا من ذاته وحده وما يصنعه الآب يصنعه الإبن ذلك لأنها فى وحدانية ، فى الجوهر ، وفى العمل وفى المشيئة فهؤلاء الثلاثة هم واحد (1يو5: 7).

المسيح خالق مخلوق:

        مسيح القرآن كما هو مخلوق ، هو أيضا خالق. فبحسب عرف وتفاسير آئمة التفسير ، قالوا عنه إنه خلق بكلمة كن. لذا دعى كلمة الله. فالملاك جبريل يقول لأمه مريم: سبحانه إن أراد شيئا فإنه يقول له كن فيكون. ولقد جاء فى القرآن قوله: "مثل المسيح كمثل آدم: خلقه من تراب وقال له كن فكان" فهل كملة خلقه هذه شملت عيسى ، كما شملت آدم قبله؟ فآدم حين خلق ، خلقه الله من تراب ، أو من حما مسنون ، أو من طين كالصلصال ، أو من تراب وطين هذه كلها وصفات جاءت فى القرآن. وبنو آدم يأتون إلى العالم بطريقة آخرى.

        جاء فى القرآن قوله: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين". والنطفة هى منى الرجل ، والقرار المكين هو رحم المرآة.

        جاء فى كتاب التفسير المنير ج1 ، ص 130: (هو الذى خلقكم من طين) أى أن الله خلق جميع الإنسان من آدم وآدم كان مخلوقا من طين فلهذا السبب قال هو الذى خلقكم من طين أى من جميع أنواعه فلذلك اختلفت ألوان بنى آدم ، وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح المر فلذلك اختلفت أخلاقهم وأيضا أن الإنسان مخلوق من المنى والمنى إنما يتولد من الأغذية وهى إما حيوانية أو نباتية فحال الحيوانية كالحال فى كيفية تولد الإنسان فبقى أن تكون الأغذية نباتية فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ولاشك أنها متولدة من الطين فثبت أن كل إنسان متولد من الطين وقبل عن الإنسان أيضا أنه خلق من ماء دافق ، يتدلى فى الصلب.

فبأى طريقة ترى خلق المسيح؟

     فالمسيح لم يخلق من تراب كآدم.

     ولم يخلق من نطفة كبنى آدم...

        إن الشجرة أو ألعو سجه التى منها تحدث الله إلى موسى ، وفيها سمع صوته كانت مخلوقة بلا أدنى أما الصوت الذى تحدث مع موسى لم يكن صاحبه قط مخلوقا لأنه خالق كل مخلوق.

جاء كتاب التفسير المنير ج1 ص 101 ما نصه:

        وروى أنه حضر وفد نجران على رسول الله صلى عليه وسلم فقالوا له ما شأنك تذكر صاحبنا وتسبه فقال من هو قالوا عيسى قال وما أقول قالوا تقول إنه عبد قال أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا قط من غير آب ومن لا أب له فهو أبن الله ثم خرجوا من عنده صلى الله عليه وسلم فجاءه جبريل فقال قل لهم إذا أتوك (إن مثل عيسى عند الله) أى أن صفة تخلق عيسى فى تقدير الله وحكمه بلا أب (كمثل آدم) أى كصفة قالب آدم (خلقه من تراب) بلا أب وأم (ثم قال له) أى لآدم (كن فيكون) أى نفخ فيه الروح وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان ولدا بلا أب فإذا كان آدم كذلك ولم يكن إبنا لله فكذلك عيسى فمن لم يقر بأن الله خلق عيسى من غير أب مع اقراره بخلق آدم بغير أب وأم فهو خارج عن طور العقلاء وأيضا إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب فجواز خلق الله تعالى عيسى من دم مريم من باب أولى فإن هذا أقرب إلى العقل من تولد الحيوان من الدم الذى يجتمع فى رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس (الحق) أى الذى أنزلت عليك من خبر عيسى أنه لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه هو (من ربك) والباطل من النصارى واليهود فالنصارى قالوا إن مريم ولدت ألها واليهود رموا مريم بالأفك ونسبوها إلى يوسف النجار (فلا تكن من الممترين) أى من الشاكين فيما بينت لك من تخليق عيسى بلا أب والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم تحريكات له لزيادة ثباته على اليقين ولكل سامع لنزع عما يورث الأمتراء ثم ذكر الله تعالى خصومة وفد نجران مع النبى صلى الله عليه وسلم بعدما بين لهم أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم فقالوا ليس كما تقول إن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه فقال الله تعالى (فمن حاجك) أى خاصمك من نصارى نجران (فيه) أى فى شأن عيسى (من بعد ما جاءك من العلم) أى من الدلائل الموجبة للعلم بأن عيسى عبدالله ورسوله (فقل تعالى ندع أبناءنا وأبناءكم). إن السج

جاء فى تفسير القرآن العظيم لأبن كثير ص 367 ما نصه: يقول جلا وعلا (إن مثل عيسى عند الله) فى قدرة الله حيث خلقه من غير أب (كمثل آدم) حيث خلقه من غير أب ولا أم بل (خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فالذى خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى ، وإن جاز أدعاء النبوة فى عيسى لكونه مخلوق من غير أب فجوز ذلك فى أدم بالطريق الأولى ، ومعلوم بالإتفاق أن ذلك باطل فدعواه فى عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا ؛ ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى ، ولهذا قال تعالى فى سورة مريم (ولنجعله آية للناس) وقال ههنا (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) أى هذا هو القول الحق فى عيسى الذى لا محيد عنه ولا صحيح سواه ، وماذا بعد الحق إلا الضلالز ثم قال تعالى أمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يباهل من عائد الحق فى أمر عيسى بعد ظهور البيان. أما كون المسيح خالقا فهذا لا يحتاج دليلا:

     فالقرآن لم يقل عن غيره أن يخلق.. والله لم يسمح لغيره أن يخلق ... فهو الوحيد مع الله أو بالله الذى يخلق.

     فالله يقول له: إذ تخلق من الطين كهيئة الطير وهو يقول عن نفسه: إنى أخلق من الطين كهيئة الطير وكلمة يخلق ، تأتى فى الماضى "خلق" وأسم الفاعل منها يأى كفعله الثلاثى على وزن كلمة "فاعل" أى خالق. فالمسيح إذ يخلق ، فهو خالق بلا أى جدال.

     هل للمخلوق أن يكون خالقا؟.

     أو للخالق أن يكون مخلوقا؟. من ذا الذى يجمع بين نقيضين ، أن يخلق ، وأن يخلق؟. فالخالق لا يمكن أن يكون مخلوقا ، وإلا لخلق نفسه ، أو خلق لنفسه. والمخلوق لا يمكن أن يكون خالقا لأن هذا يلزم أن لا يكون أزليا ، بل يصير مبتدائا زمنيا. فالموجد موجود بذاته ولا يحتاج لمن يوجده ، لأنه أوجد كل الموجودات أما الموجود فله موجد أوجده ، لذا فالله واجب الوجود ، لأنه عله كل موجود. فهل جمع المسيح بين نقيضين ، أن يخلق ، وإن يحتاج لمن يخلقه؟. فكلمة خلقه من تراب حسب تفسيرات الأئمة راجعه إلى آدم ، أما المسيح فلم يرد عنه نص يقول أن مخلوق ، وإن كلمة كن التى نطق بها الملاك لمريم ، لا تدل على أمر الخلقة ، وإلا لكان الملاك بها خالقا.

        فالقرآن مرتان يقول عنه أن خالق ولم يقل مرة واحدة عنه أنه مخلوق فبهذه الصفات صار أقرب للخالق منه إلى المخلوق.

ماذا كان المسيح يخلق:

        القرآن يحدد نوع الخلقه التى تخصص المسيح فيها ألا وهى الطيور. ولم يحدد نوع الطير الذى يخلقه ولكن مفسروا القرآن حددوه بأنه (الخفاش) ولا نعلم لماذا هذا الإصرار على هذا الطائر بالذات؟ هل لأنه طائر غير تقليدى ، وغير متداول؟ أم لأنه يجمع فى طبيعته بين الطيور والحيوانات؟ فهو يطير كبقية جنسه من الطيور ، ويلد كما تلد الحيوانات.

هل كان المسيح مخلوقا:

        لم يذكر القرآن أن المسيح مخلوق ، إلا إذا تناصف هذه الكلمة مع سابقه آدم ، حيث أن مثل المسيح كمثل آدم خلقه من تراب وقال له كن فكان. ولم يقل القرآن خلقهما ، وإنما ذكرت على آدم فقط. أما المسيح فقيل عنه: "قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا".

     لو كان المسيح مخلوقا ، ما كان خالقا:

أ‌-   كل شئ به كان ، وبغيره لم يكن شئ مما كون.

ب‌-  الذى به ـ المسيح ـ خلق ـ الآب ـ العالمين.

ج‍‌-  الكل به ، وله قد خلق.

د‌-   الذى منه جميع الأنبياء ونحن له.

ه‍‌-   الذى به كان كل شئ "قانون الإيمان".

     لو كان المسيح مخلوقا ما كان أزليا:

أ-   مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل (مى 5).

ب‌-  منذ الأزل مسحت (أم 8).

ج‍‌-  أحببتنى قبل تأسيس العالم.

د‌-   أنا هوة الأول والآخر ، الأف والياء ، البداية والنهاية. الكائن ، الذى كان ، والذى يأتى. (رؤ1: 8 ، 11 ، 17).

ه‍‌-   فى البدء كان الكلمة (يو1: 1).

و‌-   قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن (يو 8).

ل-  مجدنى أيها الآب بالمجد الذى كان لى عندك قبل تأسيس العالم (يو17: 5).

م-   أنا يسوع أصل وذرية أدم (رؤ22: 16).

     لو كان مخلوقا ما كان قادرا على كل شئ:

أ‌-   يقول الرب: الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ (رؤ1: 8).

ب‌-  حامل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب1: 3).

        وقد ظهرت من خلال معجزات السيد المسيح له المجد ، قدرته السرمدية ولاهونته ، وفى إقامته للموتى ، حتى فى إقامته لذاته. فقد أقام كثيرين غيره ، ولكن أحدا غيره لم يقمه فأقام ذاته بذاته ، وهذا يتضح من خلال الآيتيتن التاليتين:

أ-   أنقضوا هذا الهيكل وأنا فى ثلاثة أيام أقيمه.

ب-  لى سلطان أن أضعها ـ نفسى ـ ، "الموت" ، ولى سلطان أن آخذها أيضا "القيامة".

     لو كان المسيح مخلوقا ما كان مساويا للآب فى الجوهر:

أ‌-   أنا والآب واحد.

ب‌-  أنا فى الآب والآب فى.

ج‍‌-  من رأنى فقد رأى الآب ، فكيف يقول ـ يا فيلبس ـ أرنا الآب.

2-  الدينونة

الإسلام يؤمن بأن للمسيح مجيئين ، وليس للمسيح مجرد مجئ واحد:

        مجئ أتاه سابقا لمجئ محمد بـ 570 سنة أون 610 ، ومجئ آخر لاحقا لمحمد. ومحمد يقول عن أمته أنه هو فى أولها والمسيخ فى آخرها. ترى ماذا يعنى هذا المجئ؟ ولماذا سيأتى؟ هل سيأتى ليشبع الجموع خبزا وسمكا ، أم سيأتى لكى يقيم الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص ويحيى ويميت؟ أنه سيأتى كى يدين العالم كله ، يدين المسكونة بالعدل ويجازى كل واحد وواحدة كحسب أعمالهما.

     ولقد أقر الإسلام هذه الحقيقة.

     كما أٌقرتها المسيحية من قبل الإسلام.

        يكتب قداسة البابا شنودة الثالث فى كتابه لاهوت المسيح تحت عنوان "المسيح هو الديان" ما يلى:

1-   يقول بولس الرسول "لأننا لابد أننا جميعا نظهر أمام كرسى المسيح ، لينال كل واحد ما كان بالجسد ، بحسب ما صنع خيرا كان أم شرا" (2كو5: 10).

2-   وقال الرب فى إنجيل متى "إن أبن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته ، وحينئذ يجازى كل واحد بحسب عمله" (متى169: 27).

3-   وقال أيضا: "ومتى جاء إبن الإنسان فى مجده ، وجميع الملائكة القديسين معه ، فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب ، فيميز بعضهم عن بعض ، كما يميز الراعى الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره... "(متى25: 31-46) ثم يشرح تفاصيل قضائه العادل: فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى ، والأبرار إلى حياة أبدية":.

4-   ويقول عن نهاية العالم "يرسل أبن الإنسان ملائكته ، فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلى الإثم ، ويطرحونهم فى أتون النار" (متى13: 41 ، 42).

5-   يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: ".. الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته" (2تى4: 1).

6-   ويقول الرب فى سفر الرؤيا "وها أنا آتى سريعا وأجرتى معى ، لأجازى كل واحد كما يكون عمله" (رؤ22: 13 ، 14).

المجئ الثانى:

        الإسلام والمسلمون لا يؤمنون بمجئ ثانى لنبى الإسلام محمد وإن كانوا قد توقعوا هذا فى يوم موته فقد جاء فى كتاب سيرة الرسول والخلفاء ما نصه صفحة 115 تأليف/ فتينه عبدالوهاب الفرماوى: "توفى الرسول بحمى فى ربيع الأول عام 11 هجرية فى بيت السيدة عائشة ودفن فى نفس المكان الذى توفى فيه. وكان كلما إشتد عليه المرض خطب فى الناس وأوصاهم بالإنصار وأمر أبوبكر أن يصلى بالناس وحين توفى كان عمره 63 سنة وكانت وفاته صدمة للمسلمين لم يتوقعوها فإرتدوا عن الإسلام لكن الله أنعم على أبى بكر بصفاء الذهن فواجه الموقف بشجاعة فوقف فى الناس يخطب ويقول من كان يعبد محمدا فمحمد قد مات ومن كان يعبد الله فالله حى لا يموت ثم تلا. (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبه فلن يضير الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين)".

ولنا فى هذه النصوص ملاحظتان:

1-   من أين نزلت هذه الآية ومن هو قائلها هل هو الله أم هو أبوبكر؟د

2-   لو كان الله فكيف يقول (مات أو قتل) فهل الله لا يعرف؟

        والقصة كما وردت فى كتاب حياة محمد لمحمد حسين هيكل ص 506: "تقول إختار النبى الرفيق الأعلى وهو فى بيت عائشة وراسه فى حجرها فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم (تلطم) وتضرب وجهها مع النساء اللائى أسرعن لأول ما بلغهن الأمر وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه الضجة وكان أبوبكر بعيدا فى زيارة لزوجته فأسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبى وهو لا يصدق أنه مات فكشف عن وجهه وألقاه لا حراك فيه فحسبه فى غيبوبه لا يفقو منها وعبثا حاولوا إقناعه بالحقيقة المؤلمة ولما أخوا عليه قال كذبتم وخرج إلى الناس إلى المسجد وهو ينذرهم قائلا بعض الناس يزعمون أن رسول الله قد مات وإنه والله ما مات لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى إبن عمران فقد غاب عن أهله 40 يوم ثم رجع إلى أهله بعد أن قيل عنه أنه مات والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى فلتقطع أيدى رجال وأرجلهم من خلاف زعموا أنه مات".

        وإستمع المسلمون هذه الصيحات بشئى من الذهول وهم ينتظرون رجوعه وكان عمر يزداتد صياحا وهو يقول كيف يموت وهو فى هذه القوة التى هزت العالم كله وظل يكرر الكلام كثيرا. فأحيا فى الناس أملا بعودة الرسول إلى الحياة مرة ثانية إلى أن أقبل أبوبكر فدخل على الرسول وكشف وجهه وقال له أما الموته التى كتبها الله عليك فقد ذقتها ولن تصيبك بعدها موته أخرى ثم قبله وهو يقول ما أطيبك حيا وميتا يا رسولن الله وغطى أبوبكر وجهه وخرج وقال الكلمات السابقة وتأخر دفن الرسول يومين من 11-13 ربيع الأول لربما ظنوا أنه يقوم كما قام عيسى ولإنهم كانوا مشغولين فى إعداد الخلافة وكان أنصار المدينة يريدون أخذها من المهاجرين لولا تدخل عمر ومابيعته لأبى بكر ثم إختلفوا فيما بينهم أين يدفنوه وقال البعض يدفن فى مكة فى مسقط رأسه وقال البعض الآخر بل يدفن فى بيت المقدس مع جماعة الأنبياء ولكن بيت المقدس كان فى يد اليوم وكان هناك عداوة بين الروم والمسلمين منذ غزة تبوك ولكنهم تذكروا قول الرسول ما قبض على نبى إلا ودفن حيث قبض. أما السيد المسيح له المجد فله مجيئ ثانى ولقد أتيح لكل الأنبياء فرصة واحدة عندما جاؤوا للعالم وخدموا فيه أما السيد المسيح له فرصتان فقد جاء ثم توفاه الله ثم رفعه إليه حيا لكى يبقيه حيا حتى يأتى مرة ثانية ولأجل هذا قال القرآن عن المسيح يكلم الناس فى المهد وكهلا ولم يعش المسيح حتى يصير كهلا وكلمة كهلا تنطبق على المسيح هو فى المجئ الثانى وكلمة طفلا تنطبق عليه فى المجئ الأول وهو كما تحدث فى الطفولة يتكلم فى الكهولة وقد جاء فى الأحاديث الإسلامية قول محمد ما تقوم الساعة حتى يأتى فيكم ابن مريم حكما مقسطا (عادلا) فيحطم الصليب ويبيد الخنزير ويقتل الدجال ويعم المال على الأرض حتى لا يجد من يأخذه.

جاء فى البخارى عن أبى هريرة:

        عن نبى الإسلام قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمامكم منكم فقالوا له أنت إمامنا حيا كنت أم ميتا) وجاء فى سنن الإمام أحمد أبن حنبل قول الرسول: ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم إماما مهديا وحكما عادلا. وواضح من كلمة حكما عادلا ـ مقسطا أن السيد المسيح فى المجئ الثانى لن يأتى نبيا أو رسولا (نبيا لكى يتنبأ ورسولا لكى يبشر) ولكنه سوف يأتى ديان للجميع وهذا يوافق كلمات الكتاب المقدس (أع1: 12) ، (رؤ20: 11-15). وجاء فى الأحاديث أن النبى قال ما أن تقوم الساعة حتى يأتى فيكم ابن مريم حكما مقسطا فأقرؤه السلام من رسول الله وإنى لأرجو أن طال بى العمر أن ألقى عيسى ابن مريم فإن عجل بى الموت فمن لقيه منكم فليقرؤه منى السلام (عن كتاب المسيخ الدجال لميحى الدين الطمى ص 59 ، ص 60).

        جاء فى كتاب تفسير القرآن العظيم للإمام الحافظ أبن كثير ص 578 ، 579 فى تفسيره لسورة النساء: "عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحدا وحتى تكون السجدة خير له من الدنيا وما فيها.

        عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليهلن عيسى ابن مريم بج الروحاء بالحج أو العمرة أو ليثنينهما جميعا" وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطى المال حعتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما" قال وتلا أبو هريرة (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته).

        عن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى عليه وسلم "كيف بكم إذ نزل فيكم المسيح أبن مريم وإمامكم منكم". عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنى أولى الناس بعيسى أبن مريم لأنه لم يكن نبى بينى وبينه وإنه نازل فإذا رأيتموه فأعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل: فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله فى زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك الله فى زمانه المسيح الدجال ثم تقع الأمانة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الأبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون".

        وعن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لقيت ليلة أسرى بى ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال لا علم لى بها فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لى بها فردوا أمرهم إلى عيسى أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله وفيما عهد إلى ربى عز وجل أن الدجال خارج ومعى قضيبان فغذا آنى ذاب كما يذوب الرصاص قال فيهلكه اله إذا رآنى حتى إن الحجر والشجر يقول يا مسلم إن تحتى كافرا فتعال فأقتله قال فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدث ينسلون فيطئون بلادهم فلا يأتون على شئ إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه قال ثم يرجع الناس يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريجهم وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم فى البحر ففيما عهد إلى ربى عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدرى أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلا أو نهارا".

3-   إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص:

        يقول القرآ، بلسان المسيح: "أبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله". (آل عمران 49). من المعروف أن الأكمة هو من ولد أعمى. والبرص هو المرض الخطير المعروف من الأدواء ، التى يتعذر شفاؤهما على البشر. وقد ذكر المثنى عن ابن اسحاق ، عن حفص بن عمر عن عكرمه قال: "إنما أخبر الله عز وجل عن عيسى أنه يقول ذلك لبنى اسرائيل ، احتجاجا منه بهذه العبر والآيات عليهم فى نبوته. وذلك أن الكمه والبرص لا علاج لهما.. فكان ذلك من أدلته على صدق قلبه.

        وأحيى الموتى قال وهب بن منبه ، بينما كان عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبى فوكرزه برجله فقتله ، فألقاه بين يدى عيسى وهو ملطخ بالدم. فأطلع الناس عليه ، فأتهموه به فأخذوه وأنطلقوا به إلى قاضى مصر ، فقالوا: هذا قتل فسأله القاضى ، فقال عيسى: لا أدرى من قتله ، وما أن بصاحبه فأرادوا أن يبطشوا بعيسى ، فقال لهم: أئتونى بالغلام فقالوا: كيف يكلمك وهو ميت؟ فأخذوه وأتوا به إلى الغلام القتيل. فأقبل عيسى على الدعاء ، فأحياه الله.

        وعن وهب أيضا قوله: أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى ، فى الجماعة الواحدة خمسون ألفا. من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشى إليه ، وإنما كان يداويهم بالدعاء.

        وعن الكلبى ، أنه قال: كان عيسى عليه السلام يحيى الأموات بياحى ، يا قيوم. وأحيا عاذر (يقصد لعازر) وكان صديقا له. ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حيا ومر على أبن ميت لعجوز ، فدعا الله فنزل من سريره ، ورجع إلى أهله وولد له. فالله لم يمنح أحدا سلطان إحياء الموتى سوى المسيح. فحين سأل إبراهيم الله أرنى كيف تحيى الموتى ، أمره بشق الطير ثم أمره أن يناديه فجمعه.

        جاء فى سورة (البقرة2: 260): "وإذ قال إبراهيم ربى أرنى كيف تحيى الموتى؟ قال أو لم تؤمن؟ قال بلى ودكن ليطمئن قلبى. قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهم جزءا ، ثم أدعهم يأتينك سعيا ، وأعلم أن الله عزيز حكيم".

        ولكن السيد المسيح خلق الطير من طين ونفخ فيه فصار طيرا والسيد المسيح أقام الإنسان هو الوحيد الذى خلق فى عالم الكون والكائنين فيه كله ، وهو الوحيد الذى كما انتصر على الموت فى جسم بشريته ، انتصر عليه فى أجساد الآخرين.

     إقامة لعازر               إقامة أبنة يايرس.             إقامة أبن الأرملة.

     وقد ذكر الإسلام قصص إقامة أخرى مثل إقامة سام أبن نوح

        ويقول د. مصطفى بهجت بدوى تحت مقال المسيح ومعجزاته بجريدة الأهرام (وكان الطب ظاهرا فى تلك الآونة فأمدة الله بروح القدس ليأتى بالمعجزات التى لا نظير لها بين أطباء هذا الزمان ولا أطباء آخر الزمان فيذهل الأطباء والمرضى إلا الأصحاء على السواء... والقوم بين مؤمن وكافرين مصدق ومكابر وحتى أن ابن مريم بعد أن أحيا ثلاثة كانوا قد حضرتهم الوفاة بالفعل وماتوا مضى اليهود فى لججهم قائلين للمسيح عيسى بن مريم أنك تحيى من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا وإنما اصابتهم سكتة وطالبوه أن يحيى لهم سام بن نوح (الجد الأكبر لليهود والعرب.... ) وكانت قد مرت على وفاة سام بن نوح نحو أربعة آلاف سنة فطلب عيسى أن يدلوه  على فترة فلما فعلوا دعا عيسى ربه فأجاب سام بن نوح روح الله وقام من قبره وهو يحدث الناس قائلا صدقوه أنى نبى).

خامسا: المسيح يعرف معرفة الله:

أولا:   عالم الغيب والشهادة:

     العلم بالغيب:

        قال القرآن بلسان المسيح "وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم. إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" (آل عمران3: 49).

        يعرف المسيح الحقيقة ويقرا أفكار القلوب ، ويعلم أيضا أسرارك بالتفصيل. وسوف يعلن لك أعمالك السيئة والصالحة ، هو العليم بما فى صدور الناس وليس أحد بارا أمامه.

وهنا يجد العلماء مسألتين:

     المسألة الأولى: أنه كان منذ أول أمره يخبر بالغيوب. فقد روى السدى: أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم. وكان يخبر الصبى: أن أنك قد خبأت لك كذا. فيرجع الصبى إلى أله ويبكى إلى أن يأخذ ذلك الشئ. ثم قالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر. وجمعوهم فى بيت فجاء عيسى يطلبهم ، فقالوا له: ليسوا فى البيت فقال: فمن فى هذا البيت؟ قالوا: خنازير قال عيسى كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

     المسألة الثانية: الأخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة المنجمون الذين يدعون استخراج الخبر ، لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال. ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرا. أما الأخبار عن الغيب ، من غير استعانته بآلته ولا تقدم فيه مسألة لا يكون إلا بالوحى.

        جاء فى كتاب قصص الأنبياء للإمام أبن كثير ص 587 ، 588 ما نصه: "كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم فيقول: خبأت لك كذا وكذا. فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها أطعمينى ما خبأت لى ، فتقول: وأى شئ خبأت لك؟ فيقول: كذا وكذا فتقول له: من أخبرك؟ فيقول: عيسى بن مريم فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع  ابن مريم ليفسدنهم. فجمعوهم فى بيت وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم فى بيت فسال عنهم فقالوا: إنما هؤلاء قردة وخناير فقال: اللهم كذلك فكانوا كذلك: رواه ابن عساكر.

المسيح ينبئ عن يهوذا مسلمه واللص اليمين الذى زامله ولازمه:

        جاء فى كتاب حكم ومواعظ عيسى بن مريم ص 52 فقرة 83 ما نصه: "روى أن لصا كان يقطع الطريق فى بنى اسرائيل أربعين سنة ، فمر عليه عيسى ابن مريم - عليه السلام وإلى خلفه عابد من عباد بنى اسرائيل من الحواريين ، فقال اللص فى نفسه: هذا نبى الله يمرو إلى جنبه حوارييه ، لو نزلت فكنت معهما ثالثا ، قال: فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحوارى ، ويزدرى نفسه عظيما للحوارى ، ويقول فى نفسه: مثلى لا يمشى إلى جنب هذا العابد قال: وأحس الحوارى به ، فقال فى نفسه: هذا يمشى إلى جنبى ، فضم نفسه ، ومشى إلى السلام فمشى بجنبه ، فبقى اللص خلفه ، فأوحى الله إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: "قل لهما: ليستأنفا العمل ، فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما ، أما الحوارى فقد أحبطت حسناته لعجبه بنفسه ، وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما أزدرى على نفسه" فأخبرهما بذلك ، فضم اللص إليه فى سياحته وجعله من الحواريين.

المسيح يعرف الخبايا:

        القرآن وصف المسيح بالشفافية المطلقة والمعرفة للخفيات والمختبئات وذلك فى قوله: "أنبئكم بما تأكلون وبما تشربون وبما تدخرون فى بيوتكم إن فى ذلك لآية إن كنتم تعلمون" فالمسيح بموجب هذا النص عاش مع الناس حياتهم وكشف مكنونات بيوتهم وأسرارهم العائلية الخاصة ، فيما يأكلون وفيما يدخرون. بموجب هذا صار كل الناس عراة أمام عيسى بن مريم وتعرت كل البيوت عن أسرارهما فى حضرته كذا فى غيبته ولم يعد هناك سر يخفى على عيسى بن مريم الطفل الصغير ، ولا عن عيسى بن مريم الشاب اليافع.

        فكل نبى تنبأ بما يخص رسالته ، ولم يدخل فى حياة الناس العامة وأحوالهم الشخصية. أما المسيح فكانت النبوة عاملا دائما فيه. يعرف الناس ويعرف ما تكنه صدورهم وما تخفيه كنوزهم وما تخبئهه بيوتهم من مأكل ومشرب. ورغم أن القرآن ينسب للسيد المسيح معرفة الغيب إلا أن القرآن ينسب معرفة الغيب إلا أن القرآن ينسب معرفة الغيب لله وحده. "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا احببتم قالوا لا علم لنا أنك أنت علام الغيوب" (المائدة 109). وعنده مفاتيح الغيب ، لا يعلمها إلا هو" (الأنعام 59).

ونلاحظ فيما سبق ما يلى:

1)   الله وحده يعلم الغيوب لاحظ قوله "لا يعلمها إلا هو"

2)   نفى القرىن النفى القاطع عن جميع الرسل دون إستثناء من هذه الصفة.

        إذن فعندما ينسب القرآن للسيد المسيح هذه الصفة (آل عمران 49) يكون هذا دليلا يشهد للاهوت السيد المسيح.

أما بالنسبة لبقية الأنبياء فهناك عاملان هامان:

1-   عامل المعرفة الذاتية: فكل الأنبياء إذ عرفو االغيب ، لم يعرفوه من تلقاء أنفسهم ، بل بإنعام خاص بنوع من الجليان الآلهى والكشف السماوى. أما المسيح فعرف الغيب من تلقاء ذاته:

أ‌-   علمت أن قوة خرجت منى (فى شفاء نازفة الماء).

ب‌-  علم يسوع أفكارهم (فى شفاء المفلوج المحمول من أربعة).

ج‍‌-  علم يسوع فكر سمعان الفريسى وأدانته لزانية المدينة.

د‌-   علم يسوع بالإستار الذى سيخرج من السمكة.

ه‍‌-   وبالرجل حامل الجرة الذى سيلاقى تلميذيه فى المدينة.

و‌-   وبالجحش والأتان المربوطان

ز‌-   وبما تحدث به جباة الضرائب مع بطرس.

ح‍‌-  وبما كان التلاميذ فيه يتناقشون بالطريق من يكون الأول بينهم.

ط‌-  وبما نوى يهوذا عمله (ما أنت فاعله فافعله بأقصى سرعة).

ى-  وبما سيحدث لبطرس (تنكرنى ثلاث مرات).

ك‌-  وبما سيحدث من تلاميذه (تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته).

ل‌-  وبما سيحدث له: ابن الإنسان لأيدى الناس فيصلبونه.

م‌-   وبقيامته: "وفى اليوم الثالث يقوم".

ن‌-  وبلقياهم: بعد قيامتى اسبقكم إلى الجليل هناك تروننى.

س‌- وبصعوده "إنى صاعد إلى ابى الذى هو أبوكم".

ع‌-  وبحلول روح الأب القدوس: لن أترككم يتامى إنى سأجئ إليكم.. خير لكم أن أنطلق أن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى... إن ذهبت أرسله إليكم".

ف‌-  وبما سيحدث لأورشليم "يهدمونك وبنيك فيك".

ص‌- وللهيكل: "حجر على حجر لا يترك إلا وينقض".

ق‌-  ولليهود: "ويل للحبالى والمرضعات فى ذلك اليوم".

ر‌-   وللمسيحيين: "تأتى ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم قربانا لله".

ش‌- وللتلاميذ: "أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها".

ت‌-  وليوم الخمسين: "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهودا".

        جاء فى كتاب مريم والمسيح تأليف الإمام الشيخ محمد متولى الشعراوى ص 50 ، 51 ما نصه: "وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون": هناك قضيتان فى هذه المعجزة ، قضية عامة ، وهى ما يأكله الإنسان بوجه عام ، أى يعيش عليه الإنسان من الأطعمة والأشربة... ولكن كل إنسان فى بيته له خاصية أحداث. أكل الإنسان فى بيته أمر خاص به هو ، أما الأول فأمر عام للكل. فهو يقول: إنى سأنبئك بخاصية أحداثك ، وأقول لك: أنت أكلت ماذا ، وأنت أكلت ماذا ، وليس معقول يكون قد دخل كل بيت ، وعرف منه ذلك. وكذلك كان يعلم ما يدخره الناس فى بيوتهم... افرض أن الطعام له رائحة ستظهر خارج البيت ، فما بالك بما يدخرون فى البيوت من أنواع الطعام؟.

        بل إن هذه آية من آيات من يعلم مغيبات الأمور. إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. لأن هذه عجائب ، تثبت أن قوة قاهرة فوق الرسل ، تعطيه هذه العجائب والآيات. ومعنى الرسول أى أرسله من هو أعلى منه إلى من أقل منه. والذى يؤمن بالآية هو من يؤمن بإله ، غاية الأمر أننا نريد أن نثبت أن العلامة من عنده أم لا. أما إن كان غير مؤمن بالله ، فما الفائدة؟.

2-  عامل الديمومة المستمرة:

        فبطرس الرسول علم ما فعله حنانيا وما عملته سفيرة ، ولكنه لم يعرف سر الملآة التى نزلت عليه فى يافا ، ولولا أن الرب قال له إذهب معهم غير مرتاب فى شئ ، لما ذهب.

        وأليشع عرف ما عمله جيحزى تلميذه حين سعى وراء السريانى الأبرص ، ولعنه بقوله برص نعمان السريانى يلصق بك وبنسلك إلى الأبد. ولكن حين أتته المرأة الشونمية التى تثكلت للتو ، لم يعلم ما حدث لها ومعها وأرسل يسال أسلام لك؟ أسلام لزوجك؟ أسلام للولد؟ أما المسيح فلم يمر وقت دون أن يكون فيها عارفا.

        جاء فى الكتاب المقدس قوله: لم يكن محتاجا لأحد أن يشهد عن الإنسان لأنه عرف كل ما كان فى الإنسان.

        فلم يكن هيرودس يعرف أن سيمثل أمامه كمتهم ، أما المسيح فكان يعلم أنه بعد قليل سيقف فى حضرة هيرودس ليحاكمه.

        هل كان سمعان القيروانى على موعد مع المسيح ليشاركه حمل الصليب ، بينما كان المسيح يعرف ذلك قبل أن يتحرك سمعان من حقله.

إن معرفة المسيح تتسم بهاتين الصفتين:

أ‌)      أنها معرفة ذاتية صادرة منه ، وليست آتية فيه ، أو مكتسب له.

ب‌)     أنها معرفة دائمة لا تعوزها الأسانيد ، ولا تحتاج للبث النبوى أو الإسال السماوى كبقية الأنبياء.

المسيح علام الغيوب:

        الإنجيل يذكر عن السيد المسيح علمه بالغيب ، ومعرفته اللا محدودة بكل شئ ، ويصفه بصفه جميلة هى: فاحص القلوب والكلى.

إن السيد المسيح يفحص القلوب ويعرف الأفكار ومن أمثلة ذلك:

       يقول الكتاب المقدس عن التلاميذ أنهم: "فكروا فى أنفسهم قائلين: إننا لم نأخذ خبزا. فعلم يسوع وقال لهم "لماذا تفكرون فى قلوبكم يا قليلى الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزا" (يو16: 7 ، 8) (مر11: 16 ، 17) (متى16: 8).

       ولما قال الرب للمفلوج "مغفورة لك خطاياك" يقول الكتاب عن الكتبة أنهم "قالوا فى أنفسهم هذا يجدف ، فعلم يسوع أفكارهم فقال لهم "لماذا تفكرون بالشر فى قلوبكم أيهما أيسر..." (مر2: 6-8) (متى9: 3 ، 4).

       وبعد شفاء المجنون الأعمى والأخرس ، يقول الكتاب "وأما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم" وقال لهم: كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب" (متى12: 24 ، 25) ، (لو11: 17). وفى حادثة شفاء ذى اليد اليابسة ، يقول الكتاب "وكان الكتبة والفريسيون يراقبونه هل يشفى فى السبت لكى يجدوا عليه شكاية ، أما هو فعلم أفكارهم ... ثم قال لهم.. هل يحل فى السبت فعل الخير أم فعل الشر" (لو7: 7-9).

       فعندما حورب التلاميذ بالعظمة ، يقول الكتاب "وداخلهم فكر من عسى أن يكون أعظم فيهم. فعلم يسوع فكر قلبهم ، وأخذ ولدا وأقامه" (لو9: 46-47).

       وفى حالة المرأة الخاطئة التى بللت قدمى المسيح بدموعها ، أجاب له المجد على أفكار الفريسى. وفى ذلك يقول الكتاب "فلما رأى الفريسى الذى دعاه ذلك ، تكلم  نفسه قائلا: لو كان هذا نبيا لعلم من هذه المرأة التى تلمسه وما حالها ، إنها خاطئة فأجاب يسوع وقال له... "(لو7: 39 ، 40).

       وفى معرفته بالخفيات ، نضرب مثلا بما قاله لبطرس عن السنارة والأستار (متى17: 27). ومعرفته بشك توما وحديثه مع باقى الرسل (يو20: 27). ومعرفته بموت لعازر يو11: 11). ومعرفته بما حدث لنثنائيل تحت التينة (يو1: 47-50). ومعرفته بماضى السامرية (يو4: 18).

ثانيا:   علم الساعة:

        جاء فى سورة الزخرف: "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون... وإنه لعلم للساعة". (الزخرف 56 ، 61). قال الجلالان فى تفسير هذه الكلمة "لعلم الساعة" أنه عيسى لعلم الساعة يعلم بنزولها. ومتى ذكرنا أن المعروف عند الناس ، أن الله ينفرد عن خلقه بأنه وحده عنده علم الساعة ، ندرك الميزة التى أفردها القرآن للمسيح.

الله وحده له علم الساعة:

أ‌)      جاء فى سورة (لقمان 34) إن الله عنده علم الساعه.

ب‌)     وجاء فى سورة (الشورى 17) "وما يدريك لعل الساعة قريب" ولأن كلمة الساعة مؤنثة وكلمة قريب مذكر لذلك اعتمد فضيلة الشيخ الشعراوى فى حديث تلفزيونى على تفسيره "وما يدريك لعل وقت الساعة قريب" مضيفا كلمة وقت قبل كلمة الساعة حتى يذكر المعنى لتلائم وتتناسب مع الكلمة المذكرة (قريب) وليس (قريبه).

ج‍‌)     جاء فى سورة (محمد 18) "فهل ينظرون إلا الساعة إن تأتيهم بغته فقد جاء إشراطها".

ه‍‌)      أما فى سورة (النازعات 42-46) فقد أدلى القرآن بحديث طويل يوضح أنها من أختصاص الله وحده قال فيه موجها الحديث لمحمد: "يسألونك عن الساعة ، إيان مرساها ، فيم أنت من ذكراها ، إلى ربك منتهاها ، إنما أنت منذر من يخشاها ، كأنهم يوم يرونها ، لم يلبثوا إلا عشية وضحاها".

فالكلام السابق يدل على الدلالات الآتية:

       لله هو مرسىالساعة والله هو منتهاها ، هو أولها وآخرها ، ألفها وياؤها. فمن ذا الذى يدعى غيره علم الساعة. فهى من تخصصات الله وحده ، لا يعلم بها أحد ولا الملائكة.

       أما المسيح فعنده علم الساعة فمن يكون المسيح؟

       الله يقو لمحمد "فيم أنت من ذكراها ، إنما أنت منذر من يخشاها" وهذا يدل على عدم إمكانيته كبقية البشر فى معرفة الساعة.

       يوضح الله جبروت الساعة عندما يقول عنها أن الناس بعد عبورها لم يلبثوا إلا عشية وضحاها" فكل الدهور والعصور والقرون والسنين والأيام واللحظات واللحيظات السابقة للساعة كعشية أو ضحى يوم واحد.

        هذا هو جبروت الساعة وجبروت واضع الساة فكم يكون جبروت عالم الساعة. وقد ورد للساعة أسماء كثيرة فى القرآن ، وما تعددت أسماء الساعة إلا لكون أمرها من الأمور الخطيرة والأحداث الجليلة والأنباء العظيمة. فمن جملة ما ورد من أسماء الساعة فى القرآن الكريم:

1-   الحاقة.         2- الطامة          3-   النبأ العظيم.

4-   الصاخة.       5- الغاشية          6-   الواقعة.

7-   القيامة.         8- القارعة         9-   الزلزلة.

10- التفاين.         11- اليوم الموعود.

متى تقوم الساعة:

        جاء فى كتاب المسيح الدجال تأليف محيى الدين الكلمى ص 19 ما نصه قال الله تعالى: "إن الله عنده علم الساعة" وقال تعالى: "فيم أنت من ذكراها" والذى أجمع عليه علماء الدين وأهل التفسير أن الساعة لا يعلم قيامها أحد سواء نبى مرسل و ملك ولهذا قال الحق سبحانه وتعالى لنبيه: "فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها". ولكن عين لنا أقترابها بعلامات أرتبطت بظهورها لا سيما العلامات الكبرى منها.

        فمتى ظهر شئ من العلامات الكبرى المذكورة فهذا نذير باقترابها وأنه لم يعد هناك شك أنها قائمة لا محالة.

        وكما ذكرنا آنفا أن العلامات الكبرى لم يظهر منها شئ إلى الأن فالحمد لله رب العالمين على ذلك.

        ويجب تكذيب الدجاجلة والعرافين وأدعياء الشيطان الذين يتنبأون بقيام الساعة ويحسبون لهما أرقام رياضية وفلكية ويذهب ما يتنبأون به سدى فى الريح إذا جاء الميعاد الذى يحددونه لقيام الساعة.

        ولهذا أعلمنا الحق فى كتابه العزيز وسنه رسوله المصطفى الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم.

علامات الساعة الصغرى:

وقد تعدد وكثرت الرزائل والأخلاق السيئة بين يدى الساعة فمن ذلك؟

     تفشى الزنا.                              كثرة القتل.

     كثرة الحروب واستطالة مدتها.

     خروج النساء سافرات متبرجات كاسيات عاريات.

     كثرة الزلازل والخسف.                  كثرة الفيضانات وثوران البراكين.

     كثرة القحط وقلة نزو الأمطار.            كثرة الغلاء وارتفاع الأسعار.

     كثرة عقوق الوالدين.                     تفشى شرب الخمر وتناول المخدرات.

     ارتفاع الخضوع من القلوب.              هجران المساجد.

     نسيان ذكر الله.                           إدعاء النبوة.

     إدعاء المهدوية.                           رفع العلم وتفشى الجهل.

        فهذه بعض العلامات التى تختص بمساوئ الأخلاق والتى تفشت بين يدى الساعة وهى كثيرة ولكن أثرنا خوفا من الإطالة والله ولى التوفيق والله أعلم.

ثالثا: المسيح له علم الساعة:

        رغم أن السيد المسيح فى الإنجيل قد قال: أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد لا الملائكة ولا الإبن. إلا أن الإسلام فى الأحاديث الشريفة يعطى للمسيح وحده إستثناء عن كل البشر ـ معرفة الساعة ، أو علم الساعة.

        وفى الإنجيل المقدس آيات كثيرة تسكت الإنسان عن محاولة علم الساعة ومعرفة أوقاتها مثل:

     قول الرب يسوع: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه".

     قوله أيشا: اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون متى يأتى ربكم.

     قوله أيضا: لو علم رب البيت فى أية ساعة يأتى السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب.

     قول الرسول بولس للتسالونيكين: أما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أن أكتب لكم عنها.

     قول العهد القديم: ويكون يوم واحد معلوم لدى الله.

     السيد المسيح وحده علم للساعة (الزخرف 61): "وأنه لعلم للساعة" (الزخرف 61).

        ويقول البيضاوى: "وأنه لعلم للساعة لأن حدوثها ونزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها. والمسيح علم للساعة. قال الزمخشرى: "وأنه لعلم للساعة أى شرط من أشراطها يعلم بها. ويلاحظ أنهم فى تفسيرهم يميلون إلى قراءة (علم) تجعل مجئ السيد المسيح علامة لقيام الساعة..... وهذا دور ليس لأحد غير السيد المسيح.

        قراءة (علم) تجعل السيد المسيح يشترك مع الله فى علم الساعة وهذا دليل على مساواة السيد المسيح له لله الآب فى الجوهر وإتحاده به فى الأقنوم.

وقد نقلوا فى الحديث عن رسول الإسلام هذه الأقوال:

     "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا" (الثعلبى: عرائيس المجالس 403).

     "ولا مهدى إلا عيسى بن مريم" فى يوم الدين (إبن ماجه: السفن2: 275).

     "ولن يخزى الله أمه أنا أولها والمسيح آخرها" (الترمزدى نوار الأصول 156).

     عن أبى هريرة: إلا أن أبن مريم ليس بيتى وبينه نبى ولا رسول إلا أنه خليفتى فى أمتى من بعدى. (السيوطى: الأعلام بحكم عيسى). "أن المسيح ابن مريم خارج يوم القيامة ، وليستعن به الناس عن سواه" (ابن حنبل المسند2: 24 ، 272 ، 493 ، 538).

     عن أبى هريرة ، وأنس بن مالك "بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأ" (أبن ماجه: السنن2: 248-249 ، الحلبى: إنسان العيون2: 77).

     لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء. (الهندى: منتخب كنز العمال6: 15). "فالختم ختمان: ختم واحد فى العالم يختم به الله الولاية  المحمدية ، فلا يكون فى الأوليا المحمدين أكبر منه ، ومن ثم ختم آخر يختم به الله الولاية العامة من آدم إلى آخر ولى وهو عيسى عليه السلام وهو حتم الأولياء. وهكذا بحسب الصوفيين فإنه إن كان محمد هو خاتم الآية المحمدية فإن المسيح هو خاتم الأنبياء على الإطلاق.

ثالثا:   الوحيد الشفيع المقرب:

        حين نتأمل سورة "الزمر43 ، 44" والسجدة 4 نجد أن القرآن يحصر الشفاعة فى الله وحده ، إذ يقول: (ولله الشافعة جميعا). ومع ذلك فإن أحد نصوص القرىن يقول إن الشفاعة أيضا من امتيازات المسيح (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين" (آل عمران 45).

        قال الجلالان فى تفسير هذه الآية: "وجيها فى الدنيا بالنبوة ، وفى الآخرة بالشفاعة والدرجات العلى ، ومن المقربين عند الله".

        وأخرج الطبرى عن أبن حميد ، عن سلمه ، عن ابن اسحاق ، عن محمد بن جعفر قال: "وجيها فى الدنيا" أى ذو وجه ومنزلة عند الله ، وفى الآخرة ومن المقربين يعنى أنه ممن يقربه الله يوم القيامة فيسكنه فى جواره ودنيه منه؟.

        وقال الرازى: "وجيها فى الدنيا" بسبب أن يستجاب دعاؤه ويحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ووجيه فى الآخرة أنه يجعله شفيع أمته.

أما قوله "ومن المقربين" ففيه وجوه:

1)   أنه تعالى جعل ذلك بالمدح العظيم للملائكة ، فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم فى هذه الصفة.

2)   إن هذا الوصف كالتنبيه على أنه سيرفع إلى السماء وتصاحب الملائكة.

3)   أنه ليس كل وجيه فى الآخرة يكون مقربا. لأن أهل الجنة على مراتب ودرجات.

وقال البيضاوى: "الوجاهة فى الدنيا النبوة ، وفى الآخرة الشفاعة".

        وقال الزمخشرى: "الوجاهه فى الدنيا النبوة والتقدم على الناس ، وفى الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة فى الجنة ، أو رفعه إلى السماء وصحبته الملائكة".

        وقال أبن كثير (ج1 ص 364): "له وجاهة ومكانة عند الله فى الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به ، وفى الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه".

        ورغم أن القرآن قال الشفاعة: "لمن يأذن له الرحمن" (طه109) ولكن لا يذكر شفاعة لأى من الأنبياء ، ولا حتعى محمد (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى القوم الفاسقين" (التوبة 80).

        قال الجلالان "يبين له حسم عدم المغفرة بآية: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم". وقال البيضاوى: "يريد التساوى بين الأمرين فى عدم الإفادة لهم" أما القول: "أفمن حق عليه كلمة العذاب: أفأنت تنقذ من فى النار؟" (الزمر16). ففسره البيضاوى: "كررت الهمزة فى الجزاء لتأكيد الإنكار والإستبعاد ووضع من النار موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لأمتناع الخلق فيه".

        إذن يتميز السيد المسيح عن سائر الأنبياء بدورة الشفاعى فى يوم الدين: يحسب القرآن الشفاعة فى يوم الدين لله وحده (قل له الشفاعة جميعا) (الزمر 44). (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فما يغفر الله لهم) (التوبة 80).

        وقد فسرها البخارى المراد سبعين المبالغة فى كثرة الإستغفار فعن حديث للبخارى قال النبى لو علمت أننى لو زدت على السبعين فسيغفر عليه. وقد فسرها البيضاوى المقصود بالقول استغفر أو لا تستغفر تساوى الأمرين  فى عدم الإفادة. (فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضررا أو أراد بكم نفعا) (الفتح 11).

        من تفسير الجلالان "من تدل على الإستفهام الذى يفيد النفى" (الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم أستوى على العرض مالكم من دونه ولى ولا شفيع) (السجدة 4).

        وفى يوم الدين لا تنفع الشفاعة عند الله. (لا يقبل منها شفاعة) (البقرة 123) (وإتقوا يوما لا يجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة) (البقرة 123). (يا أيها الذين أمنوا إنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خله ولا شفاعة) (البقرة 254). (ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) (الأنفطار 18 ، 19). من كل هذه النصوص القرآنية يتضح بجلاء أن الشفاعة فى يوم الدين لله وحده.

2)   رغم هذا فالقرآن يسمح بالشفاعة للملائكة المقربين وإن كانت ضمن حدود وقيود: (وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا غلا من بعد أن يأذن لمن يشاء ويرضى) (النجم 26).

3)   ولكن هل يقر القرآن بشفاعة محمد؟

أ‌-   ومن الليل فتهجد به نافلة لك (التهجد هو الصلاة ليلا بعد الإستيقاظ) عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق وأجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا) (الإسراء79 ، 80). هذه النصوص تعنى المقام المحمودى الدنيا بنصرة الله له ولا شئ يوحى بالشفاعة.

ب‌-  (والضحى والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى (وما أبغضك). الآخرة خير لكم من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) (الضحى 1-5). القرآئن كلها تدل على أن الآخرة المذكورة هى آخرة للنبى سيرة محمد ودعوته وليس الآخرة فى يوم الدين. وهب أنها تعنى الآخرة فى يوم الدين فعطاء الله للنبى لا يقضى حكما بالشفاعة لأن صريح القرآن ينفيها عن الخلائق إلا الملائكة المقربين.

ج‍‌-  (يوم لا يجزى الله النبى والذين آمنوا معه ونورهم يسعى بين أديهم (قدامهم) وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وأغفر لنا أنك على كل شئ قدير). (التحريم 8). فى هذا النص نلاحظ أنهم يستغفرون لأنفسهم لا لغيرهم ، بل أن القرآن يقطع بأنه لا شفاعة لمحمد يوم الدين فى قوله أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من النار) (الزمر 19).

الفصل الثالث:  لماذا يرفض الملسمون ألوهية السيد المسيح:

أ‌-   ذكر لنا الشيخ المقدس فى كتابه تأملات فى لاهوت الكلمة:

        تعتبر مسألة ألوهية المسيح من أكبر وأصعب وأعقد نقاط الخلاف ما بين الإسلام والمسيحية. وترجع صعوبة هذه المسألة إلى سوء فهم الإسلام والمسلمين وليس لسوء فكر المسيحية والمسيحين. هذا ما سنبحثه سويا من خلال صفحاتنا القليلة هذه. لهذا أقول لقارئ: إذا شاطرنى عقائدى فليماشنى وإذا شاطرنى شكوكى فليبحث معى وإذا وجدنى أنا نفسى على خطأ فليردنى عنه بالحجة القوية والقول الجميل.

        يتكون القرآن الحالى من مائة وأربع عشرة سورة. منها خمسع شرة سورة بثلاث وتسعين آية قد ذكرت المسيح بأحوال وأشكال مختلفة ومحيرة: مريم ، الزخرف ، المؤمنون ، الأنعام ، الشورى ،البقرة ، آل عمران ، الأحزاب ، النساء ، الحديد ، التحريم ، الصف ،المائدة ، التوبة.

        خمس عشرة سورة حملت آياتها الثلاثة والتسعين سر عظيم المعنى كشف فقط للذين اعتمدوا على الله لفهمهم الحقائق الإلهية الذى أعلنها الله للبشرية جمعاء بواسطة كلمته الملقاه إلى مريم فأصبحوا بإيمانهم هذا فوق الذين كفروا بكلمته إلى يوم القيامة راجع (آل عمران 55).

        أما الذين اعتمدوا فى فهمهم للحقائق الإلهية على النحو والبلاغة والفصاحة وشد المجرور وضم المفتوح وكسر الموصول ورفع المفعول وحذف الفاعل ، فلقد أخفى عنهم هذا السر العظيم ولهذا أسلمهم الله إلى شهواتهم فأصبحوا فى التخلف ظاهرين إلى يوم الدين.

        خمس عشر بثلاثة وتسعين آية سوف نتأمل فى معانى آياتها بشكل جديد وجرئ شكل يتماشى مع الواقع القرآنى ، ومع الواقع التاريخى ومع الواقع الكتابى العام والمنطق السليم.

        شكل جديد بعيد عن روح التعصب والجهل ، لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟. شكل جديد يتماشى مع المؤمن الحقيقى الذى لا يخشى إلا غضب الله وخيانة الحقيقة والمنطق. ولكن قيل أن يتأمل فى هذه السور الخمسة عشر وآياتها الثلاثة والتسعين دعونى أوضح لكم أهم بعض أسباب رفض القرآن وبالتالى الإسلام فهل هذه الطريقة تغفير أجسادكم بالتراب تليق ببنى البشر؟

        وهل حقا الماء أو التراب يطهر من النجاسة؟ فإن كان حقا الماء أو التراب يطهران م النجاسة فلماذا لا تستعملهما المستشفيات عوضا عن المطهرات؟؟.

هل الله ينظر إلى وجوهنا أم إلى قلوبنا؟

        دعونى أطرح سؤال هنا: لو أن وقت الصلاة قد حان ولم يجد المصلى ماء أو تراب بل حجارة وأخشاب فهل يؤجل المصلى صلاته فى هذه الحالة؟؟؟. عن عائشة قال رسول الله" تنظفوا فإن الإسلام نظيف. (رواه الطبرانى فى الأوسط وابن حيان).

        وفى حديث آخر أخرجه الغزالى فى أحياء علوم الدين1/135: (بنى الدين على النظافة). وفى آخر رواه أبو النعيم فى كتابه السواك عن ابن عمر قال: قال رسول الله: الصلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة من غير سواك. والمسلمين لمسالة الوهية المسيح ونبوته لله تعالى.

من أسباب رفض القرآن لمسألة ألوهية المسيح:

        رغم أن القرآن كتابا دينيا يدعو إلى الإيمان بالله والتوحيد به إلا أن تعاليمه ومفاهيمه مادية أكثر مما هى روحانية على سبيل المثال:

     يهتم القرآن وبالتالى الإسلام إلى طهارة الجسد أكثر من طهارة الروح لدرجة أن ناقض الوضوء لا تقبل منه الصلاة أبدا: (يا أيها الذين أموا إذ قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأمسحوا رؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين). (المائدة 6). (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به). (أنفال 11). (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (مائدة 6).

     ملاحظة: التيممم هو إعفار اليدين والرجلين والرؤوس والأوجه بالتراب ، وذلك عوضا عن الماء الغير موجود. فهل هذه الطريقة تعفير أجسادكم بالتراب تليق (السواك هو فرق أو سرك الأسنان بالعود). عليكم بالسواك فهو مطهر للفم ومرضاة الرب) أخرجه البخارى عن عائشة والطبرانى والبهيقى فى شعب الإيمان.

مفتاح الصلاة الطهور:

        أخرجه الترمزى عن على بن أبى طالب ومن ذكر الله عند وضوئه يطهر الله جسده كله ، ومن لم يذكر الله لم يطهر منه إلا ما أصابه الماء. رواه أبو هريرة.

        يا أبا هريرة قلم أظافرك فإن الشيطان يقعد على ما طال منها. أخرجه الخطيب فى الجامع.

        وفى حديث أخر: إذا توضأ العبد المسلم فتمغمض خرجت الخطايا من فيه. وإذا استند خرجت الخطايا من آنفه وإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج الخطايا من تحت أجفاء عينيه ، وإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافره وإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أدنيه ، وإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه. (حديث أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد الصحيح راجع علوم الدين للغزالى 1/135-142.

        حتى مجازاة الله لعباده الصالحين يحصرها القرآن فى الماديات: والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة. (النساء 57).

        إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار... إنها من ماء غير أسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات. (محمد 12-15).

        كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزجناهم بحورعين. (الطور 17-21). ويطوف عليهم غلمان لهم كانوا لؤلؤ مكنون. (الطور 24). فيها من الفاكهة زوجان. (الدخان 52). فيها قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان... وكأنهم الياقوت والمرجان.. فيها فاكهة ونخل ورمان.. وحور مقصورات فى خيام... لم يطمثهمن إنس قبلهم ولا جان. (الرحمن 52-77). راجع أيضا الفجر 2 ، الفاشية 8-16 ، بروج 11 ، النبأ 31-36 ، الدهر 5-22 ، الحاقة 21-25 ، الواقعة 27-40 ، الزخرف 69-73 ، الحج 14-24 ، يس 55.

        والقرآن يعلن بصراحة أنه لا علم له بالروحانيات "فيسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أتيتم من العلم إلا قليلا" (إسراء 85). ونحن نبحث فى روح كلمة الله الملقاه إلى مريم فى إيطار الوحى المعلن وهذه المسألة "الروح" لا علم أصلا للقرآن فيها. هذا الجهل القرآن للروح لا يأخذ مأخذا على القرآن ، ولا يقلل من قيمته ولا يطعن فى مسألة شموله وكمالة المنادى بها لليوم حتى وأن أعترف القرآن بها "وما آوتيتم من العلم إلا قليل".

        خصوصا إذا أخذنا بعين الأعتبار أن القرآن الكريم قد أنزل ـ بمعنى كتبت فى بيئة بدائية ـ هل كانت مكة روما أم آثينا؟ ولقوما متخلفين أى أميين لأن الأمية تخلف لا علم ولا دراية لهم لا باللاهوتيات ولا بالمنطق ولا فى أدنى المعارف سوى رعى البهائم والسير فى القوافل والغزو والنكاح. وهذا أيضا أمر طبيعى بالنسبة لتلك البيئة و الفترة.

        لقد أنزل القرآن ليخاطب تلك الفئة الأمية وليناسب ظروف حياتهم وعاداتهم وعرفهم وبيئتهم لتنذر أم القرى وما حولها. (الشورى 7 والأنعام 92).

        ومن هنا ولهذه الأسباب حرم الإسلام البحث فى الحقائق والصفات الإلهية والفلسفات حتى لو كانت ضمن إطار الوحى المعلن لأن مثل هذه الأمور لا تناسب عقلية البدوى ولا تتناسب مع إدراكه للأمور لدرجة أنهم قالوا: "من تمنطق قد تزندق".

        يقول الإمام الغزالى فى أحياء علوم الدين مجلد 1/30-31: الخوض فى علم لا يستفيد منه فائدة علم فهو مزموم فى حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليلها وخفياها قبل جليه وكالبحث عن الأسرار الإلهية إذا يطلع الفلاسفة والمتكلمون إليها ولم يستقلوا بها ولم يستقل بها بالوقوف على طرق بعضها إلا الأنبياء والألياء فيجب كف الناس عن البحث عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع.

        ثم يتابع الإمام الغزالى قوله فيقول: "فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبى". المرجع نفسه 1/31. بمعنى آخر وواضح هو: أن المطلوب منك أخى المسلم هو الإبتعاد عن جميع العلوم والمعارف ويكفيك ما جاء به القرآن من علوم ومعارف!!!.

        عن ابن مسعود أنه قال: "قد أنزل فى القرآن كل علم ولنا فيه كل شئ. (راجع حجة الله على العالمين 1/355).

        ثم يتابع الغزالى قوله فيقول: التوحيد وقد جعل الأن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طرق المجادلة والإحاطة بطرق متناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الأزمات حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد.. مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شئ فى العصر الأول بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التى تسبق الأذهان إلى قبولها فى أول السماع فلقد كان ذلك معلوما للكل وكان العلم بالقرآن هو العلم كله وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين وإن يفهموه لم يتصفوا به ، وهو أن يرى الأمور كلها خيرها وشرها من الله عز وجل.

        فى حديث لأبوبكر الصديق أنه قال: الحمد لله أنه لم يجعل للخلق سبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. وقد قال بعض علماء المسلمين: ما عرف الله بالحقيقة إلا الله عز وجل. (راجع أحياء علوم الدين 1/101). لقد ذكرونى علماء المسلمين بقولهم هذا بالآية الإنجيلية الكريمة (الإبن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبير) (يو1: 18).

        حتى السؤال فى أمور الدين مزموم ولا يستجيب: إنما شأن العوام الإشتغال بالعبادات فقط والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسول من غير بحث ، وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعباجدات سوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل.

        "وكل من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مزموم" وقد نهى محمد "عن القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" حديث متفق عليه. "وقال جابر ما نزلت آية المتلاعنين إلا لكثرة السؤال". حديث أسنادة جيد.

        فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب قمعهم ومنعهم من ذلك (راجع أحياء علوم الدين 3/163).

        من هنا وانطلاقا من هذه التعاليم والمفاهيم القرآنية المادية والبعيدة كل البعد عن الروحانيات فلقد رأى القرآن أن كل بنوة أو ولادة تنتسب إلى الله لا يمكن أن تكون إلا جسدية بشرية تناسلية سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبه. (الأنعام 101 ، راجع نساء 171 ، مريم 35 ، المؤمنون 91 ، الزخرف 81 ، البقرة 116 ، يونس 68 ، الإسراء 11 ، كهف 4).

        لا يفهم القرآن البنوة أو الولادة أيا كانت إلا بزوجه وزواج فكل بنوة عنده هو مخلوقة بشرية جسدية تناسلية ، فهو يحيل البنوة المعنوية أو ما يسمى بالتبنى الإلهى وهو يجهل أيضا مفهوم الولادة المجردة لأن الولادة بحد ذاتها هى إنحدار حى من حى إنحدار ينتج عنه بفعله الذاتى مشابهة تامة فى الطبيعة. وهذا الإنحدار قد يكون جسيدا كما فى الإنسان وقد يكحون عقليا كالذى يسنده الإنجيل إلى المسيح.

        هذا هو باختصار شديد سبب من مجموعة أسباب رفض القرآن لمسألة ألوهية المسيح وبنوته لله.

أما السبب الثانى لرفض محمد وبالتالى القرآن لمسألة ألوهية المسيح فهو:

        عدم تعرف النبى العربى على المسيحية الرسمية الصحيحة وهذا ما يؤكده الواقع القرآنى الذى ذكر لنا العديد من أقوال ومعتقدات المبتدعين النصارى ، وأجوبة القرآن لهم: "نقول النصارى وليس المسيحيين".

        كان المبتدعين النصارى القائمين فى بيئة محمد والقرآن يؤمنون بتآليه مريم ويعتبرونها شريكا مساويا مع الآب والإبن من هنا يسأل الله المسيح فى القرآن "وإذ قال لله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس إتخذونى وأمى إلهين من دون الله" (المائدة 17 ، راجع مائدة 17 ، 73-75).

        ولهذا يجيب القرآن هذه الفئة المبتدعة قائلا: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقه كانا يأكلان الطعام". (المائدة 78).

        ولهذا أيضا ساوى القرآن ما بين هذا التأليه النصرانى للمسيح وأمه بين تأليه العرب لألهتهم (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وحرقوا له بين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صابحه وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم) (أنعام 100-101).

        لقد تفاعلت تعاليم ومفاهيم القرآن المادية مع معتقدات المبتدعين النصارى فنتج عن هذا التفاعل هذا الرفض القرآنى لمسألة ألوهية المسيح وبنوته لله إن ألوهية المسيح وبنوته لله والتى رفضها القرآن بشدة هى بنوة بشرية جسدية تناسلية سببها تعاليم ومفاهيم القرآن المادية وموقفه من المبتدعة النصارى. (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) (نساء 172).

        إن مسألة ألوهية المسيح وبنوته لله الذى يؤمن بها المسيحيون هى ليست التى رفضها القرآن فبنوه المسيح لله فى الإنجيل ليست بنوة بشرية جسدية تناسلية بل هى بنوة روحية محضة من ولادة عقلية محضة.

        يقول الأستاذ الحداد: للمسيح فى الإنجيل إسمان: إسم ضعبى تفهمه الجماهير: إبن الله وإبن الإنسان وإسم علمى فلسفى لاهوتى أوحى به الله فى مطلع إنجيل يوحنا بين طبيعة هذه البنوة: إنه كلمة الله (فى البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله). (يو1: 1-4).

        وهذا الأسم يشرح معنى بنوة المسيح من الله وفى الله: بما أنه كلمة الله فبنوته فكرية عقلية لا علاقة لأى جسد فيها ، بل هى قبل كل جسد وبما أن الله روح محض ، وفكره وكلمته روح محض ، فالولادة روحية من جوهر الله وفيه ، لا يشاركه فيها أحد. وهكذا يسمى الإنجيل التفاعل الجوهرى الإلهى (ولادة) والتسلسل العقلى الإلهى (بنوة) بلغة بشرية يفهمها جميع الناس: فكلمة الله هو إبن الله وإبن الله هو كلمة الله ولا علاقة لمريم أو لمخلوق بهذا التفاعل والتسلسل الإلهى.

        وليس فى هذا (إتخاذ) يضم جزء من خارج الله إلى الله أو تأليه برفع مخلوق إلى منزلة الخالق وطبيعته أو تناسل جسدى باستيلاد الله عيسى من مريم فالله لا جسد له ، بل جل ما فى ذات الله من سر الحياة السرمدية والوجود الفياض إنه فى الجوهر الإلهى الفريد تفاعل روحى وتسلسل عقلى فى الله ، ومنه ومعه: فكلمة الله هو فكر الله النلاتج عن عقل الله فى جوهره الروحى تتوج الإبن عن أبيه ولذلك يجود بكل حق أن نسمى الله أبا وفكره الجوهرى أبنا. إذن فالألوهية التى ينفيها القرآن عن المسيح ليست بالألوهية التى ينسبها الإنجيل له.

        والبنوة التى يسندها الإنجيل إلى المسيح ليست كالتى ينفيها القرآن عنه. إن بنوة عيسى فى القرآن تناسلية جسدية كأن الله إتخذ مريم صاحبه وأستولدها عيسى: ذلك عيسى أبن مريم قول الحق الذى فيه يمترون: ما كان الله أن يتخذ من ولد. (مريم 59).

        والقرآن على حق حين يسمى مثل هذه الولادة السمجة ، المنسوبة إلى الله إفكا: ما المسيح أبن مريم إلا رسول خلت من قبله الرسل. وأمه صديقة كان يأكلان الطعام! أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم أنظر أنى يوفكون. (مائدة 78).

        إن ألوهية عيسى التى ينكرها القرآن تستند إلى هذه البنوة الجسدية والولادة التناسلية ومن ثم فلا غرابة أن يثور ويصيح القرآن: لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح أبن مريم. 0المائدة 19 ، 75).

        كأن الإنسان ابن مريم صار الله!! أو كان الله استحال عليسى ابن مريم!! لذلك ينزه القرآن المسيح عن إدعاء تأليه كهذا: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله. (آل عمران 79).

        فحسب المسيح فخرا أن يكون عبد الله: "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون" (نساء 172).

        وقصارى القول ليست لاهوتية المسيح كتأليه المشركين لألهتهم وليست بنوة المسيح العقلية الروحية فى الله كبنوة وولادة الألهة المتألهين من الله هذه غارقة فى اللحم والدم والجسد والصاحبة فى دنيا المحسوسات وتلك ضمن الجوهر الألهى الفرد الروح المحض ، والعقل المحض وفى عالم الأزل قبل الزمان والمكان وقبل المحسوسات والمعقولات والأجساد والأرواح: فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله" (يو1: 1).

        وهكذا فليست البنوة الروحية التى ينسبها الإنجيل إلى المسيح مثل البنوة الجسدية التى ينفيها القرآن عنه. وليست الإلهية التى يثبتها الإنجيل للمسيح ، روح الله وكلمة الله ، مثل التأليه التى يستنكره القرآن فيه ، ولا هى الإتخاذ الذى يضم إلى الله جزءا ليس منه.

هذا هوالسبب الثانى لرض القرآن لمسألة ألوهية المسيح وبنوته لله.

أما السبب الثالث لرفض القرآن ألوهية المسيح فهو:

        أن جميع الآيات القرىنية التى ذكرت المسيح قد وقعت جميعها فى المتشابه من القرآن ؛ هو الذى أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات. (آل عمران 7).

        وقد إختلف المسلمين فى تعيين المحكم والمتشابه فى القرآن فقيل المحكم هو ما عرف المراد من والمتشابه هو إستاثر الله بعلمه كقيام الساعة والأحرف المقطعة فى أوائل سور القرآن. وقيل أيضا المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه ، وقيل أيضا المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما أحتمل أوجهها أى أكثر من معنى وقيل أيضا المحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه.

        أخيرا أتفق علماء المسلمين على أن المتشابه من القرآن هو مما لا يعلمه إلا الله وأن الخوض فيه مزموم. هذه هى أهم أسباب رفض القرآن وبالتالى الإسلام والمسلمين لمسألة ألوهية وبنوة المسيح لله.

        إن المسيحية الرسمية أى الصحيحة والتى لم يتعرف عليها محمد وبالتالى قرآنه والمسلمين تنكر وترفض بشدة هذا النوع من البنوة الجسدية البشرية التناسلية التى فهمها القرآن عن المسيح.

        إن كلمة إبن الله التى يرددها الإنجيل المقدس وبالتالى الكنيسة المقدسة لا تعنى أن لله ولدا على شاكله البشر وبحسب مفهوم البشر وتعاليم ومفاهيم القرآن المحصورة فى الماديات فولادة الإبن من الآب مفاده أنه صدر عنه كما يصدر النور عن الشمس ويأتى إلى الأرض لينيرها ويمنحها الدفء والحرارة ويبقى فى الوقت نفسه فى الشمس. أو كالقصيدة أو بيت الشعر الذى يمخض به مخيلة الشاعر فيلده ويصبح أبنه وليد فكره ونتاج مخيلته فيخطه الشاعر على الورق وفى الكتب وتداوله أيادى القراء وبالوقت نفسه يبقى راسخا فى مخيلة الشاعر لا يفارقه.

        هكذا كان صدور إبن الله كلمة الله مسيح الله عن الله أبيه باطنيا ونعنى بالصدور الباطنى: أن الصادر يبقى بداخل مصدره كالفكره التى تبقى فى عقل المفكر وإن كتبتب على الورق ووزعت بخلاف الصدور الخارجى الذى ينفصل فيه المعلول عن علته شان الولد الذى ينفصل عن أبيه عله كيانه.

        يقول الغزالى فى أحياء علوم الدين 1/109-110: إنه سبحانه وتعالى متكلم وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا بحرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره. إن الكلام القائم بذاته قديم وكذا جميع صفاته قديم أى أزلى.

        إن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلا للحوداث داخلا تحت التغيير بل يجب للصفات من نعوت القدم مما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل فى قدمه موصوفا بمحامد كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه.

        سؤال: بما أن تعاليم ومفاهيم القرآن محصورة فى الماديات ولا علم له بالروحانيات وبما أن الإسلام قد حرم البحث فى الحقائق والصفات الإلهية وبما أن جميع الآيات القرآنية التى ذكرت المسيح قد وقعت جميها فى المتشابه فى القرآن.

        وبما أن محمد وبالتالى قرآنه والمسلمين لم يتعرفوا على المسيحية الرسمية وبالتالى على كيفية إيمانهم. إذ فلماذا لا تقبولا فى الواقع الإنجيلى الشريف إن كنتم حقا مؤمنون بالله وبكتبه وبرسله كما تزعمون؟ ألم يقل المثل العربى (أهل البيت أدرى بالذى فيه)؟.

        ألم يحل القرآن محمد إلى أهل الكتاب فى حالة شكه بأمور الدين (إن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسال الذين يقرأون الكتاب من قبلك). (يونس 94).

        ألم يحل القرآن جميع المسلمين إلى أهل الكتاب فى حالة عدم معرفتهم فى أمور الدين (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). (نحل 43 ، وأنبياء 7).

        إذا كان الله وبحسب الواقع القرآنى قد طلب من النبى فى حالة شكه أو عدم معرفته بأن يتوجه إلى أهل الكتاب "التواره والإنجيل" فلماذا لا تسألوا أنتم أيضا أهل الذكر أهل العلم والإيمان الحقيقى أليس هذا أفضل من الإتهامات والإفتراءات التى تزعمون؟ أم أن السؤال حقا كفر؟.

        كما علموكم تجار الدين الذين ضلوا فأضلوا كثيرين ألا تآمنوا أن الأعمال بالنيات ولكل أمرأ ما نوى؟

        أعتقد أن الأوان قد آن لكى تروا الأشياء كما هى فى الحقيقة وليس كما تحبوا أن تروها لهذا ها أنا أدعوكم لتتعرفوا على مسيح الإنجيل وكما أعلنه القرآن بعيدا عن المحرمات والممنوعات الشرعية وعن المتشابهات والأعذار المصطنعة والقصرية وذلك من خلال جولة سريعة السور والآيات التى ذكرت المسيح فى القرآن.

تآملات فى لاهوت المسيح فى القرآن:

        الوحى فى اليهودية وفى الإسلام وحى كلام وحى كتاب منزل! أما فى المسيحية فصار كلام الله وبحسب الواقع القرآنى والإنجيلى شخصا منزلا: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح. (آل عمران 45).

         لا يتماشى هذا النص القرآنى الكريم مع الوحى الإنجيلى المقدس القائل: (الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى إبنه كلمته الذى جعله وراثا لكل شئ الذى به أيضا عمل العالمين كل الأشياء بكلمة قدرته) (عبرانيين1: 1-4).

        لقد خلق الله الكائنات بكلمته ، وكلمة الله الخلقة ليست حرفا "كن" ولا صوتا ، ولا هو شبيه بكلام الآخرين.

        إن كلمة الله الخلقة هو فعل والفعل قدرة وكلاهما الفعل والقدرة يعنيان ذات قائمة أى اقنوم بحسب التعبير السريانى المسيحى أقنوم قائم فى الذات الإلهية منذ الأزل وإلى الأبد.

        عندما قدر الله فى الأزل ختم النبورة بكلمته الملقاه إلى مريم (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم" (مائدة 46 ، وحديد 27).

        إن المتأمل بقصة ولادة مريم الواردة فى القرآن من إمرأة مسنة عاقر وكيف عصمها وطهرها الله منذ أن حبلت بها أمها إلى أن قضت "وإنى أعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها وبها قبول حسن" (آل عمران 35).

        فليلاحظ القارئ التسلسل الإلهى للأحداث أولا تطهير وأصطفاء الله نسب المسيح ثم تبع ذلك عصمة مريم من الشيطان فى حبل أمها بها وفى أثناء ولادتها ثم ختم الله هذه الأحداث فى أصطفاء وتطهير أى إعداد مريم لهذا الحبل الإلهى. أليس فى هذا كله دلالة على أن الكلمة الملقاة إلى مريم هو حقا قدوس طاهر؟.

        بعد أن ولدت إمرا’ عمران أبنتها مريم أخذتها ووضعتها فى الهيكل أى المحراب فأنقطعت مريم منذ صغرها للعبادة والقداسة "يا مريم أقنتى لربك واسجدى وأركعى مع الراكعين" (آل عمران 40).

        حتى طعامها الأرضى كان من الجنة: كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"

     ترى أى نوع من التهيئة الإلهية هذا؟ أهو حجر إلهى صحى؟

     ألهذا الحد يصل الحرص والإهتمام الإلهى؟

     لماذا؟

     أهو لشخص مريم أم تراه للذى سوف تحمله مريم فى أحشائها التى قدسها الله مسبقا لهذا الحبل الإلهى؟

     ألهذا الحد الكلمة الملقاة لمريم قدوس وطاهر حتى يعد الله السبل بهذه الطرق الغريبة والفريدة والمتميزة؟

     ألا يستحق هذا الكائن الغريب كل تأمل وتسائل؟

        لم تقتصر هذه التهيئة الإلهية على أصطفاء نسل المسيح البشرى ولا على إصطفاء وتطهير أمه بل هذه التهيئة لحقتها تهيئة أخرى من نوع أخر. هدفها هو إعداد الطريق أمام كلمة الله الملقاه لملاريم.

        هذا هو الدور الذى من أجله وجد يحيى بن زكريا فيحيى القرآن هو معمدان الإنجيل الذى إقتصر دوره على إعداد الطريق أمام كلمة الله والشهادة له: صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب إصنعوا سبله مستقيمة. (متى3: 1-17).

ويوحنا شهد له: (يو1: 15)

        سؤال: ألم يتشابه دور معمدان الإنجيل مع دور يحيى القرآن؟ فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب إن الله يبشرك (يا زكريا) بيحيى مصدقا بكلمة من الله.

     قال الزمخشرى: مصدقا بكلمة من الله: أى مصدقا بعيسى مؤمنا به وهو أول من آمن بعيسى.

     وقال الرازى: إن المراد بكلمة منا لله هو عيسى.

     وعن إبن عباس: مصدقا بكلمة من الله أى بعيسى لأن يحيى هو أول من آمن بأن عيسى هو كلمة الله وروحه.

     وعن قتادة: مصدقا بكلمة من الله أى مصدقا بعيسى ابن مريم وعلى سنته ومنهاجه.

     وعن الضحاك: أن الله يبشرك بييى مصدقا بكلمة من الله أى مصدقا بعيسى وشهد أنه كلمة الله.

        إن دور معمدان الإنجيل هو نفس دور يحيى القرآن الشهادة والتصديق لكلمة الله.

     عن مجاهد أنه قال: قالت إمرأة زكريا لمريم إنى أجد الذى فى بطنى يتحرك للذى فى بطنك. راجع الطبرى لشرحه لآية آل عمران 39.

        مجاهد أورد فقد خبر تحرك الجنين فى بطن إمرأة زكريا للذى فى بطن مريم ، لكنه لم يذكر السبب أو سبب هذا الإرتكاض يقول الإنجيل المقدس وبحسب البشير لوقا1: 39-45: (ودخلت مريم بيت زكريا وسلمت على إمرأته فلما سمعت إمرأة زكريا سلام مريم إرتكض الجنين فى بطنها وأمتلأت من الروح القدس... وصرخت إمرأة زكريا بصوت عظيم.. فمن أين لى هذا أن تأتى أم ربى).

     هل فكرت أيها الباحث عن الحقيقة بصدق وأمانة وشجاعة بهذا الواقع القرآنى؟

     وهل سألت نفسك ولو لمرة واحدة فقط لماذا المسيح وحده ودون البشر أجمعين قد حظى بهذا الأهتمام الإلهى؟

     لماذا المسيح وحدة قد ولد بهذه الطريقة العجيبة والفريدة والمتميزة؟

     لماذا المسيح وحده قد أيد بالروح القدس؟

     لماذا المسيح وحده استطاع أن يخلق؟

     وأن يتحدث فى المهد وأن يتنبأ بالغيب وأن يحفظ من الخطيئة؟ (أى كان معصوم).

     هل فى هذه جميعا أى مؤشر إلهى لنا نحن البشر؟ كأن الله يريد أن يقول لنا وبشكل واضح ومنذ البداية أن من يولد بطريقة مخالفة عن عادة البشر هو مختلف عن البشر بجميع أحواله وأعماله ورسالته. أعتقد أن أى مسلم صادق فى إيمانه بالله لا يخشى إلا غضب الله وخيانه ضميره والحقيقة ، يعطى لنفسه الفرصة الصادقة والجادة والشجاعة للمعرفة والبحث النزيه والواعى والشجاع فى النصوص القرآنية التى ذكرت المسيح فى جميع أحواله وأعماله ثم يقارن هذه النصوص بالنصوص القرآنية التى ذكرة أنبياء الله بجميع أحوالهم وأعمالهم إبتداء من آدم وأنتهاءا بمحمد ، فإنه ومن المؤكد أن الباحث سيتوصل إلى حقيقة كون المسيح هو كلمة الله أى نطق الله الذاتى (اللوغس بحسب التعبير اليونانى) خصوصا وأن القرآن ملئ بالنصوص والمؤشرات التى تؤيد هذه الحقيقة.

        أود أن أسأل سؤالا هنا: لو كان المسيح مجرد نبى عادى كمثل آدم كما يظن ويدعى المتجاهلين عن الحقيقة إذن فبماذا تعللون ترفع وإنفرد وتفرد المسيح عن الخلائق أجمعين إبتداءا من الحبل به وأنتهاء برفعه وبعثه حيا لينشر فى الأرض العدل والسلام؟.

     هل لديكم سبب اكثر إقناعا لهذا الترفع والتفضيل والتمييز الذى أمتاز وأنفرد به مسيح الله على العالمين؟؟؟.

     بشرت الملائكة مريم قبل أن تحمل به ، إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح.

     ثم أخذ بعد ذلك الملائكة تعدد للوادة صفات مولودها: كلمة الله وعبدالله وروح الله وكهلا من الصالحين.

     ويكلم الناس فى المهد ويخلق من الطين طير ويحيى الموتى ويشفى المرضى وعليم بالساعة ومنبئ بالغيب ومؤيد بالروح القدس.

        أعتقد أن أى مسلم يسعى بصدق وأمانة لنفسه الفرصة الصادقة والجادة والشجاعة للبحث النزية والواعى فى النصوص القرآنية الكريمة التى ذكرت المسيح فى جميع أحواله وأعماله ثم يقارن هذه النصوص مع ما نؤمن به ونقره نحن المسلمين ويقره القرآن معنا جوهريا ويعارضه ظاهريا وذلك للأسباب التى ذكرناها وبيناها سابقا. فإنه يتوصل وبكل تأكيد إلى حقيقة كون المسيح هو كلمة الله أى نطق الله الذاتى.

        دعونا نفتح باب التفكير والتأمل وذلك من خلال طرح بعض الأسئلة التى سنطرحها عليكم: أن الأنبياء بحسب المعتقد الإسلامى الذى ذكرهم القرآن الكريم: آدم ، آدريس ، نوح ، هود ، صالح ، إبراهيم ، إسماعيل ، إسحاق ، يعقوب ، يونس ، يوسف ، لوط ، شعيب ، ذو الكفل ، أيوب ، موسى ، هارون ، إلياس ، أليشع ، داود ، سليمان ، زكريا ، يحيى ، عيسى ، محمد. سؤال: أيا من أولئك الأنبياء قد حبل به بمعجزة "أى من غير أب". قد يقول قائل آدم فهو ليس فقط من غير أب بل ومن غير أم أيضا. ونحن بدورنا نجيب فنقول: أن خلق آدم بدون أب ولا أم ليس معجزة ، إذ أن المعجزة هى خرق للعادة ، وخلق آدم بدون أب ولا أم هو بدء لناموس الطبيعة البشرية ولا خرق فيه للعادة. أما مولد المسيح من أم وبلا أب فهو خرق للعادو وهو المعجزة بعينها لأن مولد المسيح لا يعتبر بدء لناموس الطبيعية البشرية وولادة بدون زرع بشرى (وساطة) هو خرق لكل العادات.

عودة الى الصفحة الرئيسية