Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

لزوم كفارة المسيح

القسم الأول

من كتاب فلسفة الغفران في المسيحية

عوض سمعان

هذا الكتاب...

أعظم أمنية يتطلَّع إليها المؤمنون باللّه في كل دين من الأديان، هي الحصول على الغفران. ويرنم داود النبي: طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية (مزمور 32: 1 و2) .

لكن مما يُؤسف له أن معظم هؤلاء المؤمنين يختلفون فيما بينهم اختلافاً كبيراً من جهة السبيل إلى الغفران. فيقول فريق منهم إنه يكون بالصلاة والصوم، ويقول فريق آخر إنه يكون بالتوبة وتقديم الصَّدقة، ويقول فريق ثالث إنه يكون بشفاعة القديسين والصالحين، أو بهذه الوسائل مجتمعة. ومما زاد الموقف غموضاً وتعقيداً لديهم، أن الذين يقومون منهم بهذه الأعمال بكل دقة وإخلاص لا يثقون أنهم حصلوا على الغفران الذي ينشدونه. فإذا سألنا واحداً منهم: هل يثق أن اللّه غفر كل خطاياه؟ أجابنا: إن الثقة بذلك هي من باب الرجم بالغيب، لكنه يقوم بالأعمال المذكورة، عسى أن يغفر اللّه له، ولعله يُرحَم.

والآن لنسأل أنفسنا سؤالين:

1 هل يمكن أن يضع اللّه أكثر من سبيل واحد للغفران؟

2 هل يليق بكماله أن يتركنا طوال وجودنا على الأرض في شك من جهة الصفح عن خطايانا؟

والإجابة عن هذين السؤالين هي طبعاً: كلا.

ولما كان الأمر كذلك، درس الكاتب السُّبل السابق ذكرها في ما استطاع الحصول عليه من كتب القائلين بها، كما درس السبيل الذي أعلن الكتاب المقدس أنه يضمن للسالكين فيه الحصول على الغفران التام منذ الآن، فأسفرت الدراسة عن إصدار هذا الكتاب. وهو إذ يضعه بين يدي اللّه، يرجو أن يرافقه بنعمته لأجل مجده وخير الراغبين في غفرانه.

عوض سمعان

القسم الأول - لزوم كفارة المسيح

 

الباب الأول

الخطية

 

- 1 -

ما هي الخطية؟

اختلف الناس في أمر الخطية لاختلاف أفكارهم وميولهم. فلنتحقق من ماهيتها دعنا نفكر على سبيل المثال في العبارة المألوفة أخطأ الهدف ومعناها: لم يُصِب الهدف أو انحرف عنه . فمنها يتَّضح لنا أن الخطية ليست هي الشر الشنيع فحسب كما يظن بعض الناس، بل إنها أيضاً الانحراف عن حق اللّه باعتباره القاعدة التي وضعها لسلوكنا في العالم الحاضر. ولما كان حق اللّه ينهى عن الشر ويأمر بالخير، فالخطية لا تكون بالانحراف إلى الشر فحسب، بل وبالانحراف عن الخير أيضاً.

أما قول السفسطائيين ليس هناك خير أو شر، وما يراه الإِنسان خيراً فهو خير، وما يراه شراً فهو شر ، فلا نصيب له من الصواب. لأن ما يراه إنسانٌ شراً قد يراه آخر خيراً، والشيء الواحد لا يكون شراً وخيراً معاً، وإلا ما كان هناك مقياس للأخلاق أو قانون لمعاقبة المجرمين، ولسادت الفوضى كل العالم تبعاً لذلك.. نعم إن الصدق قد يعود علينا أحياناً في العالم الحاضر بالخسارة، وقد يعود الكذب علينا فيه بالربح، لكن مع ذلك يظل الصدق خيراً والكذب شراً، لأن الخير لا يُقاس بما نحصل عليه من ربح، والشر لا يُقاس بما نتعرض له من خسارة، لأن الخير والشر يُقاسان بالنسبة إلى الكمال، والكمال لا شأن له بالربح أو الخسارة. ولقد صدق ولتير في قوله: الواجب واحد في كل مكان. سواء على أعتاب عرش اللّه، أو في قرار الهوة السحيقة . فالحكم على تصرفاتنا لا يكون لشعورنا أو لضمائرنا، كما يقول بعض الناس، بل لكلمة اللّه دون سواها، لأنها الثابتة الراسخة إلى الأبد.

 

1 - الانحراف إلى الشر:

اللّه روح. ولا نعني أنه روح مثل الأرواح، بل نعني أنه منزَّه عن الجسدانية، ولا يُدرَك بالحواس البشرية. والروح لا يتعامل إلا مع عنصر روحي يتناسب معه، إذاً فعلاقة اللّه بنا وعلاقتنا به لا تكون عن طريق أجسادنا بل عن طريق أرواحنا. فإذا انحرفت روح إنسانٍ منا عن قداسة اللّه، يكون قد أخطأ إليه حتى إذا لم يظهر هذا الانحراف في عمل خارجي. ولا مجال للاعتراض على ذلك، لأن من يشتهي مال غيره، هو في الواقع لص، لأن ما يمنعه من السرقة ليس كراهيته لها، بل خوفه من عقوبة القانون أو احتقار الناس له. فإذا وثق أن سرقته لن تنكشف، فلن يتردد في ارتكابها. لذلك قال الوحي: لا تشتهِ بيت قريبك، ولا شيئاً مما لقريبك (خروج 20: 17) .

ولما كانت الخطية هي الانحراف الباطني إلى الشر، قال الوحي: فكر الحماقة خطية (أمثال 24: 9) . و كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس (1يوحنا 3: 15) . و كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه (متى 5: 28) . و من قال يا أحمق، يستوجب نار جهنم (متى 5: 22) . و كل كلمة بطّالة يتكلم بها الناس، سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين (متى 12: 36) . كما نهانا عن الكذب والسُّكر والغضب، والمكر والرياء والحسد، والربا والسحر والطمع (أفسس 4: 25-31 و5: 4 و5 و1بطرس 2: 1 ومزمور 15: 5 ورؤيا 21: 8) حتى نكون قديسين كما أن الله قدوس (1بطرس 1: 15) ، إذ بدون القداسة (وهي التنزُّه عن النقائص) لن يرى أحد الرب (عبرانيين 12: 14) .

وقد عرف الأنبياء شر الخطايا الباطنية، فصرخ المرنم للّه: من الخطايا المستترة أبرئني (مزمور 19: 12) . كما قال له: اختبرني يا اللّه واعرف قلبي. امتحِنّي واعرِف أفكاري. وانظر إن كان فيَّ طريقٌ باطل، واهدني طريقاً أبدياً (مزمور 139: 23 و24) لأن الإِنسان قد يجهل أفكار الشر التي تجول في نفسه أو لا يحسب لها حساباً. وتكون النتيجة النهائية أنه يرى نفسه دون أن يدري، بعيداً عن اللّه بعداً عظيماً.

 

2 - الانحراف عن الخير:

وهو يشمل الأمور التالية:

(أ) التقصير في عمل الخير: اللّه قدوس يكره الشر، كما هو أيضاً صالح يحب الخير. فكل من أراد أن يحيا حياة التوافق مع اللّه وحياة البُعد عن الخطية، يجب أن لا يمتنع عن الشر فحسب، بل وأن يفعل الخير أيضاً. ولا مجال للاعتراض على ذلك، لأن من يمتنع عن مساعدة المسكين بعيد عن اللّه، فيكون خاطئاً حتى ولو لم يفعل شراً، لأن من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطية له (يعقوب 4: 17) . إذاً لنعمل الخير للجميع (غلاطية 6: 10) .

(ب) القيام بأعمال الخير لأغراض شخصية: يعمل بعض الناس الخير ليحصلوا على ثواب من اللّه أو مديح من الناس. وهم بهذا يسعون وراء منفعتهم الشخصية. وبعض الذين يعظون الناس ويرشدونهم يفعلون هذا ليحصلوا على المال أو لينشروا تعاليمهم الخاصة. وهؤلاء لا يهتمون بجوهر الدين (الذي هو العلاقة الروحية بين الإنسان وبين اللّه) بل بالمظهر الخارجي للدين فحسب، ليحصلوا على مركز مرموق في العالم الحاضر. إذاً فأعمال الخير والوعظ التي لا تُعمل بدافع المحبة وحدها، ولأجل مجد اللّه وخير الناس فحسب، تكون أعمالاً تجارية أو مصلحية. فلا يكون فاعلوها قد أتوا خيراً أمام اللّه، وبالتبعية لا يكونون أبراراً أمامه.

ولذلك قال المسيح: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (ليس خوفاً منهم، بل مشاركة للّه في عطفه عليهم، حتى يتوبوا ويرجعوا إليه طالبين عفوه وغفرانه) . وأَقرِضوا وأنتم لا ترجون شيئاً، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين (متى 5: 43-45 ولوقا 6: 35) . وقال: فمتى صنعت صدقة فلا تعرِّف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية (متى 6: 3 و4) . وسيخاطب المسيح المتظاهرين بخدمته، الذين سينادونه في اليوم الأخير قائلين يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين؟ بالرد الحازم القاطع إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم (متى 7: 22 و23) .

مذكرة توضيحية: قالوا باسمك تنبأنا . والتنبؤ في الكتاب المقدس هو الإنباء بالغيب، وهو أيضاً الإنباء عن اللّه بالوعظ والتعليم (أعمال 15: 32 و1كورنثوس 14: 3) . فكلمة النبي مشتقة من النبأ أي الخبر فيكون الأشخاص المذكورون قد تنبأوا باسم المسيح أو وعظوا عنه، ولكن قلوبهم لم تكن مقدسة تماماً له. مَثَلهم في ذلك مَثَل شاول الملك الذي مع أنه كان يتنبأ مع الأنبياء (1صموئيل 10: 6) إلا أنه كان بعيداً بقلبه عن اللّه (1صموئيل 15: 26) . أو مثل الوعاظ الذين ينادون بكلمة اللّه، ولا يعملون بها. وهكذا الحال من جهة إخراج الشياطين، فقد يعطي الله بعض الناس سلطاناً على إخراجها ليستثمروه في خدمة المحتاجين إليه. لكن إذا انحرفوا عنه كان عذابهم وبيلاً، مثلهم في ذلك مثل يهوذا الإسخريوطي، فقد كان يصنع معجزات مثل الرسل، لكن لشرِّه هلك إلى الأبد.

(ج) حصر اهتمام النفس في العالم الحاضر: السعي وراء العيش وتحصيل المال اللازم لنا في هذا العالم أمر واجب طالما نحن نحيا في العالم، لكن إذا طغى هذا السعي على النفس وصرفها عن الصلة باللّه والتوافق معه، كان ذلك دليلاً على انحرافها عنه، وعدم ثقتها فيه ونقص تقديرها لفضله عليها. فيكون السعي المذكور خطية أيضاً. لذلك قال الوحي إن الناسين اللّه أشرار مصيرهم الهاوية مثل باقي الخطاة (مزمور 9: 17) . كما قال إن محبة العالم (أي الانصراف إليه) عداوة للّه (يعقوب 4: 4) ، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة (1يوحنا 2: 16) . كما أوصانا: تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك (لوقا 10: 27) . والمحبة للّه، وإن لم تكن عين الطاعة له، فهي الشوق القلبي إليه، والحنين المقدس للوجود معه، لكنها تقودنا طبعاً لطاعته، لا عن خوف ورعب مثل طاعة العبيد لسيدهم القاسي، بل عن حب وإخلاص مثل طاعة الأبناء لأبيهم البار. ولا مغالاة في هذه الوصية على الإطلاق، فاللّه هو خالقنا وصاحب الفضل علينا، ومن الواجب أن يكون له المقام الأول في حياتنا. كما أن المحبة له، إن لم تكن من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة ومن كل الفكر، لا تكون محبة كاملة. والمحبة غير الكاملة لا تليق باللّه. لذلك قال داود: وحِّد قلبي لخوف اسمك . أنت سيدي. خيري لا شيء غيرك (مزمور 86: 11 و16: 2) .

 

3 - مستوانا الروحي في ضوء اللّه:

(أ) الخاطي (في نظر اللّه) ليس من يعمل خطايا كثيرة فحسب، بل هو من يرتكب ولو خطية واحدة، بالفعلأو بالقولأو بالفكر، فقد قال الوحي: من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرماً في الكل. لأن الذي قال لا تزن، قال أيضاً لا تقتل. فإن لم تزن ولكن قتلت، فقد صرت متعدياً للناموس (يعقوب 2: 10 و11) . ولأجل خطية واحدة طرح اللّه بعض الملائكة من السماء (2بطرس 2: 4) ، ولأجل خطية واحدة طُرد آدم وحواء من جنة عدن (تكوين 3: 24) ، ولأجل خطية واحدة حُرم موسى النبي من دخول أرض كنعان (تثنية 32: 52) ، ولأجل خطية واحدة أمات اللّه حنانيا وسفيرة في الحال (أعمال 5: 1 - 11) . وقد أدرك أتباع سقراط هذه الحقيقة فقالوا: الإِنسان إما أن يكون فاضلاً إلى النهاية أو لا يكون. هو كالخط، إما أن يكون مستقيماً، أو غير مستقيم، ولا وسط بين الاثنين .

(ب) تُحسب الخطية (في نظر اللّه) خطية، ليس فقط إذا شعر مرتكبها بها أو لم يشعر. قد قال الوحي: ولا تقُل.. إنه سهو (جامعة 5: 6) ، لأن السهو دليل على عدم السلوك بالكمال، وذلك خطية. ونحن نعلم أن مخالفة القانون بسبب الجهل أو السهو لا ينجي المخطئ من القصاص، فالمفروض في كل المواطنين، بل وحتى في الغرباء الساكنين بينهم، أن يكونوا عارفين بقوانين البلاد وحريصين على تنفيذها، ولذلك كانت للمواطنين والغرباء شريعة واحدة (خروج 12: 49 ولاويين 24: 22) .

مما تقدم يتضح لنا أن الإِنسان مهما بلغ أسمى درجات الأخلاق الكريمة وقام بالواجبات الدينية خير قيام، ثم انحرف مرة عن اللّه بالفعل أو القول أو الفكر، يكون خاطئاً. وإذا عاش دون أن ينحرف هذا الانحراف، لكن لم يعمل كل الصلاح الذي يستطيع القيام به بالحالة التي تتوافق مع كمال اللّه، يكون أيضاً خاطئاً. وإذا عمل كل الصلاح الذي يستطيع القيام به بالحالة المذكورة، لكن أخطأ مرة واحدة سهواً، يكون خاطئاً أيضاً.

فإذا قيَّمنا أنفسنا في ضوء هذه الحقائق نكتشف أننا نرتكب خطايا لا حصر لها دون أن نحسب لها حساباً، ظناً منا أنها صغائر لا يقيم اللّه لها وزناً، لكنها في الواقع ذنوب ومعاصٍ في نظره. ولذلك قال الوحي عن الإِنسان عامة تصوُّر أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم (تكوين 6: 5) ، وإن قلبه (الذي هو موطن الشعور والعواطف فيه) أخدع من كل شيء وهو نجيس (إرميا 17: 9) ، وإن من القلب تخرج أفكار شريرة: زنا، فسق، قتل، سرقة.. تجديف (مرقس 7: 21 و22) و إن كل الرأس مريض، وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة، بل جرح وأحباط الأحباط هي الجروح التي تنشأ من السحق، والمراد بها هنا الخطية التي تدمّر نفوس البشر وتسحقها وضربة طريَّة لم تُعصر ولم تُعصب ولم تُليَّن بالزيت (إشعياء 1: 5 و6) ، أي أن الخطية ضربت أطنابها في الإِنسان حتى أفسدت كيانه كله. ولقد أدرك فولتير شيئاً من هذه الحقيقة، فقال: كلما رسمتُ لنفسي صورة الإِنسان خُيّل إليَّ أنه شيطان .

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد الحقائق السابقة والرد عليها

 

1 - عدم التفرقة بين الصغائر والكبائر، يشجع الناس على ارتكاب الكبائر.

الرد: الذين يهمُّهم إرضاء اللّه يمتنعون عن الصغائر كما يمتنعون عن الكبائر. أما الذين لا يبالون بإرضائه، فلا يتركون الكبائر، حتى لو سلّم اللّه لهم بوجود صغائر وكبائر، ولذلك لا مجال لهذا الاعتراض.

2 - هل من العدالة أن يضع اللّه أمامنا مقياساً عالياً للقداسة، ثم يعاقبنا لعدم استطاعتنا بلوغه؟.

الرد: السبيل الوحيد للتمتع باللّه هو التوافق معه في صفاته. وهو قدوس كل القداسة. فإذا أردنا التمتع به يجب أن نكون قديسين في كل سيرة (1بطرس 1: 15) . فلم يضع الله أمامنا مقياساً للقداسة أسمى مما يجب علينا الارتقاء إليه، بل وضع أمامنا المستوى القانوني الذي يجب أن نحيا فيه في كل حين. فعندما نشعر بعجزنا عن بلوغ هذا المستوى، يتنازل اللّه بنعمته ليرفعنا إليه، إذا وجد فينا الرغبة الخالصة لذلك، كما سيتضح بالتفصيل في الباب السادس من هذا الكتاب. فلا مجال لهذا الاعتراض.

3 - القول إن الإِنسان كله شر، لا يتفق مع الصواب، فالواقع يدل على أن به الكثير من الصفات النبيلة.

الرد: الإِنسان مخلوق أصلاً على صورة اللّه كشبهه (تكوين 1: 26) بمعنى أن اللّه خلق الإِنسان بمؤهلات روحية، تجعله قادراً على التوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية. وقد عرف هذه الحقيقة كثير من المفكرين، فقال دكتور ألكسندر فندلي: خلق اللّه الإنسان على صورته ليبادله حباً بحب، لأن اللّه محبة . وإذا كان الأمر كذلك، فإن إنسانية الإِنسان تقوم أولاً وأخيراً على توافقه مع اللّه. فإذا انحرف عنه حرم نفسه من الإِنسانية بكل مميزاتها. فمن البديهي أن يظل فيه حتى بعد سقوطه في الخطية شيء من الصفات النبيلة، مثل المروءة والشهامة والعطف على المساكين والمحتاجين. لكن طالما أنه منحرف عن كمال اللّه وقداسته، فإنه كثيراً ما يمارس هذه الصفات، إما لأنه يحسّ مرة بقسوة الظروف عليه، فيريد أن يزيح شبحها من أمامه، أو لأنه يخشى أن لا يعطف عليه أحد إذا وقع هو في أزمة أو ضائقة، أو ليُشبع رغبة كامنة في نفسه تدعوه لأن يبدو عظيماً أو صالحاً على نحو ما، أو ليكفّر (حسب زعمه) عن شر ارتكبه حتى يكون له القبول لدى اللّه. وهذا يجعل أعماله المذكورة مشوبة بنقائص عدّة. ومع ذلك فالإنسان الخاطئ وإن كان يتصرّف بشيء من الصفات النبيلة، لكنه مع ذلك كثيراً ما يرتكب الرذائل والموبقات الشنيعة، فلا يكون باراً أو مستقيماً أمام اللّه.

4 - تحط المسيحية من قدر الإنسان بقولها إنه خاطئ بجملته، كما تجعله فريسةً للشر والإِثم.

الرد: المسيحية لا تجعل الإِنسان فريسة للشر والإِثم لأنها تعلن أنه يعمل الخطية بمحض إرادته. فضلاً عن ذلك فإنها لا تحط من قدره، بل تعلن له حقيقة أمره في ضوء مطالب اللّه، حتى لا يعتقد أن الله قريب منه، وهو في الواقع بعيد عنه. كما تعلن المسيحية أن الإِنسان مخلوق في أول الأمر على صورة اللّه كشبهه، فهناك أصلٌ للصلاح في نفسه يجعله قادراً على التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر. فإذا سعى بإخلاص نحو الحق والخير، رفعه اللّه فوق ما به من نقائص، كما سيتضح في الباب السابع من هذا الكتاب.

 

- 2 -

تسرُّب الخطية إلى البشر عامة

 

1 - الحالة التي يولد بها البشر:

يقول الرواقيون والبيلاجيون: يولد الإِنسان بريئاً، مَثَله في ذلك مَثَل آدم قبل السقوط في الخطية، إنما أعماله هي التي تكوّن صفاته. لأنه لو كان قد وُلد فاسداً، لكانت حياته بأسرها حياة الشر والإجرام . (الرواقيون هم أتباع زينو الفيلسوف اليوناني، وأُطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى الرواق الذي كانوا يجتمعون فيه، في القرن الرابع ق م. أما البيلاجيون فهم أتباع بيلاجيوس الذي ظهر في إنكلترا في القرن الخامس م) .

ويقول الأرمينيون: وإن كان الإِنسان يولد بريئاً، لكن يكمن في طبيعته قصور يحول بينه وبين السلوك بالكمال، وهذا سبب ارتكابه الشر في بعض الأحيان . (الأرمينيون هم أتباع أرمينيوس الذي ظهر في هولندا في القرن 16 م) .

ويقول جان جاك روسو و&ولتير وشارل فوربيه وغيرهم: يولد الإنسان كاملاً (أي ليس بريئاً فحسب، بل وكاملاً أيضاً) . إنما إذا عاش في بيئة شريرة يتسرب إليه الشر منها. فالخطية إذاً ليست أصلية فيه بل طارئة عليه، فمن الممكن إزالتها بالتنوير والتعليم .

والرأي الأول ليس صواباً لأن أعمال الإِنسان لا تكوّن صفاته، بل تصدر عنها. فالإنسان لا يكون قاتلاً في الظاهر إلا إذا كان يميل إلى القسوة والانتقام في الباطن. فصفات الإنسان سابقة لأعماله وليست لاحقة لها. فهو خاطئ بالقصد قبل أن يكون خاطئاً بالفعل. كما أن عدم ارتكاب كل إِنسان شروراً شنيعة ليس دليلاً على أن البشر يولدون أبرياء. فالخطية ليست هي الشر الشنيع فحسب، بل هي أيضاً مجرد انحراف النفس إلى الشر أو انحرافها عن الخير، كما ذكرنا في الفصل السابق.

والرأي الثاني ليس صائباً أيضاً، فمن غير المعقول أن يكون في طبيعتنا قصور يحول بيننا وبين السلوك بالكمال، ونكون أبرياء. بل لا بد أننا نولد وفي طبيعتنا ميل إلى الخطية، لأنه لا يمكن أن نفعلها إلا إذا كان فينا ميل إليها، إذ أن لكل معلول علة ولكل عمل سبب.

والرأي الثالث ليس صواباً كذلك، لأن البيئة الشريرة وإن كان لها تأثير عظيم على الإِنسان، لكن ليست هي التي تولّد الشر فيه. والدليل على ذلك أن الأطفال الذين لا يعرفون بعد شيئاً عن الحياة الدنيا، تبدو عليهم إمارات الأنانية والكبرياء ومحبة الذات، والحسد والطمع والعناد. كما أنهم يسطون على ممتلكات الغير ويتشاجرون معهم مدفوعين في ذلك كله بغرائز كامنة في نفوسهم. ولا عبرة بالقول إن تصرفات الأطفال المذكورة هي مجرد نقائص، أو أن الأطفال لا يدركون أن تصرفاتهم هذه هي خطايا، لأن النقائص خطايا، وعدم إدراك الخطايا لا يقلّل من أنها خطايا. الغريزة في ذاتها ليست خطية، لأن اللّه هو الذي أودعها في الإنسان لأجل خيره، إنما الخطية هي استخدام الغريزة في غير ما أودعها اللّه لأجله.

وإذا كان الأمر كذلك، اتضح لنا أن الإِنسان يولد وبه ميل إلى الخطية، وهذا الميل وإن كان لا يبدو بوضوح في الصغر، غير أنه يأخذ في الظهور كلما شبَّ الإِنسان ونما. وهو مثل السم الكامن في الثعبان، فإنه لا يَرِد إليه من الخارج، بل أن الثعبان يولد وفي جسمه استعداد لتكوينه. وكل ما في الأمر، أن هذا السم لا يظهر بنتائجه المميتة، إلا إذا بلغ الثعبان سناً معينة.

ومما يؤيد صدق هذا الاستنتاج (أ) أن الذين قالوا بسلامة الفطرة الإِنسانية وكمالها، وبذلوا كل ما لديهم من جهد لتحسين حالة الفقراء والبؤساء، لاقوا من أولئك وهؤلاء الكثير من المتاعب والمضايقات، فخابت آمالهم الطيبة فيهم جميعاً، كما حدث مع سان سيمون وروبرت أوين وغيرهما. (ب) لا يقدر التعليم أن يستأصل الخطية من نفس الإنسان، بل يعمل فقط على إخفاء بعض مظاهرها الشنيعة. والدليل على ذلك أن المتعلمين يفعلونها كما يفعلها غيرهم سواء بسواء. وكل ما في الأمر أنهم يتستَّرون بفعلها وراء أسماء مفتعلة مثل المدنية أو الحرية أو المصلحة الذاتية أو الحكمة البشرية، مثلهم مثل القبور التي تحيطها الأزهار والرياحين، بينما لا يوجد في باطنها إلا العفونة!

وقد أدرك كثير من الفلاسفة أن في الإنسان ميلاً للشر يسيطر على كيانه بأسره، فقال أرسطو: أكثر أعمال الإِنسان محكومة بالعواطف والشهوات، ولذلك فهو يخطئ مهما علم عقله بضرر الخطأ. فالإِنسان يفكر جيداً ويرشده فكره إلى الصواب، لكن تتغلب عليه شهوته الكامنة فيه فتغويه . وقال سانت هيلير ليس ما يقع فيه الإِنسان من إثم ناشئاً عن خطأ في الموازنة بين اللذة الحاضرة والآلام المستقبلة، ولا ناشئاً عن جهل بطبيعة الأشياء. إنما منشؤه فساد في الخُلُق يحمل الإِنسان إلى تفضيل الشر على الخير، وهو عالم بهما وبنتائج كلٍ منهما. فإن الشرير لا يجهل البتة ما يفعله من سوء بل يشعر به وبما يلحقه من خسارة بسببه، ومع ذلك يسعى إلى هذا الخسران وهو آسف . وقال غيره: ليس الناس الذين نشأوا في الغابات بعيدين عن الأخطاء التي درج عليها غيرهم من سكان المدن، ولا هم أبرياء كما يُقال، بل هم حيوانات ماكرة. وهم ليسوا أفضل من المتحضّرين في شيء من الناحية الأخلاقية . وقال هكسلي: الاعتقاد أن الأطفال يُولدون في حالة الصلاح، وأن المجتمع الفاسد هو الذي ينحرف بهم إلى الشر، ليس له نصيب من الصواب . وقال سير سيدني سميث: يأتي الأطفال إلى العالم وفي طبيعتهم العناد والشر والأنانية .

 

2 - سبب ولادة الإِنسان بطبيعة تميل إلى الخطية:

بناءً على قانون الوراثة لا يمكن لكائن أن يلد آخر مغايراً له، فالخنزيرة لا يمكن أن تلد حملاً، والشوك لا يمكن أن ينتج عنباً. وبما أن آدم الذي وُلد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه اللّه عليها وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، فمن البديهي أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جُلنا بأبصارنا في الكون، لا نجد لسُنَّة اللّه تبديلاً. ولذلك قال الوحي: بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم (رومية 5: 12-21) . وشهد داود النبي بهذه الحقيقة فقال: بالإثم صُوّرت وبالخطية حبلت بي أمي (مزمور 51: 5) . وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة والعلماء، فقال هكسلي وكانْت: هناك أصل للشر في الطبيعة البشرية، مما يدل على أن قصة سقوط آدم في الخطية صحيحة .

 

3 - آراء الذين ينكرون تسرب الخطية من آدم إلى البشر جميعاً:

أما الذين أنكروا تسرب الخطية من آدم إلى البشر جميعاً، فقد ذهبوا مذاهب متعددة، نوردها هنا، مع الرد عليها:

(أ) لم يولد البشر من رجل واحد مثل آدم، حتى كان من الجائز أن يشتركوا معاً في طبيعة خاطئة واحدة.

الرد: وجود أصل واحد للبيض والزنوج (كما قال السير أرثر كيث وغيره من العلماء) ، ووحدة أصل اللغات (كما قال مكس مولر وغيره من العلماء) ، وتشابه الناس جميعاً في أجسامهم وكيفية تغذيتهم وتناسلهم ودرجة حرارتهم وسرعة نبضهم (كما نعلم جميعاً) ، كل ذلك يدل على أنهم مولودون من أصل واحد، أو بالحري من رجل واحد.

(ب) ءمنذ القديم خلق الله أرواح البشر جميعاً وأوصاها أن تطيعه وتحفظ وصاياه، غير أنها تمردت عليه وخالفت هذه الوصايا، لذلك أوجدها في ذرية آدم ليعطيها فرصة أخرى لإظهار طاعتها له. فتكون خطايا البشر جميعاً خطايا ذاتية لا شأن لها بآدمى.

الرد: ليس هناك أي دليل ديني أو عقلي أو تاريخي يثبت أنه كان لنا وجود فعلي قبل ولادتنا من أمهاتنا، أو أننا فعلنا خطية ما قبل ولادتنا منهن.

(ج) وجود الطبيعة الخاطئة في البشر ليس ناشئاً عن ولادتهم من آدم، بل عن عصيانهم الشخصي، لأن ناسوت آدم وناسوتهم جوهر عام واحدى.

الرد: (أ) بنى أصحاب هذا المذهب قولهم المذكور على المُثل الأفلاطونية، فزعموا (كما قال أفلاطون) أن اللّه أوجد البشرية قبل أفرادها، مثَلها في ذلك مَثل المغناطيسية التي أوجدها في العالم قبل ظهور حجر المغناطيس. وبناءً على ذلك يقولون إن البشرية القديمة تحل بكل خواصها في كل إنسان يُولد في العالم، كما تحل المغناطيسية بكل خواصها في حجر معيّن، فيصبح حجر المغناطيس. وهذا المذهب لا نصيب له من الصواب، لأن حجر المغناطيس لم ترد إليه المغناطيسية من الخارج في أي عصر من العصور، بل وُجد والمغناطيسية كامنة فيه.

(ب) ليس هناك دليل على أننا كنا متَّحدين مع آدم في الجنة بأي شكل من الأشكال، أو أننا أخطأنا بالفعل معه هناك. فضلاً عن ذلك فكل منا مستقل بذاتٍ. فلآدم، كما لكل واحد منا، شخصيته التي لا يشترك معه فيها إنسان غيره. فالطبيعة الخاطئة، وإن كانت قد انتقلت إلينا من آدم، غير أننا لم نرتكب شخصياً أية خطية عملها آدم أو شخص غيره.

(د) سبب الخطية هو: اضطراب في النفس أو في الغدة النكفية، أو مركب النقص الموجود في اللاوعي.

الرد: اضطراب النفس والغدة النكفية، وأي مركب نقص في اللاوعي، لا يؤدي إلى عمل الخطية إلا إذا كان الميل إليها قابعاً في الطبيعة البشرية، فاضطراب مياه البحار بواسطة العواصف ليس هو الذي يكوّن الأعشاب البحرية في البحار، بل يهيئ لها فقط سبيل الظهور على سطح البحار.

لقد حاد أصحاب هذه المذاهب عن الصواب. أما الحقيقة التي شهد بها وأيدها الاختبار، فهي أن الطبيعة الخاطئة التي فينا قد تسربت إلينا بالولادة من آدم الذي تناسلنا منه جميعاً.

 

4 - نتائج ولادة البشر بالخطية:

تسرَّبت الخطية وتتسرب إلى البشر بالوراثة. وبما أن قانون الوراثة قانون عام تخضع له جميع الكائنات الحية، فمن البديهي أن الخطية تسربت إلى كل البشر، فصاروا جميعاً خطاة بأفعالهم كما وُلدوا خطاة بطبيعتهم. ولذلك قال الوحي: ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم (فهماً روحياً) . ليس من يطلب اللّه. الجميع زاغوا وفسدوا معاً، ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد.. لأنه لا فرق، إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد اللّه (رومية 3: 10-12 و22 و23) . وقال داود النبي للّه: لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي (مزمور 143: 2) . وقد اعتاد الناس أن يفرِّقوا بين إنسان وآخر، فيقولون مثلاً: إن هذا الإنسان أفضل من ذاك. لكن ليس هذا هو الحال في نظر اللّه، لأنه ليس هناك واحد من البشر لم يفعل خطية واحدة في حياته. ومن يفعل خطية واحدة، يكون خاطئاً لا باراً.

 

الاعتراضات التي توجه ضد الحقائق السابقة والرد عليها:

 

1 - أليس للبيئة تأثير عظيم على الإنسان؟

الرد: طبعاً لها تأثير عظيم عليه، فإن كانت البيئة شريرة ساعدت على نمو الخطية واستفحال أمرها في الإنسان. وإن كانت صالحة حدَّت من نشاط الخطية لديه. لكن لا تقدر البيئة الصالحة أن تستأصل الميل إلى الخطية من الإنسان، أو تمنع تسرُّب هذا الميل إليه، بدليل أن الخطية توجد في أرقى البيئات، كما توجد في أدناها سواء بسواء.

2 - ليس كل أبناء الأشرار يرتكبون شروراً مثل آبائهم، فكيف يُقال إن كل البشر يولدون خطاة بالطبيعة لأن آدم، الذي وُلد منه أجدادهم منذ آلاف السنين، قد أخطأ مرة؟ى.

الرد: وإن كان بعض أبناء الأشرار لا يرتكبون شروراً مثل آبائهم، لكن ليس هناك واحد منهم لم يخطئ على الإطلاق، لذلك يكونون جميعاً خطاة. ويرجع السبب في وجود الخطية في البشر عامة إلى تناسلهم من آدم الذي هو أبوهم جميعاً كما ذكرنا. ولا غرابة في ذلك فإن خطيته لم تكن إصابة في جسده حتى كانت لا تنتقل إلى أبنائه، بل كانت إصابة في نفسه. كما أن هذه الإصابة لم تكن إصابة هيّنة، فقد غيّرت اتجاه نفسه تغييراً تاماً، فبعد أن كانت نفسه في براءتها لا تحب إلا خالقها ولا تعمل إلا ما يريده، أصبحت تتوارى من حضرته وتعمل ما نهاها عنه. ومثل هذه الإصابة تنتقل طبعاً من الأب إلى أبنائه، كما تنتقل العلل النفسية الخطيرة تماماً.

3 - كيف يكون كل البشر خطاة، ونحن نرى بينهم كثيرين من الصالحين؟.

الرد: الصلاح بمعنى عدم ارتكاب خطية بالقول أو الفكر، مع القيام بكل أعمال الخير لكل الأصدقاء والأعداء على السواء، دون انتظار لأي جزاء أو ثواب، ليس له وجود في البشر. ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو اللّه (لوقا 18: 19) . أما أفضل البشر فهم أشخاص يقومون بخير أكثر من غيرهم ويخطئون أقل من غيرهم. فالفرق بين البشر من جهة الخطية هو فرق نسبي فحسب، لأنهم جميعاً خطاة بطبيعتهم وخطاة أيضاً بأعمالهم، سواء كثُرت هذه الأعمال أم قلَّت. وأوضح دليل على ذلك أن نوحاً (تكوين 9: 21) وإبراهيم (تكوين 12: 12 و13) وأيوب (أيوب 42: 2) وموسى (العدد 20: 6-11) وداود (مزمور 51: 1) وإشعياء (إشعياء 6: 5) وزكريا (لوقا 1: 20) وبطرس (لوقا 22: 61) ، وبولس (أعمال 23: 3) ، وغيرهم من الرسل والأنبياء أخطأوا مثل غيرهم من الناس. أما العصمة المسندة إلى الرسل والأنبياء في المسيحية، فهي فقط في تبليغهم للرسائل التي كان اللّه يُوحي بها إليهم، لأنهم كانوا عند تبليغها يقعون تحت سلطانه المطلق، فلم يضيفوا إليها كلمة أو يحذفوا منها أخرى. ولذلك قيل بالوحي: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة (من شريعته) (متى 5: 18) . أما قول الوحي عن نوح إنه كان رجلاً باراً وكاملاً في أجياله (تكوين 6: 9) ، وعن أيوب إنه كان رجلاً كاملاً ومستقيماً يتقي اللّه ويحيد عن الشر (أيوب 1: 1) ، وعن زكريا وامرأته إنهما كانا بارين (لوقا 1: 6) ، فلا يُراد به أنهم لم يفعلوا خطية طوال حياتهم، بل أنهم كانوا يهابون اللّه ويحاولون جهد الطاقة أن ينفذوا وصاياه، كما كانوا يسرعون إلى تقديم الذبائح الكفارية له عن كل خطية يفعلونها، كما سيتضح بالتفصيل في الباب الثالث من هذا الكتاب.

4 - إذا كان كل الناس خطاة، أفليس أقلهم خطأ يمكن أن يكون مقبولاً لدى اللّه؟.

الرد: لنفرض أن طبيعة عمل ما تتطلب من الراغبين في الالتحاق به أن يكون مقياس نظرهم كاملاً، لكن بفحصهم وُجد أن نظر فريق منهم هو الثلثان، ونظر فريق آخر هو النصف، فهل يجوز للفريق الأول أن يطالب بأحقيته في الالتحاق بهذا العمل دون الثاني؟ طبعاً كلا. لماذا؟ لأن مقياس النظر الذي يتطلبه العمل المذكور هو الكمال. وهكذا الحال من جهة الكليات الجامعية، فإذا اشترطت أشهرها في طالب اللحاق بها أن يكون حاصلاً على 90% أو أكثر من مجموع الدرجات، فإن مَنْ كان مجموعه 89% يتساوى مع من كان مجموعه أقل من هذه النسبة بقليل أو كثير، لأن كليهما لا يُقبَل في هذه الكلية. وعلى هذا النسق نقول: بما أن اقترابنا إلى اللّه لا يتوقف على مستوانا الروحي في نظرنا أو نظر الناس، بل على هذا المستوى في نظر الله. وبما أن اللّه كامل، ولا يتوافق مع الكامل إلا الكمال، إذاً ليس بيننا بكل أسف شخص، مهما قلَّت خطاياه، يستطيع أن يحظى في ذاته بالقبول لدى اللّه. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نضعها أمامنا من الآن، حتى يتضح لنا السبيل الإلهي.

5 - ءقول المسيحية إن الطبيعة الخاطئة انتقلت إلى البشر بالوراثة، يجعلهم غير مسئولين عن الخطايا التي تصدر منهم، وهذا ما لا يتفق مع الحق.

الرد: تقول المسيحية إن الطبيعة الخاطئة انتقلت إلى البشر بالوراثة. وهي تعلن أنهم يخطئون، ليس رغماً عنهم (مدفوعين في ذلك بغرائزهم وحدها كما هو الحال مع الحيوان) بل إنهم يخطئون بإرادتهم نتيجة موافقتهم على تلبية رغبات هذه الغرائز. فهم مسئولون عن كل خطية يرتكبونها، لأن المسئولية لا تُرفع إلا عن الأطفال والمجانين. ولذلك قال الوحي إن كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً للّه (رومية 14: 12) ، كما قال إن اللّه سيحضر كل عمل من أعمال الناس إلى الدينونة، سواء كان خفياً أم ظاهراً (جامعة 12: 14) . فليس هناك مجال أمام إنسان للاعتذار عن خطاياه بدعوى ضعف الإِرادة، لأنه لو أتى ضعيف الإِرادة بإخلاص إلى اللّه، لأعطاه اللّه طبيعة روحية جديدة تسمو به فوق أهواء الجسد سمواً عظيماً، كما سيتضح في الباب السادس من هذا الكتاب.

6 - هل من العدالة أن يُضار البشر جميعاً بسبب خطية ارتكبها آدم وحده؟.

الرد: الحقائق الراهنة أثبت من منطقنا نحن البشر، لأن إدراكنا ليس كاملاً في كل الأمور. ومن هذه الحقائق مثلاً، أن بعض الأبناء البررة يرثون من آبائهم العلل والعاهات التي تقشعر منها النفس. وإذا حاولنا أن نحكِّم عقولنا في أسباب انتقالها إليهم نقف مكتوفي الأيدي. وهذا ما يواجهنا تماماً في حالة آدم وانحدار الطبيعة الخاطئة منه إلينا جميعاً، فآدم بحكم مركزه هو أبونا والنائب عنا جميعاً، وهذه حقيقة لا يستطيع المنطق أن ينكرها، سواء كانت معقولة عند بعض الناس أم غير معقولة. وهو بطبيعة مركزه هذا لا يمكن إلا أن تعود نتائج خطيته علينا دون أن يكون لنا يد في ارتكابها، مثله في ذلك مثل الآباء الذين تعود نتائج فجورهم وشرورهم على أبنائهم البررة. فلا سبيل للاعتراض على اشتراكنا في نتائج خطية آدم. ومع ذلك لا داعي لليأس أو الاعتراض، فقد تداخلت نعمة اللّه الغنية في أمرنا، ففتحت لنا جميعاً باب الخلاص من الخطية ونتائجها مجاناً، كما يتضح من البابين الرابع والخامس من هذا الكتاب.

7 - لماذا لم يخلق اللّه إنساناً كاملاً من أول الأمر، فكان يجنّب ذريته نتائج الخطية المريعة؟ .

الرد: خلق اللّه آدم في أحسن تقويم وفي غاية البراءة، دون أن يكون فيه ميل إلى العصيان. ولو كان اللّه قد خلق أي إنسان آخر عوضاً عن آدم لكان قد ارتكب ما ارتكبه آدم، ولأصبح نسله خطاة مثله أيضاً. ولكن الله أعلن لنا في كتابه أنه كما انتقلت الطبيعة الخاطئة إلينا دون ذنب جنيناه، يأتي إلينا الخلاص منها، ومن عقوبة الخطايا التي تصدر عنها كذلك، منحة مجانية منه دون أي عمل من جانبنا سوى الإِيمان الحقيقي، كما سيتضح في الباب السابع من هذا الكتاب.

وسيتضح لنا في الباب الأخير من هذا الكتاب أنه كان خيراً لنا أن نولد كلنا من رجل واحد ونرث منه طبيعته الخاطئة، من أن يُخلَق كلُ واحد منا بمفرده ويكون مسئولاً بشخصه عن كل خطية يفعلها، لأنه في الحالة الأولى يكون لنا جميعاً امتياز الحصول على غفران كامل شامل من اللّه بفضل نائب آخر أسمى من آدم بما لا يُقاس، هو السيد المسيح.

 

- 3 -

تأثير الخطية بالنسبة للّه

 

1 - أسباب تأثيرها بالنسبة إلى اللّه:

يعتقد بعض الناس أن الخطية إذا كانت بين الإِنسان وبين نفسه، انحصر تأثيرها فيه وحده. وإذا كانت بينه وبين إنسان غيره، انحصر تأثيرها فيهما. أما اللّه فبسبب روحانيته المطلقة أرفع من أن يتأثر (كما يقولون) بأي مؤثر خارجي. لكن هذا الاعتقاد خاطئ لسببين:

(أ) كلنا يعلم أن الكامل يُسرّ بالخير ويكره الشر. ولا يُسر بالشر ويكره الخير إلا الذي لا يدرك معنى الكمال، أو الجماد الذي لا حياة فيه ولا شعور. وبما أن اللّه كامل كل الكمال وحيّ إلى أبد الآباد، وقد نهانا عن الشر وأوصانا بالخير، إذاً فهو مع روحانيته المطلقة يتأثر بما نفعله من شر أو خير على نحوٍ يتفق مع روحانيته هذه. لذلك قال الوحي عن اللّه إنه لا يطيق الإِثم (إشعياء 1: 13) ، وإن عينيه أطهر من أن تنظرا الشر (حبقوق 1: 13) . فإذا ارتكب أحدنا خطية ضد نفسه أو ضد غيره، لا يكون قد أساء إلى نفسه أو غيره فحسب، بل وإلى اللّه قبل كل شيء آخر.

(ب) للّه علاقة وثيقة بنا، فقد خلقنا على صورته كشبَهه، كما منحنا المواهب العقلية والأخلاقية التي تفكر فيه وتسعى إليه. وبعث إلينا كثيراً من الرسل والأنبياء ليعلنوا لنا أفكاره الطيبة من نحونا وما يجب علينا من تصرف إزاءه. وبما أن كل علاقة بين طرفين تتأثر بتصرفات أحدهما، إذاً فكل خطية نرتكبها تؤثر على علاقتنا باللّه. وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة، فقال بسكال: يعتبر الإِنسانُ اللّهَ كأنه وثن إذا جعله موضوعاً للمعرفة فحسب، وجرّده من عمله الجوهري الخاص بعلاقته معنا . أما الفلاسفة الذين يقولون إن اللّه لا يعبأ بشر الناس أو خيرهم، رغبةً منهم في تنزيهه تنزيهاً مطلقاً، فهم في الواقع لا يسندون إليه الكمال المطلق كما يقولون، بل يجردونه من صفات الكائن الأدبي تجريداً تاماً، ويجعلونه اسماً دون مسمى. وعلى هذا فإن كل خطية نرتكبها ضد أنفسنا أو ضد غيرنا من الناس، تكون موجهة ضد اللّه أولاً. عندما أخطأ داود النبي ضد أوريا وامرأته قال للّه: إليك وحدك أخطأتُ، والشر قدام عينيك صنعت (مزمور 51: 4) . ويوسف الصديق عندما أبى أن يلبي الرغبة الآثمة التي عرضتها عليه امرأة فوطيفار، قال لها: كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى اللّه؟! (تكوين 39: 9) .

 

2 - مدى الإِساءة التي نوجّهها إلى اللّه بسبب الخطية:

وإن كنا لا نستطيع تحديد هذه الإِساءة بسبب سمو اللّه عن إدراكنا سمواً لا حد له، لكن نعلم أنه بارتكاب الخطية (أ) نمنع وجود الصلة الروحية الطيبة التي يريد الله أن تكون بينه وبيننا، لأنه لم يخلقنا على صورته كشبهه إلا لتكون لنا هذه الصلة به. (ب) ننكر فضله علينا ونستهين بعواطفه الكريمة من نحونا. (ج) نرفض شريعته ونعصاها، وبذلك نتمرد عليه ونهينه في أرضه وعلى مرأى منه. لذلك قال الوحي عن الخطاة إنهم لا يخشون اللّه (إرميا 2: 19) ويبغضونه بلا سبب (مزمور 69: 4) ، ويرفضون شريعته (إرميا 6: 19) ، وينقضون عهده (يشوع 7: 11) ، ويتمردون على شخصه (هوشع 13: 16) ، ويسلبون حقوقه (ملاخي 3: 8) ، ويُفسِدون أمامه (نحميا 1: 7) ، ويهينون مقامه (مزمور10: 13 وإشعياء 1: 2-4) ، ويحتقرون اسمه وينجّسونه أيضاً (ملاخي 1: 6 وحزقيال 36: 20) ، لأن لسان حالهم إزاءه ابعُدْ عنا، وبمعرفة طرقك لا نُسرّ (أيوب 21: 14) . فالخطية، علمْنا أم لم نعلم، هي أكبر إساءة نوجهها إلى اللّه، ولذلك قال الوحي: الخطية خاطئة جداً (رومية 7: 13) .

 

أما الاعتراض الذي يُوجَّه ضد ما ذكرناه فهو

 

أليس اللّه أرفع من أن نهينه أو نسيء إليه بعصياننا؟

الرد: صحيح أننا بعصياننا لا ننتقص شيئاً من مجد اللّه في ذاته، كما أننا لا نستطيع بطاعتنا له أن نضيف شيئاً إلى مجده هذا، لأنه كامل في ذاته كل الكمال ولا يتعرض للزيادة أو النقصان. لكن من ناحية علاقتنا به ووجوب طاعتنا له بوصفه خالقنا ووليّ نعمتنا، فإننا بعمل الخطية ننكر حقوقه علينا ونسيء لشخصه أيضاً، إذ يكون كما لو لم يكن هو خالقنا ووليّ نعمتنا!! فمجد اللّه الذاتي، وإن كان كاملاً كل الكمال ولا يتعرض للزيادة أو النقصان، بغض النظر عن طاعتنا للّه أو عدم طاعتنا له كما ذكرنا، لكن مجده الظاهري في علاقته بنا مرتبط بتصرفنا إزاءه. ولذلك يقول: الابن يكرم أباه (بطاعته) ، والعبد يكرم (بطاعته أيضاً) سيده. فإن كنتُ أنا أباً فأين كرامتي (في نظركم) ؟ وإن كنت سيداً فأين هيبتي (عندكم) ؟ (ملاخي 1: 6) .

 

- 4 -

تأثير الخطية بالنسبة للبشر

إذا نقلنا حيواناً من المنطقة الحارة إلى المتجمدة أو العكس، اضطرب جسمه وتعرض للموت. وهكذا الحال إذا نقلنا حيواناً بحرياً إلى البر أو برياً إلى البحر. لكن إذا ظل كل حيوان في المجال الذي خُلق ليعيش فيه، نما جسمه وعاش حياة طيبة. وعلى هذا النسق نقول: بما أن اللّه خلقنا لنعيش بالقرب منه، في رفقته ومعيّته. وبما أن كل كائن يبتعد عن المجال الذي خُلق للعيش فيه، لا يمكن أن يهنأ أو يستريح، فمن البديهي أن كل من يبتعد عن اللّه يتعرض للتعب والشقاء. وقد أشار اللّه إلى هذه الحقيقة فقال: من يخطئ عني يضرّ نفسه (أمثال 8: 36) . والأضرار التي يتعرض لها الإنسان في العالم الحاضر بسبب الخطية ثلاثة أنواع: أضرار نفسية، وأضرار أخلاقية، وأضرار مادية:

 

1 - الأضرار النفسية:

من يركض وراء الخطية، يحيا حياة القلق وعدم الاستقرار، كما يتعرض أحياناً للأمراض النفسية التي يتعذر شفاؤها، لأنه لا يجد في نهاية جهاده على الأرض هدفاً ثابتاً ولا رجاءً منيراً أمامه.

وإذا لم يتعرض لهذه الأمراض، فإنه يحصر غايته في ثروة لا يلبث أن يتركها أو تتركه، أو في لذة أو نشوة سرعان ما يهجرها أو تهجره. أو في ولد إذا امتد به العمر فإنه يُبكيه إذا تُوفي، ثم لا يلبث أن يهتم بشؤونه الخاصة وينساه. لذلك قال الوحي عن الخطية إنها تحني النفس (مزمور 44: 25) وتملؤها بالذل والهوان (مزمور 123: 4) ، وتحرمها من الراحة والسلام (إشعياء 48: 22) ، وتسلبها الوعي الروحي فتصبح أحط من نفس الحيوان (إشعياء 1: 3) .

 

2 - الأضرار الأدبية:

ولوجود الطبيعة الخاطئة في الإنسان، يصبح (إذا لم يتلقَّ حياة روحية من اللّه) عاجزاً عن الارتقاء فوق خطاياه. فإذا تعهد يوماً بالإقلاع عنها، وبذل جهده في سبيل تنفيذ تعهده هذا، سرعان ما يُغلب على أمره. فإن لم يفعل الخطية في الظاهر قد يفكر فيها ويشتهيها في الباطن، ومِن ثمَّ يعود من حيث أتى. ومثل الإنسان في مقاومة الخطية بقوته الذاتية، مثل الماء الذي لا يستطيع الارتفاع من تلقاء ذاته إلى مستوى أعلى من المستوى الذي هبط منه في أول الأمر، كما نرى في تجارب الأواني المستطرقة. أو مثل الطائر الذي يسعى إلى الانطلاق نحو السماء وهو مقصوص الجناح، فإنه مهما حاول وجاهد لا يستطيع أن يرتفع فوق الأرض شبراً واحداً. وأول من شعر بهذه الحالة المريرة هو آدم وحواء، فعندما أخطئا، فقدا الصلة الروحية باللّه، كما أحسَّا بأنهما لا يستطيعان العودة إلى حالة البراءة التي كانا يتمتعان بها من قبل (تكوين 3: 8) . ويُطلَق على هذا العجز وذاك الفقدان اسم الموت الأخلاقي الذي هو أشر موت لمن يقدّر أهمية التوافق مع اللّه. ولذلك قال الرسول للمؤمنين عن حياتهم السابقة في الخطية: وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا (أفسس 2: 1) . كما قال عن نفسه قبل تمتُّعه بخلاص اللّه الكامل الخطية قتلتني (أخلاقياً) ، وأنها عاشت فمتُّ أنا (أخلاقياً) (رومية 7: 9-11) . كما قال بعد ذلك: لأن الإرادة (لحياة الصلاح) حاضرة عندي، وأما (عن القدرة التي تؤهِّلني) أن أفعل الحُسنى (كما يريدها اللّه) فلست أجد (إليها سبيلاً) . لأني لستُ أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لستُ أريده إياه أفعل (بسبب الطبيعة الخاطئة الكامنة فيَّ) . فإني أُسرّ بناموس اللّه بحسب الإِنسان الباطن (بسبب إخلاصي للحق) ، ولكن أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني (الذي يريد الصلاح) ، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. وَيْحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟! (رومية 7: 18-24) .

هذا اختبار الرسل والقديسين، كما أنه اختبار كثيرين من الفلاسفة والمفكرين. فمن المأثور عن هكسلي أنه قال: برهن الإنسان على أنه خاضع لعنصر وضيع يسيطر على كيانه بقوة هائلة. إذ أنه فريسة عمياء لدوافع نفسية متعددة تقوده إلى الشر والدمار، وتجعله ضحية مسكينة لأوهامٍ لا حصر لها .

 

3 - الأضرار المادية:

(أ) وبسبب الخطية كم من قويٍّ تهدمت صحته، وشاب في مقتبَل العمر ذبلت نضارته، ومثقف كان يزدان به المجتمع فقَدَ مكانته! وكم من غني أصبح فقيراً وعظيم أضحى حقيراً، ومحترم أمسى ذليلاً. وبسبب الخطية كم من خصام دبَّ بين العائلات راح ضحيته كثير من الأبرياء، وكم من أمّة انحلّت عُراها فدالت دولتها وأصبحت أثراً بعد عين. لذلك قال الوحي إن الأهواء التي تجيش في نفوس الناس هي السبب في قيام الحروب والخصومات بينهم (يعقوب 4: 1) ، وإنه بسبب امرأة زانية يفتقر الإنسان إلى رغيف خبز (أمثال 6: 26) ، وإنه بسبب الخمر يحل الشقاء والكرب (أمثال 23: 29 و30) وإن الخطية بصفة عامة تمنع الخير عن الناس (إرميا 5: 25) ، وتجلب عليهم العار (أمثال 14: 34) ، وتسبِّب لهم العلل والأمراض (تثنية 28: 22) .

لا ننكر أن أشراراً كثيرين يحيون حياة الرغد والسعة في العالم الحاضر، وأن أتقياء كثيرين يحيون حياة الضيق والضنك. لكن ليس هذا دليلاً على أن الخطية لا تورِّث المتاعب والآلام (لأن هذا أمر لا يختلف فيه اثنان) ، بل هو دليل على أن اللّه في حكمته السامية يعامل كل إنسان بالمعاملة التي تُصلِح من شأنه. فقد يُحسِن بخير جزيل إلى إنسانٍ شرير، ليتأثَّر ضميره ويتوب عن شره. وقد يسمح بالتجارب لإِنسان يتَّقيه إذا وجد أن حياة الرغد والسعة تحول بينه وبين التقدم في حياة التقوى، التي هي أعظم حياة في الوجود.

(ب) كما أن الموت الجسدي الذي نرتعد لذكره وتتحطم عنده آمالنا وأمانينا، ويورثنا الكثير من الحزن والأسى، هو النتيجة الختامية للخطية في العالم الحاضر. فقد قال اللّه لآدم عن الشجرة المنهيّ عنها: لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت (تكوين 2: 17) ، كما قال له بعد الأكل منها: لأنك ترابٌ وإلى تراب تعود (تكوين 3: 19) .

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد الحقائق السابقة والرد عليها

 

1 - إذا كان الموت هو قصاص الخطية، فلماذا لم ينفذ اللّه هذا القصاص في آدم بعد عصيانه مباشرة؟.

الرد: لم يفعل الله ذلك لسببين: (أ) بعد قيادته لآدم إلى التوبة والإِيمان برحمته عن طريق نسل المرأة الذي سيسحق رأس الشيطان (تكوين 3: 15) ، نفذ حكم الموت الجسدي الذي كان يجب أن يحل بآدم في حيوان عوضاً عنه. وهذا الحيوان وإن كان في حد ذاته ليس كافياً للتعويض عن آدم لأنه أقل قدراً منه، لكن لأنه كان رمزاً إلى كفارة أسمى منه بما لا يُقاس (كما يتضح بالتفصيل في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب) ، اكتسب وقتئذٍ القدرة الكافية للتعويض عن آدم أمامه. فأطال الله عمر آدم ما شاء، كما لو كان مخلوقاً جديداً. (ب) لم يخلق الله الأرض عبثاً بل هيأها للسكن (إشعياء 45: 18) ، فكان بديهياً أن يُبقي آدم بعد فدائه، ليأتي بنسل يملأ الأرض وينعَم فيها بفضله من جهة الأمور الروحية والمادية معاً.

2 - كان موت آدم أمراً طبيعياً ولم يكن قصاصاً على الخطية التي ارتكبها، لأن جسده قابل للموت من تلقاء ذاته مثل أجسادنا.

الرد: لا نستطيع الجزم بما كان عليه جسد آدم في أول الأمر، ولكن ما نستطيع الجزم به، وهو أن جسده أصبح، بعد السقوط في الخطية، مثل أجسادنا تماماً، قابلاً للموت والانحلال. فقد قال الوحي: بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (رومية 5: 12) .

ولو فرضنا جدلاً أن جسد آدم كان قد خُلق من أول الأمر قابلاً للموت، وأنه عاش بعد ذلك في الجنة دون أن يعصى اللّه، لكان الله قد حوّل جسده إلى جسد غير قابل للموت، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) لم يكن هذا التحول يتعارض مع ناموس الطبيعة الثابت، فدودة القز مثلاً تتحول إلى عذراء ثم إلى فراشة تطير في الهواء، دون أن يعتريها بذلك أي تغيير في ذاتيتها. (ب) خُلِق آدم بجسمه وروحه أصلاً للبقاء، ويكفينا دليلاً على ذلك أن كل الأديان تنادي بأن البشر عامة سيقومون بعد موتهم بأجساد تبقى إلى الأبد. فلا غرابة لو كان اللّه قد حوَّل جسد آدم إلى جسد غير قابل للفناء، لو كان آدم قد استمر في حالة الطاعة. (ج) سجل الوحي لنا أن اللّه قبل أن يخلق آدم، كان قد أعدَّ له وسيلة يمكن أن يحيا بها إلى الأبد، في شجرة وضعها في الجنة أطلق عليها اسم شجرة الحياة (تكوين 3: 22) . (د) أنبأنا العلم أنه من الممكن إطالة عمر الإِنسان كثيراً بمحاربة أمراض الشيخوخة التي يتعرض لها. وقدرة اللّه على إطالة عمر الإِنسان، بل وإطالته إلى الأبد، تفوق قدرة العلم بدرجة لا تحد.

مذكرة توضيحية عن جنة عدن، وعن شجرة الحياة:

كانت الجنة التي خلقها اللّه لآدم جنةً مادية بها طعام وشراب ماديان، وقد اندثرت تماماً بواسطة الكوارث، ولا سيما الطوفان الذي حلّ بالأرض في أيام نوح، فلم يبقَ لها أثر. ولذلك فالمؤمنون الحقيقيون لا يذهبون إلى الجنة بعد انتقالهم من العالم الحاضر كما يظن بعض الناس، بل يذهبون إلى الفردوس، أو بالحري إلى السماء الثالثة (2كورنثوس 12: 2-4) ، وفي هذه السماء لا مجال للمتع الجسدية على الإِطلاق. فقد قال الوحي عن الذين سيحظون بالوجود هناك، إنهم لا يزوجون ولا يتزوجون كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون، إذ أن متعهم هناك ستكون من أولها إلى آخر متعاً روحية محضة (متى 22: 30 ورومية 14: 17) لأنها هي التي تتوافق مع الأجساد الممجَّدة التي سيلبسونها في السماء، كما تتوافق مع روحانية اللّه المطلقة.

ولم تكن شجرة الحياة هي شجرة معرفة الخير والشر التي نهى اللّه آدم عن الأكل منها من قبل، بل كانت شجرة غيرها (تكوين 2: 9) . كما أن شجرة الحياة هذه لم تكن في ذاتها هي التي ستمنع الموت عن آدم وزوجته لو كانا قد أكلا منها، لأنها كانت شجرة مادية، والأشياء المادية لا تستطيع أن تهب حياة أبدية لمن يأكل منها، لكنها كانت رمزاً إلى المسيح (رؤيا 22: 14) الذي يستطيع أن يهب هذه الحياة، لكل من يتغذى روحياً به (يوحنا 6: 51) . وطبعاً لم يسمح اللّه لآدم بالأكل من شجرة الحياة بعد سقوطه في الخطية (تكوين 3: 24) ، لئلا يحيا إلى الأبد في خطاياه، فيكون ذلك وبالاً عظيماً عليه وعلى نسله إلى الأبد.

 

- 5 -

الخطية والآلام الذاتية الأبدية

 

1 - تأثير حضرة اللّه:

معظم الذين يفعلون الخطية في الزمن الحاضر لا يدركون شناعتها أو خطورتها، فلا يحسبون لها حساباً. غير أن موقفهم هذا سوف لا يدوم طويلاً، لأنه لا بد سيأتي يوم فيه يرون أنفسهم وجهاً لوجه أمام اللّه الذي كانوا يسيئون إليه ويتجاهلون حقوقه، وحينئذ يدركون أن خطاياهم شنيعة وخطيرة بدرجة لم تكن تخطر لهم ببال، فيرتعبون ويفزعون فزعاً ليس بعده فزع. فقد ذكر الوحي أن بيلشاصر الملك ءأحد ملوك بابل القدامى، وكان قد أهان في كبريائه اللّه جلَّ شأنهى عندما شعر بقضاء اللّه يهبط عليه تغيَّرت هيئته وأفزعتْهُ أفكاره، وانحلَّت خُرز حقويه واصطكت ركبتاه (دانيال 5: 6) . كما ذكر الوحي أن الملوك والعظماء الذين سيكونون أحياء على الأرض عند ظهور الرب للدينونة، سيُخفون أنفسهم في الكهوف والشقوق، وهم يقولون للجبال والصخور: اسقطي علينا وأخفينا من وجه الجالس على العرش (رؤيا 6: 16) . لكن لن تسمع الجبال لندائهم ولن تستجيب الصخور لصراخهم، فلا شيء في الوجود يقدر أن يحجبهم عن اللّه، فيظلون في رعب بلا نهاية.

 

2 - تأثير الضمير:

أودع الله فينا الضمير ليهدينا سواء السبيل، فهو يؤنبنا على فعل الشر ويشجعنا على فعل الخير. وبما أن الذين يرتكبون الخطية في العالم الحاضر، كثيراً ما يلتمسون الأعذار لأنفسهم، فيخدّرون ضمائرهم ويُسكتونها. وبما أنه ليس في عالم الروح مجال لتخدير الضمير وإسكاته، لذلك فالضمائر النائمة الآن لا بد أن تستيقظ في الأبدية. وهناك سيرى الخطاة بطلان الأمور الدنيوية التي كانوا يُفنون فيها صحتهم ويضيّعون فيها ثرواتهم ووقتهم، فيندمون ويتحسرون، ويكتشفون خيبتهم في تضليل أنفسهم بالتماس الأعذار الواهية، فينوحون ويتوجعون إلى الأبد، لأنه ليس هناك من يرحمهم.

 

3 - الوحشة في الأبدية:

بما أنه لا يوجد في عالم الروح أثر للشهوات التي يلهو بها الناس في دنياهم، أو العلاقات التي يجدون فيها سلواناً لأنفسهم، أو الأعمال التي تشغل أفكارهم وتصوراتهم، لأن عالم الروح لا تأثير فيه لغير اللّه. لذلك فالأشرار سيشعرون بوحشة لا نظير لها، إذ لن تكون لهم علاقة، لا مع اللّه ولا مع قديسيه، ولا حتى مع الأشرار الذين كانوا على شاكلتهم في هذه الدنيا. فلا يكون هناك من يواسي الخطاة ويعزيهم، أو يُنسيهم همومهم وآلامهم، أو يهوّن عليهم خَطْبهم ومصابهم.

 

4 - القصور الذاتي:

الطبيعة البشرية المنحرفة عن اللّه لا تتغير على الإِطلاق مهما نال المرء من التهذيب والتعليم (كما ذكرنا في الفصل الثاني) . فالذين لم يحصلوا في العالم الحاضر على طبيعة روحية من اللّه تؤهِّلهم للتوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية، سيجدون أنفسهم في الأبدية عاجزين أيضاً عن هذا التوافق مهما بذلوا في سبيله من جهد. وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من العلماء، فقال صموئيل جونسون: ستظل الحالةُ التي تسود علينا في العالم الحاضر سائدةً علينا في العالم الآخر .

فلو فرضنا أن الخطاة استطاعوا أن يفلتوا من مصيرهم المرعب، وينطلقوا ليسترضوا اللّه ويدخلوا في علاقة جديدة معه، فإنهم لن يقدروا أن يظلوا في حضرته لحظة واحدة، فيهربون متباعدين عنه، مثل الحشرات التي اعتادت العيش في الظلام الذي يوافق طبيعتها، فإذا خرجت إلى سطح الأرض ليلاً وأحست بضوءٍ ما، سرعان ما تعدو إلى جُحورها لتختبئ وتتوارى في ظلمته. هذا هو القصور الذاتي الذي يحول بين الخطاة وبين تغيير سلوكهم في الأبدية، ويقطع من أمامهم كل أمل في النجاة من الشر الذي تشكلوا به في دنياهم، ويورثهم آلاماً مريعة تحزّ في نفوسهم. وقد شرح المسيح هذه الآلام في قوله إن نصيب الخطاة في الأبدية هو البكاء وصرير الأسنان (متى 8: 12) : البكاء بسبب شدة الألم، وصرير الأسنان بسبب شدة الندم.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها

 

1 - ليست للإِنسان روح قائمة بذاتها، بل هو مجموعة مواد متآلفة معاً تقوم بأعمالها من تلقاء ذاتها.

الرد: (أ) يقول العلماء إن خلايا الجسم في تغيير مستمر، وإن الجسم اليوم غيره منذ شهور. ولكن بالرغم من ذلك، نرى الإنسان باقٍ بذات كيانه الفكري والأخلاقي والاجتماعي، كما يتذكر جيداً ما فعله أو صادفه منذ عشرات السنين. فلا يمكن أن يكون الإنسان مجرد مجموعة مواد متحدة معاً (كما يُقال) ، بل لا بد أنه قائم أيضاً بجوهر لا يتأثر بتغيير ذرَّات جسمه، وهذا الجوهر هو ما يطلق عليه الوحي اسم الروح .

(ب) يدل التلباثي (أي تبادل الأفكار بين إنسان وآخر) والهيuنوتزم (أي التنويم المغناطيسي) على أن الإِنسان ليس مجرد مواد متحدة، بل أنه قائم أيضاً بجوهر روحي، يرسل ويستقبل الأفكار المعنوية بطريقة غير مرئية. كما يدلّ اهتداء الفنانين والعلماء أثناء نومهم إلى الموضوعات التي كانوا يعجزون عن الوصول إليها في يقظتهم على أن الإنسان قائم بجوهر روحي، يمكن أن ينشط عندما يتحرر الإِنسان من المؤثرات الخارجية، وهذا الجوهر هو ما يُسمَّى الروح كما ذكرنا.

(ج) أعلن الوحي بعبارات واضحة عن وجود روح الإِنسان، فقال: إنه يوجد روح في الناس، ونسمة القدير تعقّلهم (أيوب 32: 8) . وقال أيضاً: روح الإِنسان في داخله (زكريا 12: 1) ، وأيضاً روح الإِنسان التي فيه (1كورنثوس 2: 11) . ولذلك قال داود النبي للّه: في يدك أستودع روحي (مزمور 31: 5) .

2 - إن كانت للإِنسان روح، فهي لا تختلف عن روح الحيوان في شيء.

الرد: (أ) لم تُظهِر جميع الحيوانات منذ نشأتها تقدماً ما، وما كانت تعمله قديماً بالغريزة هو هو ما تعمله الآن دون تحسين أو تغيير. فإلى الآن لا يبني الطائر سوى عشه، والثعلب سوى جُحره، والنحل سوى خليته، وهكذا.. وإن كانت بعض الحيوانات قد تعلمت شيئاً جديداً، فالفضل في ذلك للإِنسان الذي روّضها وهذّبها. أما الإِنسان فقد أظهر منذ وجوده على الأرض، ومن تلقاء ذاته أيضاً، رقياً وتقدماً في كل الميادين العلمية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية. فإذا رجعنا إلى التاريخ نرى أن ذكاء القدامى لا يقل عن ذكاء الناس في الوقت الحاضر. وحضارة قدماء المصريين والبابليين والأشوريين والكلدانيين التي ظهرت قبل الميلاد بآلاف السنين خير دليل على هذه الحقيقة، مما يدل على أن ذكاء الإنسان فطري وليس مكتسَباً. وقد شهد بهذه الحقيقة برانكو أعظم علماء الحفريات، فقال بعد بحوثه الطويلة: ظهر الإِنسان على الأرض فجأة بذكائه الموجود عليه الآن، في أواخر العصور الجيولوجية .

(ب) لدى الإنسان مبادئ سامية ليس لها نظير لدى الحيوان، مثل الأمانة والإخلاص والنزاهة والشرف والتضحية والعفاف. كما أن لديه القدرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى الاختراع والابتكار، والارتقاء فوق الغرائز والميول. كما أن تفكيره منطقي ومرتَّب، وهو يملك التعبير عن هذا التفكير باللسان والقلم. أضف إلى ذلك أن لكل إنسان شخصية قائمة بذاتها لها مميزاتها الأخلاقية والنفسية التي لا يشترك معه فيها غيره. الأمر الذي لا يتوافر في الحيوان، إذ أن كل نوع منه، مع اختلاف أفراده الظاهري في اللون والشكل والحجم، له صفات وخصائص واحدة.

(ج) مما تقدم يتضح لنا أن الإِنسان ليس مجرد جسم يتحرك بفعل الغرائز والحياة الطبيعية كما يفعل الحيوان، حتى يجوز التساؤل إن كانت له روح تميزه عن الحيوان، بل إنه قبل كل شيء عقل وفكر وإدراك، وهو قائم بروح لا نظير لها في الحيوان. وقد أدرك هذه الحقيقة سارتر فيلسوف الوجودية الحديثة، فإنه مع عدم تديُّنه قال: يتميَّز الإِنسان عن الحيوان بوجود العقل فيه. فالحيوان عبدٌ للطبيعة محكوم من الخارج بقوانينها ومن الداخل بغرائزه. أما الإِنسان فهو الكائن الوحيد الذي يقدر أن يقاوم الطبيعة، لأن له عقلاً يفهم به الأشياء لم يحْظَ الحيوان به. فالإِنسان إذاً لا شبيه له في الكون . وهذا العقل لا يمكن أن يكون شيئاً معنوياً كالصفات، بل لا بد أن يكون شيئاً حقيقياً، له وجود ذاتي، ومن ثمَّ لا يكون سوى الروح الفاهمة.

3 - إذا كان للإِنسان روح تميزه عن الحيوان، فهل يكون لها وجود بعد موته، حتى يمكن أن تشقَى أو تسعَد؟.

الرد: (أ) جسم الأِنسان المادي لا يفنى، وكل ما يطرأ عليه من تغيير بعد الموت هو تحلله إلى عناصر منظورة أو غير منظورة بسبب تكوُّنه من مواد مختلفة. ومن المؤكد أن الروح، التي هي العنصر الجوهري في الإِنسان، لا تفنى أيضاً. كما أنها لا يمكن أن تتحلل إلى عناصر، لأنها ليست مادية بل روحية.

فإذا كان وجود الغرائز في الإنسان دليلاً على أن هناك مجالاً لاستثمارها وإشباعها، فإن غريزة حب البقاء التي تسيطر عليه دليل على أنه إذا مات جسده، لا تفنى روحه بل تبقى. كما أننا إذا وضعنا أمامنا أن لكل مجهود يبذله الإِنسان في هذا العالم، نتيجة تتكافأ معه، فالمجتهد له الثواب والمهمل له العقاب، أدركنا أنه لا يمكن أن يكون القبر هو نهاية حياة الإِنسان الصالح والطالح معاً، بل لا بد أن هناك عالماً آخر يحصد فيه كل منهما نتائج عمله، الأمر الذي يدل على وجود روح الإِنسان.

(ب) لو كانت الحياة مقصورة على العالم الحاضر لكانت في جملتها بلا فائدة. وهذا هو ما انتهى إليه الفيلسوف شوuنهور فقال: الحياة سلسلة متواصلة من الألم. أولها ألم وآخرها ألم. إنها كوميديا مفجعة يتكرر تمثيلها من وقت إلى آخر . والذين نسجوا على منواله احتقروا الحياة واستسلموا لليأس، فضاقت الدنيا على سعتها في أعينهم، فانتحروا أو عاشوا حياة البؤس والشقاء. وهذا ما دعا روسو إلى القول: تحطم فكرة عدم الخلود روح الإِنسان، وتدمر أنبل عواطفه .

لولا الخلود، لكانت الحياة خطأ في خطأ، إذ تكون تعباً وعناء ثم فناء إلى الأبد، الأمر الذي لا يتفق مع ناموس الكون الدقيق الذي نعيش فيه. فإذ أضفنا إلى ذلك (1) أن روح الإِنسان، دون غيره من الكائنات هي نسمة أو نفخة من اللّه (تكوين 2: 7) ، وأن اللّه خالد إلى الأبد: فلا بد أن روح الإِنسان تبقى بمشيئته إلى الأبد أيضاً. (2) خلق اللّه الإِنسان دون غيره من الكائنات على صورته كشبهه، كما أرسل للبشر دون غيرهم من الكائنات الرسل والأنبياء، ليرشدوهم إلى الحق والصواب، الأمر الذي يدل على محبته الشديدة لهم. فلا يمكن أن يكون الموت نهاية حياة الإنسان، بل هو وسيلة ينتقل بها إلى عالم آخر، يكون فيه تحت تأثير اللّه دون سواه.

(ج) هناك آيات كثيرة في الكتاب المقدس تقول إن الروح لا تفنى بعد موت الجسد.. قال الحكيم إن الروح ترجع إلى اللّه الذي أعطاها، كما يرجع التراب إلى الأرض كما كان (جامعة 12: 7) . وقال إشعياء النبي للّه: أتحيا أمواتك. تقوم الجثث (26: 19) . وقال أيوب: بعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي أرى اللّه (19: 26) . وأنبأنا المسيح في قصة الغني ولعازر أن الروح تبقى بعد موت الجسد لتُكافأ أو تُعاقب (لوقا 16: 19-31) . كما قال للمؤمنين به: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم (متى 10: 28) . وقال بولس الرسول: لي اشتهاء أن أنطلق (أي أنطلق بروحي) وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً (فيلبي 1: 23) . وقال بطرس الرسول إن أرواح الذين عصوا اللّه في أيام نوح، موجودة الآن في السجن (أي الهاوية) (1بطرس 3: 19) . وقال يوحنا إن الذين قُتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة اللّه، عاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة (رؤيا 20: 4) . وقال يهوذا إن سكان سدوم وعمورة الأشرار سيكابدون عقاباً أبدياً (يهوذا 7) .

(د) وإن كانت شهادة الوحي عن خلود الروح لا تحتاج إلى دليل بشري لتدعيمها، لكن لفائدة الذين يريدون معرفة أقوال الفلاسفة بشأن هذا الموضوع نقول: إن المشهورين منهم نادوا ببقاء الروح. فقال سقراط إنها لا تفنى ، وقال أفلاطون يلحق التفكك والفساد بالمادة. وبما أن النفس بسيطة وإلهية، لذلك فهي أبدية . كما قال كل كائن يسهم في فكرة معيّنة لا يقبل ضدها. وبما أن النفس هي مصدر الحياة، لذلك لا يمكن أن تقبل ما هو ضدها، وهو الموت . وقال أرسطو في الإنسان كائن يظل في الوجود بعد موته، هو روحه التي ليس لها نظير في النبات أو الحيوان . وقال الرواقيون النفس لا تفنى بل تعود إلى أصلها . وهناك شهادات متعددة لكثير من فلاسفة العصرين المتوسط والحديث، لكن للاختصار نكتفي بالشهادات التي ذكرناها، لأن أصحابها كانوا غير متأثرين بالإِعلانات السماوية التي تنادي بخلود النفس، بل كانوا متأثرين بوحي عقولهم وحدها.

4 - النفس هي الدم فمكتوب لأن نفس الجسد هي في الدم (لاويين 17: 11) . والدم يتلاشى بالموت، لذلك فنفس الإِنسان لا يكون لها وجود بعد موته.

الرد: هذه الآية لا تقول إن النفس هي الدم، بل إنها فيه. وهي تتحدث عن الحيوان لا الإنسان. ولم يُخلَق الإنسان على نسق خَلْق الحيوان، لأن اللّه خلق الحيوان بمجرد الأمر، لكنه خلق الإنسان بواسطة نسمة أو نفخة حياة أودعها بذاته فيه (تكوين 2: 7) ، لذلك كانت للإنسان روح عاقلة بالإضافة إلى نفسه (1تسالونيكي 5: 23) التي هي مصدر ما فيه من نشاط جسدي. وكانت روحه باقية ببقاء اللّه لتتوافق معه إلى الأبد أو لتُحرم منه إلى الأبد. ولكن لاقتران روح الإِنسان بنفسه، قد يُطلَق عليها نفسه .

5 - يقول بعض الصوفيين إن أرواحنا تفنى بالموت في اللّه، كما تفنى مياه الأنهار في المحيطات، ولذلك لا يكون هناك فرق بين أرواح الصالحين وأرواح الطالحين بعد انطلاق الفريقين من أجسادهما إلى العالم الآخر.

الرد: إن اللّه، وإن كان يريد أن تتوافق أرواحنا معه في صفاته الأخلاقية السامية، لكنه لا يبغي من وراء ذلك إفناءها فيه، بل إبقاءها في الخلود معه بشخصياتها الخاصة بها، لأنه بدون ذلك لا تتحقق أغراضه السامية من خلقها. كما أنه ليس من المعقول إطلاقاً أن تفنى أو تذوب أرواح الأشرار في اللّه (إذا كان هناك مجال للفناء أو الذوبان فيه) وذلك لاختلافها عنه في صفاته.

6 - عندما يموت الإنسان يفنى، لأنه لا يبقى للإدراك أو الوعي وجود فيه، كما أن القول بخلود الروح هو فقط أحد الآمال التي تجيش في أفئدة الفقراء والمظلومين الذين يريدون أن يسرّوا عن أنفسهم، أو الأنانيين الذين يريدون أن ينالوا في العالم الآخر ثواباً عما يقومون به من صلاة أو صوم أو صدَقة. فضلاً عن ذلك فإن القول بالخلود يحد من جهاد الإِنسان في خدمة المجتمع الذي يعيش فيه، الأمر الذي يعطل تقدمه.

الرد: (أ) إن الإدراك وإن كان من عمل المخ، لكن المخ لا يأتي به من تلقاء ذاته، وإلا لكان مخ الميت يدرك كما يدرك مخ الحي. فالعامل في المخ للإِدراك لا بد أن يكون عنصراً روحياً قائماً بذاته، هو الروح كما ذكرنا. وموت الجسد وتعطل عمل المخ لا يدلان على فناء الروح، بل يدلان على انطلاقها من الجسد.

(ب) الذين يقولون بخلود الروح ليسوا فقط من الفقراء والمظلومين أو الأنانيين الذين يريدون أن يكون لهم ثواب بعد الموت، بل هم أيضاً الفلاسفة والعلماء الذين يبحثون عن الحقيقة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخلود يضع الإِنسانية في موضعها الصحيح كما يعطيها معناها السامي الرفيع، وأن الذين يؤمنون إيماناً حقيقياً باللّه والخلود يُكثِرون من عمل الخير في العالم تمجيداً للّه وتنفيذاً لمشيئته على الأرض، دون انتظار لجزاء أو ثواب، اتضح لنا أن هذا الاعتراض خاطئ.

7 - ينفي الكتاب المقدس في بعض آياته بقاء أرواح الأشرار بعد موتهم، لأنه قال عنها إنها تهلك (أمثال 10: 29) . كما يعلن في آيات غيرها أن الأرواح بصفة عامة مائتة (1كورنثوس 15: 53) ، فأرواح الأبرار سوف تتلاشى أيضاً بالموت، لأن الخلود هو للّه دون سواه.

الرد: (أ) الكلمة المترجمة إلى العربية تهلك ترد في اللغة اليونانية (اللغة الأصلية للإنجيل) أبليومى ومعناها الحرفي الإصابة بدمار لا يُصلَح. وهكذا الحال في اللغات الأوروبية جميعاً. ولذلك تُرجمت نفس الكلمة إلى الضلال في الآية خراف بيت إسرائيل الضالة (متى 10: 6) ، وفي الآية جاء (المسيح) ليخلّص ما قد هلك (من البشر) (متى 18: 11) ، أي الذين دمرتهم الخطية أخلاقياً. لأنه إذا كان إنسان قد هلك بمعنى فني، لا يكون هناك مجال للسعي وراءه لإنقاذه.

أما عن الجزء الثاني من الاعتراض فنقول: إن كلمة المائت في الآية الواردة في (1كورنثوس 15: 53) وهذا المائت يلبس عدم موت ، لا يُراد بها الروح بل الجسد. فقد قال الوحي: لا تملكنّ الخطية في جسدكم المائت لتطيعوها في شهواته (رومية 6: 12) . وكلمة المائت هنا، يُراد بها القابل للموت.

(ب) يُراد بالخلود الوجود الذاتي من الأزل إلى الأبد، فهو خاص باللّه دون سواه. أما البشر فليسوا من الأزل، كما أنه من المحال أن يزولوا من الوجود كما تزول الحيوانات، لأن اللّه بخَلقْه البشر بنفخة منه، جعل لأرواحهم خاصية البقاء. ولذلك فهم باقون ليس بفضلهم الذاتي، بل بفضل اللّه عليهم، لأنه هو الذي خلقهم على هذا النحو.

8 - يقول العلماء المتخصصون في دراسة الأرواح إنها تمرُّ بعد خروجها من أجسادها في مراحل تصبح بعدها مهيَّأةً للوجود مع اللّه، فلا يكون هناك مجال أمام أرواح الأشرار للألم والعذاب بعد الموت. وإن شعرَتْ بألم أو عذاب بعده، فإن ذلك سيكون إلى حين وليس إلى الأبد.

الرد: فضلاً عن أن العلماء الذين يدّعون أنهم علماء الأرواح قد ثبت انخداعهم بطرق شتى، الأمر الذي لا يدع مجالاً للأخذ بآرائهم، نقول: إن الأرواح تنطلق من أجسادها بالحالة التي تكون عليها في هذه الأجساد. فإن كانت منحرفة عن اللّه وهي في أجسادها، ستكون منحرفة عنه كذلك بعد خروجها منها، لأن طبيعتها لا تتغير. كما أن القول بمرور أرواح الأشرار بعد خروجها من أجسادها، في مراحل تتهيأ بعدها للوجود مع اللّه، يحط من شأن التقوى والقداسة والأمانة في العالم الحاضر، كما يترتب عليه أن الأشرار يكونون قد أبغضوا اللّه ورفضوه وأساءوا إليه في هذا العالم، وبعد ذلك يكونون قد استطاعوا أن يدخلوا سماءه ويتمتعوا فيها بالغبطة والهناء، جنباً إلى جنب مع الذين أحبوه وأخلصوا له وأكرموه في حياتهم، وهذا ما يتعارض مع أبسط البديهيات.

فالأرواح تنطلق إلى الأبدية حاملة معها صفاتها التي كوَّنتها لذاتها في هذه الدنيا، وتظل على هذه الحال إلى الأبد. فإذا كانت لها علاقة مع اللّه وهي في هذا العالم، ستكون لها أيضاً علاقة معه في سمائه إلى الأبد. وإذا لم تكن لها علاقة مع اللّه وهي في هذا العالم، لن تكون لها أيضاً علاقة معه بعد ذلك، بل تنطلق إلى هاوية العذاب بعيداً بعيداً عنه، حتى يتقرر مصيرها النهائي في بحيرة النار حيث العذاب الجهنمي إلى الأبد (رؤيا 20: 11-15) . والآيات الخاصة بالغني ولعازر الواردة في لوقا 16: 19-26 خير دليل على الحقيقة التي ذكرناها.

 

- 6 -

الخطية والعقوبة الإلهية الأبدية

 

1 - عدالة العقوبة الإِلهية:

إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم، كبيرها وصغيرها، حتى إن كانوا قد نالوا قصاصاً عنها في دنياهم بواسطة المحاكم الأرضية، لأن عقاب هذه المحاكم ليس عن الإِساءة إلى اللّه، بل عن الإساءة إلى المجتمع الذي يعيش فيه الناس.

 

2 - مدى العقوبة الإلهية:

يتناسب قصاص الإساءة طردياً مع مكانة الشخص المُسَاء إليه، فإذا وقعت إهانة على شخص قليل الشأن، كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها (إن كان لا بد من تعويض) ضئيلاً. أما إذا وقعت الإهانة على شخص عظيم القدر كملك أو حاكم، كانت جريمة شنيعة تستحق عقاباً جسيماً لا مجال للتعويض فيه بحال. وبما أن الخطية هي إهانة للّه الذي لا نهاية لمجده ولا حدّ لسموّه، إذاً فالعقوبة المستحقَّة عنها هي عقوبة لا نهاية لها. فلا عجب إذا كان اللّه قد قال لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التي نهاه عنها موتاً تموت (تكوين 2: 17) . ومن مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يتضح لنا أن الله قصد بهذا الموت المؤكد، الموت بأنواعه الثلاثة: الأخلاقي والجسدي والأبدي. وقد تحدثنا فيما سلف عن النوعين الأولين من هذا الموت.

أما الموت الأبدي فهو الذي يدعوه الكتاب المقدس الموت الثاني أو العذاب الأبدي (رؤيا 20: 14) . وهو قصاص لا نهاية لمدته، لأن الخطية جريمة ضد اللّه الذي لا نهاية لمجده، ولا حد لسموّه. لذلك قال الوحي عن الأشرار إن نصيبهم هو البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني (رؤيا 21: 8) . وهذه البحيرة هي جهنم التي لا تُطفأ نارها ولا يموت دودها (مرقس 9: 44) . والنار هنا ليست طبعاً ناراً مادية، لأن المادة (بالمعنى المعروف لدينا) هي من خصائص الأرض. ومع ذلك فمن المؤكد أن تأثيرها سيكون للأسباب السابق ذكرها، أشد من تأثير النار المادية بنسبة لا حدّ لها، لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحقيقة والصورة الخاصة بها، وهذا الفرق شاسع للغاية. كما أن الدود الوارد ذكره مع جهنم ليس دوداً بالمعنى الحرفي، إذ أن المراد به وخزات الضمير وتأنيباته اللاذعة، التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.

مذكرة توضيحية عن جهنم:

كلمة جهنم مشتقة من كلمة جي هنوم أو وادي هنوم الذي كانت تُحرق فيه الضحايا البشرية كل يوم قرباناً للوثن مولك (2ملوك 23: 10) ، وكان ما لا تصيبه النار من هذه الضحايا، يصبح مأكلاً للدود. فاتَّخذ الوحي اسم جي هنوم الذي يعرفه الناس وأطلقه على مكان عذاب الأشرار الأبدي الذي لا يعرفونه. وجهنم ليست هي الهاوية، لأن الهاوية بقسميها هي المكان العام الذي تنطلق إليه الأرواح بعد خروجها من أجسادها. والقسم الأول خاص بأرواح الذين لهم علاقة حقيقية مع اللّه، ويدعى الفردوس (لوقا 23: 43) ، والقسم الثاني خاص بأرواح الذين ليست لهم مثل هذه العلاقة معه، ويدعى السجن (1بطرس 3: 19) . ولا شك أن الذين يدخلون السجن بأرواحهم وأجسادهم معاً يتألمون قبل نزول هذا العذاب بهم. أما الذين يدخلون الفردوس بأرواحهم فيشعرون بشيء من السعادة الأبدية التي تنتظرهم عند قيامة أجسادهم من بين الأموات، فيفرحون بها قبل قيامتهم.

 

3 - الأساس الذي توقع عليه العقوبة:

بما أن من يرتكب خطية صغيرة (في نظرنا) يتعدى على شريعة اللّه ويحرم نفسه من التوافق معه، شأنه في ذلك شأن من يرتكب خطية كبيرة سواء بسواء. إذاً لا غرابة إذا قال الوحي: من قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم (متى 5: 22) ، وقال إن هذه النار بعينها يستحقها الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة (رؤيا 21: 8) ، لأن من يقول يا أحمق ، يكون مجرداً من المحبة للآخرين والعطف عليهم. والذي يتجرد من هاتين الصفتين لا يستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، وبالتالي لا يستطيع التمتع به على الإطلاق. وعدم التمتع باللّه أو الحرمان منه، هو جهنم بعينها.

ولا يُراد بغير المؤمنين المشركون والملحدون فحسب، بل يُراد بهم أيضاً المؤمنون بالاسم، لأن هؤلاء وإن كانوا يعترفون بالمسيح ويقومون بالفرائض أحياناً، غير أنهم لا يستطيعون التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، مثلهم في ذلك مثل المشركين والملحدين تماماً.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها

 

1 - ليست الخطية جريمة بل مرضاً متأصّلاً فينا، فلا يكون موقف اللّه إزاءنا موقف القاضي الذي يحكم بالعقاب، بل موقف الطبيب الذي يتولى العلاج.

الرد: وإن كنا ورثة الطبيعة الخاطئة من آدم، غير أننا لا نرتكب الخطية رغماً عنا بل بإرادتنا كما ذكرنا في الفصل الأول، لذلك تكون خطيتنا معصية أو جريمة. وهذه لا تُقابَل بالعطف بل بالعقاب، إلا إذا تاب فاعلها توبة صادقة واعتمد على رحمة اللّه في الغفران الذي يتفق مع كمال صفاته جميعاً. فإن الله في هذه الحالة يقف منه موقف الطبيب الذي يعالجه ويأخذ بناصره.

2 - ليس الإنسان مسئولاً عن الشر الذي يعمله، لأنه مجبَر على عمله بواسطة قوة أعظم منه، سواء كانت هذه القوة هي قوة الشيطان، أم قوة الغرائز، أم قوة الجبر الإلهي. وإن لم يعمل الإنسان الشر بسبب إحدى هذه القوى، فإنه يعمله بسبب العوامل الاجتماعية القاسية التي تحيط به، فلا تجوز معاقبته عما يأتيه من شر.

الرد: الإنسان مخلوق عظيم، بل هو أعظم مخلوقات اللّه قاطبة، لذلك استطاع أن يسيطر على الطبيعة ويستغلها لفائدته، كما استطاع أن يحلّق في الفضاء ويهبط على القمر وغيره من الكواكب، مؤيَّداً بإرادته القوية وعقله الجبار. كما أن الشيطان ليست له (كما سيتضح في الباب التاسع) سلطة على الإِنسان، إلا إذا انقاد الإنسان بإرادته وراءه. كما أن العوامل الاجتماعية مهما كانت قسوتها، لا تؤثر على الإِنسان إلا إذا تخلى عن عقله ورضخ لها. والدليل على ذلك أن بعض الفقراء يحيون حياة الأمانة، وبعض الأغنياء لا أمانة لديهم! أما اللّه فإنه لكماله المطلق، لا يمكن أن يرغم أحداً على فعل الخطية. وإذا كان الأمر كذلك، فالإنسان هو الذي يفعلها بمحض إرادته، فلا يجب أن يتنصَّل من المسئولية الملقاة على عاتقه، أو يعارض فيما يستحقه من عقاب بسبب خطاياه.

3 - خطايا الإلحاد والإشراك وحدها هي التي يعاقب اللّه عنها، أما الخطايا الأخرى فلا يعاقب عنها، لأن البشر لهم العذر أو بعض العذر في ارتكابها، لأن طبيعتهم البشرية تدفعهم إليها.

الرد: لا شك أن خطايا الإِلحاد والإِشراك أشرّ من غيرها من الخطايا ولا علاقة لأصحابها مع اللّه، لا في العالم الحاضر أو العالم الآخر. غير أن الملحدين والمشركين لا علاقة لهم باللّه، مثلهم مثل باقي الخطاة، لأنهم لا يتوافقون معه في قداسته وكماله، ولأنهم أيضاً أساءوا إليه بمخالفتهم لشريعته التي أعطاها لهم. فمن البديهي ألاّ يكون لهم حق التمتع باللّه في الأبدية، وأن ينالوا فيها أيضاً ما يستحقونه من قصاص بسبب خطاياهم. أما الاعتذار عن مخالفتنا لشريعة اللّه بدعوى وجود طبيعة تميل إلى الخطية فينا، فقد ناقشناه في الفصل الثاني.

4 - هل من العدالة أن يظل عذاب الخطاة إلى الأبد، مع أنهم لم يستغرقوا في عمل خطاياهم إلا وقتاً محدوداً؟

الرد: تتناسب العقوبة تناسباً طردياً مع قدر الشخص المُساء إليه، فعقوبة الخطية لا تُقاس بالنسبة إلى المدة التي عُملت فيها، بل بالنسبة إلى شناعتها بوصفها إساءة إلى اللّه نفسه. وإذا كانت جريمة واحدة تُعمل ضد الدولة في دقائق معدودة، قد يكون عقابها الإعدام، أو الأشغال الشاقة مدى الحياة، فلا غرابة إذا كان عقاب الخطية عذاباً أبدياً.

5 - هل من العدالة أن يطرح اللّه جميع الخطاة في جهنم إلى الأبد، مع أن بعضهم أقل شراً من البعض الآخر؟

الرد: قلنا إن الخطاة مهما قلّت خطاياهم قد أساءوا إلى اللّه، وأبعدوا أنفسهم عن التوافق معه، فلا جدال أنهم جميعاً سيقضون الأبدية بعيداً عنه. والبُعد عن اللّه مهما كان شأنه هو جهنم بعينها، لأنه لا هناء للنفس إلا بالوجود في حضرة اللّه والتوافق معه.

وحتى لو كان كل الخطاة سيكونون في جهنم إلى الأبد، فإن كلاً منهم سيشعر هناك بما يستحقه من عذاب عن خطاياه، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) سيكون الضمير مصدراً من مصادر العذاب الأبدي. فالذي فعل خطايا شنيعة، سيكون تأثره بالألم أكثر من تأثر الذين لم يفعلوا مثل هذه الخطايا.

(ب) للّه طرقه الخاصة لتحقيق عدالته بدرجة لا يجد الإنسان أو غير الإنسان معها مجالاً للاعتراض، فقد قال الوحي يستدُّ كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من اللّه (رومية 3: 19) .

(ج) سيجازي الله كل واحد حسب أعماله (رومية 2: 6) . ولذلك نرى أن أهل كفر ناحوم (الذين كانت لهم فرص للخلاص لم يَحْظَ بشيء منها أهل سدوم) ستكون حالتهم في الأبدية أقسى من حالة أهل سدوم كثيراً (متى 11: 23 و24) .

6 - كيف يعاقب اللّه الخطاة مع أنه المحب الرحيم؟

الرد: يقدم الله أولاً للخطاة كل محبة ورحمة، فيعرض عليهم الخلاص من دينونة خطاياهم مجاناً، بناءً على كفارته العظيمة (سنتحدث عنها في الباب السادس) ، لأنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون (1تيموثاوس 2: 4) . فكل من يرفض محبة اللّه ورحمته، يستحق أن يعامله اللّه حسب شريعة عدالته وقداسته. لأن صفاته لا تطغى إحداها على الأخرى، لكمال كل صفة منها.

فإذا تساءل الناس: كيف يحب اللّه البشر، وفي الوقت نفسه يسمح بعقابهم على خطاياهم؟ فالجواب: إنه فضلاً عن أن العقاب بسبب الخطية يتفق مع العدالة، التي لا اعتراض عليها من أحد، فإن محبة اللّه ليست المحبة العمياء التي لا ترى العيوب والنقائص، ولا هي المحبة الدنسة التي ترضى عن الشرور والآثام. بل هي المحبة المبصرة التي ترى كل الأشياء على حقيقتها، كما أنها المحبة المقدسة التي لا ترضى عن هذه الشرور والآثام. ومثل هذه المحبة لا تظهر فقط في العطف على الأتقياء الذين يحبون اللّه ويبذلون كل جهدهم للسير في سبيله، بل تظهر أيضاً في النفور من الأشرار الذين لا يراعون قداسته ويُفسِدون أمامه. وإلا لكان الله يُسَرّ بخطاياهم وتعدياتهم، وهذا مستحيل. ثم أن محبة اللّه التي تبعث إلى أتباعه بالفرح والابتهاج، ستكون هي بعينها العامل الذي، من ناحية أخرى، يُشعِر الخطاة بأقسى أنواع الألم والعذاب، لأنهم سيدركون في الأبدية أنهم رفضوا هذه المحبة واحتقروها مع أنها لم تكن تبغي إلا خلاصهم وإسعادهم.

7 - تدلّ معاقبة اللّه للخطاة على أنه يتأثر، والتأثُّر يقتضي التغيُّر، مع أن اللّه لا يتغير. لذلك فإنه لا يعاقب الخطاة بل يترك أرواحهم وشأنها في الفضاء.

الرد: بما أن اللّه يعرف كل الأشياء قبل حدوثها، إذاً فكراهيته للخطية لا تتوقّف على زمن ظهورها في العالم بل كانت لديه أزلاً. ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الكراهية ليست إلا الوجه السلبي لكماله. فعندما يعاقب الخطاة بسبب خطاياهم لا يثور (كما نفعل نحن) بل يسمح بتوقيع العقوبة عليهم باعتبارها ضرورة قانونية تتفق مع الكمال الذي يلازمه من الأزل إلى الأبد.

8 - ما الفائدة التي تعود على اللّه من معاقبة الخطاة؟

الرد: لا تعود على اللّه من معاقبة الخطاة فائدة ما، لأنه كامل في ذاته، ولا يعود عليه نفع أو خير من أي كائن من الكائنات. لكنه في معاقبته للخطاة يحقّق شريعة عدالته. وكما أنه إذا أمسك إنسانٌ ناراً يحرق نفسه بنفسه، كذلك إذا أساء أحد إلى اللّه يهلك نفسه بنفسه. وكما أنه لا يجوز للشخص الأول أن يلوم النار لعدم تحوُّلها برداً وسلاماً عليه، لأن النار بناءً على ناموسها الطبيعي تحرق كل من يمسك بها، كذلك على الثاني أن يلوم نفسه عندما يرى ذاته في العذاب الأبدي، لأنه ليس هناك أمامه مجال للاعتراض، فشريعة الله تقول إن من يتوافق مع اللّه يتمتع بالراحة والهناء، ومن يبتعد عنه لا يكون نصيبه إلا التعاسة والشقاء. وقد أدرك الجاحظ (أحد فلاسفة المسلمين المشهورين) هذه الحقيقة فقال: إن نار الآخرة تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد (بنفسه) فيها. لأن طبيعة أهل النار وفاق النار، وطبيعة أهل الجنة وفاق الجنة (ضحى الإسلام ج 3 ص 135 و 136) . ورأيه عين الصواب، لأننا نعلم أن شبيه الشيء ينجذب إليه.

فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن اللّه لم يقل لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة المنهي عنها يُميته، بل قال له يوم تأكل منها موتاً تموت (أنت بنفسك) (تكوين 2: 17) . ولم يقل إن اللّه يجلب الضرر على من يخطئ عنه، بل قال من يخطئ عني يضرّ نفسه (بنفسه) (أمثال 8: 36) . ولم يقل إن الذين يبغضون اللّه يدفع بهم إلى الموت الأبدي، بل قال إنهم يحبون (هم أنفسهم) هذا الموت (أمثال 8: 36) .

9 - لا يرضى اللّه بسبب رحمته المطلقة أن تظل نفوس الخطاة معذبة إلى الأبد، فلا بد أنه سيفنيها بعد حين. (وهذا هو رأي جماعة شهود يهوه التي انحرفت عن المسيحية، ورأي فرقة الجهمية التي انحرفت عن الإسلام. غير أن الجهمية ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه شهود يهوه كثيراً، وقالوا إن الجنة والنار تفنيان، وإن أهل الجنة والنار ينتهون إلى حال يبقون فيها جموداً ساكنين سكوناً دائماً) .

الرد: صحيحٌ أن اللّه رحيم كل الرحمة، ولكن له قوانينه الخاصة التي تتفق مع عدالته المطلقة. والوحي مع إعلانه عن رحمة اللّه، يقرر مبدأ معاقبته للخطاة بسبب خطاياهم. فقد قال الرب إله رحيم ورؤوف، ولكنه لن يبرئ إبراءً (خروج 34: 6 و7) . وبما أن الخطاة لا يستطيعون مهما طالت مدة وجودهم في العذاب أن يقوموا بإيفاء مطالب عدالة اللّه (لأن هذه لا حد لها) فمن البديهي أن لا ينتهي عذابهم عند حد ما. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتقاد بفناء النفس بعد حين يتعارض مع عدالة اللّه وعدم محدودية حقوقها، وإنه في الواقع ليس سوى فكرة ابتدعها بعض الناس رغبة منهم في إزاحة شبح القصاص الأبدي عن خواطرهم. لكن أمام عدالة اللّه التي لا تجد حقوقها، لا بد أن تتبدد أفكارهم وتصوراتهم جميعاً.

10 - هل تعجز رحمة اللّه عن الصفح عن الخطاة وتقريبهم إليه؟

الرد: تتَّسع رحمة اللّه لقبول كل الخطاة التائبين، لكن عدم توبتهم هي التي تجعلهم عاجزين عن التوافق معه. كما أنه بسبب كماله المطلق لا يأتي بهم إلى حضرته رغماً عنهم، لأنه لو فعل ذلك لما شعروا بسرور أو راحة في البقاء معه، ولسعوا للارتداد بكل قواهم عنه. فحرمان العصاة من التمتع باللّه، وتعرضهم للعذاب الأبدي تبعاً لذلك لا يرجع إلى قسوة اللّه عليهم، ولا إلى نقص رحمته نحوهم، بل إلى شرهم وعدم رغبتهم في التوافق معه. أما من جهته فهو يحبهم ويعطف عليهم ولا يريد أي أذى لهم. فقد قال إنه لا يسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا (حزقيال 33: 11) . وإنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقْبِلون (1تيموثاوس 2: 4) .

11 - إذا كنا جميعاً خطاة بطبيعتنا وأعمالنا، وبناء على عدالة اللّه لا خلاص لنا من عقوبة خطايانا، فهل سمح اللّه بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد؟

الرد: هذا هو اعتراض الإِنسان المتمرّد على الحق، والذي بدل أن يرى عيوبه ويلوم نفسه عليها يحاول أن يتنصَّل من تبعة خطاياه، لعله يفلت من عدالة اللّه. فأي عقل راجح يمكن أن يتصوّر أن اللّه سمح بولادة البشر ليَشْقوا إلى الأبد! ونحن نرى أن غاية الآباء المُخْلصين، رغم ما يوجد بهم من نقائص، هي أن يُسعِدوا أبناءهم ويبعثوا الفرح والسرور إلى نفوسهم. لذلك لا يمكن أن يكون اللّه قد سمح بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد، كما يقول أصحاب هذا الاعتراض. ولكننا نحن الذين في جهلنا نجلب الشقاء على ذواتنا بإساءتنا إلى اللّه، وإلى أنفسنا أيضاً. فلا يلومنّ أحد إلا نفسه.

ومع ذلك فقد استطاعت محبة اللّه ورحمته أن تشقّا لنا طريقاً كريماً يتفق مع قداسته وعدالته، لأجل خلاص الخطاة الراغبين بإخلاص في الرجوع إليه، وذلك بإنقاذهم من عقوبة خطاياهم وتهيئة نفوسهم للتوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية (كما سيتضح بالتفصيل ابتداءً من الباب الثالث) . إنما نرى من الواجب قبل التحدث عن هذا الطريق الكريم، أن نستعرض أولاً (في الباب الثاني) الطرق التي يلجأ إليها معظم الناس ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على الغفران والقبول لدى اللّه، لنرى إلى أي حدٍّ تُجدي وتُفيد

الباب الثاني

الطرق البشرية للحصول على الغفران

 

يحاول معظم الذين يدركون شناعة خطاياهم أن يسترضوا اللّه بوسائل شتى ليغفرها لهم. وأهم هذه الوسائل هي الصلاة والصوم، والتوبة والصدَقة، والاستشفاع بالقديسين والصالحين. ولتتضح لنا قيمة هذه الأمور كوسائل للحصول على الغفران نقول: لنفرض أنه عندما حُكم على إنسان بالإعدام لقتله آخر عمداً، أخذ يستعطف القاضي ويتذلل أمامه، أو أنه امتنع عن الطعام والشراب أمداً طويلاً، أو أنه تعهد بكل إخلاص أن لا يرتكب جريمة أخرى، أو أنه وهب كل أمواله للفقراء والمساكين، أو أنه التجأ إلى ذوي الشأن ليقوموا له بدور الوساطة والشفاعة.. فهل تُعتبر هذه التصرفات أمام نزاهة العدالة المطلقة أسباباً كافية لتبرئة الإنسان المذكور؟ أو هل هي حيثيات قانونية لإِلغاء أو تخفيف حكم الإِعدام الصادر ضده؟ طبعاً لا، لأن هذه التصرفات لا تستطيع أن تعيد إلى قوانين الدولة كرامتها بالدرجة التي تصبح معها كأنه لم يُعتَدَ عليها، ولا أن تعيد الحياة إلى القتيل حتى ينهض من موته ويحيا. ولذلك لا يمكن تبرئة هذا القاتل أو تخفيف الحكم الصادر ضده، بل يجب تطبيقه عليه كما هو، تنفيذاً لمطالب العدالة، وانتقاماً لروح القتيل أيضاً.

وعلى هذا النسق تماماً نقول: بما أن الخاطئ لم يُفسِد فقط نفسه التي ائتمنه اللّه عليها، بل تعدّى أيضاً على شريعته تعالى، إن لم يكن قد أساء كذلك إلى بعض الناس. وبما أن صلواته مهما طالت، وأصوامه مهما كثرت، وصدقاته مهما عظمت، وتوبته مهما صدقت، وشفاعة القديسين والصالحين (إن كانت لهم شفاعة) ، لا تستطيع أن تفي مطالب قداسة اللّه وعدالته. لأن هذه الأعمال:

(1) لا تستطيع أن تعيد إلى الخاطئ حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، حتى يتيسَّر له التوافق مع اللّه في قداسته وغيرها من الصفات الأخلاقية السامية.

(2) لا تستطيع أن تُعيد إلى عدالة اللّه كرامتها بالدرجة التي تصبح معها كأنه لم يُعتَدَ عليها، حتى تعتبر هذه الأعمال تعويضاً مناسباً لحقوقها، لأن عدالة اللّه لا حدّ لقدرها، بينما الأعمال المذكورة محدودة في قدرها. والأمور المحدودة في قدرها لا تفي مطالب أمر لا حدَّ لقدره. إذاً فكل الأعمال الصالحة التي يعملها الخاطئ، وإن كانت لها قيمتها وقدرها من نواح خاصة (كما سيتضح فيما يلي) ، غير أنها ليست كافية لتأهيله للوجود مع اللّه أو التمتع بصفحه. ولا مجال للاعتراض على ذلك، إذ أن اللّه بقدر ما هو رحيم رؤوف هو عادل وقدوس، وهو كامل كل الكمال من جهة كل صفة من صفاته. فلا يمكن أن يغفر إلا إذا وُفِّيت مطالب عدالته، ولا يقرِّب أحداً إليه إلا إذا قدر أن يتوافق مع قداسته، وغيرها من الصفات الأخلاقية السامية.

ولكي لا ندع مجالاً للشك أمام أحد من جهة هذا الحق الإِلهي، ندرس كلاً من وسائل الغفران البشرية بشيء من التفصيل، في الفصول التالية.

 

- 1 -

الصلاة وعلاقتها بالغفران

 

1 - الصلاة المسيحية وهدفها:

الصلاة في المفهوم المسيحي ليست مجرد ترديد كلمات الحمد والتعظيم للّه بما يصاحبها من وقوف وركوع، أو مجرد توسلات للحصول على الصفح والغفران بما يرافقها من رفع أيدي وخفضها، كما يظن بعض الناس. ونحن لا ننتقد السجود أو رفع الأيدي عند الصلاة، لأن الكتاب المقدس علّمنا هذا وذاك (أعمال 21: 5 ورؤيا 5: 14 و1تيموثاوس 2: 8) بل ننبه إلى أن هاتين الحركتين لا تجعلان للصلاة قيمة ما إذا كان القائم بهما غير حائز على رضى اللّه. فالصلاة قبل كل شيء هي الارتقاء بنفوسنا عن كل ما يتعلق بالعالم حتى نلتقي باللّه في أقداسه، ونحن في حالة التوافق معه في صفاته السامية. وفي هذا الجو السامي يمكن أن ندرك شيئاً من جلال اللّه ومحبته، فنتعبَّد له ونشكره من كل قلوبنا (يوحنا 4: 24 و1تسالونيكي 5: 18) . كما يمكن أن نعرف الأمور التي نحتاج فعلاً إليها، فنطلب منها ما يتفق مع مشيئته (1يوحنا 5: 14) ، ونتقبل منه بعد ذلك بالإِيمان إجابته الكريمة. كما يمكننا أن نعرف في هذا الجو، الخدمات التي يطلبها اللّه منا في العالم الحاضر، ونقبل منه المعونة التي تساعدنا على القيام بها بكل دقة وإِخلاص.

فالصلاة ليست فرضاً نقوم به كما يقوم العبد بواجب نحو سيده، بل هي صلة متبادلة بيننا وبين اللّه جل شأنه، لا نستطيع الاستغناء عنها لحظة، فنحن في حاجة إليها حاجتنا إلى الماء للارتواء أو الهواء للتنفس. ولم يعيّن اللّه لنا أوقاتاً محددة يجب علينا أن نصلي فيها، وذلك لثلاثة أسباب:

(أ) ليس هناك وقت أفضل من آخر لديه.

(ب) إنه على استعداد في كل الأوقات لسماع الصلاة.

(ج) إن حاجتنا إلى اللّه ليست مرتبطة بأوقات خاصة، بل نحن في حاجة إليه في كل حين.

لذلك وإن كنا نصلي في أوقات متفرقة من النهار، يجب أن نحفظ قلوبنا في حالة الصلة المستمرة باللّه مصلّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح (أفسس 6: 18) . لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتُعلَم طلباتكم لدى اللّه (فيلبي 4: 6) . صلوا كل حين (لوقا 18: 1) ، صلوا بلا انقطاع (1تسالونيكي 5: 17) لأجل جميع الناس (1تيموثاوس 2: 1) .

 

2 - شروط الصلاة في المسيحية:

(أ) يجب أن تكون بالروح والحق، بعمل روح اللّه في النفس، وذلك في حدود الحق الإِلهي الصافي بعيداً عن الشعائر والطقوس البشرية (يوحنا 4: 24) ، وبالذهن أيضاً (1كورنثوس 14: 15) ، وذلك مع القداسة القلبية التي تليق باللّه (عبرانيين 12: 14 ومزمور 24: 4) .

(ب) أن لا تكون منقولة عن أحد أو محفوظة عن ظهر قلب، بل أن تكون من إنشاء المصلي بتأثير روح اللّه في قلبه (مزمور 45: 1) .

(ج) أن لا تتكرر عباراتها بقصد إطالتها (متى 6: 7) .

(د) وإذا كانت الصلاة فردية، يجب أن لا تكون على مرأى من الناس بل في المخدع، إذ هناك يمكن للمصلي أن يختلي باللّه ويناجيه (متى 6: 5 و6) .

3 - عجز الخاطئ عن القيام بالصلاة:

بما أن الخاطئ أساء بخطيته إلى اللّه وكسر شريعته، فإنها تحول بينه وبين مواجهة اللّه والمثول في حضرته، ويصبح الخاطئ في ذاته عاجزاً عن التوافق مع الله في صفاته الأخلاقية السامية. ولا غرابة في ذلك، فنحن نعلم أن اختلاف الطبائع يحول دون التوافق. فالدنيء لا يتوافق مع النبيل، والبخيل لا ينسجم مع الكريم، والنجس لا يتآلف مع القديس. فالخاطئ لا يقدر أن يتصل من تلقاء ذاته باللّه أو يتحدث معه، ولا يقدر أن يرفع صلاة حقيقية إليه، وصلاته عبارات ينطق بها أمام من يتصوّر أنه اللّه، فيكون مثله مثل شخص يعيش في عالم الخيال، أو ممثل يؤدي دوراً من الأدوار. وإن شئت، فقُل مثل إنسان يرفع بوق (التليفون) إلى فمه، ودون أن يتصل بأحد ما. فإنه يتكلم ما شاء له الكلام، دون أن يكون هناك سميع أو مجيب.

الاعتراضات التي تُوجَّه ضده هذه الحقائق والرد عليها

1 - لا يمكن أن يتغاضى الله عن صراخ الناس حتى الخطاة منهم، لأنه خالقهم، والخالق لا يهمل خلائقه.

الرد: إذا وقع الخطاة في ضيقة ما، وصرخوا من كل قلوبهم إلى اللّه، فإنه ينقذهم من هذه الضيقة. لكن هذا الإِنقاذ لا يدل على أنه قرَّبهم إليه أو غفر لهم خطاياهم، لأن صراخهم له لا يُعيد إليهم حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، حتى يستطيعوا التوافق مع اللّه في قداسته وغيرها من الصفات الأخلاقية السامية، أو يعيد إلى حقه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها وكأنهم لم يعتدوا عليه، حتى يصفح عنهم. فمثلهم والحالة هذه مثل جماعة من الأشرار أساءوا كثيراً إلى إنسان طيب القلب عظيم القدر، ومع ذلك يُعتَبرون بلا لوم أمامه، أو صاروا من الخاصة الذين يطيب له العيش معهم.

2 - الخطاة إن لم يكونوا من الملحدين أو المشركين، ليسوا بعيدين عن اللّه، بل يعرفون الشيء الكثير عنه. ولذلك إذا طلبوا منه الغفران، يغفر لهم ولا شك.

الرد: هناك فرق كبير بين معرفة اللّه والمعرفة عن اللّه. فالثانية تدل فقط على إدراك بعض الأمور عنه، أما الأولى فتدل على العلاقة الشخصية به والتوافق الكلي معه. فمعرفة اللّه ، وليس المعرفة عن اللّه هي التي تؤهّل صاحبها للاقتراب إليه والإفادة منه. والذين يعيشون في الخطية لا يعرفون الله، بل يعرفون فقط عنه، لأنهم لو كانوا يعرفونه لالتصقوا به، ولما أساءوا إليه. وإذا كان الأمر كذلك، لا تكون لهؤلاء الناس علاقة شخصية باللّه، ولا يكون إيمانهم الذي يتشدقون به إيماناً حقيقياً بل إيماناً اسمياً، والإيمان الاسمي لا وزن له ولا قدر عنده الله. فالشياطين أيضاً يؤمنون به، ومع ذلك فإنهم بعيدون عنه كل البعد.

كما أن طلب الصفح والغفران وإن كان يدل على الرغبة في استرضاء اللّه والتقرب إليه، لكنه في ذاته (أ) لا يعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعْتَد عليه، حتى يكون تعويضاً مناسباً له. (ب) ولا يعيد إلى طالبي الغفران حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، حتى يتسنَّى لهم التوافق مع اللّه في كماله كما ذكرنا. لذلك لا يمكن أن يصفح اللّه عن الخطاة ويقرّبهم إليه لمجرد طلب الغفران منه.

3 - إذا كان الأمر كذلك، فكيف يتصل الصوفيون باللّه ويرونه ويشعرون بسرور باطني في العلاقة معه، مع أنهم خطاة مثلنا؟

الرد: الأتقياء من الصوفيين (على اختلاف أديانهم) أفضل من غيرهم، لانصرافهم عن أهواء العالم وتأملهم في اللّه دون سواه، لكن إن لم يكونوا قد نالوا منه طبيعة روحية تؤهِّلهم للتوافق معه في قداسته وغيرها من صفاته الأخلاقية السامية، وبواسطةٍ ما وُفِّيت مطالب عدالته من نحوهم، لا يمكن أن تقوم بينهم وبين اللّه علاقة حقيقية، فيكون موقفهم من اللّه موقف غيرهم من الخطاة سواء بسواء. ويكون السرور الذي يقولون عنه ليس صادراً عن علاقة حقيقية لهم باللّه، بل عن تصوّرهم أن لهم علاقة معه، وأنهم يقومون بالواجب عليهم من نحوه. ويكون هذا السرور وهمياً لا حقيقياً، ويكون شأنهم في ذلك شأن الناس الذين بسبب سيطرة عواطفهم على عقولهم، كثيراً ما يعتقدون أن الخواطر التي تجول في نفوسهم، هي حقائق واقعة أمامهم، يتأثرون بها ويتحدثون عنها كأنهم يرون أحداثها فعلاً قبالتهم، وهؤلاء الناس كما نعلم، لا يوثق بكل خبر ينقلونه إلينا.

وقد أعلن الوحي بعبارات لا تقبل الشك أن اللّه لا يطيق صلاة الخطاة، وأنه ليست لهم علاقة به على الإطلاق. فقد قال من يحوّل أذنه عن سماع الشريعة، فصلاته أيضاً مكرهة (أمثال 28: 9) . كما قال للخطاة آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع (إشعياء 59: 2) . وواضح من هذه الآية أن الآثام لا تفصل بين اللّه وبيننا، بل بيننا وبين اللّه، لأنه يتوجّه إلينا بمحبته التي لا حدّ لها في كل حين، ويدعونا للدنوّ منه والتمتع بهباته. لكننا نحن الذين في عنادنا أو قصورنا لا نتجاوب معه. وقال اللّه لهم أيضاً: حين تبسطون أيديكم أستر عينيَّ عنكم، وإن كثَّرتم الصلاة لا أسمع (إشعياء 1: 15) . وقد اختبر داود النبي هذه الحقيقة فقال: إنْ راعيْتُ إثماً في قلبي، لا يستمع لي الرب (مزمور 66: 18) . وقال إنه لا يستطيع أن يصلي للّه إلا الطاهر اليدين والنقي القلب (مزمور 24: 4) والمراد بطهارة اليدين ليس غسلهما بالماء، بل خلوّهما من عمل الشر، فالله قدوس كل القداسة ولا يطيق الإِثم.

وقد أعلن الوحي أن الأنبياء والرسل أنفسهم لم يستطيعوا أن يواجهوا اللّه. فموسى النبي مع أنه كليم اللّه، قال عندما تجلى اللّه له: أنا مرتعب ومرتعد (عبرانيين 12: 21) . وإشعياء النبي، على الرغم من أمانته وتقواه، قال عندما رأى اللّه في رؤيا خاصة: ويل لي! إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود ءأي رب الجنود السمائية، أو الملائكةى (إشعياء 6: 5) . ويوحنا الرسول مع محبته الشديدة للرب وعلاقته القوية به، سقط على وجهه كميت عندما تراءى له الرب في مجده (رؤيا 1: 17) لأن الإِنسان في طبيعته البشرية الراهنة، لا يستطيع أن يمثل في حضرة اللّه مهما بلغ أسمى درجات التقوى. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الإتصال باللّه والتمتع به بعيدان كل البُعد عن الخطاة، مهما كثرت صلواتهم وتضرعاتهم.

4 - هل يستوي الخاطئ الذي يطلب من اللّه بكل تذلل وإخلاص أن يرحمه ويغفر له خطاياه، والخاطئ الذي لا يبالي بالصلاة، أو يكتفي بالصلاة الشكلية التي لا قيمة لها؟

الرد: طبعاً لا يستويان، ومن المؤكد أن اللّه ينظر إلى الأول بعين العطف والشفقة. لكن عطف اللّه وشفقته شيء، والاعتقاد بأن الصلاة هي التي تجلب الغفران والقبول أمام اللّه شيء آخر. والصلاة لا تكفي وحدها لإيفاء مطالب عدالة اللّه، أو إعادة الإنسان إلى حالة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، ولا يمكن أن تكون ثمناً للغفران أو وسيلة للتمتع باللّه. كل ما في الأمر أنها إذا كانت بإخلاص، فهي تهيئ فقط القائم بها للحصول على هذين الامتيازين، إذا وُفيت مطالب عدالة اللّه وقداسته من جهته بوسيلة إلهية خاصة، كما كانت الحال مع كرنيليوس الوارد ذكره في (أعمال 10) . وهذه الوسيلة هي موضوع حديثنا في الأبواب التالية.

 

- 2 -

الصوم وعلاقته بالغفران

 

1 - لماذا يصومون؟

يصوم كثيرون إما للتمسك بعقيدة دينية ابتغاء مرضاة اللّه، أو ليشعروا بالجوع حتى يعطفوا على الفقراء والمساكين، أو ليحافظوا على المظاهر الدينية بين إخوانهم، أو ليحسّنوا حالتهم الصحية على نحو ما. لكن هذه الأغراض بعيدة عن حق اللّه، لأن العقيدة الدينية إن كانت لا تؤدي إلى التحرّر من الخطية والتوافق مع اللّه في قداسته وصفاته الأخلاقية السامية الأخرى، تصبح فلسفة شخصية لا عمل لها إلا شحن العقل بنظريات وآراء خاصة. ولأن العطف على الفقراء والمساكين لا يتولد من الإحساس بالجوع، بل من الخلق الكريم. والدليل على ذلك أن كثيرين من الصائمين لا يبالون في أثناء الصوم بهؤلاء أو أولئك. وإن تصدّقوا أحياناً عليهم في أثنائه، قلما يبالون بهم بعد انتهائه. ولو كان الغرض من الصوم هو الإِحساس بالجوع، لما كان للفقراء أن يصوموا أبداً، لأنهم يحسّون بالجوع دائماً! أما الصوم لمجرد احترام المظاهر الدينية بين من نعاشرهم فلا يُعتبر فضلاً في نظر اللّه، بل هو رياء وتظاهر منا بغير الحقيقة. ولا علاقة لتحسين الحالة الصحية بعبادة اللّه، فكثيراً ما يستغل الناس صحتهم الجسدية في عمل الخطية.

فلا ثواب من اللّه لمن يصوم لأجل غرض من الأغراض المذكورة.

وقد قال اللّه للذين يصومون عن الطعام دون أن يُقلِعوا أولاً عن الشر: لما صمتم ونحتُم، فهل صمتُم لي أنا؟ ولما أكلتم ولما شربتم، أمَا كنتم أنتم الآكلين وأنتم الشاربين.... اقضوا قضاء الحق، واعملوا إحساناً ورحمة (زكريا 7: 5-9) . وقال للسائلين: لماذا صُمنا ولم تنظر، ذلّلنا أنفسنا ولم تلاحظ؟ : في يوم صومكم توجِدون مسرة (لأنفسكم) ، وبكل أشغالكم تُسخِّرون (عمَّالكم) ... أمثل هذا يكون صومٌ أختاره: يوماً يذلل الإِنسان فيه نفسه، يحني كالأَسَلة رأسه ويفرش تحته مِسْحاً ورماداً؟ هل تسمي هذا صوماً ويوماً مقبولاً للرب؟ أليس هذا صوماً أختاره: حل قيود الشر، فك عقد النير (عن المظلومين) ، إطلاق المسحوقين (الأبرياء) أحراراً؟ أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟ (إشعياء 58: 3-7) . ء الأَسَلة نبات له أغصان هزيلة تتدلى إلى أسفل، والمِسَح هو الخيش الذي يُصنع من أردأ أنواع الكتان. وكان بعض الناس يجلسون عليه أو يلبسونه بعد صبغه باللون الأسود، كعلامة للحزن والاتضاع أمام اللّه. أما النير فهو قطعة الخشب التي توضع على عُنُق الثيران في أثناء الحرث وغيره، وتستعمل هنا مجازاً للدلالة على الذل والاستعبادى.

 

2 - الصوم المسيحي وهدفه:

الصوم لغةً، هو الانقطاع عن شيء ما. ويُراد به في الكتاب المقدس ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، أو الشرور والآثام، بل والامتناع لمدة من الزمن أيضاً عن كل ما يشغل المرء عن قضاء مدة طويلة في حضرة اللّه، بهدف أن يتفرَّغ الصائم تفرغاً تاماً لسكب قلبه أمام اللّه والتضرع بلجاجة إليه في هذه المدة. وذلك إما لأجل النمو في الحياة الروحية، أو خلاص بعض الأشخاص من الخطية، أو إنقاذ آخرين من ضيقة أو بلية، أو غير ذلك من الأمور التي تمجد اللّه وتعود بالخير على الناس. فليس الصوم إذاً غرضاً مقصوداً لذاته حتى يكون له جزاء خاص، بل هو وسيلة للقيام بالصلاة على أفضل حال. لذلك يقرن الوحي الصوم بالصلاة، فسجَّل عن الرسل أنهم صاموا وصلوا (أعمال 13: 3) ، وأن الروح النجس العنيد لا يخرج إلا بالصوم والصلاة (متى 17: 21) ، وأن المؤمنين يجب أن يتفرغوا للصوم والصلاة (1كورنثوس 7: 5 وعزرا 8: 23 ونحميا 1: 4 ودانيال 9: 3 ويوئيل 2: 12) .

فالصوم في المسيحية مثل الصلاة تماماً، ليس فرضاً بل هو عمل حيوي لا نستطيع الاستغناء عنه.

 

3 - شروط الصوم:

(أ) يجب أن يكون الصوم بدافع من رغبتنا الشخصية، لحاجتنا الماسة إلى بركة من اللّه لنا أو لغيرنا من الناس، وليس لمجرد طاعة أمرٍ أو وصية. ولهذا لم يحدد الكتاب المقدس أوقاتاً للصوم. وأكثر المؤمنين قرباً من اللّه، أكثرهم صياماً.

(ب) الصوم عندما يكون شخصياً وخاصاً، يجب أن لا يبدو لأحدٍ من الناس، بل يجب أن يكون بين الصائم وبين اللّه فحسب (متى 6: 16-18) .

(ج) لا يتجه الصائم إلى شيء من المتع الجسدية مثل الاستماع إلى الأغاني العالمية أو الانصراف إلى التسليات الدنيوية، لأن هذه الأمور إن لم تعمل على إثارة الشهوات والأهواء في النفس، فهي تُبعِدها عن التوافق مع اللّه في قداسته. فعلى المؤمنين الحقيقيين أن يتجنّبوها ليس في وقت الصيام فحسب، بل وفي كل الأوقات، حتى لا تتعطل صلتهم الروحية باللّه.

مما تقدم يتضح لنا أن اتهام المسيحيين بأنهم لا يصومون عن الطعام والعلاقات الزوجية إلا في وقت نومهم، هو محض افتراء.

 

4 - عجز الخاطئ عن القيام بالصوم حسب مشيئة اللّه:

فمن هو الذي يدرك معنى الصوم، ويقدر أن يمارسه ويحصل على الفوائد المترتبة عليه؟ الجواب: ليس الشخص السالك في الخطية، بل البعيد عنها والمتمتع أصلاً بالعلاقة الحقيقية مع اللّه. كما أن هذا الشخص لا يريد من اللّه جزاءً عن صومه، إذ يكفيه أنه بواسطة الصوم يقدر أن يتمتع باللّه أكثر ويخدمه أكثر.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها:

 

1 - الصوم يضعف الجسد ويؤدي إلى التخلص من الخطية، كما يساعد على التحلي بالصبر والتسامي إلى حياة الصَفاء مع اللّه، لذلك يكون هو السبيل إلى الغفران والقبول أمام الله.

الرد: (أ) ليست الخطية في الجسد المادي فيمكن تجنُّبها بإضعافه عن طريق الامتناع عن الطعام والشراب مدة من الزمن، بل هي في النفس. فيد السارق (مثلاً) لا تختلف في تركيبها الجسماني عن يد الأمين، إنما الفارق بينهما هو أن نفس الثاني أمينة توعز إليه بمراعاة الأمانة، أما نفس الأول فخائنة توعز إليه بالسرقة. ومما يثبت ذلك أن معظم الصائمين، وإن كانوا لا يفعلون في الظاهر الخطايا التي اعتادوا عليها، غير أنهم قد يشتهونها ويفكرون فيها ويتحدثون عنها، وهو خطية. فالصوم وحده لا يعيد إلى الخطاة حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، وبالتالي لا يؤهلهم للتمتع باللّه أو التوافق معه في صفاته الأدبية السامية.

(ب) الصوم وإن كان في أحسن حالاته مظهراً من مظاهر الاتضاع والتذلل أمام اللّه، غير أنه لا يعيد إلى عدالته حقها بالدرجة التي تصبح معها كأنه لم يُعْتَدَ عليها، لأن أثر الصوم محدود، ومطالب عدالة اللّه ليس لها حدود، والشيء المحدود لا يفي مطالب أمر ليس له حدود، فلا يكون الصوم أيضاً وسيلة للحصول على الصفح والغفران.

2 - هل يستوي الخاطئ الذي يصوم بتذلل وإخلاص للّه ليرحمه ويغفر خطاياه، والذي لا يصوم، أو يصوم للأغراض الشخصية السابق ذكرها؟.

الرد: طبعاً لا يستويان. ومن المؤكد أن اللّه ينظر إلى الأول بعين العطف والشفقة، لكن عطف اللّه وشفقته شيء، والاعتقاد بأن الصوم هو الذي يأتي لنا بالغفران ويؤهّلنا للتمتع باللّه شيء آخر. إذ أن الصوم، لأنه لا يفي وحده مطالب عدالة اللّه وقداسته، لا يمكن أن يكون ثمناً للغفران أو التمتع باللّه. كل ما في الأمر أنه إذا كان بإخلاص، فهو يهيّئ القائم به للحصول على هذين الامتيازين، على شرط أن يكون هناك أولاً إيفاء لمطالب عدالة اللّه وقداسته بوسيلة إلهية خاصة، كما كانت الحال مع كرنيليوس (أعمال 10) .

 

- 3 -

التوبة وعلاقتها بالغفران

 

1 - ما هي التوبة؟

ليست التوبة ندماً على فعل الخطية فحسب، بل هي أيضاً الانصراف الكلي عنها، إكراماً لله ومحبة فيه. أما الامتناع عن الخطية لمجرد الخوف من نتائجها، أو الامتناع عنها مع بقاء التفكير فيها واشتهائها، فلا يُعتبر في نظر اللّه توبة على الإطلاق، بل يُعتبر في الحالة الأولى خدمة للصحة والذات، وفي الحالة الثانية خداعاً للنفس وتضليلاً لها. ولذلك قال الوحي عن الخطاة إنهم يجب أن يتوبوا عن خطاياهم، ويرجعوا إلى اللّه، عاملين أعمالاً تليق بالتوبة (أعمال 26: 20) . كما قال لهم: توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم. واعملوا لأنفسكم قلباً جديداً وروحاً جديدة (حزقيال 18: 30 و31) .

 

2 - توبتنا في ضوء الحقيقة:

بما أننا مهما تُبنا عن الخطية إكراماً للّه ومحبة فيه، قد نخطئ أحياناً بالقول والفكر، إن لم يكن بالفعل أيضاً. وبما أن الخطأ أياً كان نوعه، يحرم النفس من التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية. إذاً فليست هناك في الواقع توبة كاملة لأحد منا أمام اللّه.

 

3 - أثر التوبة من جهة الغفران والقبول أمام اللّه:

لنفرض أن إنساناً اختلس مبلغاً من المال من الهيئة التي يعمل فيها. وكانت الضرورة تقضي بسداد هذا المبلغ إليها، وإلا فُصل من عمله وقُدم للمحاكمة. ولكن بدل أن يسعى للسداد أخذ يبكي على جريمته ويعلن توبته عنها، فهل يستطيع بتصرفه هذا أن يمحو ما لحق به من وزر، أو يصبح أهلاً للبقاء في عمله؟ طبعاً كلا! وإذا كان الأمر كذلك، ألا يكون بكاؤه وتوبته بدون جدوى، إلا إذا أشفق عليه إنسان كريم، وقام بسداد المبلغ المختَلَس للهيئة المذكورة نيابة عنه؟!

وبما أننا بارتكاب الخطية نتعدى على حق اللّه ونفسد أنفسناً أيضاً، وبما أن التوبة مهما صدقت لا تعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتَد عليه (لأن أثر هذه التوبة محدود، وحق اللّه غير محدود، والشيء المحدود لا يفي مطالب أمر ليس له حدود) ، أو تعيد إلى نفوسنا حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية (لأن التوبة مهما بلغت أسمى درجات الإخلاص والأمانة، لا تجعلنا كاملين في كل ناحية من النواحي) ، لذلك لا نستطيع بالتوبة أن ننال غفراناً من اللّه أو قدرة على التوافق معه والتمتع بحضرته، إلا إذا وُفِّيت أولاً مطالب عدالته وقداسته من نحونا بوسيلة إلهية خاصة، كما ذكرنا.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها:

 

1 - كيف لا تكون التوبة الحقيقية وبدء صفحة جديدة في الحياة، وسيلة للصفح عما مضى من الخطايا؟

الرد: إذا تاب إنسان توبة حقيقية عن الخطية في كل مظهر من مظاهرها (وإن كان هذا من المتعذر على الإِنسان القيام به من تلقاء ذاته، كما ذكرنا) ، فإنه لا يكون قد فعل أكثر مما يجب عليه، ولا يكون قد أتى جميلاً يمكن أن يكون تعويضاً عن خطاياه الماضية. حقاً قد ينسى الإنسان هذه الخطايا، وقد ينساها الناس أيضاً، لكن اللّه لا ينساها، فالماضي والحاضر والمستقبل حاضر أمامه. ويقول الحكيم اللّه يطلب ما قد مضى (جامعة 3: 15) . فالتوبة مهما كان شأنها ليست كافية للصفح عما مضى من خطايا. ولإِيضاح هذه الحقيقة إلى حدٍّ ما، لنفرض أن الموظف المختلِس تاب عن جريمته بعد ارتكابها. ولكن بعد مدة من الزمن فحص مفتش دفاتره واكتشف ما فيها من اختلاس، فهل يعتبر هذا الموظف أميناً في عمله ولا يجوز معاقبته؟ الجواب: طبعاً كلا. وإذا اعتذر الموظف بأن الاختلاس حدث من مدة طويلة، وأنه كان أميناً بعد ذلك، فهل يقبل المفتش اعتذاره ويقرر براءته؟ طبعاً كلا. وهكذا الحال من جهتنا أمام اللّه بالنسبة إلى الخطايا السالفة، على فرض أننا عشنا بعدها دون أن نعمل خطية على الاطلاق.

2 - ألم يصفح اللّه عن أهل نينوى عندما صاموا وتابوا (يونان 3: 5-10) ؟ فكيف لا تكون التوبة هي الوسيلة للغفران والقبول أمام اللّه؟

الرد: لم يكن الغرض من الصفح عن أهل نينوى تقريبهم إلى اللّه أو إعطاءهم طبيعة روحية يتوافقون بها معه إلى الأبد، بل كان الغرض الأول والأخير من هذا الصفح (كما يتضح من سفر يونان) ، هو فقط رفع الكارثة التي كان اللّه مزمعاً أن يصبّها عليهم بسبب فداحة آثامهم. وقد ذكرنا فيما سلف أن اللّه يسمع للخطاة عندما يطلبون منه بكل قلوبهم أن ينجيهم من ضيقة ما.

3 - هل يستوي عند اللّه من يتوب ابتغاء مرضاته، ومن يتوب لأغراض شخصية، أو لا يتوب على الإِطلاق؟

الرد: طبعاً لا يستويان، فمن المؤكد أن اللّه يعطف على الأول ويفتح أمامه المجال للغفران والقبول لديه، إذا تم إيفاء مطالب عدالته وقداسته من جهة هذا الإِنسان بوسيلة إلهية خاصة كما ذكرنا، لأن اللّه بقدر ما هو رحيم رؤوف هو عادل قدوس.

 

- 4 -

الصدَّقة وعلاقتها بالغفران

 

1 - حدود الصدقة والأعمال الصالحة في المسيحية:

يجب على المسيحي أن يقدم للأعمال الخيرية عُشر ما يكسبه على الأقل (تثنية 12: 17 ومتى 5: 20) . وقال الوحي: كونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع (1تيموثاوس 6: 18) . ويجب أن يكون عمل الخير والصلاح موجَّهاً إلى جميع الناس (1تسالونيكي 5: 15) حتى إلى الأعداء منهم طاعةً للأمر: إن جاع عدوك فأطعِمه وإن عطش فاسْقِه (رومية 12: 20) ، والأمر: أحِبوا أعداءكم. بارِكوا لاعنيكم. أحسِنوا إلى مبغضيكم (متى 5: 44) .

 

2 - الصدقة في نظر اللّه:

ليست الصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة في المفهوم المسيحي أعمالاً اختيارية يجوز للمرء إتيانها أو الامتناع عنها تبعاً لإِرادته، حتى يكون له فضل عند اللّه إذا ضحّى بشيء في سبيل القيام بها، بل هي واجب يتحتم عليه القيام به، وإلا اعتُبر مذنباً (كما قلنا في الباب الأول) . فإذا ارتكب إنسان خطية ثم قدم بعد ذلك صدقة أو عمل عملاً صالحاً، لا يكون قد عمل جميلاً يمكن اعتباره تعويضاً عن الخطية التي ارتكبها، حتى يستحق الصفح والغفران. لذلك أمرنا المسيح: متى فعلتم كل ما أُمرتم به (من الخير والصلاح) فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا (فحسب) (لوقا 17: 10) . ولو كانت الصدقة والأعمال الصالحة تغفر الخطايا، لكان الذين يتمتعون بالغفران هم فقط الأغنياء ومن لهم القدرة على القيام بهذه الأعمال، وهذا غير معقول.

 

3 - صاحب الفضل في المال الذي بين أيدينا، وفي الأعمال الصالحة التي نقوم بها:

المال الذي في أيدينا والصحة التي نتمتع بها ليست مِلكاً لنا بل هما من فضل اللّه علينا. لأنه لو كان قد سمح (مثلاً) بولادتنا من عائلات فقيرة جاهلة، أو أصابتنا أمراض مستعصية عُضالة، لكنَّا الآن فقراء معدمين أو مقعَدين عاجزين عن القيام بعمل من الأعمال مثل كثيرين من بني جنسنا. فعندما نعطي الفقراء شيئاً من مالنا، أو نستخدم صحتنا في القيام بأي عمل صالح، لا نكون قد ضحَّينا بشيء من عندنا، ولا نكون قد أسدينا للّه جميلاً نستحق عنه ثواباً.

وقد أدرك داود النبي هو ورجاله هذه الحقيقة الثمينة، فبعد أن قدموا ما يعادل ملياراً من الجنيهات الذهبية، لأجل بناء الهيكل، قال داود للّه لكن مَنْ أنا ومن هو شعبي، حتى نستطيع أن ننتدب؟ (أي أن نقوم من أنفسنا بعمل) لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك. أيها الرب إلهنا، كل هذه الثروة التي هيأناها لنبني بيتاً لاسم قدسك، إنما هي من يدك ولك الكل (1أخبار 29: 14 و16) ، كما قال بطرس الرسول من بعده إن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها اللّه (1بطرس 4: 11) .

 

4 - العيوب الكامنة في الصدقة والأعمال الصالحة:

كثيراً ما تكون الصدقة والأعمال الصالحة التي يقوم بها الخطاة ملوثة بجراثيم البُخل والتقتير، أو الفخر والتباهي، أو الرغبة في جزاء من اللّه أو الناس، بسبب صدورها من الطبيعة البشرية الفاسدة السائدة عليهم. وهذا يوضح أن هذه الصدقة والأعمال الصالحة مملوءة بنقائص متعددة، الأمر الذي يجردها من كل صلاح حقيقي يمكن أن يبقى فيها. وقد أدرك إشعياء النبي هذه الحقيقة، فصرخ: صرنا كلنا كنجس، وكثوب عِدّة كل أعمال برنا (وليس أعمال شرنا فحسب) (إشعياء 64: 6) . ءثوب العِدّة هو الثوب الملطخ بالطمث، وهو نجس بحسب الشريعة اليهوديةى.

وإن كانت هذه الحقيقة تسمو فوق إدراك الكثيرين، لكن من سمت نفوسهم وارتقت استطاعوا أن يدركوها كما أدركها هذا النبي. فمثلاً قال كيركجارد رائد الوجودية الروحية: إن أفضل أعمالنا مثل أشرّها، يحتاج إلى غفران اللّه . ولإيضاح هذه الحقيقة إلى حد ما نقول: إذا تطلعنا إلى خضروات مغسولة، قد لا نرى فيها قذارة ما. لكن إذا وضعناها تحت عدسة الميكرسكوب نرى فيها آلاف الجراثيم. وهكذا الحال من جهة الأعمال الصالحة التي نقوم بها، فإننا وإن كنا نراها طيبة، غير أن اللّه يرى فيها الكثير من النقائص والعيوب. ولا غرابة في ذلك، ففي ضوء كماله المطلق تبدو السماء نفسها غير طاهرة، ويبدو الملائكة أنفسهم حمقى (أيوب 4: 18) !!

مذكرة توضيحية عن سورين كيركجارد:

وُلد هذا الفيلسوف في الدانمارك سنة 1813 ويُعتبَر من أشهر علماء النفس في العصر الحديث، وأكثرهم تفكيراً في الأمور الروحية. ولم يبتدع رأياً فلسفياً معيناً، بل عُني بالوجود الفعلي أكثر من النظري. ومن أهم آرائه (1) أن اللّه لا يشرق بمعرفته على الإنسان، إلا إذا وقف الإنسان أمامه مجرداً من كل تصنُّع وادّعاء بالصلاح، معترفاً بفساد طبيعته والمصير المرعب الذي ينتظره. (2) إن الحق الروحي ليس هو الحق النظري، بل هو الحق العملي المؤيَّد بالاختبار الشخصي، والذي يدفع المرء ثمنه بنفسه. لذلك يجب على طالب الحق أن لا يكتفي بالتطلع إليه من النافذة أو الشرفة، بل أن ينزل إلى الطريق ويسير في ركابه، حتى تمتزج نفسه به. وهذه الآراء تُعتبر تفسيراً صحيحاً لأقوال الكتاب المقدس عن الحياة الروحية.

 

5 - أثر الصدقة والأعمال الصالحة من جهة الغفران والتمتع باللّه:

لنفرض أن خادماً تعدَّى على ملك عظيم نبيل وأهانه إهانة شنيعة، وبعد ذلك قدَّم إليه هذا الخادم هدية ثمينة، فهل تستطيع هذه الهدية وحدها أن تمحو عن الملك العظيم النبيل ما لحقه من إهانة، أو تجعله يُسرّ بالخادم المذكور ويقربّه إلى حضرته؟ طبعاً كلا وكلا. وعلى هذا النسق نقول: نظراً لأن الصدقة والأعمال الصالحة التي يقوم بها بعض الخطاة (حتى إن كانت خالية من كل العيوب) ، لا تستطيع أن تعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتَدَ عليه، لأن هذه الأعمال محدودة في قدرها، وحقّ اللّه لا حدّ لقدره، والأشياء المحدودة في قدرها لا تفي مطالب أمر لا حد لقدره، أو تؤهل الخطاة للتوافق مع اللّه في قداسته وكماله، لأنها لا تستطيع أن تعيدهم إلى حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية. لذلك لا يمكن أن تكون هذه الأعمال وحدها ثمناً للغفران أو التمتع باللّه.

وقد أدرك الأنبياء هذه الحقيقة، فكانوا يبكون على خطاياهم بالرغم من الأعمال الصالحة الكثيرة التي كانوا يقومون بها. فداود النبي كان يعوّم سريره بدموعه ويذوّب فراشه كل ليلة (مزمور 6: 6) ، ويقول: بليت عظامي من زفيري اليوم كله (مزمور 32: 3) ، و ليست في عظامي سلامة من جهة خطيتي، لأن آثامي قد طمت فوق رأسي كحِمل ثقيل أثقل مما أحتمل. قد أنتنت وفاحت حُبُر ضربي من جهة حماقتي (مزمور 38: 3-5) ءالحُبُر هي الجروح العميقة التي وإن شُفيت، لا تزول آثارها من الجسمى.

 

اعتراض وَجِّه ضد هذه الحقائق، والرد عليه

 

وهل يستوي الخاطئ الذي يقوم بالأعمال الصالحة ابتغاء مرضاة اللّه، والذي يقوم بها لأغراض شخصية، أو لا يقوم بها إطلاقاً؟ى.

الرد: طبعاً لا يستويان، لأن اللّه لعدالته لا يمكن أن يهمل ذرة من الخير يقوم بها إنسان ابتغاء مرضاته، بل لا بد أن يجازيه عنها خيراً. لكن بما أن الجزاء يكون من جنس العمل، وليس في الأبدية مجال للمال أو الخدمات المادية التي يقوم بها الناس في العالم الحاضر حتى يكافئهم اللّه هناك بمثل ما فعلوا، لذلك فالخطاة الذين يتصدَّقون ويعملون أعمالاً صالحة ابتغاء مرضاة اللّه، ينالون مكافأتهم من اللّه في العالم الحاضر بجزاءٍ من نوع أعمالهم. فيزيد مثلاً من ثروتهم، ويهيّئ لهم سُبل النجاة من الضيقات التي يتعرضون لها. لكن عند انتقالهم من العالم الحاضر سيكونون بعيدين عن اللّه مثل غيرهم من الخطاة، لأن الصدقة والأعمال الصالحة لا يفيان في ذاتيهما مطالب عدالة اللّه، ولا تمدّان القائمين بهما بطبيعة روحية تؤهلهم للتوافق معه في قداسته وصفاته الأخلاقية الأخرى، كما ذكرنا فيما سلف.

أما الذين، مع قيامهم بأعمال الخير، يمقتون الخطية ويتضرعون إلى اللّه بتذلل ليخلصهم منها، فإنه يتجه إليهم بكل عطف، ويهيئ لهم السبيل للحصول على الغفران والتمتع بشخصه، إذ وُفِّيت مطالب عدالته وقداسته بوسيلة خاصة، كما كانت الحال مع كرنيليوس (أعمال 10) .

 

- 5 -

الشفاعة وعلاقتها بالغفران

 

1 - عجز الأنبياء عن الشفاعة أمام اللّه:

صحيح أن هؤلاء الأنبياء أفضل من غيرهم من الناس، لكنهم في ذواتهم خطاة مثلهم، إن لم يكن بالفعل، فبالقول والفكر كما ذكرنا في الباب الأول، لذلك فإنهم من تلقاء أنفسهم لا يتوافقون مع اللّه في صفاته السامية، كما يقعون من جهة استحقاقهم الذاتي تحت طائلة قصاصه الأبدي، فلا يستطيعون أن يتشفَّعوا لأجل خلاص أحدٍ من قصاص خطاياه أو تأهيله للوجود مع اللّه، لأنهم أنفسهم يحتاجون إلى هذا وذاك. والكتاب المقدس بإعلانه أن القديسين خطاة مثل باقي الناس (جامعة 7: 20) لا يقصد التشهير بهم، بل يعلن حقيقة أمرهم حتى لا يعتمد عليهم أحد في أمر الخلاص من الخطية ونتائجها.

 

2 - عجز الملائكة عن الشفاعة لدى اللّه:

صحيح أن الملائكة كائنات سامية طاهرة في نظرنا، لكنهم ليسوا كذلك في نظر اللّه الكلي الكمال. فقد قال الوحي إنه ينسب للملائكة حماقة (أيوب 4: 18) . كما أنها كائنات محدودة، والكائنات المحدودة لا تستطيع أن تفي مطالب عدالة اللّه وقداسته غير المحدودة. فشفاعة الملائكة (إن كانت لهم شفاعة) لا تجلب لنا الغفران ولا تقرّبنا إلى اللّه، لأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بعد إيفاء مطالب عدالته وقداسته.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد الحقائق السابقة والرد عليها

 

1 - إذا كانت شفاعة القديسين لا تُجدي، فلماذا أراد اللّه أن يعفو مرة عن الأشرار الذين كانوا في سدوم وعمورة، لو كان بينهم عشرة أبرار (تكوين 18: 32) ؟

الرد: لا يُراد بالأبرار هنا أشخاص خالون من الخطية، بل أشخاص كانوا يخافون اللّه ويحاولون جهد الطاقة أن يعملوا بوصاياه، كما كانوا يقدمون له الذبائح الكفارية عن الخطايا التي يرتكبونها، (كما ذكرنا في الباب الأول، وكما سيتَّضح بالتفصيل في الباب التالي) . ولا شك أن للقديسين مقاماً خاصاً لدى اللّه، لكن لا شك أيضاً أن هذا المقام لا يطغى على مطالب عدالة الله وقداسته. فإذا أمعنا النظر في حادثة سدوم وعمورة نرى أن وجود بعض الأبرار فيها، لم يكن لرفع القصاص الأبدي عن الأشرار الذين كانوا معهم، أو ليمنحهم طبيعة روحية تهيِّئهم للتوافق مع اللّه في قداسته وصفاته الأخلاقية السامية إلى الأبد، بل كان ليرفع عنهم فقط قصاصاً وقتياً دنيوياً، وهذا من الممكن حدوثه كما ذكرنا في حديثنا عن الصلاة.

وواضح أن وجود الأبرار في العالم لا يحمي الأشرار من القصاص، إذا كان مكيال شرهم قد طفح أمام اللّه. فقد قال: إن أخطأت إليَّ أرض وخانَتْ خيانة، فمددتُ يدي عليها وكسرتُ لها قِوام الخبز وأرسلتُ عليها الجوع، وقطعتُ منها الإِنسان والحيوان، وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة: نوح ودانيال وأيوب، فإنهم إنما يُخلِّصون أنفسهم (فحسب) ببرِّهم (حزقيال 14: 13 و14) .

وهكذا الحال من جهة الأبدية، فإنه ليس هناك قديس مهما كان شأنه، يستطيع أن ينقل، على أساس مكانته السامية لدى اللّه، خاطئاً من الهاوية إلى الفردوس. وكفى على ذلك دليلاً أن الرجل الغني الذي عاش على الأرض بعيداً عن اللّه، لما نادى وهو في الهاوية إبرهيم أبا المؤمنين: يا أبي إبرهيم، ارحمني وأرسِل لعازر ليبلّ طرف أصبعه بماء ويبرّد لساني لأني معذب في هذا اللهيب. فقال إبرهيم: يا ابني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب. وفوق هذا كله بيننا وبينكم هُوَّة عظيمة قد أُثبتت، حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون، ولا الذين من هناك يجتازون إلينا (لوقا 16: 24-26) .

2 - إن كان القديسون خطاة بطبيعتهم وأعمالهم مثل غيرهم من الناس، فكيف غفر اللّه لهم وقربهم إليه كما نؤمن جميعاً؟.

الرد: لا شك أنه تم إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته من جهتهم بوسيلة خاصة، من جانبه، وليست طبعاً من جانبهم، لأنهم لا يستطيعون بكل تقواهم وأعمالهم الصالحة أن يُعيدوا إلى حق اللّه كرامته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتدَ عليه، أو يعيدوا إلى أنفسهم حياة الاستقامة التي كان عليها آدم قبل السقوط في الخطية. والوسيلة التي على أساسها خلّص اللّه هؤلاء القديسين من خطاياهم ونتائجها، هي التي على أساسها يخلص كل الخطاة في كل زمان ومكان (كما سيتضح من الأبواب الآتية) .

3 - إذا كان الأمر كذلك، ألا يوجد شفيع بيننا وبين اللّه؟.

الرد: نعم هناك شفيع ومحامٍ معيّن من عند اللّه، قادر على الوقوف بيننا وبينه، لأن هذا ما تتطلبه محبته لنا وعطفه علينا. لكن قبل أن نعرف من هو هذا الشفيع أو المحامي، لنسأل أنفسنا: إذا كان إنسان قد ارتكب خطايا أو خطية واحدة، وفي الوقت نفسه لم يعمل كل البر الذي أمر اللّه به، وكان بطبيعته عاجزاً عن الإحاطة بمطالب عدالة اللّه وقداسته التي لا حدّ لها، وبالتبعية كان عاجزاً عن إيفائها جميعاً، فهل يمكن أن يقبل اللّه شفاعته؟ طبعاً كلا.

وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن الجدير بالشفاعة يجب أن يكون شخصاً لم يعمل أية خطية على الإطلاق، وفي الوقت نفسه يكون كاملاً من جهة البر كل الكمال. كما يجب أن يكون قادراً على الإحاطة بمطالب عدالة اللّه وقداسته التي لا حدّ لها، وقادراً أيضاً على إيفائها جميعاً، بالدرجة التي تُرضي اللّه تماماً. فمن هو هذا الشخص يا ترى؟

للإِجابة على هذا السؤال، اقرأ الباب التالي بإمعان.

الباب الثالث

الفداء أو الطريق الإِلهي للغفران

 

- 1 -

ضرورة الفداء أو التعويض

لا سبيل للحصول على الغفران أو التمتع باللّه إلا إذا تم أولاً إيفاء مطالب عدالته وقداسته بوسيلة ما. لكن الذين لا يدركون هذه الحقيقة، أو يدركونها لكن يتغاضون عنها لعدم معرفتهم بكيفية إتمامها، يريحون ضمائرهم من جهة الغفران والتمتع باللّه، بترك الأمر إلى رحمته. ونحن وإن كنا نعتز برحمة اللّه كل الاعتزاز، ونؤمن أنه لا حد لها على الإطلاق، وأنها وحدها هي الكفيلة بالإتيان إلينا بالصفح والغفران، لكن لكيلا يكون الاعتماد عليها مؤسساً على مجرد الأمل، بل على الحق والواقع نقول:

لنفرض أن قضية رُفعت إلى قاض مشهور بالرحمة والرأفة، لكنه إلى ذلك يقدّس العدل ولا يفرّط في حق، فهل يجوز للمذنب أن يُطمْئِن نفسَه بأن هذا القاضي سيبرئ ساحته لأن قلبه الرحيم الرؤوف لا يرضى بتوقيع العقوبة القانونية عليه؟ (الجواب) طبعاً لا. وعلى هذا النسق تماماً نقول: بما أن اللّه كما أنه رحيم رؤوف هو عادل وقدوس أيضاً، إذاً لا يجوز أن نُطَمْئِن نفوسنا بما هو عليه من رحمة ورأفة، قبل أن نعرف الوسيلة التي تؤهلنا للتمتع بها دون الإجحاف بمطالب عدالته وقداسته، فما هي الوسيلة يا ترى؟

الجواب: بما أننا لا نستطيع بالصلاة والصوم والتوبة والأعمال الصالحة أن نفي مطالب عدالة اللّه وقداسته التي لا حد لها.. وبما أن عدالة اللّه وقداسته لا تقلان في شيء عن رحمته ومحبته، بسبب كماله المطلق وتوافُق كل صفاته معاً كما ذكرنا. إذاً إن كان هناك مجال للتمتع بالغفران والقبول أمام اللّه (ومن المؤكد أن يكون هناك مجال للتمتع بهما، لأن صفتي الرحمة والمحبة في اللّه لا يمكن أن تكونا بلا عمل) ، لا بد من الفداء أو التعويض، أو بالحري لا بد من إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته بواسطة كائن عوضاً عنا. وإيفاء هذه المطالب يستلزم طبعاً من هذا الكائن أن يقبل على نفسه القصاص الذي نستحقه بسبب خطايانا تنفيذاً لمطالب عدالة اللّه، وأن يهبنا أيضاً طبيعة روحية تجعلنا أهلاً للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية تنفيذاً لمطالب قداسته.

أما الفداء في اللغة العبرية فهو الترضية وإزالة الأحقاد بعد دفع التعويض. وفي اللغة العربية هو الإنقاذ وليس بدون مقابل، بل بعد تقديم التضحية اللازمة. وقد تكون هذه التضحية مالاً أو غير مال. جاء في القاموس المحيط فداه أي دفع شيئاً فأنقذه، ويكون قد اشتراه ثانية. أما في اللغات الأوروبية فيُراد بالفداء أربعة أمور: (1) استرداد الشرف المُعتدَى عليه (2) إطلاق سراح الأسير (3) استعادة الشيء المرهون (4) إنقاذ شخص من أزمة أو موت. وكل ذلك بواسطة تضحية أو مجهود ما.

 

الاعتراضات التي توجَّه ضد هذه الحقيقة والرد عليها

 

1 - القاضي الوارد ذكره في المثل السابق، مقيَّد بقوانين يجب عليه تطبيقها، فضلاً عن ذلك له رؤساء يراقبون كل أحكامه. لكن اللّه لا يتقيد بقوانين ولا يراقب عمله رؤساء، لذلك له أن يصفح عنا ويقربنا إليه بدافع من رحمته وحدها.

الرد: وإن كان الله لا يتقيّد بقوانين ولا يراقب أحدٌ عمله، لكن له كماله الذاتي الذي ينزّهه عن القيام بأي عمل لا يتفق مع عدالته وقداسته.. حقاً إن اللّه يستطيع أن يعمل كل شيء، لكن استطاعته هذه لا تتعدّى خواصه الذاتية. فبسبب كماله لا يستطيع (مع قدرته التي لا حدّ لها) أن يعمل عملاً يتعارض مع هذه الخواص. فهو (مثلاً) لا يقدر أن يكذب أو يكون ماكراً، لأن الصدق والاستقامة صفتان ثابتتان فيه. ولا يقدر أن يكون متساهلاً أو متهاوناً مع الشر، لأن العدالة والأمانة صفتان ثابتتان أيضاً فيه. فلا بد من إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته بواسطة كائن عوضاً عنا يكون قادراً على القيام بهذه المهمة، يُعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يكون معها كأنه لم يُعْتَدَ عليه، وأن يعطينا حياة روحية تسمو بنا إلى حالة التوافق مع اللّه في صفاته السامية، طالما نحن غير قادرين على القيام بهذين العملين. وإلا فلا غفران لنا.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الإنسان (مثلاً) يقدر ألّا يكذب، أما اللّه فلا يقدر أن يكذب. فالعبارة الأولى تدل على القدرة على عدم الكذب، أما الثانية فتدل على استحالة الالتجاء إلى الكذب، وعلى التنزُّه المطلق عن الكذب، وهذا ما يليق باللّه دون سواه.

2 - هل من العدالة أن يقوم كائن بريء بالتعويض عن خطايا أحد المذنبين؟

الرد: البريء هو الوحيد الذي يحقّ له قانوناً التعويض عن المذنبين، لأنهم لا يقدرون أن يعوّضوا عن مذنبين نظيرهم، لأنهم في ذواتهم يحتاجون إلى من يقوم بالتعويض عن ذنوبهم. ونقول:

إن مبدأ النيابة مبدأ سليم تشهد العدالة بقانونيته، طالما كان النائب قادراً وموافقاً على القيام بمطالب النيابة. فالشخص الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه في قضية ما، ينتخب نائباً قانونياً يدافع عنه، ولا تمانع المحكمة في هذا التصرف بل تلتزم به.

والمدين الذي يعجز عن سداد دَيْنه يقوم النائب أو الضامن بسداده نيابة عنه، وبذلك يخلّص المدين من دينه وما يترتب عليه من مسئولية أمام العدالة. والأب الفاضل يتحمل في نفسه نتائج أخطاء أبنائه عوضاً عنهم. والجندي الباسل يبذل نفسه فدية عن أهله ووطنه. وليس من يعترض على واحد من هؤلاء، بل أننا جميعاً نبجّلهم ونشيد بأعمالهم.

3 - أليس عجزنا جميعاً عن إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته مبرراً كافياً يدعوه للعفو عنا وتقريبنا إليه، دون أن يلزمنا بالبحث عن كائن يفي هذه المطالب عوضاً عنا، لا سيما إذا كان من المتعذر علينا العثور عليه؟.

الرد: إذا عفا اللّه عنا وقرّبنا إليه لمجرد عجزنا عن إيفاء مطالب عدالته وقداسته، يكون قد تنازل عن المطالب المذكورة مضطراً. وبما أنه حاشا للّه أن يُرغَم على القيام بعملٍ يتعارض مع عدالته أو قداسته، لذلك لا مفرّ من إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته بواسطتنا أو بواسطة كائن آخر عوضاً عنا، وإلا فلا خلاص لنا على الإِطلاق، كما ذكرنا فيما سلف.

4 - كثيراً ما نصفح عن المسيئين إلينا دون أن نُلزمهم بتعويض ما، فهل يكون اللّه أقل عطفاً أو شفقة منا؟

الرد: (أ) لا تجوز المقارنة بين معاملة اللّه معنا وبين معاملة بعضنا للبعض الآخر، لأننا تارة نصفح بسبب تأثُّرنا بعواطفنا البشرية دون أن يكون هناك مبرر كافٍ للصفح، وتارة نعاقب تحت تأثرنا بمصالحنا الشخصية دون أن يكون هناك مبرر كافٍ للعقوبة. وكثيراً ما نصفح عن المسيئين إلينا بسبب نسياننا لإِساءتهم أو لهبوط درجة تأثرنا بها، أو بسبب شعورنا بنقائصنا ورغبتنا الباطنية في أن يصفح الناس عنا عندما نخطئ نحن إليهم. أما اللّه ففضلاً عن أنه لا ينسى شيئاً، ولا يتغير، فإنه بسبب كماله المطلق من جهة، وتوافُق كل صفاته معاً من جهة أخرى، لا يمكن أن يكون متساهلاً بمراعاة الرحمة دون العدالة في حالة الصفح. أو قاسياً بالتمسك بالعدالة دون الرحمة في حالة العقوبة، بل يصفح إذا كان الصفح لا يتعارض مع مطالب عدالته، ويعاقب إذا كان العقاب لا يتجاوز مطالب رحمته، لأنه ليس رحيماً في وقت وعادلاً في وقت آخر، بل هو إنه رحيم وعادل معاً في كل وقت من الأوقات. وإذا كان الأمر كذلك، فلا سبيل إلى الغفران إلا إذا وُفيّت مطالب عدالته، ولا سبيل إلى التمتع بالوجود معه إلا إذا تحققت مطالب قداسته، إما بواسطتنا أو بواسطة كائن آخر عوضاً عنا.

(ب) فإذا أخذنا في اعتبارنا أن الناموس الأخلاقي الذي وضعه اللّه لنا، يتوافق مع صفاته كل التوافق، وأن هذا الناموس نفسه هو الذي يربط الخطية بعقوبتها، أدركنا (1) أنه لا يمكن الفصل بين هذه وتلك، لأن الفصل يكون قطعاً للعلاقة بين اللّه وبين ناموسه الأخلاقي الذي يتوافق مع صفاته. وهذا ما لا يمكن حدوثه، إذ يترتب عليه أن يكون اللّه قد نهى عن السرقة والزنا (مثلاً) وفي الوقت نفسه سمح للصوص والزناة بالتمتع به في سمائه، مناقضاً نفسه بنفسه. (2) إن تجاوز اللّه عن خطايانا يكون موافقة منه عليها، أو تنحياً منه عن المحافظة على الناموس الأخلاقي الذي وضعه، وهذا الأمر وذاك باطلان. فلا سبيل إلى الغفران إلا بعد الفداء أو التعويض.

5 - يصفح الملوك عن بعض المذنبين المحكوم عليهم بالإعدام بأمر ملكي يصدرونه، فكيف لا يصفح الله عن الخطاة على هذا النحو؟

الرد: الملوك الذين يقومون بهذا العمل لا يكونون متأثرين شخصياً بجرائم هؤلاء الأشخاص، أو بالعدالة المطلقة في بلادهم، أو بقوانين الأخلاق العامة فيها، أو يكونون مضطرين للقيام به لوجود علاقة تربطهم بالأشخاص المذكورين، أو لاجتذاب فريق من الناس إلى جانبهم، أو لتجنيب بلادهم انقلاباً أو ثورة داخلية. لكن اللّه يتأثر مع روحانيته المطلقة بالخطايا التي نرتكبها (كما ذكرنا فيما سلف) ، كما أن العدالة لديه ليست مجرد قانون مكتوب أو غير مكتوب، بل إنها صفة ثابتة فيه يجب إيفاء مطالبها مهما كانت الظروف والأحوال. وليس هناك من يرغمه على القيام بعمل، مجاملة لبعض الناس أو خوفاً منهم، فلا يمكن أن يصفح إلا إذا كان الصفح قانونياً، متوافقاً مع عدالته المطلقة.

أخيراً نقول إن الذين يريدون أن يصفح اللّه عنهم بكلمة، ينظرون إلى الخطية نظرة سطحية. لكن الحقيقة غير ذلك، لأن الخطية ليست مثل القذارة التي يمكن إزالتها بالماء أو بغيره، بل هي إهانة لجلال اللّه (كما ذكرنا فيما سلف) ، وهي شر ينبع من طبيعة فاسدة كل الفساد. فلا يمكن الصفح عن الخطاة أو تقريبهم إلى اللّه، إلا إذا وُفِّيت أولاً مطالب عدالته وقداسته معاً بوسيلة ما.

6 - الكمال المطلق الذي يتّصف اللّه به، يجعله لا يتقيَّد بأي قيد، فتكون له الحرية المطلقة في الصفح عن الخطاة دون أن يُلزمهم بتعويض لى.

الرد: ليست الحرية المطلقة في نظر اللّه هي الحرية المطلقة في نظر الناس. فالناس ينظرون إلى الحرية المطلقة كأنها المجال الذي يفعلون فيه ما يريدون، بغض النظر عن الكمال وقوانينه الثابتة. فالحرية المطلقة في نظرهم هي الإِباحية بأوسع معانيها. أما الحرية المطلقة في نظر اللّه، فهي المجال الذي يفعل فيه كل ما يريد في حدود كماله الذاتي. فكما لا يمكن أن يرفض الله شخصاً متوافقاً معه في صفاته الأخلاقية، لا يمكن أيضاً أن يقبل في حضرته شخصاً غير متوافق معه فيها. وقال الوحي إن إدانة البريء وتبرئة المذنب كلاهما مكرهة عند الرب (أمثال 17: 15) .

ونحن بذلك لا نقسو على أنفسنا أو نقيم العراقيل أمامها من جهة الحصول على الغفران، بل نبحث السبيل إليه من الناحية التي تتناسب مع موقف عدالة اللّه وقداسته إزاء الخطية وشناعتها، حتى لا تكون نظرتنا إلى الغفران مؤسسة على تصوراتنا الشخصية بل على الحقائق الإِلهية. لأننا لا نحصل عليه بمجهودنا الذاتي، بل اللّه هو الذي يمنحه لنا، بناءً على شرائعه الخاصة. وهذه الشرائع ثابتة راسخة، لا تتغير ولا تتبدل على الإِطلاق.

 

- 2 -

نشأة الفداء

 

ذكرنا في الباب الأول أن آدم عندما أكل من الشجرة المنهي عنها ومات موتاً أخلاقياً، لم ينفذ اللّه فيه وقتها حكم الموت الجسدي الذي أنذره به في حالة العصيان، كما أنقذه من الموت الأبدي الذي هو العقاب الذي كان سيتعرض له في العالم الآخر، وذلك بتوقيع الموت على حيوان عوضاً عنه. وإن كانت هذه الذبيحة الحيوانية في حدّ ذاتها غير كافية للفداء، لكن لأنها كانت رمزاً إلى ذبيحة عظمى في نظر اللّه، لذلك اكتسبت وقتئذ شرعاً قوة الفداء. ولبيان هذا نقول:

سجَّل الوحي أن اللّه بعدما اقتاد آدم وحواء للاعتراف بعصيانهما والندم عليه، صنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما (تكوين 3: 21) . وبما أن كل كلمة موحى بها تُستعمل في معناها الصحيح، لذلك لا بدّ أن اللّه لم يخلق هذه الأقمصة من العدم بل صنعها. ولما كانت صناعتها تستلزم وجود جلد وقتئذ تُصنع منه، واللّه لم يخلق جلداً بمفرده، بل خلق حيوانات يكسوها الجلد، إذاً فمن المؤكد أنه بوسيلة ما تمَّ ذبح حيوانين، ومن جلدهما صُنعت هذه الأقمصة.

فإذا تأملنا الظروف المحيطة بهذا الموضوع، يتضح لنا أن الغرض من ذبح الحيوانين المذكورين لم يكن لمجرد الحصول على الجلد، بل للتكفير بهما (أو بالحري التعويض بهما) عن آدم وزوجته. وذلك للأسباب الآتية:

(1) لم يكن عسيراً على اللّه الذي خلق العالمين بكلمة، أن يخلق أقمصة من الجلد بكلمة أيضاً، بدلاً من ذبح حيوانين لاستخدام جلدهما في صنع الأقمصة المذكورة.

(2) لم ينتفع آدم وحواء بلحم هذين الحيوانين في شيء، فلم يكن هناك مبرر لذبحهما لولا أن اللّه قصد به أول فدية عن آدم وامرأته. أما أول من أكل اللحم فهو نوح وأولاده (تكوين 9: 3) ، ولكن من سبقوهم من البشر كانوا يأكلون النباتات فحسب. ويؤكد علماء التاريخ الطبيعي هذه الحقيقة ويقولون إن الإِنسان لم يعرف أكل اللحوم إلا بعد فترة طويلة من وجوده على الأرض.

(3) قدم هابيل بن آدم عن نفسه (كما سنرى فيما بعد) ذبيحة حيوانية للّه، وطبعاً لم يكن ممكناً له أن يعرف كيفية تقديمها أو ضرورة تقديمها من تلقاء ذاته، لأنه لم يكن يأكل لحماً حتى يعرف كيفية ذبح الحيوان، أو يدرك استحقاقه للموت بسبب أي خطية يرتكبها، حتى يقدم هذا الحيوان كفارة عن نفسه. فلا بد أنه عرف هذين الأمرين من أبيه. وطبعاً لم يكن ممكناً لأبيه أن يعرفهما لولا أنه أدرك أن اللّه قصد بذبح الحيوانين اللذين لم ينتفع هو بشيء منهما سوى الجلد، أن يكونا كفارة عنه وعن امرأته.

مما تقدم يتضح لنا: (أ) أن الموت الذي كان يجب أن يحل بآدم وحواء بسبب عصيانهما حلَّ بحيوانين بريئين عوضاً عنهما، وذلك بترتيبٍ إلهي، رحمةً بآدم وحواء من جهة، وإيفاءً لمطالب عدالة اللّه على النحو الذي ارتضاه من جهة أخرى. (ب) ستر اللّه عري آدم وحواء الذي ترتَّب على عصيانهما، وغطى نتائج خطيتهما، بجلد هذين الحيوانين، فيكون اللّه قد جعل الفداء أساس الخلاص من قصاص الخطية ونتائجها السيئة، التي كان يُشار إليها بالعري وقتئذ.

- 3 -

الفداء في عصر الآباء

 

عصر الآباء هو العصر الذي عاش فيه المؤمنون باللّه قبل نزول أي شريعة من لدنه، فكانوا يتقربون إليه ويتعبدون له على أساس الذبيحة التي علَّمها لآدم، عندما سمح بذبحها نيابة عن نفسه، كما يتضح مما يلي:

1 - قدم هابيل ذبيحة لله من أبكار غنمه ومن سِمانها (تكوين 4: 4) ، وقدمها بإيمان أن اللّه يرضى عنه على أساسها. وبسبب إيمانه هذا شهد اللّه عنه أنه بار (عبرانيين 11: 4) . وهذه أول مرة يُوصف فيها إنسان بأنه بار في الكتاب المقدس. ومن مواضع كثيرة منه يتضح لنا أن البار لدى اللّه ليس هو الإِنسان الخالي من الخطية (لأنه ليس هناك مثل هذا الإنسان) ، بل هو الإِنسان الذي يدرك استحقاقه للقصاص الأبدي بسبب خطاياه. وبالإضافة إلى توبته عنها، يعتمد في أمر القبول أمام اللّه على كفارة يرتضيها بناءً على وصاياه في العصر الذي تقدم فيها، وذلك لإِيفاء مطالب عدالته على النحو الذي يقبله.

2 - بنى نوح بعد خروجه من الفلك مذبحاً للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسَّم اللّه رائحة الرضا (تكوين 8: 21) . وهذا يعني أن نوحاً وإن كان أفضل من معاصريه الذين أهلكهم الطوفان، غير أنه أدرك ببصيرته الروحية أنه خاطئ يستحق الهلاك مثلهم، لأن الخطية لا تكون بالفعل فقط، بل وبالقول والفكر أيضاً. وأدرك أن إنقاذ اللّه إياه من هذا الهلاك، إنما يرجع إلى رحمته، فقدَّم الذبائح من البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة عالماً بالإِيمان أنها وحدها هي التي يليق تقديمها كفارة للّه.

3 - وبنى إبراهيم أبو المؤمنين مذبحاً للرب عندما ظهر له بالقرب من شكيم، ولما حلّ بعد ذلك شرق بيت إيل، بنى مذبحاً آخر له (تكوين 12: 6-8) ، وعندما نقل خيمته إلى بلوطات ممرا، بنى هناك مذبحاً ثالثاً (تكوين 13: 18) . وبناء هذه المذابح دليل على أن إبراهيم كان يقدم عن نفسه ذبائح للّه، ودليل أيضاً على أنه كان يعبد اللّه ويكرّس حياته له. ثم أن اللّه عندما طلب منه أن يقدم ابنه ذبيحة، لم يتردد لحظة واحدة. لكن لما كان هذا الطلب مجرد امتحان، أراه اللّه كبشاً. فقدمه إبراهيم ذبيحة عوضاً عن ابنه، أو فدية عنه (تكوين 22: 13) .

4 - وبنى إسحق مذبحاً ودعا باسم الرب عندما ظهر له الرب ووعده أن يبارك نسله، (تكوين 26: 25) ، وأعلن له أنه للرب، وأنه يذبح له دون سواه، كما كان يفعل إبراهيم أبوه.

5 - وأقام يعقوب مذبحاً لما أتى سالماً إلى مدينة شكيم، ودعاه إيل، إله إسرائيل (تكوين 33: 20) ءإيل كلمة عبرية معناها اللّه ، وفي اللغة العربية أيضاً يسمى اللّه الإِل (مختار الصحاح ص 22) ، ويرجع السبب في هذا التشابه إلى أن أصل اللغتين العربية والعبرية (والسريانية والأرامية أيضاً) واحد. أما الاسم إسرائيل فهو الاسم الذي أطلقه اللّه على يعقوب، عندما أظهر استماتته في التمسُّك باللّه، ومعناه المجاهد مع اللّه . وأمر الله يعقوب، بناءً على عهد سابق من يعقوب لله، أن يصعد إلى بيت إيل ويبني هناك مذبحاً، فبنى المذبح كما أمره اللّه. ودعا المكان إيل بيت إيل ، لأن هناك ظهر له اللّه (تكوين 35: 1-8) . وقبل نزوله إلى مصر ليرى ابنه يوسف، ذبح ذبائح للّه (تكوين 46: 1) . فظهر له اللّه ووعده بأنه سيرافقه في طريقه إليها.

6 - وكان أيوب يُصعد ذبائح بعدد أبنائه للّه، ليفديهم بها من قصاص ما يمكن أن يكون قد صدر منهم من خطأ في تصرفاتهم (أيوب 1: 5) ، حتى لا يقع هذا القصاص عليهم.

مما تقدم يتضح لنا أن المبدأ الذي على أساسه كان اللّه يُظهِر الرحمة للبشر (حتى الذين اصطفاهم من بينهم) هو اعترافهم بأنهم خطاة وأنهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم، ثم تقديمهم بعد ذلك الذبائح عوضاً عن نفوسهم.

 

- 4 -

الفداء في اليهودية والإسلام

 

أولاً - الفداء في اليهودية:

يشمل هذا الفداء الذبائح التي كان يقدمها بنو إسرائيل، وفق الشرائع التي أعلنها اللّه لموسى النبي، وكانت هذه الذبائح تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

1 - (القسم الأول) الذبائح العامة:

وهي الذبائح القومية التي كانت تُقدم للّه في كل يوم، وفي كل موسم من المواسم الدينية، وأهمها:

(أ) الذبيحة اليومية: وهي خروفان حوليان (عمر الواحد سنة) صحيحان: الخروف الأول يُقدَّم صباحاً والخروف الثاني بين العشاءين (العدد 28: 3 و4) .

(ب) ذبيحة يوم السبت: وهي خروفان حوليان صحيحان، بالإضافة إلى خروفي الذبيحة اليومية (العدد 28: 9 و10) . كلمة السبت معناها الراحة . وكان بنو إسرائيل يطلقونها على يوم الراحة الأسبوعية.

(ج) ذبيحة أول الشهر: وهي ثوران وكبش وسبعة خراف حولية صحيحة (العدد 28: 11-15) .

(د) ذبيحة الفصح: وهي ثوران وكبش وسبعة خراف صحيحة وتيس واحد، في كل يوم من أيام الفصح السبعة (العدد 28: 16-25) . هذا عدا ذبيحة الفصح العائلية التي كانت تعملها كل أسرة بنفسها (تثنية 16: 2) .

(ه) ذبيحة باكورة الحصاد: وهي ثور وكبش واحد وسبعة خراف حولية صحيحة وتيس (العدد 29: 1-5) .

(و) ذبيحة عيد الكفارة: وهي ثور وكبش وسبعة خراف حولية صحيحة وتيس (العدد 29: 7-10) .

(ز) ذبيحة عيد المظال: وهي 71 ثوراً و15 كبشاً و105 خروفاً حولياً و8 تيوس، تقدم في ثمانية أيام متتالية (العدد 29: 12-40) .

(ح) ذبيحة البقرة الحمراء: وكان رمادها يوضع في ماء، ويستعمل للتطهير الرمزي لكل من مسّ ميتاً أو قتيلاً (العدد 19: 1-10) .

2 - (القسم الثاني) الذبائح الشخصية:

وهي الذبائح التي كان يقدمها الأفراد، كل واحد حسب ظروفه، وأهمها:

(أ) ذبيحة المحرقة: وكان يأتي بها كل من أراد التقرب إلى اللّه والتمتع برضاه (لاويين 1: 1-9) ، فمثلاً عندما جلس سليمان على العرش بعد أبيه، قدم للّه في يوم واحد ألف ذبيحة محرقة (1ملوك 3: 4) .

(ب) ذبيحة السلامة: وكان يأتي بها كل من أراد أن يشكر اللّه لأجل إحسان أسداه إليه، أو أراد أن يقدم له نافلة (أي ذبيحة تطوّعية) ، للدلالة على الإخلاص له والرغبة في التفاني في إكرامه (لاويين 3: 1-5 و7: 11-21) . وعند تكريس الهيكل أراد سليمان الملك أن يعبر عن شكره للّه، فقدم ذبائح سلامة عددها 22 ألفاً من البقر و120 ألفاً من الغنم (1ملوك 8: 63) .

(ج) ذبيحتا الخطية والإثم: وكان يأتي بإحداهما من عمل سهواً شيئاً من الأمور التي نهى اللّه عنها (لاويين 4: 1- 5 ولاويين 5: 1-19) . غير أن الذبيحةالأولى كانت تُقدم للّه باعتبار الخطية نجاسة. أما الثانية فكانت تُقدم له باعتبار الخطية ذنباً، لأننا بارتكاب الخطية لا ننجّس أنفسنا فقط، بل نسيء إلى اللّه أيضاً.

(د) ذبيحة الملء أو التكريس الكامل: وكانت تُقدَّم عند التكفير عن الكهنة يوم إقامتهم بأعمالهم، للدلالة على أنهم أصبحوا مقدسين للّه ولخدمته (لاويين 8: 22-36) من الناحية الرمزية.

(ه) ذبائح مختلفة، وهي ذبيحة التطهير الخاصة بالأم عندما تلد (لاويين 12: 1-8) ، والأبرص عندما يبرأ (لاويين 14: 1-20) ، والمصاب بسيل عندما ينقطع سيله (لاويين 15: 1-15) . كما كانوا يقدمون ذبيحة عن كل بكر يولد من البشر أو البهائم النجسة. أما كل بكر بهيمة من الحيوانات الطاهرة، فكان يقدم بنفسه ذبيحة (العدد 18: 17) ، لأنه، دون البكر من الحيوانات النجسة، كان يليق تقديمه للّه. وتقديم التطهير عند الولادة سببه وصف أوجاع الولادة جزءاً من العقاب الذي وقّعه اللّه على المرأة بسبب خطيتها (تكوين 3: 16) . أما مرض البرص والسيل فصورتان للخطية: الأول من الناحية الظاهرية، والثاني من الناحية الباطنية. أما تقديم بكر كل بهيمة فسببه أن اللّه كان قد أنقذ أبكار بني إسرائيل وحيواناتهم من القتل عندما كانوا في أرض الفراعنة (خروج 12: 29) ، فأصبح كل بكر من هؤلاء وأولئك ملكاً له، من الواجب أن يُفتدى بذبيحة أو يقع عليه قضاء الله بالموت (خروج 13: 2 و15) .

ونلاحظ في هذه الذبائح:

(1) إنها كانت تُقدم عن خطايا السهو التي لا يعلم المرء بها إلا بعد صدورها منه، الأمر الذي يدل على أنها (على العكس مما يظن بعض الناس) ذنوب أمام اللّه، كما ذكرنا في الباب الأول.

أما الخطايا التي كانت تُرتكب عمداً فلم تكن لها كفارة ما، بل كان من الواجب أن يُقتل أو يُرجم فاعلها بناءً على قول اللّه: وأما النفس التي تعمل بيد رفيعة (أي عمداً) من الوطنيين أو من الغرباء، فهي تزدري بالرب، فتُقطع تلك النفس من بين شعبها لأنها احتقرت كلام الرب ونقضت وصيته (عدد 15: 30) . وقد قصد اللّه بذلك أن يعلمنا وجوب الابتعاد عن الخطية.

(2) لم يكن يُعفى من تقديم الذبائح أحدٌ حتى إذا كان فقيراً. لكن رأفة بالفقراء سمح اللّه لهم بتقديم ذبائح رخيصة الثمن، مثل الحمام أو اليمام (لاويين 14: 21 و22) .

(3) كانت هذه الذبائح تقدم على مذبح النحاس القائم في هيكل اللّه، فكان المفهوم لدى الجميع أنها مقدَّمة لأجل الحصول على الغفران، كما كان الذين يقدمونها يضعون أيديهم على رؤوسها ويقرّون عليها بخطاياهم، رمزاً لانتقال خطاياهم إلى الذبائح المذكورة، فكانت تعتبر كفارة أو فدية عنهم (لاويين 4: 4) .

(4) كان الشخص الذي يأتي بذبيحة السلامة يأكل جزءاً منها كما يأكل منها الكاهن الذي قدمها، رمزاً لاشتراكهما في التمتع بإحسان اللّه (لاويين 7: 11-38) . وذبيحة الإِثم التي لا يدخل الكاهن بدمها إلى قدس الأقداس، كان يأكل جزءاً منها وحده، رمزاً لأنه مسئول عن إِثم الناس الذين يوجدون في دائرة خدمته. أما ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية اللتان كان يدخل بدمهما إلى قدس الأقداس، فلم يكن يأكل منهما أحد. فكانت الأولى تُحرق على المذبح لأنها كانت تعتبر قرباناً طاهراً للّه للحصول على رضاه (لاويين 6: 8-13) . أما الثانية فكانت تُحرق خارج المحلة لأنها كانت تعتبر نجسة بسبب نيابتها عن خطاة يستحقون العذاب الأبدي بعيداً عن اللّه (لاويين 6: 24-30) .

(5) كان من الواجب بصفة عامة أن تكون الذبائح بلا عيب، فالحيوان الأعمى أو المكسور أو المجروح أو البثير أو الأجرب أو الأكلف أو مرضوض الخصية أو مسحوقها، لم يكن يُسمح بتقديمه ذبيحة للّه (لاويين 22: 21-25) ، وكان ذلك رمزاً إلى أن الفادي الذي يصلح كفارة عن الناس يجب أن لا يكون طاهراً فحسب، بل وأن يكون كاملاً من كل الوجوه أيضاً.

 

ثانياً: الفداء في الإسلام

كان الفداء بالذبائح الحيوانية معروفاً عند العرب قبل ظهور الإسلام، كما كانوا يعتزون به اعتزازاً كبيراً، فإن عبد الله بن عبد المطلب افتداه أبوه من القتل بنحر مائة من الإبل، ولذلك كانت السيدة آمنة بنت وهب تفخر بأن زوجها هو الذي استأثر دون رجال قريش بمجد الفداء (كتاب المولد للشيخ محمد برانق ص 17) .

والفداء في الإسلام أو الكفارة نوعان: (أ) بالأعمال الصالحة مثل: الصوم والصدقة والنسك والحج وعتق رقبة وترك القصاص واجتناب الكبائر والسعي على العيال. (ب) بتقديم الذبائح الحيوانية.

(أ) الكفارة بالأعمال الصالحة:

1 - جاء في سورة البقرة 2: 184 أن من يفطر يوماً في رمضان بسبب المرض أو السفر، عليه أن يصوم يوماً عوضاً عنه، إن كان قادراً. وإلا فعليه أن يقدّر الفدية اللازمة، وهي إطعام مسكين أو أكثر.

2 - وجاء في سورة البقرة 2: 196 أن من يتمتع بالعمرة إلى الحج، يجب أن يقدم ما تيسر له من الهدي. ومن لم يجد هدياً، ففديته صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى بلدته. أما من يمتنع عن الحج بسبب مرض أو أذى في رأسه، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك.

والعمرة والحج هما زيارة البيت الحرام بمكة. والفرق بينهما أن العمرة واجب، أما الحج فركن من أركان الدين. ثم أن العمرة ليست مقيدة بوقت، أما الحج فيكون في شهري ذي القعدة والعشرة الأيام الأولى من ذي الحجة. والواجبات الدينية التي تُمارس في العمرة تختلف عن التي تُمارس في الحج.

أما الهدي فهو ما يُهدى إلى الحرام من الإبل والبقر والغنم.

3 - وجاء في سورة المائدة 5: 45 أن من يترك حق توقيع القصاص على شخص سبق أن اعتدى عليه، يكون هذا الترك كفارة له.

4 - وجاء في سورة المائدة 5: 89 أن من يحنث في يمينه، فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإذا لن يجد، فعليه بصيام ثلاثة أيام.

5 - وجاء في سورة النساء 4: 31 أن التكفير عن الصغائر يكون باجتناب الكبائر. وورد في الأحاديث أن التكفير عن الكبائر يتم فقط بالحج المبرور والغزو في سبيل الله. وأن هناك ذنوباً لا يكفرها صوم ولا صلاة ولا جهاد، وإنما يكفرها السعي على العيال (تحفة المريد ص 109 وحاشية الأمير ص 147) .

6 - وقال دكتور محمد على أبو ريان في جريدة الأهرام القاهرية يوم 28-12-1967: الصوم بمعنى الكفارة أو التكفير عن الذنوب أو التعويض عن تقصير في ممارسة الشعائر الدينية يستهدف تعذيب النفس لاستدرار رحمة الله. والشعور بالألم نوع من العقوبة الذاتية التي يفرضها المرء على نفسه كعقاب عن الخطية .

وقال الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه الفداء في الإسلام : الفدية هي ما يقي بها الإنسان نفسه من مال يبذله عن عبادة قصَّر فيها، ككفارة اليمين، أو كفارة الصوم أو غيرهما .

(ب) الفداء بالذبائح الحيوانية:

يمكن الحصول على الغفران أيضاً بنحر الذبائح. واستيفاءً للبحث نتحدث فيما يلي عن الذبائح التي ذكرها القرآن، وعن أنواعها ومميزاتها الواردة في المراجع الإسلامية الهامة:

1 - جاء في سورة المائدة 5: 27 : واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر . قال الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه الفداء في الإسلام تعليقاً على هذه الآية: في القربان هنا معنى التضحية والفداء، وهو ما يتقرب به الإنسان إلى الله .

2 - وجاء في سورة الصافات 37: 107 أن الله فدى ابن إبراهيم بذبح عظيم. وقال البيضاوي في تفسيره: إن كلمة عظيم التي يوصف بها الكبش، يُقصد بها أنه عظيم القدر، لأن الله فدى به نبياً (ج5 ص 9) . وقال الدكتور أحمد الشرباصي تعليقاً على هذه الآية: أي جعلنا هذا المذبوح فداءً له وخلصناه به من الذبح . إذ لولاه لكان قد ذُبح ابن إبراهيم ومات.

ذهب علماء المسلمين من جهة ابن إبراهيم هذا مذهبين: فعكرمة وعبد الله بن مسعود وكعب وابن سابط وابن أبي هذيل يقولون إن الذبيح هو إسحق. أما ابن عباس وأبو طفيل والشعبي ومجاهد فيقولون إن الذبيح هو إسماعيل (الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزيري ج1 ص 62 و63) .

3 - وجاء في سورة الكوثر 108: 2 أن في عيد الأضحى تكون الصلاة أولاً، ثم النحر بعد ذلك. وقال البيضاوي: إن النحر هو التضحية (ج5 ص197) ، والتضحية كما نعلم هي الفدية . وعيد الأضحى في إيران يسمى عيد القربان أي عيد الذبيحة أو الأضحية. ومن الأدعية التي تُقال في هذا العيد هناك: اللهم اجعل هذه الذبيحة كفارة عن ذنبي وانزع الشر عني . فيكون النحر فدية عن النفس كما ذكرنا.

4 - وجاء في سورة البقرة 2: 196 ما معناه أنه إذا وقع حصار من الأعداء في أثناء الحج والعمرة، يجب تقديم ما تيسَّر من الهدي، ويُطلق على هذا الهدي اسم القربان (المصحف المفسّر ص 38) .

5 - وجاء في سورة المائدة 5: 95 أن من يقتل طيراً وهو محرم، فعليه بمثل ما قتل. ويقول بعض علماء الدين إن الضبع يُعوَّض عنه بكبش، والغزال بعنز، والأرنب والحمامة بشاة (كتاب الحج ص 46) .

6 - وجاء في كتاب الحج (ص 21-46) أن من لا يودع البيت قبل الخروج للسفر، فعليه دم، وكذلك من يحلق أو يطوف قبل الرمي، أو يقوم بعصب عضو من أعضائه، أو نتف شعر من أنفه أو إبطه وهو محرم، ناسياً أو جاهلاً. والمقصود بالرمي هنا رمي الحجارة على إبليس.

7 - وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (ج1 ص 202) أن الرسول ضحى مرة بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده الكريمة، كما نحر عن أزواجه. ومرة أخرى نحر ثلاثاً وستين ناقة بعدد سني حياته، وأمر علياً أن ينحر باقي المائة (البداية والنهاية ) ج5 ص 188 ، ومرآة الحرمين ج1 ص 91) . ومرة أخذ كبشاً فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد (شرح الآبي والسنوسي ج5 ص 296 و297) . وأيضاً اللهم هذا عني، وعمن لم يضحّ من أمتي (مشكاة المصابيح ص 420) .

8 - وجاء في تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب (ص 248) أن في اليوم السابع للمولود تقدم عنه ذبيحة تدعى العقيقة ، وهي سُنّة مؤكدة تُذبح وقت طلوع الشمس. فإن كان غلاماً ذُبحت عنه شاتان، وإن كانت جارية ذبحت عنها شاة. ويُسنّ أن لا يُكسر عظم العقيقة بل تفصل الأجزاء فحسب. وذبيحة الفصح عند اليهود لم يكن يُكسر أيضاً عظم منا (خروج 12: 46) . وجاء في رد المعاد في هدى خير العباد (ج2 ص3-5) : العقيقة تشبه العتق عن المولود فإنه رهين بعقيقته. فالعقيقة تفكه وتعتقه . ولذلك فهذه الذبيحة تشبه ذبيحة الفدية عن الأبكار لدى اليهود. وجاء في (صحيح البخاري ج3 ص66) أن الرسول قال مع الغلام عقيقة، فاهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى . ويُقال عند ذبح العقيقة اللهم هذه عقيقة ابني (فلان) . دمها بدمه ولحمها بلحمه، وعظمها بعظمه، وجلدها بجلده، وشعرها بشعره. اللهم اجعلها فداءً لابني من النار .

أما من جهة أنواع الذبائح وفوائدها والشروط الواجب توافرها فيها، فنقول:

1 - جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (ج1 ص 696-700) أن أنواع الهدي أربعة:

(أ) هدي التمتع والقران، وهو واجب في الحج والعمرة. والتمتع هو الإحرام بالعمرة ثم بعد ذلك بالحج. أما القران فهو الإحرام بالحج والعمرة معاً.

(ب) هدي الكفارة أو الفدية، وهو ما يقدم عند ترك واجب من الواجبات.

(ج) هدي النذر، وهو واجب عند وفاء النذر.

(د) هدي التطوع، وهو ما يتبرع به المحرم. وبمقارنة هذه الذبائح بالذبائح اليهودية، يتضح أن هناك كثيراً من الشبه. فهدي التمتع والقران يشبه ذبيحة المحرقة، وهدي الكفارة أو الفدية يشبه ذبيحتي الخطية والإثم، وهدي التطوع والنذر يشبهان ذبيحة السلامة. ويؤكل من هدي القران والتمتع، وكذلك من هدي التطوع. أما هديا النذر والكفارة فلا يؤكل منهما. وإن أكل إنسان منهما عليه أن يضمن القيمة للفقراء.

وهذه الشريعة لها ما يماثلها أيضاً في اليهودية، فكانت تصرح بالأكل من ذبائح السلامة وذبائح الإثم التي لا يدخل بدمها إلى قدس الأقداس، وتنهي عن الأكل من ذبائح المحرقة عامة، وعن ذبائح الخطية التي يُدخل بدمها إلى هذا المكان، وذلك للأسباب السابق ذكرها.

2 - وجاء في كتاب إحياء علوم الدين (ج1 ص 243) أن ذبح الهدي هو تقرب إلى الله بحكم الامتثال لذلك قيل: أكمل الهدي وأرجُ أن يُعتق الله بكل جزءٍ منه جزءاً منك من النار. فهكذا ورد الوعد أنه كلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر، فإن فداءك من النار أعم .

3 - وجاء في كتاب إحياء علوم الدين (ج2 ص 187) أنه لا يُضحَّى بالعرجاء والعضباء والجرباء والشرقاء والخرفاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء، والجدع في الأنف والقطع فيها والعضب في القرن وفي نقصان القوائم، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق والخرافاء من أسفل. ووجوب خلو الذبيحة حتى من العيوب الجسمية السطحية الطفيفة التي لا تؤثر بشيء على لحمها، دليل على أن الغرض الأساسي من ذبحها ليس مجرد إطعام الفقراء، بل التفكير بها عن نفس صاحبها، لأن الذبيحة الكفارية يجب أن تكون كاملة لا عيب فيها على الإطلاق.

4 - وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (ج1 ص 700) : ويندب أن يكون الصنف الذي يضحى به جيداً من أغلى النعم (النعم واحد الأنعام، ويطلق بصفة خاصة على الإبل) . وأن يكون أيضاً من مال طيب. ويكره جز صوفها وشرب لبنها قبل الذبح . وجاء في تنوير القلوب (ص 246) أنه يجب على صاحب الذبيحة عدم ركوبها قبل ذبحها، أو الأكل منها أو استخدام جلدها في شيء خاص به بعد ذبحها وهذا الشرط له ما يماثله تقريباً عند اليهود فقد جاء في (تثنية 15: 19) أن الحيوان المعين ليكون ذبيحة، يجب على صاحبه أن لا يشتغل عليه أو يجزه قبل ذبحه. وجاء في جريدة المصري (الصادرة في 8 سبتمبر 1949) مقال للشيخ محمد شلتوت عضو هيئة كبار العلماء وقتئذ، ينص على أنه من الواجب أن لا يُستعاض عن الذبيحة بتوزيع ثمنها على الفقراء، الأمر الذي يدل على أن الغرض الأساسي من ذبحها، ليس إطعامهم، بل التكفير بها عن نفس صاحبها.

 

- 5 -

الفداء في الوثنية

 

نبذ معظم الناس الوثنية من عهد بعيد. لكن لما كانت ولا تزال منتشرة في بلاد متحضرة، ويعتنقها إلى الآن أشخاص نالوا قسطاً وافراً من الثقافة، فلا بد أنها قامت على آراء جديرة بالبحث. وبدراسة هذه الآراء يتضح لنا:

(1) كان الوثنيون في أول الأمر يعبدون اللّه الواحد، لكن لعجزهم عن إدراكه، عبدوا الكائنات التي تصوّر لهم الصفات التي تخيَّلوها فيه، فرفعوا هذه الكائنات إلى مرتبة الألوهية، وتقدموا إليها بكل خشوع واحترام بعد غسل أجسادهم بماء كانوا يدعونه الماء المقدس ، كما قربوا لها الذبائح الحيوانية لينالوا (حسب اعتقادهم) غفرانها ورضاها. وكان معظم الوثنيين يعتزون بهذه الذبائح اعتزازاً عظيماً، فكانوا يزينونها بأزهار جميلة ويرقصون حولها، ثم يسلّمونها للكاهن ليتولى تقريبها إلى آلهتهم.

(2) وكان قدماء المصريين يواظبون على تقديم الذبائح الحيوانية لآلهتهم على مذبح خاص في كل هيكل من هياكلهم. وكان على الكهنة الذين يقرّبونها أن يحلقوا شعرهم وينظفوا ملابسهم حتى لا يكون بهم شيء من الهوام. وكانوا في أثناء تقريب تلك الذبائح ينشدون ترانيم معينة، ويقومون بشعائر دينية خاصة. أما عند استعطافهم للإِله تيفون فكانوا يحرقون الضحايا وهي حية. وبعد حرقها كانوا يذرّون رمادها في الهواء، ليُنتزع منهم (كما يعتقدون) كل شر يمكن أن يكون فيهم.

(3) وبلغ شعور الفرس والبابليين بشرّ الخطية شأناً عظيماً، حتى كانوا يشعلون ناراً أمام آلهتهم ويطرحون فيها أبناءهم ليكون المحترقون كفارةً عنهم، أو روّاداً يفسحون لهم الطريق إلى العالم الآخر، أو رسلاً يحملون المعونة لأقاربهم الذين رحلوا عن هذا العالم من قبل. ومما يثير الدهشة أنهم كانوا يحرقون أبناءهم وسط قرع الطبول وهتاف المغنين!!

(4) وكان الهنود يعذبون أنفسهم بطرق كثيرة مثل المشي على المسامير، وعدم تحريك أيديهم أو أرجلهم، أو قطع بعض أجزاء من أجسامهم. ظناً منهم أنهم بهذه الوسائل يكفّرون عن خطاياهم ويتخلّصون منها ومن عقابها. كما كانوا يقدمون أبناءهم طعاماً للحيوانات المؤلَّهة كالتماسيح، ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على عفوها ورضاها. فقد جاء في كتاب ال&يدا (الكتاب المقدس عندهم) أن الإنسان كفّر عن نفسه أولاً بنبات الأرض، ثم بالحيوان، ثم بأولاده. ويقول المؤرخون إن بعض الهنود، تحت تأثرهم بشناعة خطاياهم، وفداحة التضحيات التي كانوا يبذلونها في سبيل التكفير عنها، كانوا يقولون متى يا ترى نخلص نهائياً من خطايانا!! .

ومن المأثور عن الكاهن الذي كان يقدم الذبائح في الهند، أنه كان يطهّر أولاً نفسه بما كان يُدعى الماء المقدس ثم يطهّر الجو المحيط به بواسطة رسم دائرة واسعة في الفضاء بذراعه. وبعد فحصه للذبائح وتأكده من سلامتها، كان يدور حولها ثلاث مرات، وهو يحمل مشعلاً في يمينه. أما أصحاب الذبائح فكانوا يظلون بالقرب منها حتى يذبحها الكاهن ويأخذوا أنصبتهم منها، ويشاهدوا بعد ذلك بقاياها وهي تحترق بالنار. وكانوا يعتقدون أن من يأكل من الذبائح تنتقل إليه صفات الإِله المقدَّمة هذه الذبائح إليه. فقد جاء في الترانيم ال&يدية أن من يقدم محرقة إلى الإله براهما يتَّحد به، ولكن في دائرته.

(5) وكان اليونان والرومان، يؤمنون بآلهة متعددة للزراعة والإخصاب والجمال والحرب وغير ذلك. وخشية أن يكونوا قد نسوا واحداً منها بنوا مذبحاً وكتبوا عليه: لإله مجهول ، وكانوا يقدمون لهذا الإله وغيره من الآلهة الكثير من الذبائح الحيوانية. ولم تكن هذه العادة عند عامتهم فحسب، بل وعند خاصتهم أيضاً. فسقراط عندما تذكر قبل موته أنه مدينٌ بديكٍ لإِله الطب اسكولابيوس أوصى تلميذه أن ينوب عنه في تقديم هذا الدّيك. وأفلاطون الذي ارتقى روحياً عن معاصريه، فأدرك الشيء الكثير عن وحدانية اللّه والفضيلة التي يجب مراعاتها، ذكر حقيقة سامية من جهة الذبائح لم يدركها كثيرون منهم، فقال: الذبائح ضرورية، لكنها لا تنفع البشر إلا إذا توافرت فيهم النية الصالحة . ولعله قصد بهذه النية، التوبة عن الخطية والعزم الوطيد على السلوك حسب قوانين الفضيلة.

ونظراً لانتشار الذبائح في الوثنية واليهودية معاً، ظن بعض الناس أن اليهود نقلوا عادة تقديمها من الوثنيين الذين كانوا يختلطون بهم. لكن هذا الظن باطل للأسباب الآتية:

(أ) اقترن تقديم الذبائح لدى الوثنيين بالفسق في كثير من الأحيان. أما تقديم الذبائح عند اليهود فاقترن بالقداسة والخشوع التام أمام اللّه الذي أعلن لهم أنه قدوس ويبغض الشر حتى في أبسط مظاهره. (اقرأ مثلاً: لاويين 11: 44 ويشوع 24: 19 و1صموئيل 2: 2) . وعندما حاول اليهود مرة أن يقتدوا بالوثنيين المذكورين، أمر اللّه موسى أن يقتلهم بالسيف، فقتل منهم وقتئذ ثلاثة آلاف رجل (خروج 32: 4-29) ، كما هددهم بالموت إذا تشبَّهوا بالوثنيين في نجاساتهم ورجسهم وأكلهم للدم وتفاؤلهم وتشاؤمهم ونقش الوشم على أجسادهم، والاتصال بالجان في تدبير شؤونهم (لاويين 18-20) .

(ب) لم يكن الوثنيون يقدمون الذبائح للتكفير عن خطاياهم فقط، بل وأيضاً ليُرضوا الأرواح الشريرة التي كانوا يعتقدون أنها تزعجهم، أو ليبعدوها عن أجساد الذين لبستهم وترحل إلى عالمها، فاقترن تقديم الذبائح لديهم بالشعوذة. فكانوا يقربون لآلهتهم وحوش البرية والطيور الجارحة (التي كان من المحرّم على اليهود تقديمها للّه) ، كما كانوا يشربون الدم ولا يحرقون أي ذبيحة بأكملها، على النقيض مما كان يفعله اليهود.

(ج) كان عند الوثنيين في كل بلد الكثير من المذابح التي اتَّخذوها قِبلات لصلاتهم، فكانوا يبالغون في تزيينها ونقش صور آلهتهم عليها، كما كانوا يشيدونها على المرتفعات ليفخروا بها. أما اليهود فكان عندهم مذبح واحد في هيكل أورشليم. وقبل بناء هذا الهيكل، كان اللّه يطلب منهم أن يصنعوا المذبح من التراب أو من حجارة لم يمسسها إزميل، لتكون منخفضة، وفي الوقت نفسه لا تكون ذا شكل يجذب الأنظار إليها في ذاتها (خروج 20: 24 و25) .

(د) كان ملوك الوثنيين يقومون أحياناً بتقديم الذبائح. أما اليهود فقصروه على الكهنة فقط الذين أقامهم اللّه. وقد حاول مرة أحد ملوك بني إسرائيل أن يرفع بخوراً في الهيكل للّه، فضربه اللّه بالبرص (2أخبار 26: 18 و19) .

(ه) كان كهنة الوثنيين يحلقون رؤوسهم بالموسى، أو يربّون خصلاً، كما كانوا يشربون الدم ويقتنون الأملاك. أما كهنة اليهود فكانوا يجزّون شعر رؤوسهم، ولا يربّون خُصلاً، ولا يشربون الدم، ولا يقتنون أملاكاً، لتكون كل آمالهم وجهودهم مركزة في خدمة الرب.

(و) بالرجوع إلى التاريخ نرى أن الذبائح ليست دخيلة على اليهودية بل أصيلة فيها. فقد كان يقدمها آباء اليهود الأوائل مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب. كما كان يقدمها قبلهم رجال اللّه الأتقياء مثل هابيل ونوح، قبل ظهور الوثنية على الأرض بأجيال متعددة. أما الذي نقله اليهود عن الوثنيين في فترة من الزمن، فهو عادة تقديم أبنائهم ذبيحة للوثن مولك وقد نهاهم اللّه كثيراً عن هذه العادة، كما أنزل عليهم بسببها قصاصاً شديداً (إرميا 7: 31-34) .

وهنا يثور سؤال: كيف تسرب إلى الوثنيين الاعتقاد بوجوب تقديم الذبائح الحيوانية لآلهتهم؟.. والإجابة: طبعاً تسرَّب إليهم من أجدادهم الأوائل: حام وسام ويافث، الذين تكونت منهم الأجناس البشرية في آسيا وإفريقية وأوروبا على التوالي، كما يتضح من الكتاب المقدس وكتب الجغرافية. وكان سام وحام ويافث بحكم علاقتهم مع نوح أبيهم يعرفون وجوب تقديم الذبائح للّه (تكوين 6: 10) . لكن على مرّ الأيام نسي أبناؤهم (الذين عُرفوا فيما بعد بالوثنيين) الرب، وبقي اسمه فقط عالقاً بأذهانهم، لذلك كانوا يطلقونه على الكائنات التي تخيَّلوا أنها تتَّصف بصفاته، فكانوا يقدمون الذبائح والقرابين إليها وفقاً للمراسيم التي اخترعوها كما ذكرنا. ومن المحتمل أن يكون المفكرون منهم مثل سقراط وأفلاطون رأوا وجوب تقديم هذه الذبائح نتيجة لشعورهم الشخصي بشناعة الخطية، ورغبتهم في تجنب القصاص الذي يستحقونه من العدالة الإلهية بسببها، وبذلك سَرَت عادة تقديم الذبائح بين بعض الوثنيين.

 

- 6 -

أهمية سفك دم الذبائح في الحصول على الغفران

 

تعتري بعض الناس دهشة عظيمة عندما يرون الأضاحي الكثيرة التي كانت ولا تزال تُقدَّم في معظم بقاع الأرض. لكن لا داعي للدهشة على الإطلاق، لأنه لما كان الصفح عن الخطية أثمن شيء لدى المؤمنين باللّه، ولما كانت الوسيلة الوحيدة للحصول على هذا الصفح هي الفدية، كان من البديهي أن يضحي هؤلاء المؤمنون بهذه الكمية الهائلة من الذبائح. ولزيادة الإِيضاح نتحدث عن النقاط الآتية:

1 - أهمية سفك دم الذبائح للتكفير، في اليهودية والمسيحية:

قال اللّه لموسى النبي: لأن نفس الجسد هي في الدم. فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفّر عن النفس (لاويين 17: 11) وقال الرسول بولس للمسيحيين: بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عبرانيين 9: 22) . وبما أن دم الحيوان يجري في جميع أجزاء جسمه ويبعث الحياة إليها، وبما أن الذي يقوم بهذه المهمة هو النفس، لذلك تكون نفس الحيوان في دمه، كما أعلن الكتاب المقدس.

أما السبب في أن الدم هو الوسيلة الوحيدة للمغفرة أو الفداء، فيرجع إلى أن حياة الحيوان هي في دمه. وبما أنه بسفك دمه تفارقه حياته، كان من البديهي أن يُعتبر سفك الدم تعويضاً عن نفس الخاطئ، فينجو من القصاص الذي يستحقه، ويحصل على المغفرة التي يحتاج إليها.

2 - عدم صلاحية القرابين غير الدموية للتكفير عن النفس:

رفض اللّه قربان قايين (أخي هابيل) لأنه لم يكن ذبيحة دموية، بل كان ثمراً من ثمار الأرض. فقد قال الوحي عن اللّه إلى قايين وقربانه لم ينظر (تكوين 4: 5) .

وهنا يثور سؤال: إذا كان الغفران يتوقّف على سفك الدم، فلماذا لم يرشد اللّه قايين، كما أرشد هابيل أخاه، إلى ضرورة تقديم ذبيحة دموية؟ وللرد على ذلك نقول: إن اللّه أرشده كما أرشد أخاه تماماً، لكن قايين هو الذي شاء أن يقدم قرباناً حسب استحسانه، فاستحقَّ أن يلومه اللّه بالقول إن أحسنت (اختيار الذبيحة) أفلا رفعٌ؟ أو بالحري أَمَا كان يرتفع وجهك، وتنال القبول أمامي مثل أخيك (تكوين 4: 7) . واللوم لا يُوجَّه إلا للشخص الذي يخالف وصية سبق تبليغها إليه.

ويرجع السبب في قبول اللّه لهابيل إلى أن قربانه يبرهن على اعتماده على الفداء بالدم. وأن سبب رفض الله لقايين أن قربانه برهن على اعتماده على الاجتهاد الشخصي في قبول الله له، لأن هذا الاجتهاد مهما كان شأنه، لا يستطيع أن يكفر عن الخطية، لأن أجرة الخطية هي موت : موت فاعلها أو موت من ينوب عنه، وليس القيام بعمل من الأعمال التي ندعوها الصالحة أو النافعة.

أما القول إن اللّه رضي عن هابيل لأنه كان تقياً، ورفض قايين لأنه كان شريراً، فنقول: إن هابيل كان مولوداً بطبيعة تميل إلى الخطية مثل أخيه تماماً. ولا شك أنه كان يرتكب الخطية مثل أخيه، إن لم يكن بالفعل فبالفكر أو القول. فيرجع السبب في قبول اللّه لهابيل ورفضه لقايين إلى نوع القربان الذي قدمه كل منهما. وهذا هو الدليل على صدق قول الوحي عن هابيل إن اللّه شهد لقرابينه (وليس شهد له أو لأعماله) (عبرانيين 11: 4) .

3 - تحريم شرب الدم: لما كان الدم هو الوسيلة التي عينها اللّه للغفران، حرم على البشر شربه. فقال لبني إسرائيل: كل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء النازلين في وسطكم يأكل دماً، أجعل وجهي ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها (لاويين 17: 10) . كما قال لنوح وأولاده من قبل، عندما سمح لهم لأول مرة في التاريخ بأكل اللحم: كل دابة حية تكون لكم طعاماً، كالعشب الأخضر دفعتُ إليكم الجميع. غير أن لحماً بحياته دمه (أي بدمه الذي فيه الحياة) لا تأكلوه (تكوين 9: 3 و4) . وبذلك نهى ليس عن شرب الدم فقط، بل وأيضاً عن الحيوانات التي لم يُسفك دمها. لأنه قال في موضع آخر ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوا (خروج 22: 31) . كما قال عن الكاهن في العهد القديم وميتة أو فريسة لا يأكل (لاويين 22: 8) . ولما جاءت المسيحية نهت أيضاً عن شرب الدم وأكل لحم الحيوان الذي لم يُسفك دمه، فقد قال الرسُل للمؤمنين وأن تمتنعوا عن الدم والمخنوق (أعمال 15: 29) .

 

الاعتراضات التي توجَّه ضد الحقائق السابقة والرد عليها

 

1 - نَهى اللّه عن شرب الدم لأنه شر في ذاته، وليس لنا أن نسأل عن ماهية هذا الشر، إذ يكفي أن نطيع اللّه في كل ما يأمرنا به.

الرد: ليست المادة في ذاتها شراً، بل الشر هو في سوء استعمالها، فالمواد المخدرة مثلاً، من حيث هي مواد نباتية أو كيمائية، ليست شراً، لأنها تُستعمل بأمر الأطباء في علاج بعض الأمراض. إنما الشر هو في استعمالها لخدمة الأهواء الجسدية. وبما أن الدم فضلاً عن أنه ليس شراً في ذاته، يحتوي على عناصر مغذية للجسم. ومنه يصنع الهيموجلوبين لعلاج حالات فقر الدم، إذاً ليس من المعقول أن يكون اللّه قد نهانا عن شرب الدم لذاته.

2 - نَهى اللّه عن شرب الدم، لأن حاسة الذوق فينا لا تقبله.

الرد: يعرف الإِنسان، بل والحيوان أيضاً، بالطبيعة طعم الأشياء، فيأكل منها ما يتفق مع ذوقه ويرفض ما لا يتفق معه، دون أن يكون في حاجة إلى أمر أو نهي من اللّه عن هذا أو ذاك. فضلاً عن ذلك فهناك أشياء كثيرة (كسلوفات الصودا مثلاً) لا تقبلها حاسة الذوق فينا، ومع ذلك ليس هناك من يقول إنه محرَّم علينا استعمالها.

3 - نهى اللّه عن شرب الدم لأنه يثير الشهوة في الإِنسان، كما يحوّله إلى وحش مفترس.

الرد: إن كانت بعض الأطعمة تبعث النشاط إلى جسم الإِنسان، لكن الذي يثير الشهوة فيه ليس تناول هذه الأطعمة، بل التفكُّر في الشهوة المذكورة. ثم إن كثيرين من المرضى يأكلون (بناءً على نصيحة الأطباء) الكبد دون طهي أو شيّ، (والكبد كما نعلم كلها دم) ، ومع ذلك لم يفترسوا أحداً.

مما تقدم يتضح لنا أنه ليس هناك سبب معقول لتحريم شرب الدم سوى ذاك الذي ذكره الوحي الإِلهي، وهو لأن الدم يكفّر عن النفس (لاويين 17: 11) ، الأمر الذي يدل على أن الوسيلة الوحيدة التي عيّنها اللّه للقبول أمامه، هي الفداء بالدم.

 

- 7 -

تطوّر الآراء من جهة الفداء بدم الذبائح

 

لا تزال الذبائح الحيوانية تشغل إلى الآن مركزاً عظيماً بين كثير من الناس في بلاد متعددة، غير أن فكرة تقديمها لأجل الحصول على الغفران أخذت في التطوّر بين رجال اللّه منذ عهد بعيد. ولنقف على الأسباب التي أدّت إلى هذا التطور نقول:

1 - عدم كفاية الذبائح الحيوانية للفداء:

بما أن الفدية التي تصلح للتكفير عن الإِنسان يجب أن تكون معادلة له في القيمة لتكون كافية للتعويض عنه، وبما أن نفس الإِنسان روحية خالدة وذات خواص أخلاقية وعقلية سامية، بينما نفس الحيوان فضلاً عن أنها دموية لا خلود لها، إذاً لا يمكن أن تكون في ذاتها كافية لفداء الإِنسان والتكفير عنه أمام عدالة اللّه.

2 - أسباب استعمال الذبائح الحيوانية للفداء:

يتساءل بعض الناس: إذا كانت الذبائح الحيوانية غير كافية في ذاتها للتكفير عن الإنسان، فلماذا أمر اللّه بتقديمها؟

الرد: لم يكن الإنسان في العصر الأول يقدّر القيم الأخلاقية تقديراً صحيحاً، كما يشهد بذلك الكتاب المقدس وكتب التاريخ، فكان يتعذر عليه إدراك نتائج الخطية في نفسه، أو مقدار الإساءة التي يوجهها إلى اللّه بفعلها. فمن البديهي أن يبدأ اللّه وهو الحكيم العارف بطباع البشر وطرق تعليمهم وتهذيبهم، بإظهار خطورة الخطية ووخامة عواقبها بوسائل ملموسة تستطيع عقولهم البدائية فهمها وإدراكها. وذلك بتصوير الموت الذي هو النتيجة الحتمية للخطية بعمل يمكنهم رؤيته بعيونهم وفهم معناه بعقولهم، كما هي الحال في تعليمنا للأطفال، فإننا نقدّم لهم الصور قبل الكلمات المعبِّرة عنها، لأنهم يستطيعون إدراك مدلول الصور قبل إدراك معاني الكلمات. ولما كان الحيوان هو أقرب الكائنات إلى الإِنسان شعوراً بالراحة والألم، كما تظهر عليه بوضوح علامات الحياة والموت، كان بديهياً أن يعلن اللّه للخطاة ما يستحقونه من عذاب مصوَّراً في ذبح حيوان وحرقه، ليدركوا أنه بسبب خطاياهم كان يجب أن يكونوا مكان هذا الحيوان، لكن اللّه من باب العطف عليهم سمح به كفارة عنهم. ولذلك كانوا يشعرون بشناعة الخطية، ويشكرون اللّه لأنه جعل لهم طريقاً للخلاص من قصاصها.

3 - أسباب تطوّر الآراء من جهة الذبائح الحيوانية:

لكن بارتقاء البشر أخلاقياً وروحياً، أخذوا يدركون نجاسة الخطية وتأثيرها الشنيع على نفوسهم، وفداحة الإساءة التي يوجّهونها إلى اللّه بارتكابها، فأدركوا أن الذبائح الحيوانية لا يمكن أن تكون في ذاتها هي الفدية التي قصدها اللّه للخلاص من عقوبة الخطية. وقد صدَّق اللّه على إدراكهم هذا فقال اسمع يا شعبي فأتكلّم. لا على ذبائحك أوبّخك، فإن محرقاتك هي دائماً قدامي. لا آخذ من بيتك ثوراً ولا من حظائرك أعتدة (أي جداء) ، لأن لي حيوان الوعر (أي الغابة) ، والبهائم على الجبال الألوف... هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس؟ اِذْبَحْ للّه حمداً وأوفِ العلي نذورك وادْعُني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني (مزمور 50: 7-15) . وقال داود النبي: لأنك لا تُسرّ بذبيحة. وإلا فكنتُ أقدّمها. بمحرقةٍ لا ترضى (مزمور 51: 16) . وتساءل ميخا النبي: بِمَ أتقدم إلى الرب وأنحني للإِله العلي؟ هل أتقدم بمحرقات، بعجول أبناء سنة؟! هل يُسرُّ الرب بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت؟! هل أعطي بِكري عن معصيتي، ثمرة جسدي عن خطية نفسي؟! (ميخا 6: 6 و7) .

هذا هو ما انتهى إليه الأنبياء الذين كانوا يؤمنون باللّه ويعملون كل ما في وسعهم لينجوا من عقابه ويحصلوا على ثوابه، كما كانوا يكثرون من الصلوات والأصوام وأعمال الرحمة والإحسان وتقديم الذبائح والقرابين، ومع ذلك كانت خطاياهم على الرغم من قلتها أكثر وأشنع من أن يجدوا لها بهذه الوسائل غفراناً. لذلك قطعوا الأمل من جهة القبول أمام اللّه، فقال أيوب ليس بيننا (أي بينه وبين اللّه) مصالح يضع يده على كلينا. ليرفع (اللّه) عني عصاه ولا يبغتني رعبه . وقال أيضاً: فكيف يتبرر الإِنسان عند اللّه؟ (أيوب 9: 33 و34) . كما قطعوا الأمل من وجود أي فدية عن نفوسهم. فقال داود النبي الأخ لن يفدي الإنسان فداءً، ولا يعطي اللّه كفارة عنه. وكريمة هي فدية نفوسهم، فغَلِقَت إلى الدهر (مزمور 49: 7 و8) . أي أن الإِنسان لا يستطيع أن يفدي أخاه الإِنسان مهما كانت علاقة المحبة التي بينهما، لأن الفدية الحقيقية ليست في متناول البشر على الإطلاق (كما سيتضح في الباب الرابع) . وقد صدَّق المسيح على اعتقادهم فقال ماذا ينتفع الإِنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإِنسان فداء عن نفسه؟ (متى 16: 26) .

لقد تحيَّر هؤلاء الأفاضل وشعروا بعجزهم عن معرفة الفدية الحقيقية التي تصلح للتكفير عنهم، لأنهم لتأثرهم بقداسة اللّه تأثراً حقيقياً كانوا يرون الخطية كما هي بكل شناعتها وخطورتها. أما البعيدون عن اللّه فلا يستطيعون رؤية الخطية في هذه الصورة، فيظنون أنه من السهل الحصول على الغفران بواسطة أي عمل من الأعمال التي يطلقون عليها الأعمال الصالحة. لكن لو تطلعوا إلى ذواتهم في نور عدالة اللّه وقداسته اللتين لا حدّ لهما كما فعل هؤلاء الأفاضل، لاستطاعوا أن يدركوا عجزهم الكلي عن محو خطاياهم بكل أعمالهم الخيرية وممارساتهم الدينية، ولصرخ كل واحد منهم كما صرخ إشعياء النبي قديماً ويل لي إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين! (إشعياء 6: 5) ، ولتهيأوا تبعاً لذلك لمعرفة الطريق الذي أعلنه اللّه للخلاص من عقوبة الخطية ونتائجها الشنيعة، والذي سنوضحه فيما يلي.

الاعتراضات الموجهة ضد هذه الحقائق والرد عليها:

1 - ءيدل عدم طلب اللّه ذبيحة من بني إسرائيل الوارد في مزمور 50: 7-15 على عدم ضرورة تقديم الذبائح للحصول على الغفران. كما أن قول اللّه على لسان إرميا النبي لليهود ضمُّوا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكُلوا لحماً، لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة (إرميا 7: 21-22) يدل على وجوب عدم تقديم الذبائح المذكورة.

الرد: المقصود من مزمور 50: 7-15 ليس النهي عن تقديم الذبائح للحصول على الغفران، بل التنبيه إلى عدم استطاعة البشر أن يقدموا الذبيحة الكافية عن خطاياهم، فإن اللّه تولَّى تدبيرها بنفسه (عبرانيين 10: 5-9) والدليل على ذلك أن اللّه حرّضهم بعد هذه الآيات ب 600 سنة تقريباً بواسطة ملاخي النبي على تقديم الذبائح التي لا عيب فيها، فقال لهم: إن قرَّبتم الأعمى ذبيحة، أفليس ذلك شراً؟ وإن قربتم الأعرج والسقيم، أفليس ذلك شراً؟ (ملاخي 1: 8) .

وبالرجوع إلى إرميا 7: 21-22 نرى أن المراد ليس وجوب امتناع اليهود عن تقديم الذبائح، بل وجوب توبتهم للّه وإصلاح طرقهم أمامه، لأنهم كانوا يظلمون الغريب واليتيم والأرملة، كما كانوا يسفكون دماء الأبرياء ويركضون وراء العبادة الوثنية، وبعد ذلك كانوا يتقدمون بذبائحهم إلى اللّه! (إرميا 7: 1-15) .

الباب الرابع

تفرُّد اللّه بالقدرة على

الفداء الحقيقي

 

- 1 -

الشروط الواجب توافرها في الفادي، وإمكانية تحقيقها

عجز الأنبياء وهم صفوة الناس عن الاهتداء إلى الفدية التي تصلح للتكفير عنهم، على الرغم من أصوامهم وصلواتهم وصدقاتهم وذبائحهم المتعددة، لأنهم وجدوا وجوب اشتمال هذه الفدية على مميزات يتعذَّر تحقيقها في نظرهم. ولذلك سنبحث فيما يلي على قدر ما يتسع المجال أمام عقولنا، عن الشروط التي يجب توافرها في الفدية، أو بالحري في الفادي، ليكون قادراً على التكفير عن خطايانا تكفيراً حقيقياً، وعلى تحمُّل كل قصاصها، إيفاءً لمطالب قداسته التي لا نهاية لها، حتى يمكن الحصول على الغفران والتمتع بحضرة اللّه.

أولاً - الشروط الواجب توافرها في الفادي

1 - بما أن الفدية يجب أن تكون على الأقل مساوية في قيمتها للشيء المطلوب فداؤه. وبما أنه لا يساوي الإِنسان إلا إنسان مثله لأنه ليس له نظير بين الكائنات يعادله ويساويه. لذلك فالفدية أو بالحري الفادي الذي يصلح للتكفير عن نفوسنا، يجب أن لا يكون حيواناً بل أن يكون على الأقل إنساناً.

2 - وبما أن هذا الفادي سيكون فادياً ليس لإِنسان واحد بل لكل الناس، لتعذُّر وجود فادٍ لكل واحد من بلايين البشر الذين يعيشون في العالم، في كل العصور والبلاد، يجب أن تكون قيمته معادلة لكل هؤلاء الناس مجتمعين.

3 - وبما أنه لو كان الفادي من جنس يختلف عن جنسنا (على فرض وجود مثل هذا الجنس) ، لما استطاع أن يكون نائباً عنا، لأن النائب يجب أن يكون من جنس الذين ينوب عنهم، لذلك فإنه مع عظمته التي ذكرناها يجب أن يكون واحداً من جنسنا.

4 - وبما أنه لو كان الفادي خاطئاً مثلنا، لكان محروماً من اللّه وواقعاً تحت قضاء القصاص الأبدي نظيرنا، ولا يستطيع تبعاً لذلك أن ينقذ واحداً منا من هذا المصير المرعب، لأنه يكون هو نفسه محتاجاً إلى من ينقذه منه، لذلك فالفادي مع وجوب كونه واحداً من جنسنا، يجب أن يكون خالياً من الخطية خلواً تاماً.

5 - وبما أن خلوَّه من الخطية (وإن كان أمراً سامياً) لا يقوم دليلاً على كماله، وبالتالي على أهليته ليكون فادياً. فآدم مثلاً رغم أنه خُلق خالياً من الخطية غير أنه لم يكن معصوماً منها، لأنه عندما عاش على الأرض سقط فيها، لذلك لا يكفي أن يكون الفادي خالياً من الخطية، بل يجب أن يثبت بالدليل العملي أنه معصوم منها أيضاً.

6 - ولو كان هذا الفادي مخلوقاً، لكان بجملته ملكاً للّه. وشخص ليس ملكاً لنفسه بل ملكاً للّه، لا يحقّ له تقديم نفسه فدية للّه عن إنسان ما. إذاً فالفادي يجب أن يكون أيضاً غير مخلوق ليكون من حقه أن يقدم نفسه كفارة.

7 - بما أنه لا يمكن الحصول على الغفران والتمتع بالوجود في حضرة اللّه إلا إذا تمّ أولاً إيفاء مطالب عدالته وقداسته التي لا حدَّ لها، إذاً فالفادي يجب أن يكون أيضاً ذا مكانة لا حدَّ لسموها حتى يستطيع أن يوفي مطالب العدالة بتحمُّل كل قصاص الخطية عوضاً عنا، وأن يوفي مطالب القداسة بإمدادنا بحياة روحية ترقى بنا إلى درجة التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية.

فترى من يكون هذا الفادي العظيم القدر، الخالي من الخطية والمعصوم منها، غير المخلوق في ذاته، وغير المحدود في مكانته، حتى يستطيع متطوعاً أن يفي مطالب عدالة اللّه التي لا حدَّ لها عوضاً عنا، ويبعث فينا أيضاً حياة روحية ترقى بنا لدرجة التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، وليس من يتصف بهذه الصفات أو يستطيع القيام بهذه الأعمال سوى اللّه؟ فهل هذا الفادي بجانب إنسانيته الممتازة يجب أن يكون هو اللّه؟!

حقاً إنه لسؤال خطير، لكن جوابه واضح كل الوضوح، ولا مفر منه على الإِطلاق.

ثانياً: إمكانية تحقيق الشروط السابقة

1 - يقدر الله أن يتَّخذ ناسوتاً من جنسنا ليكون فيه فادياً لنا. وباتّخاذه هذا الناسوت (أ) لا ينحصر في مكان ما، لأن اللاهوت لا يتحيز بحيز. ووجوده في مكان (حسب تقديراتنا البشرية) لا يمنع وجوده في مكان آخر في نفس الوقت. (ب) باتخاذه هذا الناسوت لا يفقد شيئاً من مجده الذاتي، لأن هذا المجد لا يتعرض للزيادة أو النقصان على الإطلاق. (ج) اتخاذه هذا الناسوت أمر تتطلبه رغبته في أن تكون لنا جميعاً علاقة حقيقية معه، إذ لا يمكن أن تتم هذه العلاقة إذا ظل بعيداً عن مداركنا، وظللنا نحن بعيدين عن التوالف معه.

والناسوت مصدر من الإنسان يُراد به الطبيعة البشرية بما تحويه من جسد ونفس وروح. أما كلمة اللاهوت فهي على وزن الناسوت والجبروت، يُراد بها جوهر اللّه، وجوهر اللّه هو عين ذاته، لأنه لا تركيب فيه على الإطلاق، أما الألوهية فهي مصدر منسوب إليه، مثل الفروسية المنسوبة إلى الفارس.

2 - والشرط الخاص بخلو هذا الناسوت من أي ميل للخطية يمكن تحقيقه، لأن اللّه عندما يتخذ لنفسه ناسوتاً لا يحتاج الأمر في تكونه إلى بذرة حياة من رجل ما، لأنه هو الحياة نفسها. وبما أن الطبيعة التي تميل إلى الخطية لا تنتقل إلى الإنسان إلا بواسطة التناسل الطبيعي، فمن البديهي أن يكون هذا الناسوت خالياً من الطبيعة المذكورة، ويكون أيضاً بسبب كماله الذاتي قادراً على أن يكون معصوماً من السقوط في الخطية.

3 - ويمكن تحقيق الشرط الخاص بوجوب مساواة نفسه لنفوسنا في القيمة، إذا عرفنا أن ناسوت اللّه فضلاً عن كونه مقترناً به كل الاقتران، الأمر الذي يجعل قيمته لا حد لها، فإن هذا الناسوت قدوس كل القداسة، والقدوس أعظم من كل الخطاة بما لا يقاس.

4 - والشرط الخاص بوجوب امتلاك الفادي لناسوته (أي بأنه غير مخلوق بواسطة كائن ما) من البديهي أن يتوافر فيه، لأن هذا الفادي هو اللّه، واللّه هو الخالق لكل الأشياء ومالكها.

5 - ومن البديهي أن يتوافر فيه الشرط الخاص بوجوب احتمال قصاص الخطية عوضاً عنا ليوفي مطالب العدالة الإِلهية التي لا حد لها، لأنه بوصفه هو اللّه، يحيط بمطالب هذه العدالة، ويقدر أيضاً أن يحققها في الناسوت الذي يتخذه.

6 - ومن البديهي أن يتوافر فيه الشرط الخاص بوجوب استطاعته أن يرقى بنا في حالة التوافق مع اللّه، لأنه في ذاته هو اللّه، واللّه هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة.

مما تقدم نرى أن الشروط الواجب توافرها في الفادي ليست معقولة فحسب، بل ويمكن تحقيقها بوسيلة معقولة أيضاً.

 

- 2 -

أدلة كتابية على تفرُّد اللّه بمهمة الفداء

 

أولاً - شهادة التوراة:

(1) قال موسى النبي للّه: ترشد برأفتك الشعب الذي فديته (خروج 15: 13) . ولم يكن المقصود بفداء اللّه لبعض البشر في العهد القديم، فداء أرواحهم، بقدر ما كان يُراد به فداء أجسادهم، أي إنقاذهم من الموت بوسيلة ما. أما فداء اللّه لنا، بمعنى احتماله في نفسه كل خطايانا لإِنقاذنا من القصاص الأبدي الذي نستحقه بسببها فلم يُعلن (كما سيتضح فيما يلي من هذا الباب) إلا في المسيحية.

ولما كان قصد اللّه منذ الأزل أن يقوم بهذه المهمة، ترد الأفعال الخاصة بها في التوراة فديتَه في الزمن الماضي، كما يتضح من خروج 15: 13 ومما سنقتبسه بعد ذلك. أما إذا وردت في صيغة المضارع، فيكون المُراد بها التحدث عن الفداء أو التكفير كحقيقة من الحقائق الإلهية الثابتة، لأن التعبير عن هذه الحقائق يُصاغ في الفعل المضارع. وقال موسى أيضاً للّه: اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب (تثنية 21: 8) وهذا يعني أنه لا غفران إلا بعد الفداء.

(2) وقال حزقيا الملك التقي الرب صالح يكفر عن كل من هيَّأ قلبه لطلب اللّه (2أيام 30: 18 و19) .

(3) وقال أيوب عن اللّه فدى نفسي من العبور إلى الحفرة، فترى حياتي النور (أيوب 33: 28) .

(4) وقال داود النبي الرب فادي نفوس عبيده (مزمور 34: 22) . وقال أيضاً إنما اللّه يفدي نفسي من يد الهاوية (مزمور 49: 15) . كما خاطب نفسه قائلاً عن اللّه: الذي يفدي من الحفرة حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة (مزمور 103: 4) ، لأنه إله خلاصي (مزمور 25: 5) . وقال للّه: معاصينا أنت تكفر عنها (مزمور 65: 3) والخلاص المقصود هنا هو الخلاص من الضيقات والآلام، كما يراد به الخلاص من الخطية ونتائجها.

(5) وقال إشعياء النبي فادينا رب الجنود اسمه (إشعياء 47: 4) . وقال أيضاً: الرب قد فدى يعقوب (إشعياء 44: 23) . وقال اللّه على لسانه إلهٌ بارّ ومُخلِّص، ليس سواي (إشعياء 45: 21) والبار هو العادل، والمخلِّص هو الرحيم، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، إلا إذا قبل المخلّص تحمُّل نتائج خطايانا عوضاً عنا تحقيقاً للعدالة. وإلا كان الخلاص رحمة لا سند لها من العدالة، فلا تكون العدالة ثابتة ولا راسخة. كما قال للشعب الخاطئ إرجع إليّ لأني فديتك (إشعياء 44: 22) .

(6) وقال زكريا النبي عن اللّه ويخلّصهم. الرب إلههم (زكريا 9: 16) . ويُقصد بالرب الإله هنا المسيح من الناحية الجوهرية (كما سيتضح فيما يلي من هذا الفصل) وبذلك يكون المعنى أن اللّه يخلّص البشر بواسطة المسيح. وقال اللّه على لسانه أجمعهم لأني قد فديتهم (زكريا 10: 8) .

ثانياً - شهادة الإنجيل:

(1) قالت العذراء مريم عن اللّه اللّه مخلصي (لوقا 1: 47) . قاصدة بذلك أنه مخلِّصها من الخطية، لأنه لم تكن لديها وقتئذ مشكلة دنيوية ترجو الخلاص منها.

(2) وقال زكريا عندما ألهمه اللّه أن ابنه يوحنا سيُعدّ الطريق أمام المسيح مبارك الرب لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه (لوقا 1: 68) .

(3) وقال بولس الرسول عن اللّه إنه يفدينا من كل إثم (تيطس 2: 14) ، وإنه افتدانا من لعنة الناموس (غلاطية 3: 13) وإنه يكفّر الخطايا (عبرانيين 2: 17) وإنه خلّصنا (من خطايانا) ودعانا دعوة مقدسة (2تيموثاوس 1: 9) . وإنه بمقتضى رحمته خلّصنا من خطايانا (تيطس 3: 5) .

(4) وقال بطرس الرسول إن الذي مثاله يخلّصنا (1بطرس 3: 21) و أنكم افتُديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح معروفاً سابقاً قبل إنشاء العالم (1بطرس 1: 18-20) .

(5) وقال يوحنا الرسول عن اللّه إنه يطهرنا من كل إثم (1يوحنا 1: 9) . وهذا يتضمَّن الخلاص منه. وقال عن المسيح إنه كفارة ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً (1يوحنا 2: 2) .

(6) وقال يهوذا عن اللّه إنه الإِله الحكيم الوحيد مخلّصنا (آية 25) .

والفعل كفَر (بوجود فتحة على الفاء) معناه في اللغتين العبرية والعربية ستر . فنحن نقول: كفر الفلاح الحبوب، أي سترها بالتراب. والفعل كفَّر ، بوجود شدة على الفاء، يراد به المبالغة في الستر مثل الفعلين: فتح وقفل. أما إذا استعمل حرف الجر عن بعد كفّر فيكون المراد به تقديم التعويض اللازم عن الخطية أو عن إنسان مذنب. فنحن نقول: كفَّر فلان عن ذنوبه ، أي قدَّم التعويض اللازم عنها حتى تُرفع عنه عقوبتها. ونقول كفَّر فلان عن المذنبين أي قدّم التعويض اللازم عنهم حتى لا يلحقهم أذى من جراء ذنوبهم (لاويين 5: 5-19 و16: 30-34) .

والتكفير وإن لم يكن هو ذات الغفران، لكنه مقترن به، فلا غفران إلا ويسبقه تكفير (أياً كان نوع هذا التكفير) ، ولا تكفير إلا ويتبعه غفران. ولما كان الإنسان لا يستطيع التكفير عن خطاياه بالدرجة التي تفي مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها، وكان اللّه وحده هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة، فإن تكفير اللّه بنفسه عن خطايانا بمعنى احتمال نتائجها في نفسه (على نحوٍ ما) عوضاً عنا قبل أن يغفرها لنا، أمر لا يجوز الاختلاف بشأنه. ولا غرابة في ذلك، فنحن نرى أنه إذا أساء عبد إلى سيده، فإن لسيده الحق أن يعاقبه، أو يعفو عنه. فإذا أبت نفسه أن تتحمل إِساءة العبد، عاقبه من أجلها. لكن إذا رضيت نفسه أن تتحمل هذه الإِساءة عطفاً وشفقة على العبد، فإنه يعفو عنه. وفي هذه الحالة يكون قد فداه أو كفَّر عن إساءته، لأنه تحمل الألم في نفسه عوضاً عن أن يصبّه على رأسه ناراً حامية. وكل ما في الأمر أن اللّه في عفوه عنا يتحمل إساءتنا في نفسه، ليس فقط بسبب العطف علينا، بل أيضاً لإِيفاء مطالب عدالته، لأن هذه ليست مجرد شريعة لديه كما هي الحال معنا، بل إنها صفة من الصفات التي تتميز بها ذاته، من الضروري إيفاء مطالبها بأي حال من الأحوال.

 

- 3 -

قانونية قيام اللّه بالفداء

 

تساور الشكوك بعض الناس في موضوع ظهور اللّه في ناسوت للقيام بالتكفير عن خطايانا ، وإن كان لا بد من التسليم به للأسباب التي ذكرناها في الباب السابق. فلنفحص فيما يلي اعتراضاتهم عليه.

1 - اللّه منزَّه في ذاته كل التنزيه، فلا يمكن أن يتَّخذ لنفسه ناسوتاً مثلنا، لأي غرض من الأغراض.

الرد: إذا وضعنا أمامنا أن اللّه يحبنا محبة شديدة، لأنه خلقنا على صورته كشبهه كما ذكرنا في الباب الأول، أدركنا أنه لا يمكن أن يكون متباعداً عنا، بل لا بد أن يكون حانياً علينا أكثر مما نفتكر أو نتصور. وهذا ما يدعوه إلى أن يشق لنفسه طريقاً من اللامحدودية إلى المحدودية مع بقائه غير محدود في ذاته، ومن جو القداسة المطلقة الذي يحيط به إلى عالم الخطية الذي نعيش فيه، مع بقائه قدوساً في ذاته. كما أن هذه المحبة تدعوه أن يعلن ذاته لنا بهيئة نستطيع إدراكه بها، هي الهيئة البشرية. إذ بدونها لا نستطيع أن ندرك أنه يحبنا، وبالتالي لا نستطيع أن نحب أو نثق أنه يمكننا الاقتراب منه والتوالف معه. وعندما يريد الله أن يعلن لنا محبته ويكفر بنفسه عن خطايانا، لا يكون هناك مانع لديه من الظهور في ناسوت خاص، طالما أن هذا الناسوت خال من الخطية ومعصوم منها. لأنه لو ظهر لنا في هيئة ملائكية مثلاً، لما استطعنا إدراكه حق الإدراك، إذ ليس هناك مجال للتوافق الحقيقي بيننا وبين الملائكة.

وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن التنزيه الذي يليق باللّه هو التنزيه عن الخطأ وعدم البر، وعن العجز والضعف، وليس التنزيه عن الاتصال بالناس الذين خلقهم على صورته، أو إظهار المحبة لهم والعطف عليهم بكل وسيلة من الوسائل.

2 - كيف يشق اللّه لنفسه طريقاً من اللامحدودية إلى المحدود مع بقائه غير محدود في ذاته، ومن جو القداسة المطلقة الذي يحيط به إلى عالم الخطية الذي نعيش فيه مع بقائه قدوساً في ذاته؟.

الرد: بما أن وجود اللّه مع جماعة من الناس في وقت ما، لا يمنعه من الوجود مع آلاف غيرها في جهات متباعدة في نفس الوقت، لذلك لا اعتراض على إمكانية ظهوره لنا في ناسوت مع بقائه غير محدود في ذاته. كما أن قداسة اللّه المطلقة لا تسمح لأي شرّ بالتسرب إليه مهما كان هذا الشر على مقربة منه، لأن القداسة المطلقة التي يتصف بها اللّه عازل يحول دون ذلك، فهو والحالة هذه يشبه (إن جاز التعبير) النور الذي يشق طريقه في وسط الظلمة، دون أن تختلط به أو يختلط هو بها.

3 - كيف يظهر اللّه الذي لا حدّ لعظمته، في ناسوت مثلنا؟.

الرد: لا تسمح محبة اللّه الشديدة لنا لأي عقبة أن تقف في سبيل تحقيق أغراضها، لا سيما وأن العظمة الحقيقية ليست في تشامخ العظيم بل في تواضعه، وليست في تعاليه بل في تنازله، كما أنها ليست في الأثَرة والأنانية بل في الإيثار والتضحية. فلا يمكن أن يستنكف اللّه من أن يظهر لنا في ناسوت خاص، طالما أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لفدائنا، وفي الوقت نفسه هي الوسيلة الوحيدة التي بها نقدر أن ندرك محبته الفائقة لنا، ونقدر بها أن ندنو منه ونتوالف معه. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن اللّه كان يتراءى أحياناً لأصفيائه بهيئة مُدرَكة لديهم، اتضح لنا أن ظهوره في ناسوت ليعلن لنا جميعاً محبته الفادية، لا يتعارض مع طبيعته أو مقاصده من نحونا، لا سيما إذا كان هذا الناسوت قدوساً خالياً من الخطية ومعصوماً منها كما ذكرنا.

كان اللّه يظهر لليهود في صوت دون هيئة ما، لئلا يعملوا له تمثالاً يسجدون له. فقد قال موسى النبي لبني إسرائيل: فكلّمكم الرب من وسط النار، وأنتم سامعون صوت كلام. ولكن لم تروا صورة بل صوتاً (تثنية 4: 12) أما في حالة عدم احتمال عمل تمثال له بسبب الرسوخ في الإِيمان، فكان يظهر في هيئة ملاك أو إنسان، لأنها الهيئة التي يمكن للبشر التوالف بها معه، فظهر في الهيئة الأولى لهاجر. ولما أدركت أنه اللّه بعينه، قالت له: أنت إيل رُئي ، أي أنت إله حقيقي يمكن رؤيته (تكوين 16: 10-13) . وظهر في الهيئة الثانية لمنوح أبي شمشون. ولما سأله هذا عن اسمه قال له: لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب؟! وعندما تجلّت حقيقة هذا الإنسان عند صعوده إلى السماء، سقط منوح هو وزوجته على الأرض، قائلاً لها: نموت موتاً لأننا قد رأينا اللّه (قضاة 13: 18-22) .

4 - القول بظهور اللّه في ناسوت خال من الخطية ليعلن محبته الفادية لنا هو محاولة لإِخضاع اللّه لعقولنا، مع أن عقولنا هي التي يجب أن تخضع للّه في روحانيته المطلقة وتنزّهه عن كل عرض من الأعراض.

الرد: ليس هذا الموضوع محاولةً منا أن نُخضع اللّه لعقولنا، بل إنه من مستلزمات طبيعته وعلاقته بنا كما اتضح لنا مما سلف. فاللّه ليس ملكاً متكبراً لا عمل له إلا قبول الإكرام والاحترام من أتباعه، ومعاقبة الذين يسيئون إليه ومكافأة الذين يُخلِصون له منهم، وإظهار شيء من العطف في بعض الأحيان على من تنزل بهم الكوارث مثلاً، مع بقائه في برجه العاجي مترفّعاً عنهم أجمعين. لكنه الأب الطيب الذي لا يدع فاصلاً بينه وبين أولاده، بل وفي محبة شديدة يقترب إليهم ويقربهم إليه، كما ينزل إلى مستوى مداركهم ليعلن لهم ما خفي عنهم من جهة شخصه وأغراضه الصالحة من نحوهم. وإذا استلزم الأمر فإنه يضحي بكل ما لديه من أجلهم، ليرقى بهم إلى أسعد حالة ممكنة.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن اللّه لا يريد أن ندنو منه ونحن في حالة الرعب أو الذعر، لأن هذه الحالة لا تتوافق مع كماله، ولا تعود علينا بخير ما، بل أن ندنو منه ونحن في حالة المحبة له والشوق إليه. وأنه لا يمكن أن ندنو منه في الحالة الثانية إلا إذا أعلن لنا ذاته ومحبته بهيئة مُدرَكة لنا، اتضح لنا أن اتخاذ اللّه لنفسه ناسوتاً قدوساً ليعلن محبته لنا وليكفر عن خطايانا، أمر يتوافق مع ذاته ومع علاقته بنا.

5 - الفداء لا يكون إلا بين جماعة تربطها رابطة خاصة أو يجمعها جنس واحد، واللّه في ذاته لا تربطنا به هذه الرابطة، كما أنه ليس من جنسنا، فكيف يكون فادياً لنا؟.

الرد: خلقنا الله على صورته كشبهه، وأعطانا نسمة حياة خالدة من لدنه، كما جعلنا أعزّ الكائنات وأقربها إليه، وعرفنا بالكثير عن ذاته ومقاصده من نحونا بواسطة وحيه الذي كان يرسله إلينا من وقت إلى آخر، وقال لنا إنه ألصق نفسه بنا وألصقنا به (إرميا 13: 11) ، وليس هناك رابطة في الوجود مثل هذه الرابطة. أما من جهة وجوب أن يكون الفادي واحداً من جنسنا، فهذا يتحقق بالتمام باتخاذ اللّه لنفسه ناسوتاً مثلنا (إنما خالياً من الخطية خلواً تاماً كما ذكرنا) كما قال الإنجيل عن هذه الحقيقة: فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية (عبرانيين 2: 14 و15) .

6 - كيف نعلم أن اللّه يريد فداءنا، أو التكفير عنا بنفسه؟.

الرد: (أ) فضلاً عن الأدلة المتعددة الواردة في التوراة والإنجيل عن قيام اللّه بفدائنا أو التكفير عنا، كما ذكرنا فيما سلف، نقول: بما أن اللّه لم ينفذ حكم الموت في آدم بعد سقوطه في الخطية مباشرة، بل أبقاه حياً. وبما أنه ليس من المعقول إزاء كمال اللّه أن يكون قد أبقاه حياً ليلد ملايين البشر للشقاء الأبدي. إذاً فعدم قضاء اللّه على آدم بالموت بعد سقوطه في الخطية مباشرة، دليل على أنه لا يريد هلاك البشر بل خلاصهم. وبما أن خلاصهم لا يتحقق إلا بفدائه إياهم بنفسه، إذاً فمن المؤكد أنه أراد أن يقوم بهذه المهمة منذ القديم.

(ب) فإذا أدركنا أن الذبائح الحيوانية التي كانت تُقدّم بقصد التكفير عن الخطية، لم تكن صالحة لهذا الغرض كما مرّ بنا، وأنه على الرغم من عدم صلاحيتها كان اللّه يأمر الناس بوجوب المواظبة على تقديمها طوال العهد القديم، بل وجعل تقديمها وقتئذ الوسيلة الوحيدة لقبولهم أمامه، اتضح لنا أنه لا بد أنها كانت ذات معنى لديه، وهذا المعنى (كما يتضح من دراسة التوراة والإنجيل) ينحصر في أن الذبائح كانت رمزاً إلى فادٍ يقدر أن يكفّر عن الخطية تكفيراً حقيقياً إلى الأبد (1كورنثوس 5: 7 وعبرانيين 13: 11 و12) . وبما أن الذي يقوم بهذه المهمة هو اللّه دون سواه، إذاً لا بد أنه قصد أن يفتدينا بنفسه منذ القديم.

(ج) يقول الكتاب المقدس إن الإنسان عندما يطيع اللّه، تصبح الملائكة خداماً له، لأن الملائكة أرواح خادمة مُرسَلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1: 14) ، الأمر الذي يدل على أن الإِنسان هو أعظم المخلوقات وأقربها إلى اللّه وأحبها إليه، وأن اللّه قصد منذ الأزل أن تكون له مع هذا الإِنسان علاقة وثيقة مستمرة. وبما أنه لا مجال لهذه العلاقة مع وجود الخطية، ولا مجال لمحو الخطية إلا بفداء اللّه للإِنسان (أو بالحري إلا بتكفيره عن خطاياه وإمداده بحياة روحية يستطيع بها التوافق معه) ، إذاً لا شك أن اللّه قصد منذ الأزل أن يفتدينا بنفسه.

7 - ألا توجد وسيلة للخلاص من خطايانا إلا بافتداء اللّه لنا بنفسه؟.

الرد: (أ) حقاً ما أصعب هذا السؤال أمام بعض الناس، وما أكثر الحيرة التي يسبِّبها لهم، فنحن لا نستطيع بعقولنا أن نعرف كل أفكار اللّه وتدبيراته، لأن إدراكنا محدود وهو فوق الحدود. فمن الشطط أن نتصوّر خطة خاصة يتحتم على الله أن يستخدمها في أمر خلاصنا من الخطية. لكن بحسب العقل الذي تفضّل وأعطاه لنا نقول: لو كان من الجائز أن تقل عدالة اللّه وقداسته عن رحمته ومحبته، لكان من الجائز أن ينقذ جميع البشر من خطاياهم ويقربهم إلى حضرته بكلمة واحدة، كما خلق العالم من قبل بمثل هذه الكلمة. لكن بما أن عدالته توازي رحمته، وقداسته توازي محبته بسبب كمال كل صفة من صفاته وتوافقها معاً توافقاً تاماً، إذاً فمع رحمته ومحبته اللتين لا حدَّ لهما، فإن من مستلزمات الكمال الذي يتصف به، ألا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداسته. وبما أنه لا يستطيع سواه أن يوفي مطالب هذه وتلك، فلا سبيل للخلاص من الخطية ونتائجها إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه.

(ب) أما لو صفح اللّه عنا وقرّبنا إليه دون أن يفتدينا بنفسه، لانخفض قدر عدالته وقداسته عن رحمته ومحبته، أو لكان قد انحاز إلى رحمته ومحبته دون عدالته وقداسته. وبما أنه لكماله المطلق لا يمكن أن تقل عدالته عن رحمته أو قداسته عن محبته، ولا يمكن أيضاً أن ينحاز إلى صفة فيه دون أخرى، إذاً فمن المؤكد أنه يقبل القيام بافتدائنا بنفسه، لأن هذا يكون أكثر موافقةً لكماله من الصفح عنا وتقريبنا إليه بوسيلة لا تتفق مع عدالته وقداسته. وبالإِضافة إلى كل ما تقدم، فإنه أيسر لنا أن نؤمن بإِله يحب خليقته ويبذل كل ما لديه في سبيل إسعادها، من أن نؤمن بإِله غير كامل الصفات أو ينحاز إلى صفة دون الأخرى.

8 - أعلن الوحي أن الله بطيء الغضب وكثير الإحسان (خروج 34: 6) ، فيمكنه أن يصفح عن الخطاة من مجرد رحمته، لا سيما وأن هذا التصرف يكون أحسن لدى اللّه من الفداء الذي يكلفه كثيراً.

الرد: (أ) إذا كان اللّه يصفح عن الخطاة دون مراعاة لعدالته ويقرّبهم إليه دون مراعاة لقداسته، تكون عدالته قد قلت في قيمتها عن رحمته، وتكون قداسته قد قلت في قيمتها عن محبته، وهذا ما لا يمكن حدوثه بسبب كماله المطلق وتوافق صفاته معاً كما ذكرنا. كما أنه إذا كان اللّه يترك الأشرار يطغون ويعبثون، وفي نهاية الأمر يأتي بهم إلى سمائه لينعموا معه فيها (إذا كانوا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً) ، لا يكون رحيماً أو رؤوفاً بل متساهلاً مع الشر. ولكن بتكفيره عن البشر بنفسه وبتحمُّله نتائج خطاياهم عوضاً عنهم، وإمداده إياهم بحياة روحية يمكنهم بها التوافق معه في صفاته السامية، يُظهر منتهى العدالة ومنتهى الرحمة، كما يظهر منتهى القداسة ومنتهى المحبة. كما أنه يُذيب قلوب المخْلِصين منهم، فيُقبِلون إليه بكل حب وإخلاص، وهم على استعداد تام لخدمته وإكرامه مهما كلفهم الأمر من جهد.

ولا مجال للاعتراض على وضعنا لعدالة اللّه وقداسته نصب أعيننا دائماً عند البحث في مسألة الغفران والقبول لديه، لأن العدالة والقداسة لديه ليستا مبدأين أخلاقيَّين منفصلين عن ذاته، يراعيهما عند القيام بأعماله كما هي الحال عند المخلصين من الحكام والقضاة، بل أنهما (مع المبادئ الأخلاقية الأخرى) صفتان كائنتان في ذاته. فلا يمكن أن يتخلى عنهما أو يتصرف بالرحمة والمحبة. دون إيفاء مطالب كل منهما أولاً.

(ب) أخيراً نقول: إن الأحسن لدى اللّه ليس هو الأسهل في نظرنا، لأن اللّه لا ينظر إلى أمر من الأمور التي يعملها من جهة كونه سهلاً أو صعباً، فكل الأمور سهلة لديه. لكنه ينظر إلى كل أمر من جهة كونه متوافقاً مع كماله أو غير متوافق معه. ولما كان فداء اللّه لنا بنفسه يتوافق مع كماله كل التوافق، لأنه يتمشى مع عدالته وقداسته التي يجب إيفاء مطالبهما، لذلك فهو الشيء الأحسن لديه. إن كان هناك مجال لوجود شيء حسن وآخر أحسن في الأعمال التي يقوم بها.

9 - إذا كان ولا بد من الفداء، فهل يعجز اللّه عن خلق شخص يقوم به نيابة عنه؟.

الرد: بما أنه لا يستطيع القيام بالفداء إلا اللّه كما مرَّ بنا، وبما أنه ليس من المعقول أن يخلق اللّه شخصاً نظيره، لأن المخلوق يكون مُحدِثاً، والمحدِث لا يكون مثل القديم الأزلي في شيء من خصائصه. إذاً ليس هناك كائن غير اللّه يستطيع أن يفدينا ويكفر عنا سيئاتنا.

ولو أن اللّه خلق شخصاً نظيره للقيام بهذه المهمة، لكان قد ظلم هذا الشخص وعاقبه بأشنع عقوبة دون ذنب جناه. أما إذا كان هو يقوم بافتدائنا بنفسه، فلا يكون قد ظلم أحداً أو قسا عليه، بل يكون قد أظهر منتهى المحبة والرحمة لنا، الأمر الذي هو خليق به. كما أنه لو قام شخص غير اللّه بفدائنا، لأصبح هذا الشخص مصدر حياتنا وولي نعمتنا، لأنه يكون بالنسبة لنا المنقذ من العذاب الأبدي والواهب الحياة الأبدية لنا، ولصرنا كلنا تبعاً لذلك عبيداً له من دون اللّه. كما يكون اللّه قد تنازل لهذا الشخص عن مجده الذاتي كالسيد الرب الوحيد الذي له وحده الإكرام والعبادة. ولا يمكن أن يتنازل الله عن مجده هذا لكائن ما (إشعياء 42: 8) ، لأنه فضلاً عن أنه لا إله إلا هو، لا يجوز أن يكون هناك إله معه على الإطلاق (وإلا لكان محدوداً في قدرته، وهذا محال) . فمن البديهي أن يقوم اللّه نفسه بافتدائنا كما ذكرنا.

10 - مهما بلغت شدَّة محبة اللّه للبشر، فهي لا يمكن أن تصل إلى الدرجة التي يقوم معها بفدائهم بنفسه، لما يتطلبه الفداء من تضحية لا نقدر أن نتصورها.

الرد: إذا كان الأب البار بأبنائه، مع ما فيه من نقائص، يحبهم محبة شديدة ويحتمل بنفسه نتائج أخطائهم عوضاً عنهم، لذلك لا غرابة إذا كان اللّه الكامل كل الكمال يرضى، في محبته التي تفوق محبة الآباء بدرجة لا حدَّ لها، أن يتحمل عنا نتائج خطايانا، بل يعوّض لنا أيضاً ما نكون قد فقدناه من امتيازات بسبب جهلنا وانحرافنا عنه. والكتاب المقدس مليء بالآيات التي تدل على أن اللّه يُسرّ بنا ويحبنا محبة لا حد لها، الأمر الذي يدل على أن فداءه لنا أمر يتوافق ليس فقط مع ذاته وما بها من كمال مطلق، بل ويتوافق أيضاً مع علاقته بنا كما ذكرنا.

ففي التوراة، أعلن الوحي أن لذّات اللّه هي مع بني آدم (أمثال 8: 31) ، وأنه أحب المؤمنين محبة أبدية، ولذلك أدام لهم الرحمة (أرميا 31: 3) . وأنهم أعزاء ومكرَّمون في عينيه (إشعياء 43: 4) ، وبمثابة حدقة العين لديه (تثنية 32: 10) وأنه بمحبته ورأفته يفكهم من ضيقاتهم (إشعياء 63: 9) ، وأنه يجذبهم بربط المحبة إذا ضلوا عنه (هوشع 11: 4) ، وأنه أحبهم ليس لصلاح فيهم بل أحبهم فضلاً (هوشع 14: 4) ، أو بالحري دون أن يكون هناك شيء فيهم يدعوه إلى إظهار المحبة لهم.

وفي الإنجيل، أعلن الوحي أن مسرة اللّه هي في الناس (لوقا 2: 14) ، وأنه أحب العالم بأسره (يوحنا 3: 16) ، وأنه أحب المؤمنين به إلى المنتهى (يوحنا 13: 1) وأنهم لذلك يدعون أحباء اللّه (رومية 1: 7) وأولاده (1يوحنا 3: 1) .

وأعلن الوحي أن المحبة ليست مجرد صفة من صفات اللّه بل أنها ذات طبيعته، فقد قال اللّه محبة (1يوحنا 4: 8) ، أي أنه بكلياته وجزئياته (إن جاز التعبير) محبة. ولذلك فإنه لا يقف عند حد الاهتمام بالناس أو الإحسان إليهم، بل إنه أيضاً يتوق إليهم ويريد الاتصال بهم إتصالاً وثيقاً. وعندما نقول إن الله يحب البشر، نعني أنه يضحي بكل شيء لديه في سبيل خيرهم وإسعادهم.

والمسيحية وحدها هي التي تعلن أن اللّه يحب جميع الناس، وليس الصالحين منهم فحسب كما تقول غيرها من الأديان. ومحبة اللّه لنا ليست هي الرحمة والشفقة فحسب (كما يظن البعض) ، بل هي (إن جاز التعبير) التعلُّق بنا تعلقاً يجعله يجد كل سروره فينا، كما يجعله يضحي بكل عزيز وغالٍ لديه في سبيل إسعادنا. ولإِيضاح الفرق بين المحبة والرحمة بمثل مادي نقول: قد تأخذنا الشفقة أحياناً على مجرم أثيم وصل إلى أحط درجات البؤس والشقاء، فنمدّه بما يحتاج إليه من غذاء أو كساء، ولكننا لا نستطيع أن نأتي به إلى منزلنا ليعيش بين أفراد عائلتنا ويأكل ويشرب ويتسامر معنا، وذلك بسبب اختلاف أخلاقه عن أخلاقنا. فنحن بتصرفنا هذا، نكون قد أشفقنا عليه، لكن لا نكون قد أحببناه. والرحمة الخالية من المحبة قاسية كل القسوة، ولا تقبلها إلا النفوس الدنيئة الحقيرة، كما أنها لن تكون عاملاً في تهذيب هذه النفوس أو إصلاحها. أما اللّه جل شأنه فلا يشفق على الخطاة فقط بل ويحبهم أيضاً، ويتحمَّل في نفسه خطاياهم، ويعمل على تأهيلهم للتوافق الروحي معه، الأمر الذي يملأ المخلصين منهم بالمحبة الخالصة له، ويجعلهم يحفظون وصاياه ويتفانون في خدمته وإكرامه دون النظر إلى جزاء أو ثواب.

11 - مَن هو الإنسان بالنسبة إلى الكون المترامي الأطراف، حتى يحبه اللّه بهذا القدر؟

الرد: ليست العظمة في الضخامة بل في الفهم والإدراك، وإلا لكان الفيل أعظم قدراً من الإِنسان لأنه أكبر حجماً منه. صحيحٌ أن الإِنسان مخلوق ضعيف، تقدر أصغر الميكروبات أن تفتك به. لكن اللّه في نعمته الغنية ميّز الإِنسان عن كل المخلوقات بمميزات سامية، فقد خلقه على صورته كشبهه، وجعله المتسلّط على الأرض والممثّل له عليها (تكوين 1: 28) . وتدل آثار الإِنسان في العالم على أنه أسمى المخلوقات وأعظمها إدراكاً وذكاءً، فقد أخضع قوى الطبيعة لسلطانه، واستأنس الحيوانات واستخدمها لقضاء حاجاته، وزرع النباتات وألف منها أنواعاً جديدة، وكشف عن مصادر الثروة في البر والبحر معاً. كما عرف الكهرباء والطاقة الذرية واستخدمهما في قضاء مآربه، وانطلق إلى الفضاء وهبط على القمر ووصل إلى غيره من الكواكب. وصَدَق شكسuير في قوله إن الإنسان أعظم من كل ما في الكون من كائنات ، فليس في العالم كائن يشبه الإِنسان في الفهم والإدراك والطموح إلى العلاء، فلا عجب إذا كان اللّه يحب الإنسان محبة لا حد لها، ويُقبل على افتدائه بنفسه طالما أنه ليس هناك من يفتديه سواه.

12 - صحيحٌ أن اللّه لا يعسر عليه أمر، لكن تحمُّله نتائج خطايانا في نفسه عوضاً عنا، أمر لا يتفق مع العقل.

الرد: (أ) ليس اللّه فقط حاكماً يعامل شعبه بالحق والعدل، بل هو أب يبذل النفس والنفيس من أجل إسعاد أبنائه. وهناك فرق كبير بين الأمور التي لا تتفق مع العقل وبين تلك التي تفوق إدراكه. فالثانية هي ما تتفق مع العقل في ذاتها، لكن لعظمتها تسمو فوق إدراكه في كيفية تنفيذها، فلا يمكنه الإحاطة بها. أما الأولى فلا تتفق مع العقل إطلاقاً، لا في ذاتها ولا في كيفية تنفيذها، فإذا قيل (مثلاً) إن اللّه لا يعبأ بالإِنسان (كما ينادي بعض الفلاسفة) ، فإن هذا القول لا يتفق مع العقل، لأنه من المفروض أن يهتم اللّه بالإِنسان الذي خلقه على صورته كشبهه. أما إذا قيل إنه أحب الإِنسان وفداه بنفسه، فإن هذا القول لا يكون ضد العقل بل أسمى منه، لأنه من المفروض أن يحب اللّه الإِنسان كما ذكرنا، ومن المفروض أيضاً أن تكون محبته له متناسبة مع ذاته. وبما أن ذاته لا حد لها، تكون محبته للإِنسان لا حد لها أيضاً. وبما أن المحبة التي لا حد لها تظهر في القيام بخدمات وتضحيات لا حد لها في قدرها ونوعها قام اللّه بأعظم تضحية في سبيل إنقاذنا من قصاص خطايانا ومنحنا طبيعة روحية نتوافق بها معه في صفاته السامية. وليس هذا أمراً ضد العقل، بل أسمى من العقل، وفي الوقت نفسه يتفق مع العقل كل الاتفاق. وهذا ما يدعونا إلى تصديقه وقبوله بكل شكر وحمد.

(ب) إذا كانت الحكومات تكرّم من يضحّون بعضو من أجسامهم في سبيل غيرهم، وإذا كنا نكرّم الفدائيين ونجلهم ونشيد بعظمتهم، مع أنهم في سبيل إنقاذ بلادهم من أيدي الأعداء المغتصبين، يقتلون أشخاصاً قد يكونون أبرياء. فلا شك أن فداء اللّه لنا الذي يترتب عليه أن يتحمل نتائج خطايانا عوضاً عنا، دون أن يسبب ضرراً أو أذى لواحد منا، أمر عظيم كل العظمة وسامٍ كل السمو، وجدير أيضاً بكل إكرام وتقدير.

13 - افتداء اللّه لنا بنفسه يفرض عليه التأثُّر، والتأثر يدل على التغيُّر، واللّه لا يتغير.

الرد: إذا نظرنا إلى اللّه كمجرد فكرة أو قوة، أو كإله جامد، أو كمقيم في عزلة عن خليقته (كما ينظر إليه بعض الفلاسفة) فلا يمكن طبعاً إسناد التأثر إليه بحال. لكن إذا نظرنا إليه كما هو، ذات يتصف بكل صفات الكمال ويتصل بنا اتصالاً وثيقاً لمحبته التي لا حد لها لنا، ووضعنا أمامنا أن كل علاقة بين طرفين تقتضي حدوث تأثير في كل منهما، اتضح لنا أنه يتأثر على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة، بسبب علاقته بنا كما ذكرنا في الباب الأول. غير أن تأثر اللّه هذا لا يؤدي إلى حدوث تغير في ذاته، لأنه كان يعرف كل شيء عنا منذ الأزل، فقصد من الأزل أن يفتدينا بنفسه، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لخلاصنا. وعندما أخطأنا في الزمان وتطلَّب الأمر أن يعلن فداءه لنا، لا يكون قد طرأ عليه أمر جديد يستدعي حدوث تغير في ذاته، إذ يكون فقط قد أعلن لنا ما قصد أن يعمله أزلاً، كما خلق العالم في الزمان دون أن يطرأ عليه تغير ما، بسبب علمه بهذا العالم منذ الأزل.

14 - ما الذي يُلزِم اللّه بافتدائنا، وما الذي يهدف إليه بهذا الافتداء؟

الرد: (أ) ليس هناك شيء في الوجود يستطيع أن يفرض على اللّه القيام بعمل ما، فهو يقوم بكل أعماله بمحض إرادته، لأنه ليس هناك من له أدنى سلطة أو تأثير عليه. فمن البديهي أن يكون الباعث الوحيد على افتدائه لنا، هو كماله المطلق ومشيئته الصالحة من نحونا. فقد قال الوحي عنه: يعمل كل شيء حسب قصده وحسب مسرة مشيئته ، وحسب مسرته التي قصدها في نفسه (أفسس 1: 5-11) .

كما أن اللّه لا يهدف بهذا الفداء إلى الحصول على خير منا، فهو ليس في حاجة إلى خير من أي كائن من الكائنات، لأنه كامل في ذاته كل الكمال ومستغنٍ عن كل شيء من الأشياء، فإن التضحية التي تعمل للحصول على خير تفقد قيمتها وتصبح عملاً تجارياً لا يليق بكائن عظيم مثل اللّه. فهو لا يقصد بالفداء إلا خير البشر وإسعادهم، وفي خيرهم وإسعادهم تتحقق أغراضه السامية من نحوهم.

(ب) إذا كان الأمناء من البشر يتصرفون في الأعمال المسندة إليهم بكل نزاهة وإخلاص. وإن استلزم الأمر، فإنهم يضحون عن طيب خاطر بصحتهم ومالهم للقيام بهذه الأعمال على الوجه الأكمل، ليس خوفاً من رؤساء أو طمعاً في جزاء بل مراعاة لضمائرهم ومبادئهم، فليس من المعقول أن يترك اللّه، وهو الكامل في كل صفاته، طريق الفداء الذي يتفق مع عدالته وقداسته، ويلجأ إلى طريق التساهل معهما أو عدم المبالاة بهما، بطريق الغفران بدون فداء.

والقضاة أمثلة للأمناء من البشر، فقد عُرضت عليهم قضايا ضد أشخاص يمتُّون إليهم بصلة القرابة. ولما درسوها وجدوا أن القانون يقضي على هؤلاء الأشخاص بغرامات مالية يعجزون عن دفعها، فأبت نزاهتهم أن يستغلوا مراكزهم لتبرئة أقربائهم أو تخفيض الغرامات الواجب تحصيلها منهم، فأصدروا الأحكام عليهم بالغرامات القانونية، ودفعوا من جيوبهم هذه الغرامات عوضاً عنهم. وبهذا حفظوا للقانون كرامته، ولنفوسهم نزاهتها وعفتها، كما رفعوا رؤوس أقربائهم وصانوهم من نقد المنتقدين وتهكم المتهكمين. فإذا كان بعض البشر يتصرفون هذا التصرف النبيل، فلا شك أن اللّه الذي هو أسمى منهم بدرجة لا حد لها، لا يمكن أن يهمل مطالب عدالته وقداسته بسبب عطفه على الناس ومحبته لهم.

(ج) أما الاعتراض بأن القضاة المذكورين ربما دفعوا الغرامات خوفاً من المؤاخذة وبالأخص من رؤسائهم، لكن اللّه ليس عليه رقيب يحاسبه، ولذلك لا حرج عليه إذا كان يعفو عن الخطاة دون تضحية من جانبه.. فنقول: إن اللّه وإن لم يكن عليه رقيب يناقشه الحساب، لكن له كماله الذاتي الذي ينزهه عن أي تصرف لا يتفق مع القداسة والعدالة، كما ذكرنا في الباب الثالث.

15 - التضحية بالمال والصحة والوقت أمر جائز، لكن تحمُّل الآلام نيابة عن المذنبين أمر لا يتفق مع العدالة، لأن هذه تقتضي بأن المذنب هو نفسه الذي يجب أن يُسجَن أو يجلد أو يقتل.

الرد: لو كان المذنبون السابق ذكرهم محكوماً عليهم بالسجن أو الجلد أو القتل، لما كان من الجائز للقضاة مهما كانت درجة القرابة التي تربطهم بهم، أن يتحملوا عنهم هذه العقوبات. لكن لا يمكن أن يكون هذا هو الحال من جهة موقف اللّه إزاء الخطاة، لأنه هو وحده الذي وضع القانون الخاص بمعاقبتهم، وهو وحده الذي ينفذ هذا القانون، بالطريقة التي تتفق ليس مع عدالته فحسب بل ومع رحمته أيضاً، لأن رحمته وعدالته متَّحدتان كل الاتحاد في ذاته. وإذا كان الأمر كذلك، فإن عقولنا لا تستبعد مطلقاً أن يقوم اللّه بالتكفير بنفسه عنا، لأنه بهذه الوسيلة يفي مطالب عدالته التي لا حد لها، وفي الوقت نفسه يظهر لنا رحمته التي لا حد لها أيضاً. ولو لم يقم بهذا العمل من تلقاء ذاته، لكان حرج موقف الأتقياء الذين يحبونه والبؤس الذي يهددهم في الحاضر والمستقبل معاً مثل غيرهم من الناس، يطالبانه باسم رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما، أن يقوم به على حساب نفسه، لأنه خالقهم ولا ملجأ لهم إلا شخصه ولا رجاء لهم إلا عنده. ولا ريب أنه كان يستجيب لهم مهما تطلب الأمر من تضحية، وهذا ما حدث فعلاً كما سنرى في الباب التالي.

16 - العدالة، كما أعلن الوحي، هي أن لا يحمل الابن إثم أبيه، أو الأب إثم ابنه (تثنية 24: 16 وحزقيال 18: 20) ، بل أن النفس التي تخطئ هي تموت. فكيف يحمل اللّه إثمنا ويتألم بسببه عوضاً عنا؟!.

الرد: (أ) خلق الله الأب البشري وولده، وكلٌّ منهما مسئول شخصياً أمامه عن الآثام التي يقترفها وحده، ولذلك لا يحمل أحدهما من إثم الآخر. ولكن اللّه وإن كان غير مسئول أمام كائن ما، غير أنه مسئول (إن جاز التعبير) أمام ذاته. وذاته لا تتصف فقط بالعدالة التي لا حد لها، بل وأيضاً بالرحمة التي لا نهاية لها، لأن هذه وتلك متحدتان في ذاته دائماً أبداً، وذلك لكماله المطلق في كل صفة من صفاته. وموقف اللّه إزاءنا لا يكون موقف العدالة المجردة، بل موقف العدالة المتحدة بالرحمة، أو بالحري موقف التضحية. وهذا ما يدعوه إلى تحمل نتائج خطايانا إيفاء لمطالب عدالته، وتحملها نيابة عنا إيفاء لمطالب رحمته.

فناموس التضحية وإن كان يختلف عن ناموس العدالة، لكنه لا ينقض أحكامه بل يثبتها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن اللّه في قيامه بالتضحية لا يكون مرغماً أو مجبراً، بل متطوعاً للقيام بها بمحض اختياره ومشيئته لأجل الخير العام، لا يبقى هناك مجال للاعتراض.

(ب) حقاً ما أخطر النتيجة التي وصلنا إليها، لكنها على أي حال ليست مؤسسة على ظنون أو أوهام بل على حقائق معقولة، ولذلك فإن سموها عن إدراكنا لا يقلل مطلقاً من قانونيتها ولزومها وصحّتها. وإننا إذ نقرر ذلك، لا نكون قد سلكنا مسلكاً شاذاً بل مسلكاً طبيعياً مألوفاً، فنحن جميعاً نؤمن بوجود الروح البشرية وتكوين الأفكار المعنوية في المخ المادي، ليس لأننا أدركنا ماهية الأولى أو كيفية حدوث الثانية، بل لمجرد ظهور أدلة معقولة تثبت حدوث هذه ووجود تلك، فلا يجوز رفض حقيقة افتداء اللّه لنا، طالما قد توافرت الأدلة على صدقها.

أما تهكم بعض الناس على الاعتقاد بتكفير اللّه بنفسه عن خطايانا، فلا يؤثر على هذا الاعتقاد في قليل أو كثير، لأنهم إذا كانوا على شيء من الإخلاص، فلينبئونا كيف يمكن أن يغفر اللّه لنا خطايانا وهو عادل بقدر ما هو رحيم، وكيف يمكننا أن ندنو منه وهو قدوس بقدر ما هو رؤوف؟! وإن عجزوا عن الإجابة، ولا نخالهم إلا عاجزين، فإنهم كما قال الوحي يعترضون باب الخلاص، فهم لا يدخلون، ولا يدعون الراغبين في الدخول أن يدخلوا (متى 23: 13) !

 

- 4 -

ظهور اللّه في ناسوت للقيام بالفداء

 

يتوق كل مؤمن لمعرفة الشخص (أو بالحري الناسوت) الذي ظهر اللّه فيه للقيام بالفداء. فمن هو هذا الشخص يا ترى؟

الجواب: إذا تصفَّحنا حياة الأشخاص الذين ظهروا في العالم نرى أن هذا الشخص هو المسيح، لأنه هو الذي توافرت فيه جميع الشروط التي ذكرناها في الفصل الأول، كما يتضح فيما يلي:

1 - لم يرث المسيح الخطية في طبيعته الإنسانية، لأنه وُلد بدون الأب المورّث لها، إذ كانت ولادته من العذراء بقوة الروح القدس (لوقا 1: 35) .

2 - وعاش المسيح بقوته الذاتية دون خطية، مع أنه كانت له كل الإحساسات الطبيعية مثل الشعور بالجوع والعطش والألم والحاجة إلى النوم (متى 4: 2 ويوحنا 4: 7 و18: 23 ولوقا 8: 23) ، وغير ذلك من الإحساسات التي كانت كافية (لولا كماله الذاتي) بأن تميل به إلى الانحراف عن حق اللّه. ولكنه لم ينحرف عنه على الإطلاق. ولذلك كان أسمى من آدم بما لا يقاس. فقد خُلق آدم خالياً من الخطية، غير أنه مال إليها وسقط فيها، على النقيض من المسيح تماماً.

3 - تساوي نفس المسيح نفوس البشر جميعاً، بل وتفضل عنها قيمة وقدراً. لأنه هو الكامل، أما هم فبسبب خطاياهم ناقصون. وإن اجتمع بعضهم إلى البعض الآخر، فإن هذا لا يقلل من نقصهم، بل يزيده نقصاً.

4 - المسيح (من الناحية الناسوتية) إنسان حقيقي من جنسنا، فجسده (وإن كان خالياً من الخطية) كان جسداً مادياً مثل أجسادنا. فقد قال الوحي: فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو (أي المسيح) أيضاً كذلك فيهما (عبرانيين 2: 14) . ولما ظن تلاميذه بعد قيامته من بين الأموات أنه روح، قال لهم: انظروا يديّ ورجليّ، إني أنا هو. جسُّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي (لوقا 24: 36-39) .

5 - ورغم أنه كان إنساناً حقيقياً، كانت نفسه ملكاً له، فقد قال عنها: ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها (أي أسلِّمها) أنا من ذاتي. لي سلطانٌ أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها (أي أستردّها) أيضاً (يوحنا 10: 18) .

وقد برهن عملياً على صدق شهادته هذه، إذ أنه بعدما قدم نفسه كفارة عن البشر وأسلم روحه من أجلهم، استردَّها ثانية وقام من بين الأموات.

6 - وكان في إمكانه أن يبعث حياة روحية في البشر، ترقى بهم فوق قصورهم الذاتي وتجعلهم أهلاً للتوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية إلى الأبد. فقد قال عن رعيته: وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد (يوحنا 10: 28) .

وقد اختبر المؤمنون به هذه الحياة عملياً، كما قال أحدهم: ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت (رومية 8: 2) .

7 - كان المسيح من الناحية الباطنية (كما يتضح مما يلي) هو ذات اللّه، فاستطاع أن يكفّر عن البشر جميعاً تكفيراً يفي مطالب عدالته التي لا حدّ لها، كما يتضح من الباب التالي.

إذا كان الأمر كذلك، فالمسيح هو أيضاً الشفيع أو المحامي الذي أشرنا إليه في آخر الباب الثاني، قال عنه الرسول يوحنا للمؤمنين الحقيقيين: أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا (لأنه أعطاكم بالمسيح حياة روحية تستطيعون بها التسامي فوق الخطية) . وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً (1يوحنا 2: 1) .

 

- 5 -

شخصية المسيح

 

قبل التحدُّث عن شخصية المسيح، نوجه أذهان القراء إلى أننا نحن المسيحيين نؤمن أنه لا إله إلا الله، وأنه لا تركيب فيه على الإطلاق. فقد قال على لسان إشعياء النبي: أنا الأول وأنا الآخِر ولا إله غيري (44: 6) . وقال الوحي عنه إنه روح (يوحنا 4: 24) والروح لا تركيب فيه بحال. كما نؤمن أنه ذات أي ليس مجرد عقيدة في الذهن، أو قوة تحرك الكون. وذاته وإن كان لا يحدها زمان أو مكان، تتصف بالصفات اللائقة بكماله، مثل السمع والبصر والكلام والعلم والإرادة والقدوة والعدالة والقداسة والمحبة والرحمة، دون أن تكون له أعضاء ما. أما ما نختلف فيه عن غيرنا من المؤمنين بالله، فهو نوع الوحدانية الخاصة به ودرجة علاقته بنا، ولذلك نحصر الحديث عنهما فيما يلي:

 

أولاً - نوع الوحدانية اللائقة بالله

 

1 - عدم توافق الوحدانية المطلقة مع الله:

الله ذات يتصف بصفات خاصة، وبما أن هذه الصفات لو كانت عاطلة أزلاً ثم صارت عاملة عندما خلق الكائنات، لكان (أ) قد تعرض للتغيُّر، إذ تكون صفاته قد صارت عاملة بعد أن كانت عاطلة، ويكون قد دخل في علاقات بعد أن كان بلا علاقة أصلاً، (ب) ولكان أيضاً قيامه بالخلق ضرورة لجأ إليها ليُظهر ذاته ويمارس صفاته كما يقول بعض الفلاسفة ورجال الدين، الأمر الذي يتنزه عنه لتعارضه مع كماله الذاتي. لذلك لا بد أن صفاته وعلاقاته كانت بالفعل أزلاً قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه.

 

2 - توافق الوحدانية الجامعة أو الشاملة مع ذات الله الواحدة:

تساءل البعض كيف يكون الله واحداً لا تركيب فيه، وفي الوقت نفسه تكون وحدانيته وحدانية جامعة؟ .

وللرد على ذلك نقول: بما أن الله جوهر، لأنه قائم بذاته وكل قائم بذاته، جوهر (المدخل في الفلسفة ص 177) وفي الوقت نفسه له تعيُّن خاص يدل عليه (لأنه ليس بلا تعيُّن إلا غير الموجود) لذلك إذا قلنا إن الله جامع أو شامل من جهة، وواحد من جهة أخرى، لا يكون هناك تناقض ما، لأن التناقض لا يكون إلا إذا كان الاختلاف في أمر واحد من جهة واحدة، كما لو قلنا عن شخص ما إنه ضعيف البنية وقوي البنية في الوقت نفسه. فمن أي جهة يكون الله واحداً، ومن أي جهة يكون جامعاً أو شاملاً؟ طبعاً يكون واحداً من جهة الجوهر لأنه لا تركيب فيه، ويكون جامعاً أو شاملاً من جهة التعيُّن، لأن وجود صفاته وعلاقاته بالفعل أزلاً، يدل على أنه جامع من هذه الجهة.

وعندما نقول إن الله جوهر ذو تعيُّن، لا نفرق بين جوهر الله وتعينه، بل نقصد فقط أنه ليس جوهراً مبهماً أو غامضاً بل جوهراً له وجود حقيقي يتميَّز به عن غيره. فجوهر الله ما هو إلا اللاهوت، وهذا الجوهر نفسه بالنظر الى تعيُّنه ما هو إلا الله. والله ليس شيئاً غير اللاهوت بل هو اللاهوت مُعيّناً. واللاهوت ليس شيئاً غير الله بل هو الله جوهراً. ولذلك كثيراً ما تستعمل كلمة اللاهوت بدلاً من كلمة الله، وكلمة الله بدلا من كلمة اللاهوت.

 

3 - الجمع أو الشمول في ذات الله:

يقول معظم الفلاسفة وعلماء الدين الذين يعتقدون معنا أن وحدانية الله هي وحدانية جامعة أو شاملة إن هذه الوحدانية الجامعة هي ذات الله وصفاته. لكن لو سلمنا باعتقادهم هذا، ووضعنا أمامنا أن صفات الله وعلاقاته كانت بالفعل أزلاً كما اتضح لنا مما سلف، لانتهى بنا الأمر الى أن الله كان في الأزل يكلم صفاته ويسمعها ويبصرها ويريدها.. أو أن صفاته كانت تكلمه وتبصره وتريده.. أو أنها كان يكلم بعضها بعضاً ويسمع بعضها بعضاً ويبصر بعضها بعضاً ويريد بعضها بعضاً.. وكل ذلك باطل، لأن الله لا يتعامل مع الصفات، ولا الصفات تتعامل مع الله، أو مع بعضها البعض. فالتعامل لا يكون إلا بعد التعينات العاقلة، والصفات معان وليست تعينات، فلا يمكن أن يكون المراد بالجمع أو الشمول لدى الله، هو ذاته وصفاته، بل هو ذاته وحدها. فالله مع وحدانية جوهره وعدم وجود تركيب فيه، هو نفسه جامع أو شامل، أو بتعبير آخر إنه قائم ليس بتعيُّن واحد بل بتعينات.

وبما أن ذات الله تعينات، إذاً فكل تعين من تعيناته لا يكون جزءاً من ذاته، بل يكون ذاته بعينها (لأنه غير مركب من عناصر أو أجزاء) وأن يكون أيضاً ذاته بكل خواصها وصفاتها (لأن تعينات الله هم عين جوهره) ولذلك يكون كل تعين لله، هو الله الأزلي الأبدي السميع الكليم البصير المريد.. لأنه على هذا الأساس يكون الله ممارِساً لكل صفاته وعلاقاته بينه وبين ذاته منذ الأزل، إلى درجة الكمال، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته أو شريك معه.

 

4 - عدد التعيُّنات وأسماؤهم:

لا نقدر أن نتكهَّن بعدد التعيُّنات ولا باسمائهم، لأن المرجع الوحيد بشأنه هو الوحي الإلهي. وبالرجوع إليه يتضح أن العدد المذكور هو 3 لا أكثر ولا أقل. وقد اصطلح المسيحيون منذ القديم على تسمية هؤلاء التعينات بالأقانيم (والمفرد أقنوم) . فالأقانيم إذاً ليسوا كائنات في الله أو مع الله، بل هم ذات الله الواحد الأحد، لأنهم تعينات اللاهوت أو اللاهوت معيَّنا. وقد أطلق الوحي على تعينات الله اسماً واحداً، وليس أسماء كثيرة فقال باسم وليس بأسماء الآب والابن (أو الكلمة) والروح القدس (متى 28: 19) ، وفيما يلي معنى كل أقنوم من هؤلاء الأقانيم.

ثانياً - معاني الأقانيم

1 - الابن أو الكلمة :

لا يراد بهذا الأقنوم أنه ابن بالمعنى الحرفي لأن الله ما وُلد ولا يلد، بل يراد به ابن بالمعنى الروحي. وهذا المعنى كما يتضح من الكتاب المقدس هو المعلِن . كما دُعي الكلمة (يوحنا 1: 1 و2) بهذا المعنى، لأن الكلمة هي التي تعلن صاحبها. ولم يُدعَ المسيح كلمة الله لأنه خُلق بكلمة الله، إذ أن هناك فرقاً بين الكلمة وأثر الكلمة . فالمخلوقات ليست كلمة الله بل هي أثر كلمة الله لأنها مخلوقة بواسطته. ولذلك قال الوحي الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر (يوحنا 1: 18) . ولا يُراد بالحضن هنا المعنى الحرفي بل الروحي، لأن الآب ليس له حضن مادي. والمعنى الروحي للحضن هو الحب العميق والوحدة الروحية الكاملة. ولا مجال للاعتراض على ذلك، لأن الأقانيم ليسوا هم الآب والأم والروح القدس، بل هم الآب والابن والروح القدس .

وبما أنه لا يعلن الله إلا الله، لأنه لا نظير له على الإطلاق، لذلك فالمعلِن لله (أو بالحري ابن الله أو كلمته) هو نفسه الله مُعلَناً. ولا غرابة في ذلك فالاصطلاح ابن الشيء كثيراً ما يرد في اللغة العبرية بمعنى ذات الشيء . فمثلاً قول الله بنت شعبي أو ابنة شعبي (إرميا 8: 11) لا يراد به إلا ذات شعبه. كما أن الاصطلاح بنات الفكر في اللغة العربية، لا يراد به إلا ذات الفكر واضحاً ومعلناً .

2 - الآب :

هذا الأقنوم لا يُسمى الوالد بل الآب . وهناك فرق عظيم بين الاثنين. فقد يكون هناك والد مجرد من كل صفات الأبوة، وقد يكون هناك شخص تتجمع فيه هذه الصفات، دون أن يكون متزوجاً أو له أولاد. فلا يراد بهذا الأقنوم المعنى الحرفي بل الروحي. والمعنى الروحي للآب كما يتضح من الكتاب المقدس، هو القائم بالمحبة الباطنية. وهذا المعنى معروف لدينا جميعاً.

وقد أعلن أقنوم الابن عندما كان في الجسد على الأرض عن محبة الآب الأزلية له، فقال له: لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم (يوحنا 17: 24) وبذلك كشف المسيح لنا عن سر من الأسرار التي كانت في اللاهوت، بين أقانيم اللاهوت، قبل خلق أي شيء في الوجود. ففي الأزلية السحيقة المجهولة لديهم، أعلن لنا الابن أن المحبة كانت متبادلة بين الآب وبينه بكل سموها وكمالها.

والوحي لا يسند المحبة إلى أقنوم أو أقنومين بل إلى الأقانيم جميعاً، أو بالحري إلى اللاهوت الذي هو جوهر كل أقنوم وجوهر الأقانيم معاً، فقد قال الله محبة (1يوحنا 4: 8) . فإن الآب يحب الابن كما ذكرنا. والابن يحب الآب (يوحنا 14: 31) والروح القدس هو روح المحبة (2تيموثاوس 1: 7) . وتبادل المحبة بين الأقانيم، هو النتيجة الحتمية لوحدة جوهرهم، والدليل على وحدتهم التامة في كل أعمال اللاهوت وتصرفاته.

وقولنا إن الآب كائن منذ الأزل، دليل واضح على أن الابن هو الابن منذ الأزل أيضاً، لأنه ليس هناك أبوة إلا ومعها بنوّة، كما أنه ليست هناك بنوّة إلا ومعها أبوة. وإذا كان الأمر كذلك، لا يبقى لدينا أي شك في أن الابن ليس مخلوقاً بواسطة الآب أو مولوداً منه، بل إنه واحد معه في الأزلية. لأنه ليس من المعقول أن الله كان غير مُعلَن أولاً، ثم صار مُعلَناً في دور من الأدوار.

3 - الروح القدس :

هذا الأقنوم لا يدعى بهذا الاسم لأنه يتميز دون الأقنومين الآخرين بروحانية الجوهر. كلا، لأن جوهر الأقانيم واحد، فقد قال الوحي بعبارة صريحة إن الله (من جهة أقانيمه الثلاثة) هو روح (يوحنا 4: 24) . إنما دُعي الروح القدس بهذا الاسم لأنه يقوم (كما يتضح من اسمه) بأعمال اللاهوت بطريقة روحية. بينما يقوم الابن بها بطريقة علنية أو ظاهرية.

كما أن هذا الأقنوم لا يوصف بالقدوس لأنه يتميز بالقداسة دون الأقنومين الآخرين. كلا. لأن الأقانيم الثلاثة يتصفون معاً بهذه الصفة وبكل صفات الكمال الأخرى بدرجة واحدة، ولكن يوصف بالقدوس لأنه هو الذي يعلن بحالة روحية قداسة الله في كل تصرفاته، ولأنه أيضاً هو الذي يقدس نفوسنا حتى تتوافق مع الله في قداسته.

مما تقدم يتضح لنا ما يأتي:

1 - سُمّي كل أقنوم باسم خاص، ليس لأن أحدهم أقدم من الآخر زماناً، أو أفضل منه مقاماً، أو لأنه يختلف عنه جوهراً، بل لأن كلاً منهم يقوم بعمل يتناسب مع أقنوميته، ولأن بين أحدهم والآخر علاقات روحية خاصة، بها للاهوت أو لله علاقات متكاملة بينه وبين ذاته منذ الأزل الذي لا بدء له إلى الأبد الذي لا نهاية له، بغض النظر عن وجود أي كائن من الكائنات سواه. فالوحي يسمي أحد الأقانيم الآب لأنه يبطن كل معاني المحبة في اللاهوت، ويسمي أقنوماً آخر الابن لأنه يعلن كل معاني المحبة في اللاهوت، ويسمي أقنوماً غيره الروح القدس لأنه يقوم بأعمال اللاهوت بطريقة روحية.

2 - بسبب تبادل المحبة بين أقانيم الله إلى درجة الكمال، يكون مستغنياً بذاته عن كل شيء في الوجود منذ الأزل الذي لا بدء له إلى الأبد الذي لا نهاية له، لأن حياة المحبة هي في الواقع أسمى نوع من أنواع الحياة، ومن يحياها لا يشعر أنه في حاجة إلى شيء على الإطلاق. فلا يكون الخلق ضرورة لجأ الله إليها ليُظهر ذاته ويمارس صفاته كما يقول بعض الفلاسفة وعلماء الدين، بل يكون نتيجة طبيعية للمحبة العاملة في ذاته، لأن من شأن المحبة أن تعمل عملاً نافعاً.

يتفق قيام الله بثلاثة أقانيم مع ذاته وما هو لازم لكمالها واستغنائها عن كل شيء في الوجود، غير أنه يسمو فوق العقل كثيراً. ولا غرابة في ذلك، فهو وصف لذات الله، والبحث في ذات الله لا تصل إليه المدارك على الإطلاق. وهذا ما تجنَّبه علماء الدين جميعاً، فقالوا: من خاض في الذات بفكره، فهو عاصٍ لله ورسوله . كما قالوا إن الحق تعالى لا يُدرَك بالنظر الفكري أبداً، وليس عندنا أكبر من ذنب الخائضين في ذات الله بفكرهم (كتاب الفتوحات ص 65) . ونحن نتفق مع هؤلاء العلماء على تعذر البحث في ذات الله، بل وأيضاً على عدم جواز البحث فيها. ولولا أن الكتاب المقدس أعلن لنا أن الله هو الآب والابن (أو الكلمة) والروح القدس ، وأن الأدلة العقلية والنقلية، أثبتت لنا صدق هذا الإعلان، لما خطر ببالنا مطلقاً أن يكون هذا هو كنه الله. وأقصى ما كان يخطر ببالنا عنه، أنه جامع في ذاته ومستغن بها كل الاستغناء، كما يعتقد كل الفلاسفة ورجال الدين الذين يتأملون كثيراً في ذاته.

ثالثاً - ظهور أقنوم الابن في المسيح

بما أن أقنوم الابن هو الذي يعلن الله أو اللاهوت بطريقة منظورة كما ذكرنا، كان أمراً بديهياً أنه إذا أراد الله أن يُظهر ذاته لنا (وعملٌ مثل هذا يتوافق مع كماله كل التوافق، لأن من دواعي هذا الكمال أن لا يكون في عزلة عنا، بل أنه يُظهر ذاته لنا لندركه ونتوالف معه) ، أن يتم هذا الظهور بواسطة أقنوم الابن. فالله الذي لا يمكن رؤيته أو إدراكه في ذاته، يصبح من الميسور لنا أن نراه وندركه في أقنوم الإبن. وهذا ما حدث فعلاً، فقد اتحد الأقنوم المذكور بالمسيح اتحاداً تاماً، فاستطعنا به أن ندرك قداسة الله وقدرته ومحبته ومعرفته التي لا حد لها.

أما قبل ظهوره في المسيح، فكان تارة يظهر في هيئة ملاك وتارة أخرى في هيئة إنسان، ولكن تدل كل القرائن على أنه لم يكن في ذاته هذا أو ذاك، بل كان هو الرب نفسه الذي يستحق كل إكرام وسجود (تكوين 21: 17-20 وقضاة 6: 11-24) . وفيما يلي بعض الأدلة التي تثبت هذه الحقيقة:

(1) الأدلة الكتابية على شخصية المسيح

1 - شهادته عن ربوبيته وبنوته لله ووحدته الجوهرية مع الآب وإعلانه له:

قال المسيح إنه الرب (متى 21: 3) وإنه رب داود (متى 22: 42-45) ، ورب الرسل (متى 24: 42) ، كما قال إنه ابن الله (يوحنا 9: 35-38 و10: 36) ، وإن الله أبوه بمعنى أنه معادل له، أو بالحري واحد معه (يوحنا 5: 18) وإنه والآب واحد (يوحنا 10: 30 و17: 22) ، وإنه في الآب والآب فيه. وإن كل من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9 و10) وإنه يجب على جميع الناس أن يكرموه كما يكرمون الآب (يوحنا 5: 23) .

2 - شهادته عن أزليته وأبديته:

قال المسيح إن له مجداً خاصاً قبل إنشاء العالم (يوحنا 17: 5) وإنه قبلما وُلد إبراهيم على الأرض، هو كائن أو بالحري كائن بذاته (يوحنا 8: 58) ، وإنه الألف والياء. البداية والنهاية. والأول والآخِر (رؤيا 1: 8 و17) .

3 - شهادته عن عدم تحيّزه بزمان أو مكان:

أعلن المسيح ْأثناء وجوده على الأرض أنه وقتئذ في السماء أيضاً (يوحنا 3: 13) وأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه على الأرض، يكون في وسطهم (متى 18: 20) وأنه يظل مع تلاميذه، والمؤمنين الحقيقيين به، إلى انقضاء الدهر (متى 28: 20) .

4 - شهادته عن أنه الحياة والمحيي:

شهد المسيح أنه الحياة (يوحنا 11: 25) وأنه يحيي من يشاء (يوحنا 5: 21) وأنه أتى لتكون لنا حياة وحياة أفضل (يوحنا 10: 10) وأن من يؤمن به إيماناً حقيقياً تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16) .

5 - شهادته عن سلطانه في غفران الخطايا وإدخال التائبين الى الفردوس:

قال المسيح للمفلوج: مغفورة لك خطاياك (لوقا 5: 20) . وقال عن المرأة الخاطئة قد غُفرت خطاياها الكثيرة (لوقا 7: 47) وقال للص الذي التجأ إليه نادماً عما فعله من شر اليوم تكون معي في الفردوس (لوقا 23: 43) .

6 - شهادته عن سلطانه في قبول السجود:

سجد المجوس للمسيح وهو بعد طفل صغير (متى 2: 1-11) وسجد له الأبرص (متى 8: 2) والأعمى (يوحنا 9: 38) ، ورئيس المجمع (مرقس 5: 22) والكنعانية (متى 15: 25) وبطرس الرسول (لوقا 5: 8) وكل الذين كانوا في السفينة (متى 14: 33) وسجد له الرسل جميعاً (متى 28: 17) ، وقَبِل المسيح سجود هؤلاء جميعاً له.

7 - شهادته عن محاسبته للناس وقضائه على الشيطان:

قال المسيح إنه متى جاء في مجده يجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم عن البعض الآخر، ويقيم الأبرار عن يمينه والأشرار عن يساره، ويقول للفريق الأول تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم . ويقول للفريق الثاني اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الأبدية (متى 25: 31-46) كما أعلن أن الشيطان سقط أمامه كما يسقط البرق من السماء (لوقا 10: 18) .

(ب) الأدلة العقلانية على شخصية المسيح

1 - شهادة المسيح عن نفسه:

لو كان المسيح يسعى وراء العظمة الدنيوية، أو لو كان ذا بطش وقوة، أو لو كانت شهادته قد وجدت قبولاً لدى الكثيرين من الناس لكان هناك مجال للطعن في شهادته السابق ذكرها، بدعوى أنه كان متكبراً، أو أن الناس هم الذين شجعوه على الادعاء بالألوهية. لكن المسيح (على النقيض من كل ذلك) كان وديعاً كل الوداعة وحكيماً كل الحكمة وصادقاً كل الصدق (متى 11: 29) . وكان معاصروه يقاومونه بسبب شهادته المذكورة (يوحنا 10: 32 و33) . فإذا أضفنا إلى ذلك أنه كان يصر على الشهادة عن نفسه أنه ابن الله على الرغم من إهانة الناس له (يوحنا 5: 17-23 و10: 30-38) وأنه لو كان قد تنحى عن هذه الشهادة لما أصابوه بسوء ما، اتضح لنا أنه لا بد أنه ابن الله كما قال.

2 - رفض المسيح للمُلك الأرضي:

التفَّ اليهود حول المسيح في أول الأمر ليجعلوه ملكاً عليهم لأنهم وجدوا فيه المسيا الذي كانوا يحلمون به (يوحنا 6: 15) . ولو أراد المسيح أن يؤلّه نفسه لكان قد أجابهم إلى رغبتهم، لأن الملوك كانوا وقتئذ يُعامَلون معاملة الآلهة (أعمال 12: 22) . لكن المسيح رفض رغبتهم هذه، وفي الوقت نفسه ظل يشهد أنه ابن الله وهو في حالة الوداعة والفقر التي اختارها لنفسه، الأمر الذي يدل على أنه لم يكن مدَّعياً بل صادقاً كل الصدق في شهادته عن نفسه.

3 - لم يفرض المسيح على الناس الاعتقاد بأنه ابن الله:

لم يفرض المسيح الاعتقاد أنه ابن الله على أحد، حتى كان يجوز الشك في صدق شهادته عن نفسه، بل تركهم يستنتجون هذه الحقيقة من تلقاء أنفسهم (يوحنا 6: 66-71 ومتى 16: 13-18) . ولم يطلب منهم أن يؤمنوا بشهادته المذكورة إيماناً أعمى، بل كان يثبت لهم بالدليل العملي صدقها. فمثلاً عندما أعلن لهم أن له سلطاناً على غفران الخطايا، الذي يتفرَّد به الله، أظهر أحقيته في ممارسة هذا السلطان إذ شفى بكلمة واحدة مفلوجاً لم يكن يستطيع حراكاً على الإطلاق. وكان يقول للناس: الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي (يوحنا 10: 25) وصدقوني أني في الآب والآب فيّ. وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها (يوحنا 14: 11) ، والذي يضع حياته وأعماله تحت الاختبار ليفحصها الناس بأنفسهم ويحكموا بواسطتها على حقيقة أمره، هو شخص صادق كل الصدق في شهادته لنفسه.

4 -ولادته من عذراء:

وهي دليل على أن له وجوداً ذاتياً قبل ولادته منها، ودليل على أن له حياة ذاتية تجعله في غنى عن بذرة حياة من رجل ما. والذي له وجود ذاتي وله حياة ذاتية، هو الله، أو أقنوم من أقانيمه.

أما القول إن الله خلق آدم دون أب أو أم، وأخذ حواء من أب دون أم، وليبين قدرته سمح بأن يولد المسيح من أم دون أب، فلا يكون المسيح إلا واحداً من البشر، فلا يجوز الأخذ به، لأن الله خلق آدم دون أب أو أم، لأنه لم يكن قبله رجل وامرأة يولد منهما. وأخذ حواء من آدم فقط ليكونا واحداً لا ينفصل أحدهما عن الآخر (متى 19: 5) ، وفي الوقت نفسه لأنه لم يكن قبل حواء امرأة لتولد منها. لكن بعد وجود الذكور والإناث على الأرض لم يبق هناك داع لأن يأتي إنسان من أم دون أب، أو من أب دون أم، أو من دونهما معاً. لأن الله أوجد الجنسين في بدء الخليقة ليتناسل منهما البشر جميعاً. ولو كان المسيح مجرد إنسان، لما وُلد إلا من أب وأم مثل باقي الناس. حقاً إن الله أظهر قدرته في ولادة المسيح من عذراء، ولكن يجب أن لا يفوتنا إن إظهار قدرته في ولادة المسيح من عذراء، دليل على أنه ليس له مثيل أو نظير بين البشر على الإطلاق.

5 - عصمته:

مع أن المسيح عاش في جسد من لحم ودم، وسكن في ذات العالم الذي نعيش فيه، وكانت كل مغريات هذا العالم تحيط به مثلنا سواء بسواء، لكنه لم يتجه إلى واحدة منها (على النقيض من كل الرسل والأنبياء، فقد عثروا جميعاً وتلوثت حياتهم بخطايا متنوعة) . ولما اجتمع اليهود حول المسيح محاولين اختلاق التهم التي تبرر في نظرهم القبض عليه، وقف بينهم عالي الرأس وقال لهم: من منكم يبكتني على خطية؟ فلم يقدر أحد أن يذكر له خطية واحدة في أي دور من أدوار حياته. أما عن شهادة الأصدقاء عنه فكثيرة. ولذلك نكتفي بالقول: إن بولس الرسول الذي كان ألد أعداء المسيح قال عنه عندما عرفه، إنه قدوس بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات في الطهر والقداسة (عبرانيين 7: 26) .

6 - عمل المعجزات بسلطانه الذاتي:

كان أنبياء الله يعملون المعجزات ليس بناءً على إرادتهم الشخصية بل بناءً على إرادة الله، أما المسيح فكان يعملها بإرادته الذاتية، ولذلك كانت بالنسبة له أمراً عادياً. فكان يقول للأبرص أريد فاطهر فيطهر في الحال (متى 8: 3) . ويقول للمفلوج قم واحمل سريرك وامش ، فتزول علته كما تدب فيه العافية ويحمل سريره ويمشي (مرقس 2: 9) . ويقول للميت قم ، فيقوم على الفور وليس به عرض من أعراض الموت أو الضعف (لوقا 7: 14) . وكان يمشي على الماء لينقذ أشخاصاً مشرفين على الغرق، ويدخل البيوت والأبواب مغلّقة ليهدّئ روع أشخاص تملكهم الخوف والفزع (متى 14: 25 ويوحنا 20: 26) ، وكان ينتهر العواصف فتهدأ في الحال ويعود السلام إلى قلوب الذين فيها (مرقس 4: 39) . ومنح تلاميذه سلطاناً على عمل المعجزات، فكانوا يعملونها باسمه (متى 10: 1) الأمر الذي لم يفعل مثله نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل.

7 - علمه بالغيب:

كان يعرف أسماء الناس دون أن يكون قد التقى بهم من قبل، كما كان يعرف الأعمال التي كانوا يقومون بها في الخفاء (يوحنا 1: 42-47) والخواطر التي كانت تجول في عقولهم (يوحنا 6: 6) . والأسرار الكامنة في أعماق نفوسهم (يوحنا 4: 18) وكان يعرف ما جاء في الكتب دون أن يدرسها (يوحنا 7: 15) ، وما يحدث في الأماكن التي تبعد عنه كثيراً (مرقس 14: 13) ، وما يوجد في أعماق البحار وما ابتلعه السمك من أشياء (متى 17: 27) ، كما كان يعرف ما يخبئه المستقبل من مختلف الأحداث، فعرف أن أورشليم سيحل بها الخراب والدمار (لوقا 21: 6) ، وأن لعازر سيموت وأنه سيقيمه من بين الأموات (يوحنا 11: 11 و14) ، وأن يهوذا سيسلمه لليهود (متى 26: 23) وأن بطرس سينكره ثلاث مرات (متى 26: 34) ، وأنه هو نفسه (أي المسيح) سيُصلب ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث (متى 16: 21) . ولم يكن علمه بهذه الأمور مرتبطاً بزمان ما، بل كان لديه أزلاً (يوحنا 6: 64) ، الأمر الذي ينفرد به الله دون سواه.

8 - قيامته من بين الأموات:

كل الذين قاموا من بين الأموات بقوة معجزية، عادوا فماتوا بعد ما عاشوا على الأرض مدة من الزمن . أما المسيح ففضلاً عن أنه لم يمت بعد قيامته، بل بعد ما عاش على الأرض مدة من الزمن يثبت فيها إيمان تلاميذه، ارتفع الى السماء (لوقا 24) ، فإنه له المجد قام من بين الأموات بقوته الذاتية وبإرادته الشخصية. فقد قال لليهود قبل صلبه عن جسده: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه (يوحنا 2: 19) وقال لهم أيضا عن نفسه: أنا هو القيامة والحياة (يوحنا 11: 25) ، وشخص تكون نفسه ملكاً له، يسلِّمها إذا أراد ويستردها إذا أراد، ويكون أيضاً هو القيامة والحياة لا يكون مخلوقاً. وقد أشار الرسول الى هذه الحقيقة فقال عن المسيح إنه اتضح أنه ابن الله بالقيامة من الأموات (رومية 1: 4) .

9 - ضرورة تجسّده:

(أ) لو كان الله قد ظهر لنا في مجده الخاص ليعلن لنا ذاته ويقربنا إليه، لما استطاع واحد منا أن يقف في حضرته، بل لسقط ميتاً في الحال أمامه فقد قال لموسى: الإنسان لا يراني ويعيش (خروج 33: 20) ، وبما أن الله لا يريد أن يرعبنا، بل يريد أن ندنو منه حباً فيه وشوقاً إليه، فكان من البديهي أن يظهر لنا في ناسوت مثل ناسوتنا. ويكون هذا الناسوت خالياً من الخطية، ليكون متوافقاً مع قداسته المطلقة.

(ب) بظهور الله في المسيح لم يتحيّز بحيّز بل ظل كما هو المنزَّه عن الزمان والمكان. وقد أشار المسيح من جهة لاهوته إلى هذه الحقيقة، فقال عندما كان بالجسد على الأرض إنه كان في نفس هذا الوقت، في السماء عينها (يوحنا 3: 13) ، كما قال: حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (متى 18: 20) .

(ج) كما أنه بظهوره في المسيح ظل هو الله بكل خواصه. كما ظل ناسوت المسيح هو الناسوت بكل خواصه، لأنه لم يحدث بين اللاهوت وبين الناسوت اختلاط أو امتزاج يؤدي إلى حدوث تغيير في أيهما.

ومع كل فقد ظهر من خلال حياة المسيح الناسوتية مجد أخلاقي لا يقل في شيء عن ذاك الذي ينتظر ظهوره من الله نفسه، فآمن الأتقياء من البشر أنه ابن الله أو الله الظاهر في الجسد كما يتضح من يوحنا 1: 49 و2: 11 و23 و4: 39-42 و7: 31 و11: 27 ومتى 16: 16

كيف تنتفع بكفارة المسيح؟

القسم الثاني من كتاب

فلسفة الغفران في المسيحية

عوض سمعان

 

الباب الخامس:

قيام الله بالفداء في المسيح

إن الذين ليست لهم دراية بشخصية المسيح، يظنون أن صلبه يرجع فقط إلى كراهية كهنة اليهود له، بسبب توبيخه إياهم على شرورهم وآثامهم. ولذلك يكون المسيح، بناءً على رأيهم، قد مات شهيد الحق والواجب فحسب. لكن وإن كان هذا الرأي صواباً من جهة تصرف هؤلاء الكهنة إزاء المسيح، غير أننا إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وإلى القرائن الخاصة بحادثة صلب المسيح الواردة فيه، نرى أنه لم يمت شهيداً فحسب، بل وكفارة أيضاً، كما يتضح مما يلي:

 

-1-

أدلة كتابية عن موت المسيح كفارة أو فدية

أولاً - شهادة المسيح عن موته كفارة، والأدلة على صدقها

1 - شهادة المسيح: قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصلب: أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يوحنا 10: 11) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين وأوجه الشبه بينهما أن الخراف تكره القذارة وتطيع راعيها، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله. وقال كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان (على الصليب) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 14 - 16).

كان بنو إسرائيل قد تذمروا على الله في البرية، فأثار عليهم الحيات المحرقة، فلدغت عدداً كبيراً منهم. ولما رأى الباقون أنهم سيموتون حتماً مثل غيرهم، هرعوا إلى موسى وقالوا له: قد أخطأنا، فتضرع إلى الله ليرفع عنا الحيات. فصلى موسى لأجلهم. فقال الله له: إصنع لك حية من نحاس وضعها على راية، فكل من لُدغ ونظر إليها يحيا (عدد 21: 4 - 9) - والحية النحاسية هذه كانت رمزاً إلى المسيح من النواحي الآتية: (أولاً) إنّه لم يكن بها سم مثل الحيات، والمسيح لم تكن به خطيئة مثل الناس. (ثانياً) إنها لم تكن في ذاتها حية بل كانت شبه حية، والمسيح وإن كان قد ظهر في الهيئة كإنسان مثلنا، لكنه لم يكن في حقيقة ذاته واحداً منا، فقد كان يحلّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً، كما أنه ولد من عذراء لم تعرف رجلاً على الإطلاق. (ثالثاً) إن الموت أتى إلى بني إسرائيل عن طريق حية، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منه عن طريق حية من نوع آخر. وهكذا الحال من جهة الخطيئة التي تؤدي إلى العذاب الأبدي، فإنها دخلت إلى البشر بواسطة آدم الأول، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منها ومن عذابها بواسطة آدم الأخير الذي هو المسيح (رومية 5: 12 - 19) (رابعاً) إن النظر الجسدي إلى الحية النحاسية كان هو السبيل الوحيد الذي عينه الله للشفاء من لدغة الحيات المحرقة، والنظر الروحي إلى المسيح أو بالحري الإيمان الحقيقي به، هو السبيل الذي عيَّنه الله للخلاص من الخطيئة وعذابها (يوحنا 3: 16).

وقال المسيح أيضاً: إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين أو بالحري عوضاً عنهم (مرقس 10: 45). وأيضاً لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك (متى 18: 11). وعندما شبه نفسه بحبة الحنطة قال: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها - ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير (يوحنا 12: 24)، مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً نيابة عنهم.

وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون روحياً منه، قال والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي، الذي أبذله من أجل حياة العالم (يوحنا 6: 51). كما قال لتلاميذه مرة بأن جسده سيبذل وبأن دمه سيُسفك عنهم وعن كثيرين (لوقا 22: 19 و 20)، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد، بل كان أيضاً كفارة عن الخطاة.

2 - الأدلة على صدق شهادة المسيح: فضلاً عن أن شهادة المسيح عن موته كفارة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً. وذلك للسببيين الآتيين:

(ا)إن القادة والزعماء (كما نرى في كل البلاد) يحاولون بشتى الوسائل أن يبثوا الشجاعة والإقدام في نفوس أتباعهم. وحتى إذا كان هؤلاء القادة والزعماء مرضى أو على شفا الموت، فإنهم يخفون حالتهم الصحية عن أتباعهم لئلا يتسرب إليهم اليأس والفشل. وإذا كان الأمر كذلك، وكان المسيح بعيداً كل البعد عن وسائل التمويه والتحايل التي يلجأ إليها الناس، فلا ندحة من التسليم بأنه كان يعلم علم اليقين أنه سيموت كما قال، لأنه لولا ذلك لما خطر بباله أن يتحدث مع تلاميذه عن موته، إذ أن الحديث عنه حّز في نفوسهم وفتَّ في عضدهم، وهم في أول الطريق معه.

(ب) إن المسيح لم يكن مدعياً أو متكبراً بل كان صادقاً كل الصدق ومتواضعاً كل التواضع. ولذلك ليس من المعقول أن يكون قد نادى بأن موته سيكون موتاً كفارياً، والحال أنه كان موتاً استشهادياً أو موتاً عادياً فحسب.

(ج) كما أننا إذا أمعنا النظر في حديث المسيح عن موته كفارة ، يتضح لنا أنه لا يجيء بمعزل عن تعاليمه التي كان يوجهها إلى سامعيه (مثل محبة الله للبشر واهتمامه بهم ورغبته في تقريبهم إليه)، بل يجيء ممتزجاً بها كل الإمتزاج، حتى إنه لا يمكن فصل هذا الحديث عنها بحال. ومن ثم لا يكون كرقعة أُرتقت بثوب بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، أو بالحري لا يكون دخيلاً على أقوال المسيح بل يكون من ذات أقواله.

ثانياً - شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة، والأدلة على صدقها

(ا) قال بطرس الرسول للمؤمنين: إن كنتم تدعون أباً الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين إنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم (1 بطرس 1: 17 - 20) ولا غرابة في ذلك، فالله كان يعلم منذ الأزل أن ْالإنسان سيسقط في الخطيئة، فجهز له الخلاص منها من قبل أن يخلقه، الأمر الذي يتوافق مع كماله كل التوافق.

(ب) وقال يوحنا الرسول عن المسيح بهذا أُظهرت المحبة، أن ذاك (الذي هو المسيح) وضع نفسه لأجلنا (1 يوحنا 3: 16). وأيضاً في هذا هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا (1 يوحنا 4: 10).

(ج) وقال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح إنه مات من أجل خطايانا حسب الكتب (النبوية) . وقال أيضاً عنه وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام . وأيضاً إن الله جعل (المسيح) الذي لم يعرف خطية، (ذبيحة) خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه (1 كورنثوس 15: 3 ، 2 كورنثوس 5: 15 ، 21).

وقال لأهل رومية: فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت. ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا (5: 7 ، 8). وقال أيضاً: متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة (3: 24 و 25). وأيضاً: لأن الموت الذي ماته، قد ماته للخطية مرة واحدة (6: 10).

وقال لأهل كولوسي عن المسيح لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء (أي اللاهوت كله) وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته (1: 19 و 20). كما قال لهم وإذ كنتم أمواتاً... أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك (أو بالحري دين الخطايا) الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا. وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب في المسيح (كولوسي 2: 13 ، 14).

وقال لأهل أفسس عن المسيح: الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته (1: 7)، وأنه صالحنا في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به (2: 16). وأنه أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة (5: 2). وأنه أحب المؤمنين وأسلم نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن. كلمة الكنيسة ليست عربية بل عبرية، ويراد بها جماعة من الناس تجمعها وحدة ما. أما في المسيحية فيراد بها المؤمنون الحقيقيون وحدهم (أفسس 5: 25). أما الغَضَن فهو التجعد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء. والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه، أن الله سيحضر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض

وقال للعبرانيين عن المسيح: لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد (2: 9) لأن المسيح عندما كان على الصليب، كان يمثل كل إنسان في موقفه كمذنب أمام الله في يوم الدينونة، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها، الأمر الذي يعطي كل مؤمن حقيقي الإطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح. كما قال إنه أُظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه (عبرانيين 9: 26)، كما قال عنه فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله (10: 12). وإنه لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب (عبرانيين 13: 12). أو بالحري خارج باب المدينة حيث كانت تحرق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخطاة في العهد القديم.

وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح: أنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع (1 تي 2: 6)، لكي يفتدينا من كل إثم.

2 - الأدلة على صدق شهادة الرسل: فضلاً عن أن شهادة الرسل مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً: وذلك للأسباب الآتية:

(ا) إن شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة لا تجيء بمعزل عن نصائحهم وإرشاداتهم للمؤمنين، بل تجيء ممتزجة بهذه وتلك كل الإمتزاج. ومن ثم فإنها لا تكون كرقعة أرتقت بثوب، بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح كفارة، حقيقة لا سبيل للطعن فيها.

(ب) إن الرسل لم يكونوا من أصحاب الجاه أو السلطان الذين قالوا شيئاً غير الحقيقة صدقهم بعض الناس وآمنوا على أقوالهم، كما نشاهد في بعض الأحيان، بل كان معظمهم من الفقراء المعدمين الذين يملكون بالكاد قوت يومهم. فإذا أضفنا إلى ذلك ء(أولاً) أن الرسل الذين ذكرنا شهادتهم كان يختلف أحدهم عن الآخر من جهة السن والثقافة والطباع والمركز الإجتماعي اختلافاً عظيماً. فبطرس كان جريئاً متحمساً، ويوحنا كان وديعاً هادئاً، فضلاً عن ذلك كان الأول فقيراً ومتقدماً في السن، بينما الآخر كان غنياً وحديثاً في السن (ثانياً) إن بولس كان عالماً كبيراً وشخصاً متعنتاً عنيداً لا يسلم بآراء غيره بسهولة، كما كان من قبل ألد أعداء المسيحية وأكبر المقاومين لها (ثالثاً) إن اتفاق مجموعة متباينة من الناس (مثل هذه) على أمر ما، دليل أنه حقيقة واقعة لا مجال للشك فيها، اتضح لنا أن شهادة الرسل السابقة لا بد أنها صادقة كل الصدق.

(ج) أخيراً نقول: بما أن الرسل بشهادتهم أن المسيح مات كفارة عن البشر، كانوا يعلنون لليهود زوال فائدة الذبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم، مؤكدين لهم أنها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح. وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرسل وتدفعهم لشن الإضطهاد عليهم، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة، يحرم الكهنة من موارد رزقهم. وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر، لما كان قد خطر ببال الرسل أن ينطقوا بمثل هذه الشهادة، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا (وهم جماعة متباينة من الناس كما ذكرنا) موضوعاً لا حقيقة له، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للإضطهاد والعذاب. كما أنه على الرغم من تهاطل هذا وذاك عليهم يستمرون في إذاعته بكل ما لديهم من قوة ونشاط، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة هي شهادة صادقة كما ذكرنا.

ثالثاٌ - شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة والأدلة على صدقها

(ا) قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م عن لسان المسيح أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب (مشيراً إلى كراهية اليهود به وصلبهم إياه)، حينئذٍ رددت الذي لم أخطفه (مزمور 69: 4) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً (أو بالحري لم يسلب الله حقاً من حقوقه) لأن الذي فعل ذلك هم البشر وحدهم، غير أنه ردّ بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه، أو بالحري قام بإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته في نفسه نيابة عنهم.

(ب) وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م. عن المسيح وهو مجروح لأجل معاصينا (وليس لأجل معاص ارتكبها). مسحوق لأجل آثامنا (وليس لأجل آثام اقترفها)، تأديب سلامنا عليه (أي أن ما نستحقه من قصاص، حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه، قد احتمله المسيح عوضاً عنا)، وبحُبُره (أي جروحه) شُفينا (من مرض الخطية القتال). كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا (53: 5 ، 6)، عوضاً عن أن يبقيه علينا ويحملّنا مسؤليته وقصاصه.

(ج) وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م. في رؤيا خاصة سبعون أسبوعاً (أي 490 سنة). قُضِيَت على شعبك (أي على اليهود) وعلى مدينتك المقدسة (أورشليم) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا (اللذين حدثا برفضهم للمسيح) ولكفارة الإثم (أي لإزالة معصيتهم والإنتهاء من أمر خطاياهم)، وليُؤْتَى بالبر الأبدي (الذي يدوم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة) ولختم الرؤيا والنبوة (أي لإتمامهما وتحقيقهما)، ولمسح قدوس القدوسين (أيضاً)، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها - الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك (نحميا 2: 1 - 8) - إلى المسيح الرئيس (في مجيئه الأول) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً (أي 49 سنة زائد 434 سنة يساوي 483 سنة).

وبعد اثنين وستين أسبوعاً (أي 434 سنة). يُقطع المسيح (أي يرفض ويقتل) وليس له، (أي ليس له الملك الذي يحق له) (دانيال 9: 24 - 26).

والأسبوع هنا هو أسبوع السنين، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له، أنه جعل له اليوم عوضاً عن سنة (حزقيال 4: 5). أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك، فقد ذكر في موضع آخر أن دانيال قال في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام (دانيال 10: 2).

(د) وقال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم: ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21)، ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير عنها، فيكون المسيح هو الشخص الذي يكفر عن الخطايا.

(ه) وقال زكريا الكاهن (أبو يوحنا المعمدان) متنبئاً عن فداء الله في المسيح: مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه (لوقا 1: 68)، فيكون المسيح هو الفادي الذي يخلص البشر من خطاياهم.

(و) وقال سمعان الشيخ لله، عندما حمل المسيح في طفولته: الآن تطلق عبدك يا سيد (من العالم) حسب قولك بسلام، لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب (لوقا 2: 25 - 31)، الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعدّه للنجاة من شر الخطيئة وقصاصها.

(ز) وقال يوحنا المعمدان عن المسيح: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29) أو بالحري هو (كبش الفداء) الذي يموت كفارة عن البشر جميعاً.

(ح) وقال قيافا رئيس كهنة اليهود بروح النبوة أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين (في جميع أنحاء العالم) إلى واحد (يوحنا 11: 49 - 52)، أو بالحري ليفديهم ويجعلهم شعباً واحداً لله.

الأدلة على صدق شهادة العهد القديم: فضلاً عن أن هذه الشهادة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً، وذلك للأسباب الآتية:

(ا) إن التوراة التي وردت بها معظم هذه الآيات، كتبت قبل مجيء المسيح إلى العالم بمئات السنين، ولا تزال موجودة إلى الآن في أيدي اليهود جميعاً. وفي أثناء خدمة المسيح على الأرض، كانت هناك نسخ منها في الهيكل والمجامع والمدارس الدينية، وكان الكهنة واللاويون يقدِّسون هذه النسخ ويقرأون فيها كل يوم ويحافظون عليها بكل دقة وعناية، فليس من المعقول إطلاقاً أن يكون بعض المسيحيين قد دّونوا النبوات السابق ذكرها (إن سّولت لهم نفوسهم القيام بهذه الجريمة) في عدد من نسخ التوراة. لأن جريمة مثل هذه لو حدثت، لكانت تكتشف في الحال، وتبعاً لذلك لكان اليهود أحرقوا النسخ التي حدث بها التزوير، وقضوا على الذين قاموا به قضاء تاماً.

(ب) إن هذه الشهادة صادرة من أشخاص لا تربطهم رابطة ما، فبينهم الصديق والعدو، والملاك والإنسان، والشيخ والشاب، ومن عاش في بلاد الفرس قبل الميلاد بمئات السنين، ومن عاش في بلاد أورشليم بعد الميلاد ببضع سنوات. وبالرغم من هذه الإختلافات الجوهرية اتّحدت شهادتهم على أن موت المسيح هو للتكفير عن الخطيئة. إذاً لا شك أنهم كانوا منقادين في شهادتهم هذه بروح واحد هو روح الله. إذ لولاه لما كانوا، وهذا شأنهم من التباين والإختلاف، يجمعون على شيء واحد.

(ج) أخيراً نقول أن التاريخ الذي حددته نبوة دانيال النبي لمجيء المسيح للتكفير عن الخطيئة قد أثبت صدقه أساطين التاريخ مثل ياهين وهنجسبرج وسايس وأنولود وكوبر، فقد أجمعوا على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من 69 أسبوع السنين (أي ال 483 سنة) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما. وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث (الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ) يكون الناتج 29 سنة ميلادية، وهذه هي السنة التي صُلب المسيح فيها. لأن المؤرخين القدامى قدّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق سنة 4 ق.م، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ. وبإضافة 29 إلى 4 يكون الناتج 33، وهذا هو السن الذي صلب فيه المسيح.

- 2 -

أدلة عقلانية على موت المسيح كفارة

1 - قبول المسيح للموت بإرادته: كان في وسع المسيح أن يتجنَّب الصلب (لو شاء أن يتجنّبه)، وذلك إما بالعودة إلى السماء التي أتى منها، وهذه كانت ترحب به في أي وقت أراد، إذ أنها ملكه وتحت سلطانه، وكان قد غادرها بإرادته، فكان له أن يعود إليها بإرادته أيضاً (يوحنا 16: 28). أو باستحضار جيش من الملائكة لكي يقضي على اليهود جميعاً في لحظة من الزمان (متى 26: 53). أو بالإبتعاد عنهم بوسيلة من الوسائل كما فعل أكثر من مرة في أوائل خدمته بينهم (لوقا 4: 30 ، يوحنا 8: 59)، حينما علم أن ساعة انتقاله من العالم لم تكن قد جاءت بعد (يوحنا 7: 6). أو بالكف عن توبيخ رؤساء الكهنة لأن هذا هو الذي أثارهم ضده ودفعهم إلى قتله.

لكن إذا رجعنا إلى تاريخ المسيح نرى (أولاً) أن تلاميذه حاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى أورشليم خوفاً عليه من عدوان اليهود وبطشهم (يو 11: 8 - 10) ومع ذلك ثبت وجهه للذهاب إليها (لو 9: 51). (ثانياً) أن الجنود الذين أتوا للقبض عليه سقطوا على وجوههم أمام هيبته، ومع ذلك لم يستثمر هذا الظرف ليسيطر عليهم ويضمهم تحت لوائه، بل سلم نفسه بإرادته إليهم (يو 18: 6). (ثالثاً) أن التلاميذ لم يكونوا عزلاً بل كان معهم سيفان، ومن المحتمل أيضاً أنه كان معهم عدد من السكاكين التي كانوا يستعملونها وقتئذٍ في ذبح خراف الفصح كعادتهم، ومع ذلك لم يسمح المسيح لهم باستعمال أي وسيلة من وسائل الدفاع. إذ عندما رفع بطرس سيفه وهوى به على أحد أتباع كهنة اليهود، قال المسيح له: إجعل سيفك في الغمد (يوحنا 18: 11). (رابعاً) أن هيرودس الملك الذي أسندت إليه محاكمة المسيح في فترة ما، فرح عندما رآه وطلب منه أن يعمل معجزة أمامه،ولو كان المسيح قد أجابه إلى طلبه، لكان هيرودس قد أطلق سراحه وصانه من أعدائه. ولكن المسيح أبى أن يجيبه على الإطلاق (لوقا 23: 8 و ). (خامساً) أخيراً نقول إن بيلاطس الوالي الذي تولى محاكمة المسيح في أول الأمر وآخره، أفسح له المجال للدفاع عن نفسه لكي يبرئ ساحته، ومع ذلك لم يجبه المسيح بكلمة حتى تعجب هذا الوالي جداً (متى 27: 12 - 14) - وكل موقف من هذه المواقف يدل على أن المسيح كان قد عقد النية وقتئذٍ على أن يقدّم نفسه للصلب، وطبعاً لم يكن هناك داع لذلك، لولا أنه قصد أن يكون كفارة كما ذكرنا.

2 - موافقة الله على صلب المسيح: لو لم يكن موت المسيح موتاً كفارياً لكان الله قد أسرع بإنقاذه، لأنه الشخص الوحيد الذي عاش على الأرض دون خطيئة، وشخص مثله لا يجوز أن يقع تحت قضاء الموت، إذ أن الموت هو فقط أجرة الخطيئة وعاقبتها. لكن المسيح وقف لكي يحاكم أمام أشر الناس، ويبصق على وجهه ويلطم عل خده ويُجلد على ظهره، ثم يسمر بعد ذلك على صليب العار، ويعلق بين اثنين من المجرمين - كل ذلك والسماء لم تحرك ساكناً: فلم تهلك الأشرار أو العتاة، أو ترسل ملائكتها لإنقاذ المسيح من بين أيديهم. فهل فشل ناموس الله الأدبي في القيام بمهمته؟ أم تغير تعالى في ذاته وصفاته؟ أم ترك العالم وشأنه نهائياً تحت سلطان الشر والاثم؟ طبعاً كلاّ وكلا، لأن الله لا يتغير بأي حال من الاحوال، ولا يترك العالم وشأنه إلى النهاية. كما أن ناموسه الأدبي لا يفشل في مهمته على الإطلاق. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من التسليم بأن الله هو الذي سمح بصلب المسيح، وأنه سمح بذلك لكي يكون المسيح كفارة عن خطايانا.

أما عن الإعتراض: فلماذا سمح الله إذاً بموت القديسين الأفاضل بأيدي الأثمة الأشرار؟ فلا مجال له، لأنه لو كان القديسون المذكورون قد نجوا من الموت، لكانوا سيموتون مثل باقي الناس. ومن ثم كان الأشرف لهم أن يموتوا شهداء الحق، من أن يموتوا موتاً عادياً.

وقد أعلن الوحي بعبارات صريحة أن موت المسيح، وإن كان بحسب الظاهر بإرادة اليهود، غير أنه كان في حقيقة الأمر بإرادة الله. فقد قال بطرس الرسول لليهود عن المسيح بعد صعوده إلى السماء هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه (أعمال 2: 23). كما خاطب هو وباقي الرسل المولى قائلين معاً له: لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل ليفعلوا كل ما سبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون (أعمال 4: 27 و 28)، الأمر الذي يدل على أن الله قصد بموت المسيح أن يكون كفارة عنا كما ذكرنا.

3 - حزن المسيح قبل الصليب: إذا رجعنا إلى التاريخ نرى أن القديسين الشهداء كانوا يقابلون الصلب والطرح في النيران بالفرح والإبتهاج، ونظراً لأن المسيح فضلاً عن كونه أعظم منهم شجاعة واحتمالاً بدرجة لا حد لها بسبب قداسته المطلقة، هو الذي قدم نفسه للصلب بمحض إرادته كما اتضح لنا مما سلف، لذلك لا بد أن يكون بحسب تقديراتنا البشرية قد قابل آلامه بفرح وابتهاج أعظم منهم جميعاً. لكن إذا تطلعنا إلى المسيح قبل نزول هذه الآلام به نراه في حالة تختلف كل الإختلاف عن تلك التي كنا نتوقع أن نراه عليها، إذ أنه كان يحزن ويكتئب ويقول لتلاميذه: نفسي حزينة جداً حتى الموت ، كما كان يصلي بلجاجة جعلت عرقه يتساقط كقطرات الدم، نتيجة الجهاد النفسي العنيف.

وهنا يتساءل العقل: لماذا حزن المسيح هذا الحزن المفرط؟

الجواب: طبعاً لأن آلام الصلب التي كان ينتظرها، لا بد كانت أقسى بدرجة لا حدّ لها من آلام الصلب العادية التي كان يحتملها القديسون الشهداء. أو بتعبير آخر لا بد أن هذه الآلام كانت آلام الكفارة التي نستحقها إلى الأبد بسبب خطايانا، لأن هذه الآلام لا نهاية لهولها. ومن ثم فإنه له المجد لم يحزن بسبب خطيئة ارتكبها، بل بسبب الخطايا التي ارتكبناها نحن جميعاً.

4 - انتشار الظلام على الأرض: عندما كان المسيح معلقاً على الصليب غطى الظلام وجه الأرض، واستمر هذا الظلام ثلاث ساعات متتالية، من الساعة السادسة من النهار إلى الساعة التاسعة منه. وكان هذا الظلام نتيجة لهبوط سحابة كثيفة سوداء - والسحابة كما يتضح من الكتاب المقدس رمز لحضور الله وتداخله في شؤون البشر (عدد 11: 25)، واللون الأسود كما نعلم رمز إلى الأسى العميق أو الغضب المريع. وليس هناك شيء يدعو إلى الأسى العميق سوى الخطيئة، وليس هناك شيء يدعو الله لإظهار الغضب المريع سواها. ومن ثم فالمسيح ولا شك كان يحمل وقتئذٍ خطايا البشرية، أو بعبارة أخرى كان يكفر عنها.

هذا الظلام لم يكن نتيجة كسوف للشمس (كما يقال)، إذ أن المسيح صلب في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري، وفي هذا الوقت لا يحدث كسوف على الإطلاق، فضلا عن ذلك فإن أطول كسوف كلي للشمس لا يستمر إلا بضع دقائق، كما أنه لا يحدث إلا بالتدريج. أما الظلمة التي حدثت عند صلب المسيح، فقد بدأت دفعة واحدة، وظلت ثلاث ساعات متتالية، انقشعت بعدها دفعة واحدة أيضاً.

وقد أشار إلى هذا الظلام كثير من القدامى فقال فليفون الفلكي في القرن الثاني إن الظلام الذي حدث عند صلب المسيح لم يحدث في الكون مثله من قبل ، وقال ديونسيوس الأريوباغي، عندما شاهد هذا الظلام: إما أن إله الطبيعة يتأمل الآن، أو أنه يرثي لشخص يتألم (الخريدة النفيسة ج 1 ص 114). وقد أشار إلى الظلام المذكور أيضاً ثلس المؤرخ الوثني وترتوليانوس الفيلسوف المسيحي في القرن الثاني، كما أشار إليه الامام الحافظ المؤرخ الإسلامي في القرن الرابع عشر في كتابه (البداية والنهاية ج 1 ص 182).

5 - ترك الله للمسيح: في الثلاث الساعات الأولى لصلب المسيح، تحدث له المجد في أمور شتى، فطلب الغفران لصالبيه، ووعد اللص التائب بالفردوس، واستودع أمه لرعاية تلميذه يوحنا لكي يعتني بها. لكن عندما أرخى الظلام سدوله في الساعات الثلاث التالية، لاذ بصمت رهيب، ثم صرخ (بوصفه ابن الإنسان) قائلاً: إلهي إلهي، لماذا تركتني!؟ - وهنا يتساءل العقل:

(ا) هل يترك الله أصفياءه في أوقات الضيق والشدة؟

(الجواب) طبعاً كلا، بل ينقذهم وينجيهم، وذلك بناء على وعده الصادق: إدعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني (مزمور 50: 15) وإذا شاء تعالى أن يموتوا شهداء الحق، فإنه يدنو منهم بصفة خاصة ويساعدهم على احتمال آلام الإستشهاد، فيجوزون فيها بفرح وابتهاج كما حدث ويحدث مع القديسين الشهداء. لكنه تعالى لم يعامل المسيح (بوصفه ابن الإنسان) حتى بهذه المعاملة المألوفة، بل تركه وحده، مع أن المسيح لم يكن في وقت ما (إن جازت المقارنة) أكثر سمواً لدى الله من الوقت الذي كان معلَّقاً فيه على الصليب، لأن هناك أظهر المسيح الطاعة الكاملة لإرادة الله والإخلاص المطلق له. ولذلك ما كان ليتركه لولا أن موته كان موتاً كفارياً.

(ب) وهل يقتضي الأمر أن يترك الله المسيح، إذا كان موته موتاً كفارياً؟

(الجواب) طبعاً نعم. لأنه بما أن الله لقداسته لا يتوافق مع الخطيئة أينما وُجدت، وبما أن المسيح رضي أن يضع على نفسه خطايانا، كما لو كانت خطاياه الشخصية، كان من البديهي أن يقف من الله موقفنا منه، فيشعر بشرّ الخطيئة وشناعتها، ويقاسي الآلام التي تتناسب معها، ومن بين هذه الآلام أن يُحرم بصفته الإنسانية من التمتع به تعالى. ولذلك فمع بقاء المسيح في مركزه الذاتي، وهو الكامل الذي لا ينفصل عن الله على الإطلاق، أصبح كإبن الإنسان في مركزه النيابي على الصليب في الساعات الثلاث المذكورة، كما لو كان هو كل البشر حاملين خطاياهم وشرورهم، ومحتملين في نفوسهم العذاب المريع الذي يستحقونه بسببها. وطبعاً لم يكن لكائن سوى المسيح أن ينوب عنهم في هذه الحالة المريرة، وذلك للأسباب التي ذكرناها في الباب السابق.

(ج) ألا يدل ترك الله للمسيح على أن لاهوت المسيح فارق ناسوته بضع ساعات؟

(الجواب) كلا، لأن اللاهوت واحد ووحيد ولا يتجزأ أو يتفكك على الإطلاق، وذلك لعدم وجود أي تركيب فيه. ومن ثم فإنه جوهر الآب والروح القدس معاً من الأزل إلى الأبد.

وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن ترك الله للمسيح وقتئذٍ لا يراد به إلا أن الله جعل المسيح (بوصفه ابن الإنسان النائب عن الخطاة) يحتمل في ساعات الظلام الرهيب كل دينونة العدالة الإلهية عن خطايا البشر جميعاً، دون أن يقدم له أية معونة تخفف من وطأتها على نفسه، حتى يكون تكفيره عنهم تكفيراً قانونياً يتفق مع عدالة الله المطلقة كل الإتفاق. ومن ثم فقول المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني ليس اعتراضاً أو استفهاماً (لأن المسيح لم يكن يعترض على معاملة الله أو يجهلها)، بل هو تعبير عن الآلام الكفارية التي كان المسيح يجتاز فيها، والتي كانت قد بلغت أقصاها، حتى تملكه الإحساس وكأنه وحيد فريد أمام شر الخطيئة وعذابها الأليم.

(د) ألا يدل صراخ المسيح هذا، على أنه كان على الصليب مقهوراً ومغلوباً على أمره؟

(الجواب) كلا، لأنه له المجد لا يقهر ولا يغلب على أمره، بل يدل على ثقته (بوصفه ابن الإنسان) في الله كل الثقة، على الرغم من الظروف القاسية التي كان يجتاز فيها، لأنه لولا ذلك لما صرخ إليه على الإطلاق. كما يدل على كماله الذاتي لأن البشر العاديين إذا اجتازوا في الآلام، لا يستطيعون أن يقولوا لله لماذا تركتنا؟ لأنهم بسبب خطاياهم يستحقون أن يتركوا منه.

ومع كل فإن هذا الترك وأن كان حقيقياً، وقد أحس المسيح به فعلاً لأنه وضع نفسه موضع الخطاة، غير أنه لم يكن إلا إلى حين فحسب، لأن القول: لماذا تركتني؟ تعبير عن اختبار حدث على الصليب في فترة ثم مضى وانتهى. كما أن قوله بعد ذلك: يا أبتاه في يديك أستودع روحي (لوقا 23: 46) دليل على أن صلته (حتى بوصفه ابن الإنسان) بالله لم تنقطع، وكل ما في الأمر أنه بعد معاناته لكل آلام الصلب القاسية، عاد وأراح نفسه (كإبن الإنسان) بين يدي الله في المجد بعمل الكفارة إلى التمام.

أخيراً نقول: إن المسيح وإن كان قد قاسى على الصليب آلاماً لا نستطيع الإحاطة بها، غير أنه كان في الباطن مسروراً ومبتهجاً بتحملها نيابة عنا. فلسان حاله بوصفه ابن الإنسان، كان وقتئذٍ، كما في كل وقت آخر أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت (مزمور 40: 8). ولا عجب في ذلك، فالمزمور الذي أشار إلى قول المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ليس مزمور اليأس والفشل، بل مزمور اليقين والأمل، لأنه ينتهي بالقول: أخبر باسمك إخوتي. في وسط الجماعة أسبحك (مزمور 22: 22) الأمر الذي يدل على أن المسيح عندما كان معلقاً على الصليب كان واثقاً أنه سيقوم من بين الأموات، وأنه سيعلن نعمة الله وخلاصه للمؤمنين الحقيقيين، ثم يقودهم بعد ذلك للحمد والتسبيح لله لأجلهما.

6 - موته السريع: بعد ست ساعات من صلب المسيح، أتى الجند وكسروا سيقان اللصين اللذين كانا مصلوبين معه، لكي يموتا وتدفن جثتهما قبل الغروب كما جرت العادة عند اليهود. إذ كان اليوم التالي للصلب يوم سبت، وهذا اليوم يوم مقدس لديهم يجب أن لا تبقى فيه الأجساد معلقة على الصليب. ولكن لما أتوا إلى المسيح لم يكسروا ساقيه لانهم رأوه قد مات (يوحنا 19: 33). ومن القرائن الخاصة بهذا الموضوع يتضح لنا أنه مات بسرعة لم تكن منتظرة على الإطلاق، حتى أن الوالي الذي حكم عليه بالصلب عندما بلغه هذا الخبر، لم يصدقه إلا بعدما سمعه من فم قائد المائة الذي كان ملازماً للصليب (مرقس 15: 44 ، 45).

إن عدم كسر ساقي المسيح لم يكن أمراً قضت به الظروف وقتئذ فحسب، بل كان أمراً معيناً بواسطة الله منذ الأزل. وقد أشار تعالى إليه قبل صلب المسيح بأكثر من 1500 سنة في رمز قديم. فقال لموسى النبي أن ينهى بني إسرائيل عن كسر عظام خروف الفصح (خروج 12: 46) الذي كان رمزاً إلى كفارة المسيح التي على أساسها تعبر الدينونة الأبدية عن المؤمنين الحقيقيين، كما عبر سيف الهلاك قديماً عن أبكار بني إسرائيل على أساس دم الخروف المذكور. فقد قال الرسول: لأن المسيح فصحنا قد ذبح لأجلنا. إذاً لنعيّد، ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق (1 كورنثوس 5: 7 ، 8) أو بالحري نعيّد بحياة طاهرة نقية لا أثر للشر فيها، إذ أن الخميرة، كما يتضح من الكتاب المقدس، رمز إلى الشر الدفين في النفس.

فلماذا مات المسيح بهذه السرعة، وقد كان بسبب نقاوته وطهارته أقوى الناس بنية وأمتنهم أعصاباً وأقدرهم على مقاومة الآلام؟

(الجواب) إذا وضعنا أمامنا أن المصلوب يموت (كما يقول الأطباء) موتاً بطيئاً في مدة تتراوح بين 24 و 28 ساعة بالصدمة الثانوية ، متأثراً إما بالإجهاد العصبي والتهاب الجروح ونزف الدماء، أو بتعطل الدورة الدموية واضطراب القلب، اتضح لنا أن موت المسيح بعد 6 ساعات (أي قبل الوقت الذي يُنتظر أن يموت فيه أضعف شخص يعلق على الصليب بِ 18 ساعة)، لا يعلل طبيعياً إلا بأن الآلام التي كان يجتاز فيها وقتئذٍ، لم تكن الآلام الجسدية الظاهرية فحسب، بل لا بد أنه كانت مع هذه الآلام، آلام أخرى. وهذه الآلام لا يمكن أن تكون سوى آلام الكفارة التي كان يتقبلها في نفسه عوضاً عنا، لأنه لا نهاية لهول هذه الآلام أو شدتها كما ذكرنا، ومن ثم كانت كافية بالطبيعة للقضاء على حياة المسيح الجسدية في وقت وجيز.

ولذلك ذهب الأطباء إلى أنه طرأ على المسيح عندما كان معلَّقاً على الصليب، ما يسمى فسيولوجياً ارتشاح فجائي في القلب ، ويسمى لدى العامة كسر القلب وقد سبق الوحي وأشار إلى هذه الحقيقة، فقال النبي عن لسان المسيح: العار قد كسر قلبي (مزمور 69: 20) وهذا العار لم يكن طبعاً عاراً لحق بالمسيح بسبب شرّ فعله. فقد كان كاملاً كل الكمال، بل كانت الخطيئة التي تردَّينا نحن فيها، والذي رضي المسيح أن يحمله على نفسه نيابة عنا على الصليب.

أما قول بعض المفسرين إن المسيح مات بسرعة بسبب جهاده في الليلة السابقة للصلب، وجلد الجنود له بعد القبض عليه، فليس بصواب. لأنه وإن كان هذان الأمران يسببان الإعياء، لكن صراخ المسيح بصوت عظيم عندما كان معلقاً على الصليب، (متى 27: 46)، يدل على أنه كان وقتئذٍ في كامل القوة والحيوية على الرغم مما أصابه من أذى. ومن ثم فإن موته السريع كان راجعاً إلى تحمله آلام الكفارة القاسية كما ذكرنا - ومن هذا يتضح أن المسيح لم يمت كباقي الشهداء بسبب الصلب، لأن الموت لم يكن له سلطان عليه إطلاقاً، بل مات له المجد باختياره نيابة عنا، بسبب قيامه بالتكفير عن خطايانا.

7 - تزلزل الأرض وتشقق الصخور: ذكرنا فيما سلف، أن الظلام الذي خيم على الأرض عند صلب المسيح لم يكن طبيعياً، ونذكر الآن أن الزلزلة التي حدثت وقتئذٍ لم تكن طبيعية أيضاً. لأن أورشليم بعيدة كل البعد عن مواطن الزلازل التي تشقق الصخور، إذ أن القشرة الأرضية (كما يقول علماء الجغرافيا) قد استقرت فيها، وفي الشرق الأوسط عامة قبل الميلاد بآلاف السنين. وأن ما يحدث الآن من زلازل فيها أحياناً، يكون آتياً إليها من جهات بعيدة، ومن ثم لا يؤثر عليها تأثيراً يذكر. والزلازل عندما تحدث بخلاف النواميس الطبيعية تكون من علامات الدينونة الإلهية الرهيبة (متى 24: 7 ، رؤيا 8: 5) وهذه الدينونة كانت قد حققت وقتئذٍ على اليهود والرومان لأن شرهم كان قد بلغ أقصاه، إذ أساءوا إلى مصدر النعم والإحسان، وأظهروا له العدوان (يوحنا 12: 31). ولكن لماذا لم تنصب الدينونة عليهم وقتئذٍ؟.

(الجواب) طبعاً لأن المسيح لا بد أنه قد حمله في نفسه عوضاً عنهم وعن البشرية التي كانوا يمثلونها في الميل إلى الشر والإنحراف عن الحق، ومن ثم لا يكون موت المسيح استشهاداً فحسب، بل وكفارة أيضاً كما ذكرنا.

ولنا في الطريقة التي نجا بها آدم من الموت، ما يرمز إلى هذه الحقيقة، فإن قضاء الموت كان من الواجب أن يحل عليه وعلى زوجته عندما أخطَئا، وذلك بناء على إنذار الله السابق لهما. لكن هذا القضاء لم يحل عليهما وقتئذٍ، لأن الله سمح بحلوله على الفدية التي سمح بها لأجلهما كما ذكرنا في الباب الثالث.

لقد أنبأ الوحي الإلهي الصادق عن حدوث الظلمة والزلزلة. (ا) أن هاتين الحادثتين تردان في الإنجيل بكل اختصار بعيداً كل البعد عن المبالغة التي يلجأ إليها مؤلفو الروايات (ب) إن الخبر بحدوثهما نُشر بين الناس الذين عاصروا المسيح دون أن يعترض عليه واحد منهم (ج) إن اليهود الذين كانوا بجوار الصليب قرعوا على صدورهم نادمين (لوقا 23: 48) كما أن قائد المئة الروماني شهد أن المصلوب كان بالحقيقة هو ابن الله، الأمر الذي يدل على أن هاتين الحادثتين قد وقعتا فعلاً على مرأى منهم جميعاً، وأنهم تأثروا بهما تأثراً بالغاً.

- 3 -

آلام الإستشهاد وآلام الكفارة

ذكرنا فيما سلف أن المسيح احتمل على الصليب نوعين من الآلام، هما آلام الإستشهاد وآلام الكفارة. ونظراً لأن كثيرين يعتبرون الاثنين آلاماً واحدة، رأينا من الواجب أن نتحدث فيما يلي عن كل منهما على حدة:

أولاً - آلام الإستشهاد

إن آلام الإستشهاد التي قاساها المسيح، لم تكن تشمل آلاماً جسدية فحسب، بل وآلاماً نفسية أيضاً، كما يتضح مما يلي:

1 - الآلام الجسدية: (ا) ففي دار حنان طفحت روح البغضة والقسوة في أحد الخدام، فصفع المسيح بكل ما لديه من قوة. وفي بيت قيافا انقضّ عليه الخدام وجنود الهيكل وأفرغوا كل ما في جعبتهم من حقد ضده، فلكمه البعض، ولطمه البعض الآخر، وضربه بالعصي بعض غيرهم.

(ب) وفي دار الولاية انتهز جند الرومان وجود شخص يهودي بين أيديهم قال إنه ملك، فخلعوا عنه ثيابه وقيدوا يديه بالأغلال. ثم أحنوا ظهره وربطوه إلى أحد الأعمدة، وطفقوا يجلدونه بكل قواهم. وكانت آلة الجلد تتكون وقتئذٍ من تسعة سيور، في كل منها سبع قطع من المعادن غير المصقولة. وكان الضرب بها يقع على الظهر، وأحياناً على الرأس أو الوجه، فكان اللحم يتناثر وتغوص قطع المعادن في الجروح، فيتدفق الدم بغزارة منها، كما كانت تتقطع الأعصاب وتصاب العظام بخدوش متعددة. لذلك كان المسيح يتألم ولا شك آلاماً مبرحة. ولو كان إنساناً عادياً لكان قد مات وقتئذ، كما كان يموت كثير من البشر. وبعد ذلك وضعوا إكليلاً من الشوك على رأس المسيح وضربوه بالقصبة عليها، فانغرس الشوك فيها وتفجرت الدماء منها، وأخذت تسيل على وجهه من نواح متعددة.

(ج) وأخيراً طرحوه على الصليب المعدّ له، ثم شدوا يديه بكل عنف على عارضتيه، ودقوا في كل منهما مسماراً غليظاً بمطرقتهم، وكأن المسيح قُدّ من صخر لا يشعر أو يحس. فراح المسماران يخترقان الجلد واللحم والعروق والأعصاب والعظام، حتى نفذا في عارضتي الصليب وتمكنا فيهما. ثم وضعوا إحدى قدميه على الأخرى، وبمسمار أطول من المسمارين السابقين سمروهما معاً حتى نفذ المسمار في قائم الصليب وتمكن فيه أيضاً. ثم رفعوا الصليب وأسقطوه في حفرة ليثبتوه فيها، فاضطربت أعصاب المسيح اضطراباً عظيماً. وهناك تركوه تحت حرارة الشمس اللافحة حتى يبست مثل شقفة قوته ولصق لسانه بحنكه، واستبد به العطش (مزمور 22: 15).

فالصليب كما قال شيشرون هو أخس وأقسى العقوبات، وكان لا ينفذ إلا في أشر المجرمين وألد الأعداء، وذلك لكي تطول مدة عذابهم. لذلك كان كل من يُصلب من البشر يتمنى الموت بأقصى سرعة، لكن هيهات أن تتحقق أمنيته. ومن ثم كان يرزح تحت آلامه المبرحة يوماً أو أكثر من يوم، حتى يقبل إليه الموت وينقذه . وكان اليهود يريدون أن يكون هذا هو الحال مع المسيح، لكن خاب أملهم، فقد مات بعد سويعات قليلة من صلبه للأسباب السابق ذكرها.

2 - الآلام النفسية: (ا) فقد خانه يهوذا الإسخريوطي على الرغم من أن المسيح كان يودع لديه كل ما يرد إليه من مال، فضلاً عن ذلك كان قد سمح له منذ ساعات قليلة بالأكل معه في صحفة واحدة. وأنكره بطرس مقدام التلاميذ على الرغم من أن المسيح كان قد خصه بامتيازات متعددة وأسدى إليه وإلى عائلته معروفاً عظيماً. ولم يقف بطرس عند حد الإنكار، بل أخذ يلعن ويحلف أنه لا يعرف المسيح. أما باقي التلاميذ فتركوه وهربوا على الرغم من أنهم أحب الناس إليه وأقربهم إلى قلبه، وكان قد قضى حياته بأسرها في تعليمهم وإرشادهم والعناية بهم.

(ب) وفي جثسيماني أقبل اليهود عليه بسيوف وعصي كأنه لص يسطو على البيوت أو مجرم يفتك بالناس. ثم أوثقوه كما يُوثَق العبيد والمجرمون، وفي عنف ساقوه إلى حنّان ثم إلى قيافا، وأخذوا يبصقون عليه كأنه أحقر الناس وأدنأهم. وفي سخرية لاذعة كانوا يغطون وجهه الكريم، ثم يضربونه ويقولون له: تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك؟! .

وبعد أن استقر رأيهم على صلبه، ساقوه وسط مظاهر الهزء والتهكم إلى بيلاطس ووقفوا يشتكون عليه ويكيلون له التهم وراء التهم، وقد نسوا أو تناسوا أنهم نالوا أو نال ذووهم خيراً جزيلاً، كما أنه كان في ذاته أطهر وأقدس من عاش على الأرض بأسرها.

(ج) وعندما وقف أمام هيرودس استهزأ الجنود به وسخروا منه، كما ألبسوه لباساً براقاً متهكمين ومحتقرين إياه. ولما عادوا به إلى دار الولاية لكي يستأنف بيلاطس الوالي محاكمته، فضَّل رؤساء الكهنة (الذين كانوا يمسكون كتاب الله في أيديهم) باراباس السفاح على المسيح، فطلبوا من بيلاطس إطلاق سراح الأول وصلب الثاني. فأذعن لهم وخضع لمشيئتهم خوفاً على وظيفته من الضياع، مع أنه كان يجمع في يده كل السلطة في البلاد، وكان قد أقيم لصيانة العدالة وحمايتها من عبث العابثين.

(د) وفي دار الولاية أخذه جند الرومان وجمعوا عليه الكتيبة بأسرها، ثم أوثقوه في وسطهم واتخذوا منه ألعوبة (أو أضحوكة) لهم، إذ أقاموا له حفلة تتويج هزلية خلعوا عنه فيها ثيابه العادية وألبسوه رداء قرمزياً (ربما كانت عباءة مهلهلة ألقاها أحد الكبراء عنه منذ زمن طويل، فأخذها جندي منهم)، ثم ضفروا إكليلاً من عوسج وشوك ووضعوه على رأسه بلطف أو عنف، كما جعلوا قصبة في يمينه عوضاً عن الصولجان، لكي يجعلوا منه صورة ممسوخة لأحد الملوك. ثم في استهزاء لاذع طفقوا يجثون قدامه قائلين السلام يا ملك اليهود!! . وأخيراً انتزعوا منه القصبة التي أعطوها له، وضربوه بها على رأسه ضربة قاسية، إمعاناً في إهانته.

(ه) وعندما كان معلقاً على الصليب كان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهّزون رؤوسهم ويتطلعون إليه من أعلى إلى أسفل بكل ازدراء واحتقار قائلين له: إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب ، غير عالمين إنه قَبِل الصلب باختياره لكي يكفر عن خطاياهم وخطايا غيرهم من البشر. وأن المعجزة التي أراد أن يقدمها للبشرية ليست النزول عن الصليب، بل القيامة من بين الأموات بعد إتمام عمل الفداء...

ولو فرضنا جدلاً أنه نزل عن الصليب كما طلبوا، لما كانوا قد آمنوا أنه ابن الله، بل لقالوا إن به شيطاناً، كما قالوا عنه عندما كان يعمل بعض معجزاته فيما سلف. لأن السبب الحقيقي في عدم إيمانهم لم يكن راجعاً إلى حاجتهم إلى برهان على نبوة المسيح الفريدة لله. بل إلى عمى بصائرهم، فكانوا يرون الحق باطلاً والباطل حقاً.

ولقد احتمل المسيح الآلام الجسدية والنفسية السابق ذكرها، وكانت على نفسه أقسى مما نفتكر أو نتصور، وذلك لسببين (الأول) أنه كان سليم البنية، فلم يقترب إليه يوماً مرض يوجعه أو أذى يؤلمه، فيتعلم الصبر والإحتمال. كما كان سليم النفس فلم يتبلّد مرة إحساسه أو تحجّرت عواطفه أو عرف للإهانة معنى أو للإذعان مذاقاً.

(الثاني) كما قد أحب الناس فقابلوا محبته بالبغضة والعداوة، وأحسن إليهم فقابلوا إحسانه بالتمرد والعصيان - وهو لكماله المطلق يؤلمه الجحود ونكران الجميل، وتدميه الخسة والدناءة - ومع كل فهذه الآلام لم تكن كما ذكرنا، إلا آلام الإستشهاد التي كان يحتملها الشهداء القديسون (وإن كانت بدرجات متفاوتة) بكل فرح وابتهاج. ولذلك ليس من المعقول أنها كانت السبب في الحزن العميق الذي بدا من المسيح في جثسيماني، ولا في الصرخة الداوية التي انطلقت من فمه وهو معلق على الصليب.

ثانياً - آلام الكفارة

هي الآلام غير المنظورة التي احتملها المسيح في نفسه نيابة عن البشر بسبب خطاياهم ومعاصيهم، فسيف العدالة الإلهية كان عتيداً أن يهوى عليهم جميعاً، لكن المسيح قبله في نفسه نيابة عنهم رحمة بهم وشفقة عليهم. فتمت فيه النبوة التي قيلت عنه قبل ذلك بأكثر من خمس مائة سنة استيقظ يا سيف على راعيّ، وعلى رجل رفقتي. أضرب الراعي (زكريا 13: 7) عوضاً عن الرعية التي تستحق الضرب والعقاب - وآلام الكفارة هذه لا قدرة لنا على الإحاطة بهولها أو قسوتها، لكن لكي نعرف شيئاً نتأمل في النقاط الآتية:

1 - وجود المسيح في مركز الخطاة: إن المسيح بسبب نيابته عنا على الصليب، اعتبر في نظر العدالة الإلهية كالأثيم، فقد قال الوحي عنه وأُحصي مع أثمة (إشعياء 53: 12)، كما اعتبرت خطايانا بكل فحشها ودنسها كأنها خطاياه الشخصية. وقد رأى داود النبي هذه الحقيقة منذ القديم فقال بلسان المسيح: حماقتي وذنوبي (مزمور 69: 5)، مع أنه لم يرتكب خطيئة أو اقترف إثماً. وإذا كان الإنسان النبيل، مع كونه خاطئاً بطبيعته، يتألم ألماً شديداً عندما ينسب إليه إثم ارتكبه غيره، فلا ريب أن المسيح كان يتألم في نفسه على الصليب آلاماً لا حد لها. لأنه وهو القدوس البار قد وضعت عليه كل آثامنا، وأصبح بذلك ليس كمجرد أثيم، بل كما لو كان هو كل الأثمة حاملين آثامهم ومعاصيهم معهم، بل أصبح كما لو كان هو ذات الخطيئة التي أفسدت العالم بأسره وتعدت على حق الله وناموسه. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن الله إنه جعل الذي لم يعرف خطيئة (وهو المسيح)، خطيئة لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه (2 كورنثوس 5: 21).

2 - قبوله عار الخطيئة: ولوجود المسيح في مركز النائب عن الخطاة أخذ على نفسه عارهم أو بالحري عار خطاياهم، وعار الخطيئة ليس بعده عار. فقد قال الوحي: عار الشعوب الخطية (أمثال 14: 34). وقد أحس المسيح بهذا العار بدرجة لا نستطيع تصّوُرها، لأن إحساس القدوس البار بعار الخطيئة أدق بدرجة لا حد لها من إحساس الإنسان المولود بها والعائش فيها. وقد رأى داود النبي بروح النبوة العار الذي أحس به المسيح عندما كان معلقاً على الصليب، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى الأرض: العار قد كسر قلبي فمرضت (مزمور 69: 20) - لأن هذا العار هو الذي حطم قلب المسيح المنطوي على أسمى العواطف وأقدسها، وأحنى رأسه العالية المشبعة بأرقى المبادئ وأطهرها، فاعتراه، أو بالحري اعترت نفسه، المرض. ومرض النفس أشر مرض في الوجود، لأنه أثقل الأمراض وأسرعها فتكاً بالإنسان.

3 - احتماله عذاب الخطيئة: نظراً لأن الخطيئة لا تجلب على فاعلها العار فحسب بل والعذاب أيضاً، لذلك كان من البديهي وقد قبل المسيح أن يكون نائباً عنا، أن يحتمل عذاب الخطيئة أيضاً، وعذاب الخطيئة ليس بعده عذاب، فهو جهنم بآلامها النفسية ونيران العدالة الإلهية. وقد رأى داود النبي بروح النبوة تأثير هذا العذاب على نفس المسيح، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى العالم كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبسَتْ مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي (مزمور 22: 14 - 15).

4 - حلول لعنة الخطيئة عليه: والخطيئة لا تجلب العار والعذاب فقط، بل واللعنة أيضاً، فقد قال الوحي: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به (غلاطية 3: 10)، ولذلك كان من الواجب أن يحمل الفادي ليس عار الخطيئة وعذابها فقط، بل ولعنتها كذلك. فهل قبل المسيح لعنة الخطيئة مع الآلام التي قبلها عوضاً عنا؟ إننا نجيب والدمع يترقرق في مآقينا، والقلم يبطئ السير في أيدينا: نعم . فقد قال الوحي المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا (غلاطية 3: 13) فهو تبارك اسمه بسبب قبوله خطايانا على نفسه حباً بنا وعطفاً علينا، لم يحسب ملعوناً فقط، بل ولعنة أيضاً، وذلك لكي يرفع لعنة الخطيئة عنا، ويجلب إلينا البركة عوضاً عنها.

هذا شيء من آلام الكفارة، ونحن لا نستطيع أن نكتب عنها أكثر مما كتبنا. فليس سوى الله والمسيح يعرفان قدرها وشناعتها، لأن الأول هو الذي يعرف مطالب عدالته التي لا حد لها، والثاني هو الذي قام بإيفاء هذه المطالب في ناسوته إلى التمام. لكن مما لا شك فيه، أنه لو كانت آلام الكفارة قد تحولت ناراً مادية والتهمت جسد المسيح التهاماً، لكان ذلك أهون عليه كثيراً من تحمل الآلام المذكورة، لأنها كانت تستعر في جسده ونفسه وروحه، معذبة إياه وهي مبقية عليه، طوال ساعات الظلمة التي اجتاز فيها على الصليب.

أخيراً نقول: إن الكفارة التي تحدثنا عنها كثيراً لم تكن عملاً آلياً خارجياً كان من الواجب إتمامه قبل أن يتمكن الله من الصفح عنا وتقريبنا إليه (كما يظن بعض الناس)، بل إنه عمل صادر من نفس طبيعته تعالى. لذلك خشية أن يُساء فهم معنى الكفارة نقول: لولا تكفير الله بنفسه عن خطايانا في المسيح، لما حصلنا على الخلاص معناها: لولا أن الله يستطيع في محبة لا حد لها أن يحتمل خطايانا بكل دنسها وشناعتها، ويرضى أن يقربنا إليه على الرغم من قصورنا الذاتي، لما خلصنا على الإطلاق. لذلك فإن ظهوره لنا في المسيح للقيام بهاتين الخدمتين، لم يكن عملاً خارجياً قام به ليتمكن من أداء أمر لا تقدر طبيعته أن تعمله، بل بالعكس إنه عمل نابع من طبيعته نفسها.

فالله بسبب محبته الشديدة للبشر، لم يقض عليهم بسبب خطاياهم، بل تأنى عليهم سنين عديدة. وعندما كان يطفح شر جماعة منهم، كان يصيبها بطوفان أو نار أو وباء، تأديباً لها حتى تتوب عن شرها. ولكن لما أتى الوقت المعين منه تعالى، وكانت نفوس المخلصين من البشر، قد تاقت إلى الخلاص من الخطيئة ونتائجها، ورأت عجزها التام عن الحصول عليه بكل قدراتها، ظهر لنا في المسيح وقبل في نفسه كل شرورنا وآثامنا، عوضاً عن أن يردها على رؤوسنا ويوقع علينا جميعاً الدينونة الأبدية بسببها. أما لو كان المسيح قد تجنب الصلب، أو سمح لتلاميذه باستخدام السيف، أو استدعى الملائكة للدفاع عنه، وكل ذلك كان ميسوراً لديه كما ذكرنا، لظلت خطايانا سائدة علينا رافعة عقيرتها متحدية محبة الله ورحمته. أما الآن فقد انتصرت محبة الله ورحمته على خطايانا انتصاراً تاماً، ومن ثم صار لكل من يؤمن منا إيماناً حقيقياً، امتياز الحصول على الصفح والغفران إلى أبد الآباد، كما يتضح من الباب السابع.

فموت المسيح كفارة هو إذاً أكبر خدمة قام بها لأجلنا، لأنه لو كان قد عاش لغاية الآن، يعلم الناس ويطعم الجياع ويشفي المرضى ويقيم الموتى، دون أن يكفر عن خطايانا، لكانت هذه الخدمات مع سموها وفائدتها، لا تخلصنا من دينونة خطايانا أو تؤهلنا للوجود مع الله والتوافق معه. فكنا نقضي حياتنا في شقاء أبدي.

الباب السادس

كفاية كفارة الله في المسيح ونتائجها

- 1 - كفاية كفارة الله في المسيح

بما أن الله هو الذي فدانا في المسيح، لذلك لا بد أن فداءه كاف لإيفاء مطالب عدالته وقداسته من نحونا، وبالتالي لا بد أنه كاف لخلاصنا من خطايانا ونتائجها الوخيمة. لكن نظراً لأهمية هذه الحقيقة، نذكر فيما يلي بعض الأدلة التي تؤكد صدقها، حتى تطمئن النفوس التي يساورها أي شك من جهته.

أولاً - شهادة المسيح، والأدلة على صدقها

1 - شهادة المسيح (ا) قال المسيح قبل الفداء الذي قام به: لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وقال أيضاً: الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن فلن يرى حياة (أبدية). بل يمكث عليه غضب الله (يوحنا 3: 36) وأيضاً: الحق الحق أقول لكم: من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة (لأن الدينونة التي كان من الواجب أن تحل عليه، حملها المسيح نيابة عنه) بل قد انتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا 5: 24) - والتمتع بهذه الحياة على أساس الإيمان (أو بالحري الإيمان الحقيقي بالمسيح)، دليل على كفاية كفارته.

(ب) وعندما كان المسيح على الصليب، قال للص (الذي ندم على خطاياه، ولجأ إلى نعمته مؤمناً بشخصه إيماناً حقيقياً): اليوم تكون معي في الفردوس (لوقا 23: 43) - ونظراً لأن هذا اللص كان يستحق العذاب الأبدي بسبب جرائمه، وأن مجرد ندمه لارتكابها لم يكن ليؤهله للحصول على الغفران أو التمتع بالله كما ذكرنا في الباب الثاني، لذلك فقول المسيح للص المذكور اليوم تكون معي في الفردوس ، دليل على أن كفارته (أي كفارة المسيح) كافية للخلاص من الخطايا ونتائجها.

(ج) فضلاً عن ذلك فإن آخر عبارة قالها المسيح وهو على الصليب هي: قد أُكمل (يوحنا 19: 30). وهناك فرق كبير بين الإنتهاء من عمل وبين إكماله. فالإنتهاء من عمل معناه الفراغ منه بإتمامه أو عدم إتمامه. أما إكماله فمعناه إنجازه إلى التمام. لذلك فالمسيح بقوله قد أُكمل أعلن أنه لم ينتهِ من عمل الكفارة فحسب، بل وأكمله أيضاً بنجاح، كما يتضح من اللغة الأصلية للكتاب المقدس.

2 - الأدلة على صدق شهادة المسيح: فضلاً عن أن أقوال المسيح مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن أن المسيح لم ينطق بها كلها في أوائل خدمته، بل نطق ببعضها وهو على شفا الموت، هذا الوقت الذي يترك المرء فيه كل إدعاء (إذا كان مدعياً) ويظهر على حقيقته تماماً، نقول: بما أن شهادة المسيح عن موته الكفاري قد ثبت صدقها كما اتضح فيما سلف، وبما أنه بالإضافة إلى ذلك كان بعيداً عن التفاخر والتباهي كل البعد، إذاً لا بد أن تكون شهادته عن كفاية كفارته لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته (أو بالحري عن كفايتها لخلاصنا من خطايانا ونتائجها)، هي شهادة صادقة أيضاً.

 

ثانياً - شهادة الرسل والأدلة على صدقها

1 - شهادة الرسل (ا) قال بطرس الرسول عن المسيح إنه حمل هو نفسه خطايانا (أي خطايانا بأسرها) في جسده على الخشبة (1 بطرس 2: 24).

وقال أيضاً فإن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا (جميعها)، البار من أجل الأثمة (أو بالحري كل الأثمة)، لكي يقرّبنا إلى الله مماتاً في الجسد ولكن محيىً في الروح (1 بطرس 3: 18)

(ب) وقال يوحنا الرسول عن المسيح وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً (1 يوحنا 2: 2).

وقال كذلك عنه أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤيا 1: 5). كما قال دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية (1 يوحنا 1: 7)

(ج) وقال بولس الرسول عن المسيح وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه، دخل مرة واحدة إلى الأقداس (أو بالحري إلى السماء) فوجد فداءً أبدياً (عبرانيين 9: 12). وقال أيضاً لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين (عبرانيين 10: 14). كما قال عنه إنه صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا (عبرانيين 1: 3)، وإنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع (1 تيموثاوس 2: 6)، وإنه ذاق الموت لأجل كل واحد (عبرانيين 2: 9)، وإنه يفدينا من كل إثم (تيطس 2: 14)

ومن هذه الآيات يتضح لنا أن فداء المسيح ليس لجماعة من الناس دون جماعة أخرى، أو عن بعض الخطايا دون البعض الآخر منها، أو أنه يمتد إلى فترة خاصة من الزمن يحتاج الناس بعدها إلى فداء آخر، بل إنه لكل الناس، وعن كل الخطايا، كما أن كفايته تمتد إلى أبد الآباد، الأمر الذي يفتح مجال الخلاص أمام كل الناس في كل العصور والبلاد.

2 - الأدلة على صدق شهادة الرسل: فضلاً عن أن شهادة الرسل مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة التي ذكرناها في الأبواب السابقة على صدق شهادتهم، نقول: إن الرسل بمناداتهم بكفاية كفارة المسيح، أعلنوا لليهود أنه لا داعي إطلاقاً ليس فقط لتقديم الذبائح التي كانوا يقدمونها، بل ولا داعي أيضاً لوجود الهيكل أو الكهنة واللاويين الذين كانوا يخدمون فيه.

وبما أن هذا الإعلان كان يثير اليهود عن بكرة أبيهم، ويدفعهم جميعاً بزعامة كل رجال الدين بينهم لإضطهاد الرسل أشد اضطهاد، لأن مثل هذا الإعلان كان يقضي ليس فقط على موارد رزق هؤلاء كما ذكرنا، بل وأيضاً على الديانة اليهودية التي يعتزون بها كل الإعتزاز. وبما أنه ليس من المعقول أن يختلق الرسل موضوعاً يكون سبباً في توجيه الإضطهاد العنيف إليهم، وعلى الرغم من ذلك يواظبون على المناداة به جميعاً بكل شجاعة وبسالة - هذا فضلاً عن استحالة اتفاقهم معاً على اختلاقه بسبب تباينهم من جهة الثقافة والنشأة والسن والبيئة والجنسية والمركز الإجتماعي، لذلك لا بد أنهم كانوا على يقين تام أمام الله من جهة صدق موضوع كفاية كفارة المسيح الذي كانوا ينادون به.

 

ثالثاً - شهادة أنبياء العهد القديم والأدلة على صدقها

1 - شهادة أنبياء العهد القديم (ا) قال موسى النبي سنة 1500 ق.م إن الله قبلما أخرج آدم من الجنة، أعلن أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) - وبهذا الإعلان أعطى الله لآدم وعداً بالفداء التام بالمسيح، لأن كلمة نسل ترد هنا في اللغة العبرية بصيغة المفرد لا الجمع، والشخص الوحيد الذي يدعى نسل المرأة هو المسيح، لأنه ولد من أم دون أب. أما عند ورودها بالجمع في الأصل العبري، فإنها تترجم إلى العربية الأنسال . ويتضح هذا من قول بولس الرسول وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد، وفي نسلك، الذي هو المسيح (غلاطية 3: 16).

أما الحية فيُراد بها الشيطان، لأنه هو الذي يسمّيه الوحي الحية القديمة (رؤيا 20: 2) وذلك بسبب خداعه للناس وتضليلهم. وسحق المسيح لرأس الشيطان يدل على إنهاء سلطانه والقضاء الكامل عليه، وبالتبعية يدل على كفاية كفارة المسيح له المجد، لخلاص المؤمنين الحقيقيين من الخطية ونتائجها الأبدية.

(ب) وقال داود النبي سنة 1000 قبل الميلاد بروح النبوة عن المؤمنين الحقيقيين إنهم يأتون (من كل مكان) ويخبرون ببره (أي ببر المسيح) لشعب سيولد، معلنين أنه قد فعل (أو بالحري فعل البر) (مزمور 22: 31). كما قال أيضاً عن هؤلاء المؤمنين إنهم سيفرحون وتحيا قلوبهم (مزمور 69: 32) - الأمر الذي يدل على كفاية كفارة المسيح لخلاصهم إلى الأبد، لأنه لا مجال للفرح أو للحياة الأبدية بدون كفاية كفارته.

(ج) وقال إشعياء النبي سنة 700 ق.م. عن المسيح: إن جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرة الرب (الخاصة بخلاص المؤمنين الحقيقيين) بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار، بمعرفته يبرر كثيرين (الذين هم المؤمنون الحقيقيون)، وآثامهم هو يحملها )إشعياء 53: 10 ، 11) - وكل عبارة من هذه العبارات تدل على كفاية كفارة المسيح إلى الأبد. فالنسل الذي تطول أيامه هم المؤمنون الحقيقيون الذين يحيون إلى الأبد، والذين بهم تشبع نفس المسيح لسروره العظيم بخلاص الخطاة نتيجة لكفاية كفارته.

ويطلق إشعياء على المسيح لقب عبد الرب - وهو إصطلاح كتابي يُراد به الكائن الذي يتمم كل مقاصد الله التي لا حد لها، ويُطلق هذا الإصطلاح على المسيح من الناحية الناسوتية، لأنه من هذه الناحية قام بالمهمة المذكورة خير قيام. ولا غرابة في ذلك، فإنه في ذاته هو كلمة الله ، وكلمة الله هو وحده الذي يقوم بها.

2 - الأدلة على صدق شهادة أنبياء العهد القديم: فضلاً عن أن هذه الشهادة مدّونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة السابق ذكرها عن صدق شهادة هؤلاء الأنبياء نقول: أنهم عاشوا في أزمنة متباعدة لا تسمح لهم بالتواطؤ على فكرة ما كما يدعي البعض. فضلاً عن ذلك لا يمكن أن أحدهم قد نقل عن الآخر، لأن كلاً منهم تنبأ عن ناحية خاصة من كفاية كفارة المسيح لم يشاركه فيها غيره، الأمر الذي يدل على أنهم كانوا منقادين معاً بروح الله، لأنه هو الذي يعرف كل شيء عن هذه الحقيقة من البداءة، ومن ثم كان في وسعه أن يعلن عنها لكل نبي، ما كان متوافقاً مع الظروف التي عاش فيها.

 

رابعاً - شهادة الوقائع على كفاية كفارة المسيح

1 - انشقاق حجاب الهيكل: عندما قال المسيح قد أكمل انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل (متى 27: 51) - ولكي يتضح لنا ما يدل عليه انشقاق الحجاب في هذه اللحظة من معنى نقول: كان في خيمة الإجتماع التي أقامها موسى النبي، وفي الهيكل الذي أقامه سليمان الحكيم بعد ذلك، غرفة تُدعى قدس الأقداس، كان الله قد جعلها رمزاً لسمائه يعلن فيها ظهوره بمجده وجلاله، أو بالحري كرمز لسمائه. وكان يوجد أمام هذه الغرفة، غرفة أخرى تدعى القدس، يقدم فيها الكهنة العبادة لله كل يوم. وبين هاتين الغرفتين كان يوجد الحجاب المذكور (2 أخبار 3: 14 ، خروج 26: 31) رمزاً إلى أن الناس حتى الكهنة منهم، ليسوا أهلاً بسبب خطاياهم للدخول إلى حضرة الله، وإلى أنه تعالى لقداسته المطلقة لا يمكن أن يقبلهم في حضرته لهذا السبب.

وقد ظل هذا الحجاب قائماً بين الغرفتين المذكورتين من أيام موسى النبي حتى رُفع المسيح على الصليب، ولذلك لم يجسر إنسان طوال هذه المدة أن يدخل قدس الأقداس أو يراه، لئلا يموت في الحال. فقد قال الله لموسى أن ينهى حتى رئيس الكهنة، عن الدخول كل الوقت إلى ما وراء الحجاب لئلا يموت. (لاويين 16: 2). لكن هذا الحجاب الذي ظل قائماً في موضعه مئات السنين يعلن إنغلاق باب الله في وجه البشر بسبب خطاياهم، لم يبق لحظة واحدة بعد أن قال المسيح قد أكمل ، بل انشق في الحال من فوق إلى أسفل - وطبعاً ما كان لينشق (أو بالحري ما كان الله ليشقه) في هذه اللحظة، لولا أن كفارة المسيح قد وفّت كل مطالب عدالته وقداسته، لأن الله بشقه للحجاب، كأنه يقول للناس: لقد كفّر المسيح عن خطاياكم تكفيراً كاملاً. ولذلك فتحت لكم بابي على مصراعيه، فهلموا إليّ لكي تتمتعوا بالوجود في حضرتي دون حاجز أو مانع .

2 - عدم كسر ساقي المسيح: ذكرنا في الباب الخامس، أن السبب في عدم كسر ساقي المسيح يرجع إلى أنه كان قد مات قبل الغروب. غير أننا إذا نظرنا إلى كسر الساقين من حيث كونه إهانة للمصلوب، يتضح لنا أن اللّه لم يسمح بكسر ساقي المسيح إكراماً له. وطبعاً ما كان هناك داع لإكرامه وقتئذٍ، لولا أن كفارته كانت قد وفَّت مطالب عدالة الله وقداسته كما ذكرنا.

3 - خروج الدم والماء من جنب المسيح بعد موته: بعد موت المسيح طعن أحد الجنود جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء. وخروج الدم والماء وقتئذٍ، وإن كان يعلله بعض الأطباء بعلل طبيعية، بيد أننا إذا تطلعنا إليه في ضوء الكتاب المقدس نرى أنه دليل على كفاية كفارة المسيح. لأن الماء يرمز فيما يرمز إليه من أمور، إلى الوسيلة الإلهية للتطهير والارتواء الروحي (يوحنا 4: 10 - 14 ، رؤيا 22: 17) والدم هو عنوان الفداء والكفارة، إذ بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عبرانيين 9: 22). وقد جذبت هذه الحقيقة نظر يوحنا الرسول وعرف قدرها حق المعرفة، ولذلك قال عن المسيح هذا هو الذي أتى بماء ودم، لا بالماء فقط بل بالماء والدم.. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم. والثلاثة هم في (المسيح) الواحد (1 يوحنا 5: 6 - 8) أي أن الروح القدس يعلن في العالم أن الفداء والحياة الأبدية هما بالمسيح، الأمر الذي يدل على كفاية كفارته كما ذكرنا.

4 - دفن المسيح في قبر جديد: قد لا يخطر ببال أحد من الناس أن دفن المسيح في قبر جديد له علاقة بكفاية كفارته، لكن نظراً لأن كل كبيرة وصغيرة في الحياة لا تحدث إلا وفقاً لمشيئة الله وتدبيره، فإن عقولنا لا تمر على دفن المسيح في القبر الجديد دون أن تتساءل: لماذا شاء الله أن يدفن جسد المسيح في مثل هذا القبر، وقد كان المقرر أن يدفن مع اللصين اللذين صلبا معه في المقبرة العامة، بناء على قوانين الدولة الرومانية وقتئذٍ؟! وللرد على هذا التساؤل نقول: لو كانت كفارة المسيح لم تف مطالب عدالة الله وقداسته، لكان مثل المسيح مثل أحد الناس لا أكثر ولا أقل، ولدفن تبعاً لذلك في المقبرة العامة بناءً على القوانين المذكورة. ولذلك فعدم دفن جسد المسيح في هذه المقبرة دليل على كفاية كفارته وإيفائها لمطالب عدالة الله وقداسته، بل ودليل أيضاً على كمال طهارته.

فالله سمح للبشر بصلب المسيح لا لعجزه عن إنقاذه من أيديهم، بل لأنه شاء أن يتمم فيه كفارته عنهم جميعاً. أما وقد أكمل المسيح هذه الكفارة بالتمام، فطبعاً لم يكن هناك داع لأن يهان جسده الطاهر بعد، بل كان من اللازم أن يكرم ويبجل. نعم كان عتيداً أن يُكرم ويبجل بقيامته من بين الأموات دون أن يعتريه فساد، لكن هذا لم يكن يمنع من إكرامه وتبجيله أيضاً في أثناء موته. فبأثمن الأكفان كان يجب أن يكفن، وبأغلى الحنوط كان يجب أن يعطر، وفي قبر جديد منحوت في صخر ومحاط ببستان كان يجب أن يدفن (يوحنا 19: 39 - 41).

5 - قيامة المسيح من بين الأموات: لو أن المسيح ظل مائتاً مدفوناً في قبره، لكان هناك مجال للطعن في كماله المطلق، بدعوى أنه لا يفرق شيئاً عن باقي الناس الذين بسبب خطاياهم يسود عليهم الموت ويظلون في قبورهم إلى يوم القيامة. ولكان هنا أيضاً مجال للطعن في كفارته التي نادى بها بدعوى عدم كفايتها لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته. لكن قيامته من بين الأموات في اليوم الثالث، لم تدع مجالاً لهذا الطعن أو ذاك.

6 - قيامة بعض القديسين: على أثر قيامة المسيح من بين الأموات، قام بعض القديسين من قبورهم، وظهروا لكثيرين من سكان أورشليم (متى 27: 52). وهذه الحادثة فضلاً عن أنها مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها نقول: إنها ترد في الكتاب المقدس بأسلوب بسيط بعيد كل البعد عن المغالاة والتعليق الخاص، اللذين نراهما في القصص التي يؤلفها البشر. كما أنها لا يمكن أن تكون من خيال التلاميذ، لأن هؤلاء لو أرادوا إكرام المسيح بسبب قيامته من الأموات، لما خطر ببالهم أن يكرموا معه بعض القديسين الذين ماتوا قبله، حتى يكون وحده محط الأنظار. فضلاً عن ذلك فإن هذه الحادثة كتبت ونشرت في نفس المكان الذي صُلب فيه المسيح وقام، وبين الناس الذين شاهدوا صلبه وسمعوا عن قيامته، دون أن يعترض عليها واحد منهم، الأمر الذي يدل على أنها كانت حادثة حقيقية معروفة كل المعرفة لديهم.

وسماح الله بقيامة هؤلاء القديسين من قبورهم على أثر قيامة المسيح من الأموات، دليل على كفاية كفارته، ودليل أيضاً على أن قوة الحياة التي لا تزول التي قام بها المسيح (عبرانيين 7: 16)، تستطيع أن تقيم جميع القديسين الذين ماتوا والذين يموتون، بالهيئة التي قام بها المسيح إلى المجد الأبدي.

7 - هدم الهيكل اليهودي: كان الهيكل مفخرة اليهود العظمى، ففضلاً عن أن بناءه تكلف حوالي مليار من الجنيهات الذهبية، فقد كان الملجأ الوحيد الذي يهرعون إليه في ضيقاتهم ويقدمون فيه الذبائح حسب الناموس الذي أعطاه الله لموسى النبي، لكي ينالوا من الله عند توبتهم، رحمة وغفراناً. بل وكان هذا الهيكل هو أيضاً الشهادة العلنية على اتصالهم بالله دون غيرهم من الشعوب القديمة، لأن هذه كلها كانت تعبد الأوثان. ولذلك كان الله يملؤه بمجده، ويعلن لهم فيه مشيئته، ويتقابل معهم بالروح في رحابه - لكن هذا الهيكل العظيم لم يبق له أثر بعد ارتفاع المسيح إلى السماء بسنوات، إذ أقبل تيطس القائد الروماني وأحرقه، فهبط إلى الأرض من عليائه. ولم يكتف تيطس بذلك، بل اقتلع أساسه من الأرض، فتمت نبوة المسيح عنه أنه لن يترك فيه حجر على حجر لا يُنقض (متى 24: 2).

وقد حاول اليهود إعادة بناء الهيكل المذكور مرات متعددة عبر ألفي سنة تقريباً، فباءت كل محاولاتهم بالفشل - وهذا دليل واضح على أن ذبائحهم كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح، وبالتبعية على أن كفارة المسيح هي الكفارة التي يدوم أثرها إلى الأبد.

 

- 2 -

نتائج كفاية كفارة الله في المسيح

أولاً - البركات الخارجية

البركات الخارجية هي البركات التي يمنحها الله للمؤمنين الحقيقيين، ويراهم حاصلين عليها أمامه بفضل كفاية كفارة المسيح، وذلك بغض النظر عن حالة نفوسهم الداخلية في أي وقت من الأوقات، وتتلخص هذه البركات فيما يلي:

(ا) الغفران

كان داود النبي يرنم قبل مجيء المسيح بألف سنة قائلاً طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته! (مزمور 32: 1). وكان إرميا النبي يتساءل قبل مجيء المسيح بستمائة سنة: كيف يصفح الله عن الخطاة؟ (إرميا 5: 7) - ولكن الطوبى التي كان يترنم داود بها ويريد الحصول عليها، لم تتحقق إلا بكفاية كفارة المسيح. والطريقة التي يمكن أن يصفح بها الله عن الخطاة والتي تساءل إرميا عنها، لم تُستعلن إلا بكفاية هذه الكفارة. فقد قال الوحي على لسان الرسل فليكن معلوماً عندكم أيها الرجال الإخوة أنه بهذا (أي المسيح) يُنادى لكم بغفران الخطايا (أعمال 13: 38). وقال أيضاً حتى ينالوا (أي البشر) بالإيمان بالمسيح غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين (أعمال 26: 18). وأيضاً إن كل من يؤمن به (أي بالمسيح) ينال باسمه غفران الخطايا (أعمال 10: 43). وقال للذين آمنوا إيماناً حقيقياً قد غفرت لكم الخطايا من أجل اسمه (1 يوحنا 2: 12).

والله عندما يصفح عن الخطايا لا يذكرها على الإطلاق، فتصبح كأنها لم تقترف بتاتاً. وقد كان داود النبي يشتاق إلى مثل هذا الصفح الكامل، ولذلك كان يخاطب الله قائلاً: لا تذكر خطايا صباي (مزمور 25: 7). لكن عدم ذكر الخطايا إطلاقاً لم يكن ليتحقق إلا بفضل كفاية كفارة المسيح لأنها وحدها هي التي وفت مطالب عدالة الله وقداسته، وعلى أساسها استطاع الله أن يقول للمؤمنين الحقيقيين أصفح عن آثامهم، ولا أذكر خطيتهم فيما بعد (إرميا 31: 31 - 34).

(ب) التبرير

والتبرير لا يراد به فقط، خلاص المؤمنين الحقيقيين من وصمة الخطايا (التي كانت لاصقة بهم) مثل الغفران، بل يُراد به أيضاً صيرورتهم أبراراً أمام الله، أي كأشخاص لم يرتكبوا خطيئة على الإطلاق. وفي الوقت نفسه عملوا كل البر الذي يريده الله. ولا غرابة في ذلك، فكما أن المسيح بنيابته عنا حُسبت عليه خطايانا بكل شناعتها، كذلك بسبب هذه النيابة عينها يحسب لنا بره الذي يفوق كل بر في الوجود.

كان أيوب الصديق وداود النبي يبحثان قديماً عن هذا التبرير، فلم يجدا إليه سبيلاً. فتساءل الأول: كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ (أيوب 35: 4). وخاطب الثاني المولى قائلاً: فإنه لن يتبرر قدامك حي (مزمور 134: 2). لكن التبرير الذي نظر هذان التقيان إليه كأمر لا يمكن الحصول عليه، تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسل بالوحي للمؤمنين الحقيقيين: متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح (رومية 3: 24 - 28). وقالوا أيضاً: أما الآن فقد ظهر بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون (رومية 3: 21 - 2). وأن المسيح أسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا (رومية 4: 25). وأن به يتبرر كل من يؤمن (أعمال 13: 39).

هناك فرق بين البر الشرعي وبين البر العملي. فالأول هو ما يحسبه الله لنا بفضل كفاية كفارة المسيح عند الإيمان الحقيقي به، أما الثاني فهو الأعمال الصالحة الخالية من النقائص، التي نقوم بها نحن المؤمنين بفضل تأثير الله في نفوسنا. والبر الأول كامل كل الكمال وغير قابل للزيادة على الإطلاق بالنسبة إلى كل واحد منا، كما أنه هو الأساس الوحيد لقبولنا أمام الله (لأننا لا نستطيع بكل أعمالناالصالحة أننكفر عن خطيئة واحدة من خطايانا). أما البر الثاني فيختلف قدره من واحد إلى آخر منا، لأننا نحن الذين نعمله بأنفسنا. أما من جهة فائدته فإنه الأساس الذي عليه يعطينا الله ما يراه من مكافأة، بجانب التمتع بالقبول الأبدي أمامه على أساس كفاية كفارة المسيح.

(ج) التطهير

قبل مجيء المسيح بمئات السنين كان أيوب الصديق يقول عن نفسه، إنه لو اغتسل في الثلج ونظف يديه بالأشنان، فإنه يظل مذنباً (9: 30). وكان إرميا النبي يقول عن البشر إنهم حتى إذا اغتسلوا بالنطرون، فإن آثامهم لا تُمحى من أمام الله (2: 22). الأشنان كلمة معربة عن اليونانية، تُطلق على مادة تستعمل في التنظيف. أما النطرون فهو كربونات الصوديوم، ومنه يصنع الصابون الذي يستطيع تنظيف الملابس - والأشنان والنطرون مستعملان هنا بالمعنى المجازي، للدلالة على أن الخطيئة لا تستأصل بأية وسيلة من الوسائل البشرية.

وكان حزقيال النبي يقول عنهم إنهم لم يطهروا ولن يطهروا (24: 13). وكان داود النبي يصرخ لله قائلاً إغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني (مزمور 51: 2) - لكن هذا التطهير الذي كانوا يتوقون إليه، ويرون الحصول عليه أمراً بعيد المنال، قد تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسول بالوحي عن المسيح إنه صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا (عبرانيين 1: 3). وأنه أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤيا 1: 5) الغسل هنا يُراد به المعنى المجازي. والمراد بالآية المذكورة أن كفارة المسيح تزيل كل أثر للخطيئة عن المؤمنين الحقيقيين، وإن دمه يطهر من كل خطية (1 يوحنا 1: 7). وإننا اغتسلنا بل تقدسنا بل تبررنا باسم الرب يسوع وروح إلهنا (1 كورنثوس 6: 11).

(د) الصلح والسلام مع الله

كان أيوب الصديق يبحث عن شخص خال من الخطيئة وفي الوقت نفسه قادر على إيفاء مطالب عدالة الله، حتى يستطيع أن يصالحه معه، لكنه لم يعثر على هذا الشخص إطلاقاً. ولذلك قال يائساً ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا، ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه (أيوب 9: 33 - 34). وكان إرميا النبي يقول إنه ليس سلام للبشر (12: 12). وكان إشعياء النبي يطلب من الله أن يجعل له ولغيره سلاماً (26: 12). غير أن الصلح والسلام مع الله اللذين كان يتوق هؤلاء الأفاضل إليهما ويرون الحصول عليهما أمراً متعذراً، قد تحققا بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال بولس الرسول بالوحي فإذ قد تبررنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح (رومية 5: 1 - 2). وقال أيضاً نفتخر.. بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة (رومية 5: 11). ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح (2 كورنثوس 5: 18 - 21). وأيضاً إن الله صالح الكل لنفسه بالمسيح، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته (كولوسي 1: 20 - 22).

(ه) الخلاص من الدينونة الأبدية

كان أتقى الناس قديماً يخشون الموت، ويبكون بكاء مرّاً إذا عرفوا باقترابه منهم (2 ملوك 20: 3). لأنهم كانوا يخشون الوقوف أمام عدالة الله (مزمور 143: 2) ويفزعون من الوقائد الأبدية التي قضي بها (إشعياء 33: 14). لكن بفضل كفاية كفارة المسيح، أصبحنا لا نخشى الدينونة، بل ونثق كل الثقة أن لنا امتياز التمتع بالله في سمائه إلى الأبد. فقد قال المسيح إن من يؤمن به لا يدان أمام العدالة الإلهية (يوحنا 3: 18)، والذي يؤمن بالذي أرسله فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. وإن من يؤمن بالابن تكون له الحياة الأبدية، ويقيمه الابن في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40). وقال بولس الرسول بالوحي عن الخلاص من هذه الدينونة حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا (تيطس 3: 5). وقال أيضاً لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله (أفسس 2: 8). وقال عن نفسه إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا (1 تيموثاوس 1: 12 - 15).

ثانياً - البركات الباطنية

عرفنا في الباب الثاني أننا لا نحتاج إلى غفران فحسب، بل ونحتاج أيضاً إلى حياة روحية تؤهلنا للتوافق مع الله في صفاته السامية، لأننا إذا حصلنا على الغفران دون هذه الحياة، ننجو من الدينونة الأبدية لكن نظل عاجزين عن التوافق مع الله، والعجز عن التوافق مع الله هو الشقاء بعينه. لذلك لم تقف نتائج كفارة المسيح عند حد منح البركات الخارجية السابق ذكرها، بل منحت أيضاً بركات باطنية تهيّء النفس للتوافق مع الله في صفاته المذكورة، وهذه البركات هي:

(ا) الولادة الروحية من الله

ولكي نعرف شيئاً عن ضرورة هذه الولادة وماهيتها وأهميتها، نتحدث عن النقاط الآتية.

1 - عجز الوسائل البشرية عن إصلاح النفس: اتضح لنا في الباب الثاني عجز الأعمال الدينية (مثل الصوم والصلاة والتوبة الصادقة) عن قصاص الخطيئة عن الخطاة، وأيضاً عن تأهيلهم للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. وسنرى الآن أن محاولات رجال الإصلاح الإجتماعي في القضاء على الخطيئة قد باءت بالفشل كذلك:

قال فريق من هؤلاء الرجال أن الفقر والجهل والفراغ وثورة الشباب هي العوامل التي تقود إلى ارتكاب الخطيئة، لأنهم رأوا أن الفقير ينقاد إليها للحصول على لقمة العيش، والجاهل لعدم تقديره للعواقب، والعاطل لعدم استطاعته البقاء بلا عمل، والشباب لتهوره واندفاعه. ولذلك سعوا لتوفير المال اللازم للفقراء، والعلم للجهلاء، والعمل للعاطلين، والتهذيب للمراهقين. لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي في التحول عن الخطيئة، لأن كثيرين من الأغنياء والمثقفين وأصحاب الأعمال والأشخاص الذين فاتوا دور الشباب، يرتكبون الكثير من الآثام والموبقات مثل غيرهم من الناس.

وقال فريق ثان إن العقاب البدني كفيل بتحويل الأشرار عن شرهم، ولذلك أمروا بمعاقبتهم إما بالسجن أو الجلد أو الأشغال الشاقة - لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي أيضاً، إذ أنها تجعل الأشرار يعمدون إلى ابتكار طرق جديدة يخفون بها معالم جرائمهم، ومن ثم يتمادون في ارتكابها دون أن يكتشف أحد أمرهم. ولو فرضنا جدلاً أنهم أقلعوا عنها لسبب من الأسباب، فإن الميل إليها أو إلى بعضها قد يظل متأججاً في نفوسهم، ومن ثم يظلون أشراراً كما كانوا من قبل.

وقال فريق ثالث إن للدين سلطاناً عظيماً على الناس إذا نشأوا عليه منذ نعومة أظفارهم. ولذلك جعلوا تعليم الدين إجبارياً في المدارس، وأوصوا بتدريب الأطفال على حفظ الكثير من النصوص الدينية، لا سيما الخاصة منها بعظمة الله ووجوب الطاعة له - ولكن ألا يرتكب رجل الدين الذي نشأ منذ طفولته نشأة دينية بحتة نفس الخطايا التي يرتكبها غيره من الناس، وهكذا يفعل التربوي والأخصائي الإجتماعي، حتى إذا بلغ الستين تقريباً من عمره؟

2 - أسباب فشل الوسائل المذكورة في إصلاح النفس: (ا) إن السبب في فشل هذه الوسائل في تحويل البشر عن الخطيئة، يرجع إلى أن الميل إليها ليس أمراً عرضياً فيهم بسبب ظروفهم أو حالة المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى لو كان من الممكن إزالته بواسطة هذه الوسائل،بل إنه نابع من ذات طبيعتهم. وهذه الطبيعة لا تتغيّر على الإطلاق، مهما تطبَّع المرء بطباع جديدة، لأن الطبع (كما يقولون) يغلب التطبُّع. فالوحوش المفترسة (مثلاً) وإن كان قد أمكن تدريبها على القيام بالأعمال التي يتطلبها مروضوها، لكنها كثيراً ما تنقضّ عليهم وتفتك بهم. وهكذا الحال من جهة البشرية، فإنه من الممكن تهذيبها، وقد تهذَّبت فعلاً حسب الحال الظاهر وأصبح الإنسان المتحضر أفضل من إنسان الغابة كثيراً، لكن الطبيعة التي في كليهما هي طبيعة واحدة.

نعم إن الإنسان المتحضر يتسامى أحياناً فوق الخطيئة تحت تأثير عوامل دينية أو إجتماعية، ولكن تسامياً مثل هذا لا يكون في الواقع إلا تصرفاً صناعياً، لأنه ضد الطبيعة وميولها. أما التسامي الحقيقي فهو التسامي الطبيعي (ومثله مثل ارتفاع الأبخرة في الهواء، لأنها بطبيعتها أقل وزناً منه)، ولا يكون هذا التسامي طبيعياً. إلا إذا حصل المرء على طبيعة جديدة يكون السمو (وليس التسامي فقط) من شأنها. وهذه الطبيعة لا يتيسر للمرء الحصول عليها بمجهوده الشخصي أو بمجهود غيره من الناس له (وذلك للقصور الذاتي الكامن فيه وفيهم معاً)، بل الله وحده هو الذي يستطيع أن يمنحها لمن يتهيئون لها، إذ أنه تعالى هو الخالق لكل الأشياء سواء أكانت مادية أم روحية.

(ب) وقد أدرك رجال الله مثل أيوب وإرميا عجز البشر عن إصلاح نفوسهم، فقال الأول متسائلاً من يخرج الطاهر من النجس؟ ثم أجاب عن هذا التساءل فقال: لا أحد أو بالحري لا أحد من البشر (أيوب 14: 4). وقال الثاني هل يغير الكوشي (أي الحبشي أو الزنجي) جلده أو النمر رقطه؟! (الجواب طبعاً كلا). فأنتم أيضاً (هل) تقدرون أن تصنعوا خيراً أيها المتعلمون الشر أو بالحري المطبوعون عليه؟ (إرميا 13: 23). وقال بولس الرسول عن طبيعته البشرية ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت (رومية 7: 24). كما أدرك ذلك كثير من الفلاسفة والعلماء، فقال أفلاطون ليس هناك تدرج من الشر إلى الخير ، أو بتعبير آخر إن الشرير لا يمكن أن يتدرج من تلقاء ذاته حتى يصبح خيّراً. وقال أرسطو أني عاجز كل العجز عن إصلاح النفوس البشرية وتحويلها إلى خيّرة . وقال ولسن إن العلم أخفق في تحقيق الإصلاح الأولي وتوفير الفردوس الأرضي للناس. حقاً لقد أفادهم من الناحية المادية وحررهم من الخرافات وأنقذهم من الأمراض، ولكنه فشل في تغيير الطبيعة البشرية وتخليصها من الأدران الكامنة فيها مثل الحقد والضغينة . وقال أيضاً إن علم الأخلاق عجز عن اقتلاع الميل إلى الشر من النفس وغرس الميل إلى الخير عوضاً عنه فيها . وقال بيتشر ضع ما يروق لك على حمار وحشي. ضع لجاماً من ذهب في فمه، وسرجاً من دمقس على ظهره. هل هذا يغير من طبيعته؟! زيّنه بكل زينة في الوجود، فهل يخرجه هذا من وحشيته؟ هكذا الطبيعة البشرية لا يمكن تغييرها، مهما بذل معها رجال الدين والإصلاح من جهود . وقال سينيكا إن الناس يكتنفهم شعور غامض بضعفهم وعجزهم إزاء التقدم الأدبي. فهم يكرهون رذائلهم ومع ذلك ينجذبون إليها. فما يحتاجون إليه هو أن توضع يد تحتهم لكي ترفعهم إلى أعلى ، وهذه اليد لا تكون طبعاً إلا يد الله.

(ج) وإذا كان الأمر كذلك، فإن رجال الدين والإصلاح الإجتماعي الذين ذكرنا محاولاتهم في البند الأول، لا يشبهون إلا جماعة من الناس رأوا شخصاً مشرفاً على الغرق، فأخذوا يصيحون نحوه قائلين (مثلاً): لقد أخطأت بذهابك إلى البحر، وكان من الواجب عليك أن لا تخاطر بحياتك، طالما أنت لا تحسن السباحة. أما وقد بلغ بك الأمر إلى هذا الحد، فعليك أن تجاهد وتكافح ولا تدع الماء يتسرب إلى جوفك، حتى لا تتعرض للغرق - فهل لذاك اللوم أو هذا النصح من فائدة؟! طبعاً لا. لأن ما يجب عمله في هذه الحالة هو إنقاذ المشرف على الغرق أولاً، ثم توجيه اللوم والنصح إليه بعد ذلك. وهذا ما تفعله المسيحية مع الخاطئ، فهي لا تطلب منه مبدئياً أن يحيا حياة القداسة والطهارة، بل أن يُقبل بكل قلبه إلى المسيح الفادي، وحينئذٍ لا تُغفر له خطاياه فحسب، بل وينال أيضاً من الله طبيعة روحية تؤهله للإرتقاء فوق الطبيعة الخاطئة الكامنة فيه، وبذلك يستطيع تنفيذ كل وصايا الله على أحسن وجه - وهذا العمل هو ما يسمى الولادة من الله .

3 - ماهية الولادة من الله (ا) فهذه الولادة ليست إذاً إصلاح الطبيعة البشرية العتيقة بواسطة الصوم والصلاة أو الوعظ والإرشاد، أو هي بدء صفحة جديدة في الحياة بواسطة التوبة عن الخطيئة ومحاولة الإبتعاد عنها، أو الإنضمام إلى جماعة دينية ومزاولة بعض النشاط الديني أو الأدبي بينها، أو دراسة الكتب المقدسة والسعي للعمل بما جاء فيها (وإن كانت هذه كلها أموراً طيبة في حد ذاتها)، بل إن الولادة من الله هي حصول المرء من الله على طبيعة روحية تؤهله للتوافق معه في صفاته السامية.

(ب) وقد أشار الرسل إلى الولادة المذكورة فقالوا وأما كل الذين قبلوه (أي قبلوا المسيح) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله (يوحنا 1: 12 و 13) ليس من دم أي ليس من سلالة أو جنس ما. ولا من مشيئة جسد أي ليس بواسطة المجهود الجسدي أو الذاتي. وليس من رجل أي ليس بواسطة التفاعل الطبيعي أو بواسطة رجل من رجال الدين مثلاً، وقالوا أيضاً: كل من يؤمن (إيماناً حقيقياً) أن يسوع هو المسيح، فقد وُلد من الله (1 يوحنا 5: 1). وأيضاً إن الله ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات (1 بطرس 1: 3). وإنه شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه (يعقوب 1: 18). وإن المؤمنين (الحقيقيين) وُلدوا ثانية، لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد (1 بطرس 1: 23) وإن الله وهبهم كل ما هو للحياة والتقوى لكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (الأدبية) هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة (2 بطرس 1: 3 و 4). وقد نبّه السيد المسيح من قبل إلى ضرورة هذه الولادة، فقال لأحد كبار معلمي اليهود: المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجب أني قلت لك: ينبغي أن تولدوا من فوق (يوحنا 3: 6 - 7).

(ج) والولادة من الله يعبر عنها أيضاً بالخليقة الجديدة. فقد قال الرسول إذاً إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً (2 كورنثوس 5: 17). كما قال عن نفسه وعن المؤمنين لأننا نحن عمله (أي عمل الله) مخلوقين (مرة ثانية) في المسيح يسوع، لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها، لكي نسلك فيها (أفسس 2: 10).

(د) فالولادة من الله ليست وهماً أو بعض وهم (كما يظن بعض الناس)، بل هي حقيقة واقعة، لها الأدلة الكافية على وجودها. وقد اهتم كثيرون من علماء النفس بدراستها لا سيما في الأشخاص الذين كانوا يرتكبون الجرائم ويدمنون المخدرات من قبل، فهالهم أمرها واعترفوا بأحقية وجودها. فالأستاذ دراموند عندما رأى آثارها في الأشخاص المذكورين، اقتنع بوجودها ووصفها وسجل نتائجها في كتبه. والعلامة ستوربوك عندما درس نتائج هذه الولادة، أسندها إلى حدوث تغيير عظيم في النفس. والأستاذ بروننج وجد أن الولادة المذكورة لا تتم في النفس بالتدريج، بل دفعة واحدة. وقال الأستاذ جويت: إن الولادة الثانية لا تخضع لنواميس العلاج النفسي بل لناموس آخر، هو ناموس الله . وقال الأستاذ سافينارولا إن الولادة من الله تبعث في النفس حياة خلاقة لأنه وجد المولودين من الله يحيون حياة روحية سامية لا يستطيع سواهم أن يحياها.

4 - ضرورة الولادة الجديدة: (ا) إن نفس الإنسان ليست مريضة فقط بالخطيئة حتى كان يكفيها علاج ما، لكنها ميتة بالخطيئة، إذ أن هذه سيطرت عليها تماماً. ومن ثم فإنها تحتاج قبل كل شيء إلى حياة روحية. وهذه الحياة هي التي أتى المسيح إلى العالم ليمنحها لنا. فقد قال عن نفسه: أما أنا فقد أتيت (لا لكي أعظ أو أعلم أو أرشد أو أعمل معجزات، وإن كان قد قام بهذه الأعمال خير قيام)، بل أتيت لتكون لهم حياة. ويكون لهم أفضل (يوحنا 10: 10).

وهذه الحياة ليست قوة أدبية (كما يظن بعض الناس)، بل هي حياة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مثلها في ذلك مثل الحياة التي تدب في الميت فينهض من رقاده ويقوم بما أراد من أعمال. ومن ثم فبواسطتها يصبح الميت بالذنوب والآثام شخصاً روحياً يستطيع بنعمة الله الإرتقاء فوق كل الخطايا، كما يستطيع التوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. والرسول الذي اختبر هذه الحياة في نفسه قال: لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت . (رومية 8: 2).

ومن ثم فكما أنه بالولادة من آبائنا وأمهاتنا نحصل على صفاتهم وخصائصهم، ونبدأ حياتنا على الأرض معهم، ويكون لنا أيضاً حق التمتع بهم وبكل ما لديهم من خير (إن كان لديهم خير)، هكذا الحال من جهة الولادة من الله، فإن بها دون غيرها نحصل على طبيعته الأدبية، فتبدأ علاقتنا الحقيقية معه، ونستطيع التمتع به في كل أمجاده.

(ب) مما تقدم يتضح لنا أنه كما أن الطبيعة أوصدت بابها بين مملكتي الجماد والحيوان، فلا يمكن أن ينتقل جماد من حالة الجمود إلى الحياة، كذلك لا يمكن للميت بالخطايا والذنوب أن يكّون بنفسه الحياة الروحية المذكورة، مهما بذل من مجهود. ولذلك فعلى من يريد الحصول عليها أن يتجه بقلبه إلى الله مباشرة مؤمناً إيماناً حقيقياً بالمسيح، فيمنحه الله إياها كما ذكرنا. أما من يكتفي بما يقوم به من الأعمال التي تُدعى الصالحة لكي يستر خطاياه، فمثله مثل شخص يحاول القضاء على رائحة ميت، مهما أكثر من تعطيره، لا يمكن أن يجعل الميت حياً. أو مثل شخص يصنع زهوراً، لكن مهما أتقن صناعتها فلا يمكن أن يجعلها تبعث من تلقاء ذاتها رائحة زكية.

(ب) الحصول على الروح القدس

1 - العلاقة بين حلول الروح القدس وكفارة المسيح: كان الروح القدس، أو بالحري روح الله، يحل على الأنبياء قديماً في أوقات خاصة لكي يبلغهم أقوال الله. ولكنه لم يسكن في واحد منهم، لأن الخطيئة لم تكن قد أُزيلت عنهم من أمام الله بعد. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن الروح القدس: إنه لم يكن قد أُعطي بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد (يوحنا 7: 39). ولكن لما تمجد المسيح بالقيامة من الأموات والصعود بعد ذلك إلى السماء، على أساس كفاية كفارته، حلّ الروح القدس على تلاميذه وسكن فيهم (أعمال 2)، بناء على وعد المسيح السابق لهم (أعمال 1: 4). ومن هذا الوقت إلى الآن وهو يحل في المؤمنين الحقيقيين. فقد قال الرسول لهم: إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس (أفسس 1: 13)، كما قال لهم: إنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم (1 كورنثوس 3: 16).

2 - تهيئة المؤمنين الحقيقيين للصلاة: ذكرنا في الباب الثاني أن البشر بسبب قصورهم الذاتي لا يستطيعون أن يرفعوا من تلقاء أنفسهم الصلاة المقبولة أمام الله. ولكن بفضل سكنى الروح القدس فيهم تكون لهم القدرة على القيام بهذه الصلاة، لأنه يسمو بنفوسهم إلى حالة الشركة مع الله، كما يعلن لهم مشيئته من نحوهم. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي (بسبب عجزنا الطبيعي). ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها. ولكن الذي يفحص القلوب يعرف ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئته يشفع في القديسين (رومية 8: 26 ، 27).

3 - تعليمه للمؤمنين الحقيقيين وإعطاؤهم الغلبة على الخطيئة. فقد قال المسيح لتلاميذه عن الروح القدس إنه يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم - (يوحنا 14: 26). وقال الرسول للمؤمنين عنه وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه (أي من الله) ثابتة فيكم ولا حاجة بكم أن يعلمكم أحد (شيئاً من أموره تعالى). بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء (1 يوحنا 2: 27).

ونظراً لأن هذا الروح هو روح الله، فإنه يعطيهم الغلبة على الخطيئة. فقد قال الرسول للمؤمنين إنهم بالروح القدس يميتون أعمال الجسد (رومية 8: 13). فضلاً عن ذلك فإنه عندما يسود عليهم يربطهم بالله ويطبعهم بطابعه السماوي المقدس. ومن ثم ينظم تفكيرهم، ويهيئهم للسير في طريق الله في كل حين، فيسيرون في طريقه، كما تسير الكواكب في أفلاكها بانتظام، بسبب الجاذبية الكائنة بينها وبين غيرها من الكواكب والنجوم.

(ج) النبوة لله

هناك فرق لا حد له بين بنوة المؤمنين الحقيقيين لله وبين بنوة المسيح الفريدة له. فهؤلاء المؤمنون يُعتبرون أبناء لله بالنعمة، من وقت إيمانهم بالمسيح إيماناً حقيقياً فحسب. أما المسيح فهو ابن الآب بالحق والمحبة منذ الأزل (2 يوحنا 3). ولذلك فإنه دون سواه هو ابن الله الوحيد (يوحنا 1: 18).

1 - كان إرميا النبي يبحث قديماً عن كيفية الحصول على هذا الإمتياز الثمين، لكنه رأى استحالة بلوغه بالمجهود الذاتي، فتساءل قائلاً: كيف أضعك (أيها الإنسان) بين البنين؟ (إرميا 3: 19). لكن هذا الإمتياز الذي كان إرميا يرى استحالة حصول الإنسان عليه لقصوره الذاتي، قد تحقق فعلاً بفضل كفاية كفارة المسيح وعمله الروحي في قلوب المؤمنين الحقيقيين. ولذلك قال الرسل لهؤلاء المؤمنين: بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً (أو هاتفاً) يا أبا الآب (غلاطية 4: 6). وكلمة أبا كلمة سريانية معناها آب . ونظراً لشيوع استعمالها في نشأة المسيحية، سجلت كما هي في الكتاب المقدس، وسجل بعدها معناها باللغة المترجم إليها. ولذلك فإن هذه الآية تقرأ فقط صارخاً أيها الآب .

وقالوا أيضاً لهم: أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب. الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله، ووارثون مع المسيح (رومية 8: 15 ، 16 ، 17). والمراد بوراثة الله أن يكون تعالى هو النصيب الأبدي للمؤمنين الحقيقيين، لأن هؤلاء لا يشتهون التمتع بأمجاد السماء (وإن كانت هذه ثمينة وغالية)، بل يشتهون التمتع بالله ذاته، فهو لديهم أعظم من هذه الأمجاد بما لا يقاس.

وأيضاً أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله (1 يوحنا 3: 1). وأيضاً: فلستم بعد غرباء ونزلاً بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله (أفسس 2: 19).

2 - والحق أن جعل الله إيانا أولاداً له، هو أعظم إحسان أنعم علينا به، على أساس كفاية كفارة المسيح. فهو لم يتبنانا لنفسه كما يتبنى إنسان بعض الأطفال، بل ولدنا بروحه معطياً إيانا طبيعته الأدبية السامية. وهذا هو الإحسان الذي لا يستطيع أحد في العالم أن يجود بمثله. لأننا نرى أنه إذا أراد إنسان كريم الخلق أن يتبنى لنفسه غلاماً مطبوعاً على الشر (مثلاً)، فإنه يعامله بكل عطف ولطف، ويرسله إلى أرقى المدارس والمعاهد، ويقدم له أفخر الملابس والأطعمة، ويوفر له كل أسباب الراحة والهناء. لكن مهما أوتي من حكمة وكرم لا يستطيع أن يلد الغلام المذكور مرة ثانية (أو بالحري لا يستطيع أن يولد فيه ذات الأخلاق الكريمة التي يتمتع هو بها)، لذلك فإن هذا الغلام وإن كان يتثقف ذهنياً وظاهرياً، غير أنه يظل بنفسيته الشريرة التي طُبع عليها - لكن ما لا يستطيع البشر قاطبة أن يعملوه، قد عمله الله في نفوسنا بولادتها منه.

3 - إن رجال الإصلاح الإجتماعي الذين تأثروا بالخراب الذي يحل بالبشر بسبب الحروب، يتجهون في الوقت الحاضر إلى إزالة الفوارق بين البشر حتى يصيروا شعباً واحداً متآلفاً، يحب كل فرد فيه غيره كما يحب نفسه. وما أسمى هذا الفكر وما أنبله!! لكن هل من الممكن تحقيقه بدون ولادة البشر من الله ولادة جديدة؟ طبعاً كلا، لأن هذه الولادة هي التي تجعلهم فعلاً أولاداً لله، وإخوة بالروح بعضهم لبعض.

(د) الحياة الأبدية والصلة الحقيقية بالله

1 - الحياة الأبدية: الحياة الأبدية ليست هي التمتع بالله بعد الإنتقال من العالم الحاضر كما يظن بعض الناس، بل هي الحياة الروحية التي يهبها الله للمؤمنين الحقيقيين بمجرد إيمانهم في هذا العالم. فقد قال المسيح هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له (الآن) الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وإن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله (الآن) حياة أبدية (يوحنا 5: 24). وقال الرسول إن الله أعطانا (الآن) حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن له (الآن) الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة (1 يوحنا 5: 11). والحياة الروحية التي يتمتع بها المؤمنون الحقيقيون في العالم الحاضر، ستظل فيهم إلى الأبد مؤهلة إياهم للتمتع بالعلاقة السامية مع الله إلى ما لا نهاية. فكل من لا يحصل على هذه الحياة في الوقت الحاضر، سوف لا تكون له حياة مع الله بعد انتقاله إلى رحابه، لأنه كما يكون الإنسان في هذا العالم، سيكون كذلك في الأبدية.

2 - الصلة بالله: إن الأنبياء قديماً لم يكن في وسعهم الهروب من دينونة الله، فعندما ظهر الله لموسى صرخ في الحال أنا مرتعب ومرتعد (عبرانيين 12: 21). وعندما ظهر لإشعياء صرخ قائلاً ويل لي إني هلكت (إشعياء 6: 5). ولكن بفضل كفاية كفارة المسيح أصبح للمؤمنين الحقيقيين امتياز الدنو من الله منذ الآن للتمتع به وبأمجاده. ولذلك قال الرسول فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع... لنتقدم بقلب صادق (عبرانيين 10: 19 - 22). وقال أيضاً فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عوناً في حينه (عبرانيين 4: 16). وأيضاً إن بالمسيح لنا قدوماً إلى الآب (أفسس 2: 18). لأننا بعدما كنا بعيدين عنه صرنا قريبين منه بفضل كفارة المسيح (أفسس 2: 13).

(ه) الإتحاد الروحي بالمسيح وإدراك الحقائق الروحية

1 - الإتحاد الروحي بالمسيح: فقد قال الوحي عن المؤمنين الحقيقيين إنهم بواسطة إيمانهم الحقيقي بالمسيح وسكنى الروح القدس فيهم تبعاً لذلك، أصبحوا بمثابة أعضاء جسد المسيح من لحمه ومن عظامه (أفسس 5: 30)، وأصبح المسيح بمثابة الرأس لهم (كولوسي 1: 18). فضلاً عن ذلك، فإنه يحيا فيهم (غلاطية 2: 20)، ويكون حياتهم (كولوسي 3: 4). وكما يكون فيهم، كذلك يكونون هم أيضاً فيه (يوحنا 15: 4 ، 17: 23) - واتحاد المؤمنين الحقيقيين بالمسيح واتحاد المسيح بهم يكسبهم صفاته السامية، ومن ثم يستطيعون بنعمته أن يعيشوا على الأرض كما عاش، بكل قداسة وطهارة.

2 - إدراك الحقائق الروحية: إن الإنسان الطبيعي، مهما سمت حكمته الذاتية لا يستطيع فهم أمور الله، لأن هذه تفوق العقل والإدراك. لكن عندما يؤمن إيماناً حقيقياً، يتولد لديه إدراك واضح لهذه الأمور بواسطة عمل الروح القدس في نفسه. فقد قال بولس الرسول لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح (2 كورنثوس 4: 6). وقال أيضاً لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعيّنها قبل الدهور لمجدنا... (لأن) أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله، ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله... ولكن الإنسان الطبيعي (بسبب الخطيئة المسيطرة عليه) لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة... وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد، لأنه من عرف فكر الرب فيُعلّمه، وأما نحن فلنا فكر المسيح (1 كورنثوس 2: 6 - 16).

من الأبواب السابقة يتضح لنا (أولاً) أن المسيح احتمل دينونة خطايانا وعارها نيابة عنا، وأنه على هذا الأساس تهاطلت علينا إحسانات الله بكرم لا حد له. وبذلك سار عدل الله في مجراه إلى النهاية، كما سارت رحمته في مجراها إلى النهاية أيضاً، وفي هذا التصرف يتجلى لنا كمال الله المطلق وتوافق جميع صفاته معاً. وقد رأى داود النبي بالوحي هذا التصرف السامي العجيب فصاح متهللاً الرحمة والحق (أي والعدل) التقيا. البر (أي الإستقامة أو العدل) والسلام تلاثما (مزمور 85: 10). نعم وكان لا بد أن يلتقيا وكان لا بد أن يتلاثما كذلك، لأن صفات الله جميعها كما نعلم كاملة ومتوافقة. لكن هل كان من الممكن أن يلتقي عدل الله ورحمته معاً وأن يتلاثما أيضاً، بدون كفارة المسيح؟ طبعاً كلا. ولما كان الأمر كذلك، صاح الرسول قائلاً تملك النعمة (أي الرحمة والمحبة) بالبر (أي بالعدل والحق) للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا (رومية 5: 21)، أو بتعبير آخر إن رحمة الله لها الآن أن تشمل جميع المؤمنين الحقيقيين، فتمتعهم بكل البركات السابق ذكرها، دون أن يكون في ذلك إجحاف بحقوق عدالته. بل إن عدالته نفسها تشترك مع رحمته في منحهم هذه البركات، لأنه تم إيفاء كل مطالبها من جهتهم.

(ثانياً) إن الله تمجد بالكفارة أكثر مما لو كان قد طرح جميع البشر في جهنم إلى الأبد بسبب عجزهم عن إيفاء مطالب عدالته وقداسته. وللإيضاح نقول: لنفرض أن رجلاً ثرياً نهبت ثروته، وبالقبض على اللصوص وجد أنهم بدّدوا هذه الثروة عن آخرها، فإن كل ما يمكن عمله في هذه الحالة هو معاقبتهم، لكن الثروة لا يمكن استردادها. أما الله فقد استطاع بالكفارة أن يستردنا نحن الذين ضللنا، وإن يمنحنا ليس فقط حياة الإستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطيئة، بل حياة أفضل منها بما لا يقاس، لأنها الحياة الأدبية الخاصة به تعالى. ومن ثم (إن جاز التعبير) نقول: إن الله أحرز بالكفارة فوزاً عظيماً ونصراً مبيناً.

الباب السابع

كيفية الإفادة من كفارة المسيح

- 1 - الإيمان وأهميته أولاً - ماهية الإيمان

من البديهي أن يتساءل القراء بعد دراسة الباب السابق، عن ماهية الإِيمان الذي بواسطته يمكن أن نخلص من قصاص الخطيئة ونتائجها، وأن نتمتع أيضاً بالحياة الروحية مع الله إلى الأبد. ولهم الحق في ذلك، لأن كلمة الإيمان لكثرة تداولها بين الناس فقدت معناها عند معظمهم، وأصبحت تطلق على مجرد الإعتراف بعقيدة ما. فكل من اعترف بوجود الله (مثلاً)، أصبح في نظرهم مؤمناً. لكن هذا ليس من الصواب في شيء، لأن من يؤمن بوجود الله، يبغض الخطيئة ويأبى السلوك فيها. وبما أن كثيرين من الذين يعترفون بوجود الله، يرتكبون الكثير من الآثام غير حاسبين له تعالى حساباً، إذاً فهم ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا إنهم مؤمنون، فإيمانهم هذا لا يكون حقيقياً بل أسمياً فحسب. وإيمان مثل هذا (إن جاز أن يسمى إيماناً) لا قيمة له في نظر الله، حتى إن كان ذووه يصومون ويصلون ويتصدقون كثيراً. وإذا كان الأمر كذلك، يجب علينا جميعاً أن نعرف ما هو الإيمان الحقيقي الذي يهيئنا للتمتع بالبركات السابق ذكرها، ومن ثم نقول:

1 - معنى الإيمان من الناحية اللغوية: الإيمان لغة هو الثقة واليقين، أو بالحري هو الثقة بحقائق غير منظورة بناء على شهادة الله عنها، بغض النظر عن حكمنا نحن عليها، لأن آراءنا معرّضة للتغيير من وقت إلى آخر، أما شهادة الله فثابتة إلى الأبد. وقد استعمل الكتاب المقدس كلمة الإيمان بهذا المعنى فقال الإيمان هو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى (عبرانيين 11: 1).

هذا هو المعنى العام للإيمان، وإذا أردنا تطبيقه على سبيل الإفادة من خلاص المسيح، يكون هو العمل الروحي الذي به تتفتح نفوسنا لله وتثق في خلاصه الذي عمله في المسيح، ثقة تجعلها توقن كل اليقين أنها امتلكت هذا الخلاص مع البركات المترتبة عليه. غير أن للإيمان في بعض اللغات الأجنبية معان أخرى،كما يتضح مما يلي:

(ا) ففي اللغة السنسكريتية (التي هي أصل الكثير من اللغات الأوروبية) يراد به أيضاً (الرابطة . فيكون الإيمان بالمسيح هو الرابطة الروحية التي تربطنا به.

(ب) وفي اللغة اليونانية يراد به الأساس الذي يستقر عليه الشيء ، أو الجوهر الذي يجعل لهذا الشيء كيانه ووجوده ، كما يراد به العقد الذي يثبت الملكية . ومن ثم يكون الإيمان بالمسيح هو الأساس الروحي الذي يستقر عليه خلاص المسيح في النفس. وهو الجوهر الذي يجعل لهذا الخلاص كياناً خاصاً فيها، وهو الوثيقة التي تؤكد لها ملكيتها للخلاص وأحقيتها في التمتع به، كما يتمتع المالك بملكه الخاص الذي وضع يده عليه شرعاً وفعلاً.

(ج) وبالإضافة إلى دلالة الإيمان على الثقة، في كل من اللغة العربية والإنجليزية، فإنه يراد به في الأولى (الأمن)، وفي الثانية (الأمانة). ومن ثم يكون المؤمن شخصاً يعيش في سلام واطمئنان مع الله، كما يكون شخصاً أميناً مخلصاً له، وهذان المعنيان يردان في الكتاب المقدس ليس تعريفاً للإيمان بل نتيجة له. فقد قال الوحي إن لم تؤمنوا، فلا تأمنوا (إشعياء 7: 9)، كما قال غير المؤمنين إنهم أشخاص لا أمانة فيهم (تثنية 32: 20).

2 - معنى الإيمان من بعض النواحي العلمية والفلسفية: (ا) وإذا استعرنا لغة علم النفس، يكون إيمان الخلاص هو استجابة العقل الباطن للإعلان الإلهي أن الخلاص قد تم بواسطة المسيح، ثم اطمئنانه لهذا الإعلان وامتلاكه للخلاص المذكور مع البركات المترتبة عليه - وهذه الأعمال الباطنية الثلاثة (أي الإستجابة والإطمئنان والإمتلاك) تكون طبعاً بموافقة العقل الواعي ، لأن الإيمان بالمسيح ليس هو الثقة بأمور وهمية أو مجهولة، بل بأمور حقيقية معروفة.

(ب) وإذا استعرنا لغة العلوم الطبيعية، يكون إيمان الخلاص هو استقبال النفس لخلاص الله الذي عمله في المسيح، ثم حصولها عليه مع البركات السابق ذكرها، كما يستقبل السالب قوة الموجب ويحصل عليها. أو يكون هذا الإيمان هو تفاعل النفس مع الخلاص المذكور وتشبعها به، تشبعاً يجعلها (مع البركات المترتبة عليه) جزءاً لا يتجزأ من كيانها.

(ج) وإذا استعرنا لغتي الصوفية والوجودية الروحية، يكون إيمان الخلاص هو اختراق النفس للحجاب واتصالها بالله، ثم حصولها منه على الخلاص المذكور مع البركات المترتبة عليه، بدرجة تجعلها تختبر هذه البركات وتتمتع عملياً بها. وما نقصده بالحجاب هنا، هو ما يحجب النفس عن الله. وما يحجب النفس عن الله، هو الطبيعة البشرية العتيقة التي لا تتوافق معه في شيء من صفاته الأدبية السامية. فاختراق الحجاب إذاً هو الإنصراف عن الجسد بما فيه من شر أو خير (إن كان فيه ثمة خير)، لكي تكون النفس تحت تأثير الله دون سواه. وقد أشار إلى هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة والمتصوفين، فقال القديس يوحنا المتصوف الأسباني: إن الإيمان هو اتصال النفس بالله واتحادها به . وقال كيركجارد فيلسوف الوجودية الروحية الإيمان هو أماتة النفس العتيقة أو (أنا) المادية المتمردة، ثم بعث هذه النفس في (أنا) روحية جديدة، تكون مقترنة بالله اقتراناً تاماً . وقال برجسون الفيلسوف المشهور الإيمان هو عمل النفس الفاعلة بذاته، والمنفعلة مع الله في حالة الإنسجام الكلي معه. وهو وثبة ترقى بالنفس إلى مجال فسيح الأرجاء، كما أنه انجذاب نحو عالم أفضل يجعل النفس لا ترى إلا عظائم الأمور . وقال غيره إن أول الإيمان لقاء مع الله، وآخره لقاء مع الله .

3 - معنى الإيمان من الناحية المسيحية: والإيمان بلغة المسيحية هو (أولاً) عودة الإنسان إلى حالة الطفولة التي تتجلى فيها النفس ببراءتها وصفاتها، ثم تصديق الأطفال الذي لا يشوبه شك أو ريب. ولذلك قال المسيح الحق الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات (متى 18: 3). (ثانياً) قبول المسيح في النفس فقد قال الوحي وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه (يوحنا 1: 12). وقبول المسيح لا يراد به فقط قبول عقيدة الخلاص الذي عمله المسيح على الصليب، بل وأيضاً قبول شخصه بحالة روحية في أعماق النفس كما ذكرنا. (ثالثاً) الإعتماد على المسيح أو بالحري إراحة القلب والعقل عليه. فقد قال النبي لله يا مخلص (جميع) المتكلين عليك (مزمور 17: 7). وقال أيضاً يفرح جميع المتكلين عليك إلى الأبد (مزمور 5: 11). وأيضاً الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب (مزمور 34: 22).

4 - مميزات الإيمان الحقيقي: مما تقدم يتضح لنا أن الإيمان الحقيقي ليس مجرد الإعتراف بالمسيح أو مجرد تصديق رسالته كحقيقة أعلنها الوحي وأيدها الإختبار، لأنه إن وقف إيمان إنسان عند هذا الحد يكون إيمانه عقلياً فحسب. والإيمان العقلي، وإن كان ينشئ في النفس اقتناعاً بحقيقة الخلاص، لكنه لا يهيء لها سبيل الإفادة منه. فمثل الإيمان العقلي والحالة هذه مثل اقتناع الأعمى بجمال الطبيعة، فإنه وإن كان يعطيه صورة ذهنية عن هذا الجمال، لكنه لا يهيء له السبيل للتمتع العملي به. وقد أعلن الوحي عن عدم فائدة هذا النوع من الإيمان، فقال عن الشياطين إنهم يؤمنون ويقشعرون (يعقوب 2: 19)، ومع ذلك لا خلاص لهم على الإطلاق. كما أن القيام بالصلاة والصوم والصدقة ليس دليلاً على وجود الإيمان الحقيقي، إذ من الجائز أن يقوم إنسان بالعملين الأولين بدافع من الغريزة الدينية وحدها، وبالعمل الثالث بدافع من الشفقة الطبيعية دون غيرها، ويكون في نفس الوقت بعيداً بقلبه عن الله كل البعد.

فالإيمان الحقيقي هو عمل باطني يشغل قوى النفس كلها، لأن العقل الواعي يصدق المسيح، والإرادة تقبله، والعواطف تتأثر به، والعقل الباطن يستريح إليه، ويفيد منه، وبذلك تولد النفس ولادة روحية تحصل بها على حياة جديدة تهيئها لمعرفة الله والتوافق معه والسلوك حسب مشيئته. وقد أشار الأستاذ ك. سامبسون إلى هذه الحقيقة فقال إن الإيمان لا يتم بواسطة العقل فقط، بل بواسطة النفس بأسرها. ومن ثم فإنه يشبع كل احتياجاتنا . كما قال إن الوجدان السليم يشترك مع العقل في الإيمان كل الإشتراك . وقال شلر إن البرهنة على صدق أمر، تختلف كل الإختلاف عن الإيمان (الحقيقي) به. ولنحيا حياة مستقيمة يجب أن لا نسلم فقط بأن العقيدة الفلانية قد قامت عليها أدلة صادقة، بل أن نصدق أولاً هذه الحقيقة وبعد ذلك أن نحياها بالإيمان - ولا غرابة في ذلك، فهناك أشخاص يبذلون كل جهدهم في البرهنة على وجود الله، بينما تكون قلوبهم بعيدة عنه كل البعد.

ثانياً - أهمية الإيمان

1 - أهمية الإيمان: إذا رجعنا إلى حياة المسيح على الأرض، نرى أن الإيمان كان يشغل جانباً كبيراً من تعليمه. فكان يقول لسامعيه كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم (مرقس 11: 24). و كل شيء مستطاع للمؤمن (مرقس 9: 23). و ليكن لكم إيمان بالله (مرقس 11: 22). و لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هنا فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم (متى 17: 20) يراد بالجبل الصعوبات التي تعترضنا في الحياة. ومن ثم كان، بسبب محبته الشديدة في الإحسان إلى الناس، يحرضهم على الإيمان به، حتى ينالوا ما يحتاجون من عطاياه. فمرة استدعوه لشفاء فتاة، ولما وجد أنها فارقت الحياة، قال لوالدها لا تخف. آمن فقط فهي تشفى ، ولما آمن شفيت (لوقا 8: 50). وعندما أتاه رجل يشكو من مرض في ابنه قائلاً له إن كنت تستطيع شيئاً فتحنن علينا ، أجابه المسيح على الفور إن كنت تستطيع أن تؤمن. كل شيء مستطاع للمؤمن . فلما وجد الرجل أن العيب فيه، صرخ في الحال بدموع قائلاً أؤمن يا سيد، فأعن ضعف إيماني . وفي الحال شفي ابنه من مرضه (مرقس 9: 23 ، 24).

وكان للإيمان كل الأهمية لدى المسيح ليس في عمل المعجزات فحسب، بل وأيضاً في منح الغفران للخطاة النادمين على خطاياهم. فالمرأة الخاطئة التي ندمت على خطاياها قال المسيح لها: مغفورة لك خطاياك. إيمانك قد خلصك. إذهبي بسلام (لوقا 7: 50). والمفلوج الذي أتى به حاملوه إلى المسيح، غفر له خطاياه وشفاه من أجل إيمانهم (مرقس 2: 5).

2 - السبب في أهمية الإيمان: إن السبب في أهمية الإيمان يرجع إلى عاملين رئيسيين (الأول) إن الإيمان كما مرّ بنا هو فتح أبواب النفس لله وتهيئتها لقبول عطاياه، أو بتعبير آخر هو الجو الروحي الذي يتناسب مع طبيعة الله، وكيفية تداخله في مساعدة الناس. لذلك ففي هذا الجو وفيه وحده، تجري عطاياه إليهم. (الثاني) إن الإيمان كما مرّ بنا هو التصديق، ومن ثم فمن يؤمن بأقوال الله، فإنه يصدق الله، ومن لا يؤمن بها فإنه (بكل أسف) يكذّب الله. فقد قال الوحي ومن لا يصدق الله فقد جعله كاذباً (1 يوحنا 5: 10)، ومن يكذب الله لا يمكن أن يجد خيراً من الله. ومن ثم لا عجب إذا كان الله لا يهب الخلاص إلا للذين يؤمنون إيماناً حقيقياً.

3 - الإيمان وعلاقته بالعقل: يظن بعض الناس أن المسيحيين يؤمنون بعقائدهم دون بحث أو تفكير. لكن هذا الظن لا نصيب له من الصواب، فقد اتضح لنا مما سلف أنه لو كان هناك خلاص من قصاص الخطيئة، فهو لا يمكن أن يتأتى إلا بواسطة الفداء الذي عمله الله لأجلنا في المسيح، وأنه لو كان هناك مجال للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية، فهو لا يمكن أن يتأتى إلا بواسطة الحياة الروحية التي يهبها اللّه لنا في نفوسنا - حقاً إن هذين الأمرين يسموان فوق العقل، لكنهما لا يتعارضان معه على الإطلاق، إذ أنه يستطيع البرهنة على صدقهما منطقياً، كما يرى نتائجهما عملياً.

وقد اختبر هذه الحقيقة كثير من العلماء والمفكرين فقال شلر إننا حينما نلجأ إلى الإيمان، لا نلجأ إلى أمر يسلب العقل عمله، بل إلى ما يجعل العقل أكثر تفكيراً وأعظم تأثيراً . كما قال الإيمان ليس عملاً عقلياً عادياً، لأنه يتطلب مقداراً كبيراً من الإرادة والإختبار. وما الغرض من الفلسفة النظرية إلا أن تجعل الثورة الفكرية التي تحدث في عقل الإنسان، إيماناً راسخاً. إذ أن المعرفة وحدها لا تجدي إذا كانت مجردة من الإيمان . وقال همرشولد كنت في أول الأمر لا أفهم المسيحية، ولذلك كنت أقاومها في نفسيمن وقت لآخر. لكن عندما أدركتها، أصبحت أعتز بها أكثر من أي شيء في الوجود، كما أصبح في وسعي البرهنة على صدقها دون أن أتجاوز مطالب الأمانة الفكرية .

ومع كل، وإن سما خلاص المسيح فوق العقل الواعي، فالعقل الباطن يستطيع أن يدركه كل الإدراك، ويطمئن له كل الإطمئنان، بل ويستطيع أن يجابه اعتراض العقل الواعي من جهته إن كان له اعتراض، ويقهر حجته إن كانت له حجة، إذ أن الحقائق الروحية التي يختبرها العقل الباطن بناء على أقوال الله، هي أثبت وأرسخ من حجج العقل الواعي جميعاً. لأن هذا العقل مع ما وصل إليه من نضوج ورقي، لا يزال يجهل الكثير حتى من أمور الدنيا التي تقع تحت إدراكه وأحساسه.

-2-

السبيل إلى الإيمان ودلائله

أولاً - السبيل إلى الإيمان

قد يتم الإيمان الحقيقي في لحظة وقد يستغرق وقتاً طويلاً، لكن على أي حال يجب أن تتوافر الشروط الآتية في كل من يريد أن يكون مؤمناً حقيقياً:

1 - الرغبة الخالصة في الحصول على الخلاص: وهذه الرغبة تتطلب من المرء أن يكون كارهاً للخطيئة وشاعراً بشناعتها وخطورتها، وموقناً باستحقاقه للحرمان من الله إلى الأبد بسببها، ولذلك ليس كل من يقول بفمه إرحمني اللهم أنا الخاطئ ، يحصل على الخلاص، لأن العبرة ليست بالكلام بل بالحالة التي تكون عليها النفس. فالمرأة الخاطئة لم تخلص إلا بعد أن أحست بثقل خطاياها والتجأت إلى المسيح بكل قلبها (لوقا 7: 36 - 50). وزكا لم يخلص إلا بعد أن أحس بحاجته إلى المسيح أكثر من المال (لوقا 19: 1 - 10). واللص لم يدخل الفردوس إلا بعد أن أدرك في نفسه أنه لا يستحق سوى الهلاك، وأنه لا خلاص له إلا بواسطة المسيح (لوقا 23: 43). والذين آمنوا من اليهود في العصر الرسولي لم يتيسر لهم ذلك إلا بعد أن نخسوا في قلوبهم، وشعروا شعوراً عميقاً بشناعة جريمتهم التي اقترفوها ضد المسيح، وآمنوا بعد ذلك من كل قلوبهم بشخصه الكريم (أعمال 2: 37 - 41).

2 - التوبة عن الخطيئة: والشعور بشناعة الخطيئة يجب أن يكون مقروناً بالتوبة عنها، أو على الأقل بالرغبة الصادقة في هذه التوبة، وإلا فلا فائدة من هذا الشعور على الإطلاق. ولا يراد بالتوبة الندم على ارتكاب الخطيئة فحسب، بل والتحول عنها والرجوع إلى اللّه أيضاً. فقد قال الوحي: إن اللّه يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا وأن يرجعوا إليه عاملين أعمالاً تليق بالتوبة (أعمال 17: 30 ، 26: 20). وإذا تعذر على إنسان أمر التوبة، فليعلم أن اللّه على استعداد لمساعدته على بلوغها، إذا كان راغباً في التحول عن الخطيئة من كل قلبه. فمكتوب أنه يعطي التوبة (أعمال 5: 31 ، 11: 18)، ولذلك صرخ أحدهم للّه قائلاً تّوبني فأتوب (إرميا 31: 18) فأعطاه التوبة.

3 - الإتجاه إلى المسيح: إن الندم على ارتكاب الخطيئة والتوبة عنها أمران هامان، لكنهما لا يخلصان من دينونة الخطيئة أو سلطانها الخفي على النفس، لأن الذي يخلّص من هذين معاً هو المسيح دون سواه. لذلك على المرء أن لا يقف عند حد الندم على الخطيئة والتوبة عنها، بل أن يتجه بكل قلبه إلى المسيح، الذي أحبه ومات على الصليب كفارة عنه، فيفيد منه مثلما أفاد بطرس وبولس (إن كان مثلهما متديناً)، أو مثلما أفادت المرأة الخاطئة والعشار (إن كان مثلهما مستبيحاً)، لأن خلاص المسيح ليس لفئة خاصة من الناس، بل لكل الناس دون استثناء. فقد قال الوحي عن المسيح إنه ذاق بنعمة اللّه الموت لأجل كل واحد (عبرانيين 2: 9). وإنه كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً (1 يوحنا 2: 2).

4 - قبول المسيح في النفس: أما وقد توافر لدى طالب الخلاص أن اللّه يحبه بصفة شخصية، وأن المسيح مات نيابة عنه بالذات مكفراً عن كل خطاياه مثل غيره من الناس، فعليه أن يتجاوب مع المسيح ويقبله بالروح مخلصاً لنفسه وحياة لها، فيصبح الخلاص للتو ملكاً له. ومن ثم له أن يفرح ما شاء له الفرح، وأن يطمئن ما شاء له الإطمئنان. فقد أصبح من هذه اللحظة مبرراً أمام اللّه، بل ومن أولاده المحبوبين الذين لهم السلام والفرح الكاملين معه، والذين لا يمكن أن يأتوا إلى دينونة بل قد انتقلوا من الموت إلى الحياة.

ثانياً - دلائل إيمان الخلاص

طبعاً ليس كل من يقول إنه مؤمن حقيقي هو كذلك، لأنه كما يخدع الإِنسان غيره قد يخدع أيضاً نفسه. لذلك لم يتركنا الوحي في ريب من جهة هذا الموضوع، بل سجل لنا دلائل الإِيمان الحقيقي بكل وضوح وجلاء، وأهم هذه الدلائل ما يأتي:

1 - المحبة للّه والتعبد له: هذه هي أولى العلامات التي تدل على الإِيمان الحقيقي. فقد قال بولس الرسول عنه إنه الإِيمان العامل بالمحبة (غلاطية 5: 6)، وقال يوحنا الرسول: نحن نحبه لأنه أحبنا أولاً ( 1 يو 4: 19). وقال بولس الرسول: لأن محبة اللّه انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رومية 5: 5). وقال أيضاً لأن محبة المسيح تحصرنا (2 كورنثوس 5: 14).

وهذه المحبة تقود المؤمن الحقيقي إلى اللّه من وقت لآخر لكي يسكب قلبه أمامه تعبداً وسجوداً، ويصوغ له بتأثير الروح القدس في نفسه حمداً وشكراً كثيراً. وإن كان أميّاً لا يستطيع التعبير عن آرائه في كثير من المسائل العامة، لكن عندما يضع قلبه تحت تأثير الروح القدس، تنبعث منه معان سامية يعجز عن صياغة مثلها كاتب ماهر.

2 - الصلاة: وبجانب العبادة والسجود، فالمؤمن رجل صلاة. والعبادة هي تقديم الإكرام والسجود للّه لما يتصف به من سجايا مثل المحبة والقداسة والقدرة والعلم بدرجة لا حد لها. أما الصلاة فهي طلب ما نحتاج إليه منه في هذه الحياة. لذلك فالعابد يقدم شيئا للّه، أما المصلي فيطلب شيئاً منه، سواء أكان هذا الشيء روحياً أم مادياً، فالعابد (إن جازت المقارنة) أسمى حالاً من المصلي. ولا يصلي المؤمن لإِله مجهول في عالم الخيال أو الفكر، أو لإِله في مكان قصي لا يمكن الإتصال الحقيقي به (كما هي الحال عند كثير من الناس)، بل يصلي لإِله حقيقي يعرفه حق المعرفة، ويمكنه الإتصال بالروح إتصالاً فعلياً. كما أن الصلاة لديه ليس عادة يقوم بها بطريقة آلية، أو مجرد فرض يقوم به كما يقوم العبد بواجب نحو سيده، بل إنها مهمة حيوية لا يستطيع الإستغناء عنها بحال. فهي كما ذكرنا فيما سلف مثل الهواء بالنسبة لرئتيه، والطعام بالنسبة إلى جوفه. فضلاً عن ذلك فإنه يجد في الصلاة متعة روحية فائقة، إذ فيها يناجي اللّه ذاته، ومن ثم يقضي الأوقات الطويلة فيها. وإذ استلزم الأمر فإنه يضحي عن طيب خاطر ببعض أعماله وأوقات راحته الخاصة، في سبيل إطالة فرص الصلاة، وذلك لأجل نفسه ونفوس الآخرين، وقبل كل شيء لأجل مجد اللّه وإكرامه (1 تيموثاوس 2: 1 ، أفسس 6: 18).

3 - دراسة كلمة اللّه: والمؤمن الحقيقي يدرس كلمة اللّه ليس كمجرد واجب من الواجبات، أو لكي يعرفها ويلم بها كموضوع من الموضوعات، بل قبل كل شيء لأنه يستمع فيها لصوت اللّه، كما يجد فيها طعاماً شهياً لنفسه. ولذلك يدرسها بشغف وفهم ويسعى للهج فيها كثيراً. ومن ثم فهو صديق مخلص لكتاب اللّه، تربطه به علاقة حية وصلة قوية، لأنه يفهمه ويعرفه ويدأب على الرجوع إليه من وقت إلى آخر، حتى يتشبع به ويسير على هداه.

4 - السلوك السماوي: ولتأثره بكلمة اللّه لا يحصر نظره في الأمور الزائلة التي تُرى، بل في الأمور الباقية التي لا ترى. ومن ثم يحفظ نفسه في دائرة السماويات، في حالة القداسة اللائقة باللّه، كما يسعى دائماً أبداً لتنفيذ إرادته مهما كان شأنها. ولذلك لا ينطق بعبارة نابية أو يلجأ إلى الهزل والمزاح، أو يتصرف في شيء بنزق وطياشة، بل تكون كل أقواله بنعمة وحكمة، وكل أعماله بتعقل واتزان (أفسس 5: 4 و 15 ، تيطس 2: 7). وإن سقط في خطيئة مرة لسبب من الأسباب، لا يمكن أن يظل فيها طويلاً (لأنها تتعارض مع الطبيعة الروحية الجديدة التي نالها من اللّه)، بل ينهض للتو منها، مسلماً حياته للّه بأكثر تدقيق حتى يحفظه من كل عثرة وزلل.

5 - المحبة لجميع الناس: ولتأثره باللّه وتشبعه بكلماته يتصف أيضاً بالكثير من صفات اللّه، وفي مقدمتها المحبة. ومن ثم فإنه يحب جميع الناس حتى الذين يسيئون إليه منهم، مثلما يفعل اللّه (متى 5: 44) كما يحب من قلب طاهر بشدة كل المؤمنين الحقيقيين (1 بطرس 1: 22) مهما اختلفت طوائفهم أو مراكزهم الإجتماعية، لأنه يعرف أن له ولهم أباً واحداً هو اللّه (1 يوحنا 5: 2)، ومخلصاً واحداً هو المسيح (أعمال 4: 12)، كما سكن فيه وفيهم روح واحد هو الروح القدس (1 كورنثوس 3: 16).

كما يبذل كل ما لديه من جهد في إعلان نعمة اللّه للخطاة، وذلك بالصلاة لأجلهم أو التحدث معهم، حتى يفيد منها من يريد الفائدة. كما يمد يده إلى كل معوز ومحتاج، وهو لا يرجو من وراء ذلك جزاء أو ثواباً، إذ يكفيه شرفاً وسروراً أن يعمل عملاً لأجل مجد اللّه الذي أحبه إلى المنتهى الذي لا نهاية له.

6 - الثقة الكاملة من جهة امتلاك الخلاص: أخيراً نقول: إن المؤمن الحقيقي لا يتسرب إليه شك من جهة كفاية كفارة المسيح، بل يوقن أنها رفعت عن كاهله قصاص خطاياه وجعلته مقبولاً أمام اللّه، ولذلك يستطيع أن يقول مع الرسول إنه متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة اللّه (لنا) التي في المسيح يسوع ربنا (رومية 8: 38 - 39). وأن يقول أيضاً معه إني عالم بمن آمنت، وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي (أي نفسي المستودعة بين يديه) إلى ذلك اليوم (2 تيموثاوس 1: 12). لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي (أي أجسادنا المادية)، فلنا في السموات بناء من اللّه بيت غير مصنوع بيد أبدي (2 كورنثوس 5: 1). و الآن نحن أولاد اللّه ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر (المسيح)، نكون مثله لأننا سنراه كما هو (1 يوحنا 3: 2).

والحق أننا مهما جلنا بأبصارنا في عقائد البشر وفلسفاتهم، لا يمكن أن نجد فيها ما يبعث إلينا يقيناً من جهة محبة اللّه لنا وقبوله إيانا إلى الأبد، مثل اليقين الذي يبعثه المسيح. لأنه يبعث هذا اليقين إلينا ليس بناء على وعود عاطفية مجردة أو أقوال أخاذة منمقة، بل بناء على كفارته الكاملةالتي وفّت كل مطالب عدالة اللّه وقداسته. ومن ثم فكل مؤمن حقيقي يستطيع عن يقين صادق أن يستحضر أمامه المستقبل المجيد الذي أصبح ملكاً له على أساس كفارة المسيح، وأن يدخل أيضاً في هذا المستقبل بقلبه ويستريح في أرجائه، شاكراً اللّه من أجل محبته التي تفوق كل محبة، وجوده الذي يفوق كل جود، وحكمته التي تفوق كل حكمة. فقد قال الرسول شاكرين الآب الذي أهّلنا لشركة ميراث القديسين في النور. الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت إبن محبته. الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا (كولوسي 1: 12 - 14). كما قال وأقامنا (الآب) معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع ليُظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع (أفسس 2: 6 و 7).

الباب الثامن

كفارة المسيح في نظر الفلاسفة والعلماء

-1- آراء الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالحق

لم يدرس كفارة المسيح رجال الدين المسيحي فحسب، بل درسها أيضاً كثير من الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالحق، فعرفوا أهميتها الواردة في الكتاب المقدس، كما اختبروا نتائجها المباركة في نفوسهم اختباراً صادقاً، وفيما يلي بعض آراء هؤلاء الفلاسفة والعلماء:

1 - قال أكليمندس لنتأمل دم المسيح ولنعرف قيمته التي تفوق كل قيمة، فإنه ليس مثل دم الشهداء الذين يموتون من أجل الدفاع عن الحق (وإن كان دم هؤلاء غالياً وثميناً في أعيننا)، بل إنه دم المحبة الإِلهية المعروف قبل إنشاء العالم، للتكفير عن خطايانا جميعاً .

2 - وقال إيريانوس غاية الكفارة هي إيفاء مطالب العدل الإِلهي نيابة عنا. والمسيح بموته على الصليب، وفّى هذه المطالب، ومن ثم كفّر عن خطايانا إلى الأبد .

3 - وقال أقليمس إن المسيح تحمل آلام الخطيئة عوضاً عنا، وبذلك خلصنا منها إلى الأبد .

4 - وقال أغناطيوس نحن نؤمن أن المسيح مات عوضاً عنا من جهة الناسوت، لكنه لم يمت من جهة اللاهوت، لأن اللاهوت غير قابل للموت .

5 - وقال بابياس إن اللوغوس (الكلمة) الذي خلقنا لم يتركنا وشأننا عندما أخطأنا، بل أتى إلى عالمنا وخلصنا من خطايانا ءاللوغوس كلمة يونانية يُراد بها العقل المدبر للكون ، وهي مرادفة في المسيحية لأقنوم الابن أو الكلمة، الذي يعبر عن اللّه ويعلنه، والذي خلق العالم ويدبره (يوحنا 1: 3 ، كولوسي 1: 16).

6 - وقال أوريجانوس اللّه عادل، والعادل لا يبرر الخطاة إلا إذا وفيت مطالب عدالته. وبما أنه لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة سواه، لأنه هو وحده الذي يعرف مطالب عدالته. لذلك رضي أن يحل في المسيح ليقوم بالمهمة المذكورة، حتى يبرر كل خاطئ يؤمن به إيماناً حقيقياً .

7 - وقال أثناسيوس الكلمة (أو بالحري المسيح) أتى إلى العالم ليس لكي يهلك الناس، بل لكي يخلصهم من خطاياهم، وذلك بتحمله في نفسه الدينونة التي يستحقونها بسبب هذه الخطايا . 8 - وقال أنسلموس مخاطباً المسيح ماذا فعلت يا يسوع، يا أبرع جمالاً من كل بني البشر، حتى تموت موت الأثمة المجرمين!! أنت لم تفعل خطيئة على الإِطلاق حتى تستحق الموت بسببها، لكنك قبلت الموت بسبب خطاياي وخطايا غيري من الناس .

9 - وقال القديس أوغسطينوس الخطيئة هي خطيئتنا، وقصاصها كان يجب أن يحل بنا، لكن المسيح حمل هذا القصاص عوضاً عنا، وبذلك أعتقنا منه إلى الأبد .

10 - وقال القديس برنار: المسيح وفّى مطالب العدل الإِلهي نيابة عنا، حتى ننال الصفح والغفران ونكون أهلاً للقبول أمام اللّه. لذلك فغاية فلسفتي هي أن أعرف يسوع المسيح وإياه مصلوباً، لأن الصليب هو نقطة التقابل بيننا وبين اللّه في حب متبادل يدوم إلى الأبد.

11 - وقال بطرس اللمباردي: المسيح قدم نفسه للّه كفارة عن خطايانا، حتى لا يُدان كل من يؤمن به إيماناً حقيقياً .

12 - وقال توما الأكويني: لا يستطيع إيفاء مطالب عدالة اللّه إلا اللّه، ومن ثم حل في المسيح للقيام بهذه المهمة العظيمة . كما قال إن كفارة المسيح أزالت الخطيئة التي كانت تفصل بيننا وبين اللّه، لذلك صار لنا إمتياز الدنو منه والتمتع به .

13 - وقال دكتور كلي كران: السبب الذي جعلني أعتنق المسيحية هو موت المسيح كفارة عن خطايانا. فقد أدركت منذ سنوات أني إنسان خاطئ، وأنه ليس في وسعي أن أتبرر أمام اللّه بأي عمل من الأعمال الصالحة التي أقوم بها، ولذلك كان يتملكني الأسى والحزن كثيراً. لكن لما تحققت أن المسيح مات نيابة عني، حاملاً القصاص الذي أستحقه بسبب خطاياي، استراحت نفسي وامتلأت فرحاً وسلاماً .

14 - وقال القديس فرنسيس: ربي يسوع المسيح! إني ألتمس منك أن تهبني نعمتين قبل أن أموت (الأولى) أن أشعر في نفسي بالآلام التي قاسيتها على الصليب عوضاً عني، حتى أكره الخطيئة مهما كان شأنها. و (الثانية) أن أشعر في نفسي بالمحبة العجيبة التي اضطرمت في قلبك من نحو شخص نظيري، حتى أحبك كما أحببتني .

15 - وقال الرئيس جون كرتز: المسيح المصلوب يشفي القلب الجريح ويريح الضمير المعذب، لأنه يرفع عن المؤمن دينونة الخطيئة ويهيئه للدنو من اللّه والتمتع به .

16 - وقال فورسيت: الآلام التي قاساها المسيح على الصليب هي أقسى أنواع الآلام، لأنها ذات الآلام التي كنا نستحقها في جهنم إلى الأبد بسبب خطايانا. فلنضع هذه الحقيقة أمام نفوسنا، وليكن لها التأثير العملي في حياتنا .

17 - وقال تيللور: اللّه هو الذي خلقنا، والذي خلقنا لا يمكن أن يهملنا لذلك كان من البديهي أن يتنازل ويخلصنا من الخطيئة التي سقطنا فيها - وهذا هو ما فعله في المسيح على الصليب .

18 - وقال جون سكوت: الكلمة (المسيح) هو الوسيط بين اللّه وبيننا، لذلك فهو وحده الذي يستطيع أن يصالحنا مع اللّه، وقد قام بهذا العمل عندما وفّى في نفسه على الصليب مطالب عدالة اللّه، عوضاً عنا .

19 - وقال روبرت برونيز إن حقيقة ظهور اللّه في المسيح لخلاص البشرية وإنقاذها من بؤسها، تحل كل المشاكل التي تعترضنا من جهة موقف اللّه إزاء خطايانا، وقصورنا عن التوافق معه، كما تفسر لنا كل رموز التوراة وتحقق كل نبواتها. إذ لولا الحقيقة المذكورة، لكنا نشكّ في كمال اللّه ومحبته، ولكانت رموز ونبوات العهد القديم بلا معنى على الإِطلاق .

وإننا لا نأتي بهذه الآراء كحجة نعتمد عليها في أن المسيح مات كفارة عن خطايانا، لأن حجتنا الوحيدة في هذا الموضوع، وفي غيره من الموضوعات، هي كلمة الوحي التي بين أيدينا. وهذه الكلمة قد ثبت لنا صدقها بالكثير من الأدلة التاريخية والعقلية، والإختبارية أيضاً. إنما نأتي بالآراء المذكورة لكي نعلن أن الإِنسان عندما يفحص أعماق نفسه، يدرك أنه خاطئ وأنه لا يتسنى له من تلقاء ذاته أن يكفر عن خطاياه أو يتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، ومن ثم لا بد أن ينتهي إلى أن اللّه وحده هو الذي يستطيع القيام بالكفارة، وهو وحده الذي يستطيع أن يهب الحياة الروحية اللازمة لهذا التوافق.

-2-

آراء الفلاسفة والعلماء المسيحيين بالإسم، والرد عليها

هؤلاء الفلاسفة والعلماء يختلفون عن السابق ذكرهم، فهم لم يفهموا المسيحية كما هي معلنة في الكتاب المقدس، بل فهموها تبعاً لما أملته عليهم تصوراتهم الشخصية، ولذلك تعددت آراؤهم وتضاربت كثيراً. وفيما يلي هذه الآراء مصحوبة بالرد عليها:

1 - إن خلاص المسيح لنا لا يتوقف على موته على الصليب كما يُقال، بل على تعاليمه السامية التي كشفت بحق عن ماهية الخطيئة، ومن ثم أصبح لنا أن نتجنبّها في كل صورة من صورها.

الرد: وإن كان المسيح قد كشف لنا في تعاليمه السامية عن ماهية الخطيئة بدرجة لم نكن نتصورها، غير أن مجرد معرفتنا بذلك لا تعطينا القدرة على الخلاص من الخطيئة أو ترفع عنا النتائج المترتبة على السقوط فيها، بل بالعكس تزيدنا شعوراً بالحاجة إلى حياة إلهية تسمو بنا فوق قصورنا الذاتي، حتى نستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية. كما تزيدنا شعوراً بالحاجة إلى كفارة عظيمة تفي مطالب عدالة اللّه نيابة عنا، حتى تهدأ ضمائرنا وتطمئن من جهة علاقته بنا - ولا غرابة في ذلك فإن معرفة المذنب بأنه يستحق القصاص، لا تنجيه منه، أو تؤهله للسلوك من تلقاء ذاته دون ارتكاب ذنب ما.

2 - المسيح أظهر على الصليب محبته الشديدة لنا لكي يحب بعضنا بعضاً كما أحبنا، وبذلك نخلص من الأنانية التي هي السبب في كل الخطايا.

الرد: وإن كان موت المسيح في سبيل محبته لنا مثالاً عظيماً يدعونا لأن يحب بعضنا بعضاً، لكن ليس من المعقول أن يكون قد مات لأجل هذا الغرض، إذ أن في حياته العادية التي كان يحياها بيننا ما يكفي لتعليمنا هذا الدرس الثمين. فضلاً عن ذلك فإن الخلاص من الأنانية وأضرارها المتعددة لا يكون بمحاولة الإقتداء بالمسيح (لأن القصور الذاتي الكامن في طبيعتنا يحول بيننا وبين هذا الإقتداء)، بل أن هذا الخلاص يكون بالحصول على حياة روحية من شأنها أن ترفعنا لدرجة التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية - وهذه الحياة لا يعطينا اللّه إياها إلا بعد إزالة العداوة التي جعلناها بيننا وبينه، ولا سبيل لإزالة هذه العداوة إلا بالتكفير عن خطايانا كما ذكرنا فيما سلف.

3 - المسيح رضى بالصلب لكي يرينا محبته لنا، حتى نحبه بدورنا. وفي سبيل محبتنا له نكره الخطيئة ونمقتها.

الرد: ليس من المعقول أن يكون هذا هو كل غرض المسيح من احتماله آلام الصلب الشنيعة، لأنه لم يكن ليتحملها لولا أنه رآنا معرضين لها وأراد هو أن ينقذنا منها. فالأب البار لا يضحي (مثلاً) بحياته من أجل أبنائه إلا إذا رآهم معرضين للموت، وأراد هو أن ينقذهم منه. أما إذا كانوا غير معرضين له، فإنه لا يضحي بحياته لكي يظهر فقط محبته لهم. كما أن المحبة للّه والقدرة على الإرتقاء فوق الخطيئة، لا تتولدان من مجرد المعرفة بأن المسيح يحبنا، بل بواسطة الولادة الثانية من اللّه، والدليل على ذلك أن المؤمنين بالإسم يعرفون أن المسيح يحبهم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يحبوه أو يرتقوا فوق الخطية الكامنة في طبيعتهم.

4 - المسيح رضي بالصلب لكي يعلمنا أن السبيل إلى السماء هو التضحية بكل غال ونفيس.

الرد: إن المسيح لا يتحمل آلام الصلب لكي يكون مجرد مثال يبين لنا وجود التضحية، لأنه علمناهذا الدرسالثمين في أقواله، كما علمنا إياه في حياته المثالية التي عاشها بيننا على الأرض. فضلاً عن ذلك فإن التضحية بكل غال ونفيس في الدنيا، لا تكون بمجرد التقليد، بل بالحصول على حياة روحية يكون من طبيعتها الإرتقاء فوق الذات بكل مطالبها. وهذه الحياة لا يمكن الحصول عليها إلا من اللّه، ولا يمكن أن يمنحها اللّه لنا إلا بعد التكفير التام عن خطايانا كما ذكرنا.

5 - المسيح رضي بالصلب لكي يرينا كراهية اللّه للخطيئة وما يستحقه الخطاة من عذاب، حتى نتوب عنها.

الرد: إن التوبة عن الخطيئة (كما ذكرنا في الباب الثاني) لا تكفي للحصول على الغفران أو التأهيل لحياة التوافق مع الله، لأن السبيل الوحيد لذلك هو التكفير عن الخطيئة والحصول على حياة روحية تسمو بنا فوق قصورنا الذاتي. كما أنه ليس من المعقول إطلاقاً أن يقبل المسيح آلام الصلب لكي يكون مجرد مثال لما يستحقه الخطاة من عذاب، إذ أن في أقواله وأقوال الأنبياء والرسل ما يكفي لإِثبات هذه الحقيقة.

6 - إن كفارة المسيح التي سترت خطايا البشر تكمن في حياة البر المطلق التي عاشها على الأرض، والتي انتهت بتقديم نفسه شهيداً من أجل الحق. لأن هذه الحياة هي التي أرضت اللّه، فصفح عن البشر جميعاً.

الرد: حقاً إن المسيح عاش حياة البر المطلق، وحقاً إن هذه الحياة أرضت اللّه أكثر مما نفتكر أو نتصور. لكن يجب أن لا يغيب عنا أنه لو كان المسيح مات فقط شهيداً من أجل الحق، لكان اللّه يسر به وحده ويمجده وحده، ولكننا جميعاً نظل كما نحن في خطايانا، عاجزين عن التوافق مع اللّه وواقعين تحت طائلة قصاصه. لكن إذا كان موت المسيح موتاً كفارياً (كما أعلن الكتاب المقدس)، فإن اللّه يصفح عن خطايانا ويهيئنا للتوافق معه.

7 - إن المسيح بموته على الصليب لم يقم بإيفاء مطالب عدالة اللّه نيابة عنا، لأن هذه المطالب لا حد لها، بل إنه فقط استمال عطف اللّه حتى يغفر لنا خطايانا. ومن ثم فإن آلامه ليست عقوبة تعويضية، إنما هي تعويض عن العقوبة القانونية.

الرد: لو كان المسيح قام بالكفارة بمعزل عن اللّه لكان هناك مجال لهذا الإعتراض لكن الأمر لم يكن كذلك، لأن اللّه نفسه كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه (2 كورنثوس 5: 19)، واللّه لكماله وتوافق كل صفاته لا يكون متساهلاً في شيء من مطالب عدالته.

8 - المسيح رضي بالصلب كما رضي سقراط بالسم، لكي يكتب لنفسه الخلود وترسخ مبادئه في نفوس البشر.

الرد: (ا) إن جاز أن يقال عن سقراط إنه رضي بالسم لكي يكتب لنفسه الخلود، لا يجوز أن يقال ذلك عن المسيح من جهة قبوله للصلب، لأن المسيح كان بعيداً كل البعد عن مظاهر العظمة الدنيوية التي يسعى إليها كثير من الناس. والدليل على ذلك أننا إذا رجعنا إلى تاريخ حياته، نرى أنه لم يكن يعمل معجزة ليرضي الناس أو لتكون له الحظوى لديهم (لوقا 23: 8 و 9) بل كان يقوم بها بدافع الشفقة على المرضى والمتألمين والمحتاجين، دون أن ينتظر من أحد مديحاً أو جزاء.

فضلاً عما تقدم فإن المسيح لم يكن يسعى إلى الخلود، لأنه كان يحمل (حتى من الناحية الإِنسانية) دلائل الخلود في نفسه بسبب كماله المطلق وتنزهه عن الخطيئة تنزهاً تاماً. أضف إلى ذلك أنه لم يُرغم على الصلب مثلما أرغم سقراط على شرب السم، بل تقدم للصلب بمحض إختياره كما يتضح من (يوحنا 10: 17 و 18).

(ب) أما من جهة رسوخ مبادئ المسيح في نفوسنا، فلا يتحقق على الإِطلاق بمجهودنا الذاتي تحت التأثر بصلبه، فكثيرون يتأثرون بالصليب لكنهم لا يعملون بشيء من وصايا المسيح، إذ أن العمل بها لا يتأتى إلا بواسطة الحياة الروحية التي يمنحنا اللّه إياها عندما نسلم نفوسنا له تسليماً كاملاً. فضلاً عن ذلك فإن رسوخ هذه المبادئ في نفوسنا لا يخلصنا من قصاص خطايانا، لأنه لا خلاص لنا منه إلا بإيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته من نحونا، ولا سبيل إلى إيفائها إلا بالفداء الذي عمله المسيح، كما ذكرنا.

مما تقدم يتضح لنا أن أصحاب الآراء السابقة لم يفهموا شيئاً عن الكفارة وضرورتها، وكل ما عرفوه من آلام المسيح على الصليب، أنها آلام الإستشهاد في سبيل الحق. ولا شك أن هذه الآلام تؤثر في نفوس بعض الناس، فتصرفهم عن الإِثم والشر، كما تفعل التضحية التي يقوم بها المخلصون من القادة والزعماء. فمثلاً عندما كان غاندي يرى أتباعه قد انحرفوا عن تعاليمه، كان يحزن في نفسه كثيراً، ويمتنع عن الطعام أمداً طويلاً، فكانوا يندمون على إنحرافهم ويعودون للسير في الطريق الذي رسمه لهم. وقد أشار أفلاطون قديماً إلى تأثير التضحية في نفوس الناس فقال في كتابه (السياسة ج 4 ص 74) ما ملخصه إن الإِنسان الكامل الذي دون أن يفعل شراً، يقبل على نفسه أقسى أنواع الظلم، فيحتمل الجلد والضرب حتى الموت، هو الذي يستطيع أن يعيد حياة البر إلى البشر وليس البر الذي ارتآه أفلاطون هو التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، بل هو فقط الكف عن الجرائم الشنيعة - وهذا ما يفعله حتى الأشرار عند تأثرهم بوفاة أحد أقربائهم، أو بنزول بعض الكوارث بهم. أما التوافق مع اللّه في صفاته المذكورة، فلا يكون إلا بعمله في نفوس المؤمنين الحقيقيين. وقد احتمل المسيح الصلب لغرض أسمى من هذا بكثير، وهذا الغرض كما ذكرنا مراراً وتكراراً، هو التكفير عن خطايانا وإمدادنا بحياة روحية تؤهلنا للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية إلى أبد الآباد.

-3-

الإعتراضات الدينية والرد عليها

1 - لماذا تفرد الابن أو الكلمة بعمل الفداء؟ وألا يدل تفرده بالقيام به على أنه يحب البشر أكثر من الآب والروح القدس؟.

الرد: (ا) إن إبن اللّه أو كلمة اللّه هو الذي يعلن اللّه ويتمم مقاصده لذلك فهو الذي خلق العالم وكل ما فيه، فقد قال الوحي عنه كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان (يوحنا 1: 3)، وأن فيه خُلق الكل. ما في السموات وما على الأرض ، وأن الكل به وله قد خُلق (كولوسي 1: 16). ومن خلق العالم، هو الذي يهتم شخصياً به وبكل ما فيه. ومن ثم فالابن أو الكلمة هو الذي كان يظهر للأنبياء في العهد القديم، ليعلن لهم مشيئة اللّه أو اللاهوت من جهة محبته للبشر ورغبته في تقريبهم إليه، ومنحهم كل ما يحتاجون إليه من بركات، كما ذكرنا فيما سلف. وإذا كان الأمر كذلك، كان من البديهي أنه هو بعينه الذي يتجسد أيضاً، ويعلن في نفسه محبة اللّه وخلاصه لنا من الخطيئة ونتائجها.

(ب) أما من جهة الآب و الروح القدس ، فإن محبتهما لنا لا تقل عن محبة الابن ، لأنهما واحد معه في الجوهر، وفي كل الصفات والخصائص والأعمال، وكل ما في الأمر أن كل أقنوم يُظهر من أعمال اللاهوت ما يتوافق مع أقنوميته. لذلك وإن كان الابن هو الذي قام أمامنا بالفداء، غير أن هذا العمل يسند إلى اللّه بأقانيمه الثلاثة. فقد قال الوحي إن اللّه (أو بالحري اللاهوت) كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم (2 كورنثوس 5: 19 - 21). كما أن الابن وإن كان قد بذل نفسه، لكنه لم يقم بهذا العمل بالإستقلال عن الأقنومين الآخرين، لأنه واحد معها في الجوهر. ولذلك يعلن الوحي أن الابن بُذل بواسطة اللّه (يوحنا 3: 16)، وأنه بالروح القدس قدم نفسه أو بذلها (عبرانيين 9: 14) - ومما يثبت أن كلاً من الآب والروح القدس يحبنا كالابن تماماً، أن الوحي أعلن لنا أن الآب نفسه يحبنا (يوحنا 17: 23)، وأن الروح القدس هو روح المحبة (2 تيموثاوس 1: 7) وأن اللّه من جهة أقانيمه الثلاثة هو محبة (1 يوحنا 4: 8).

2 - إذا كان اللّه لا يصلب ولا يموت، فكيف يكون هو الذي افتدانا؟.

الرد: (ا) نظراً لأن اللّه (أو اللاهوت) كان حالاً في المسيح حلولاً مطلقاً فمكتوب فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2: 9) ولذلك نرى في أعمال المسيح ما هو خاص بالناسوت وما هو خاص باللاهوت. فمثلاً عندما كان يبحر مرة مع تلاميذه، نام في السفينة - فهذا النوم كان طبعاً بالناسوت لأن اللاهوت لا ينام. ولما انتهر الريح والبحر بعد ذلك فصار هدوء عظيم (متى 8: 24 و 26) كان العامل حينئذ هو اللاهوت، لأن اللّه هو الذي يأمر الطبيعة فتخضع له - إذاً فكل عمل أتاه المسيح، يكون اللّه هو الذي أتاه، وكل شيء قوبل المسيح به في العالم، يكون اللّه هو الذي قوبل به. ولذلك فاللّه وإن لم يكن قد صُلب أو مات، لكن بقبوله تنفيذ الصلب في الناسوت الذي كان حالاً فيه (مع قدرته التامة على تجنيب الناسوت هذا الصلب لو كان قد أراد)، يكون هو الذي قبل آلام الصلب، وبالتبعية يكون هو الفادي الذي فدانا.

(ب) ولإِيضاح هذه الحقيقة إلى حد ما نقول: إذا ارتدى ملك ثياب عامة الناس وخرج إليهم كواحد منهم، ليقرّبهم إليه ويعرف مشاكلهم ويقدم لهم كل معونة يحتاجون إليها، كما كان يفعل هرون الرشيد مثلاً، وفي أثناء القيام بهذه المهمة الجليلة، اعتدى عليه بعض الأشرار وأهانوه. فإن هذه الإِهانة لا تكون قد وقعت على شخص عادي، بل على ذات الملك. وعلى هذا القياس، مع الفارق الذي لا بد منه نقول: إن آلام الصليب وإن كانت قد أصابت الناسوت الظاهر لنا، لكنها تعتبر في الواقع أنها أصابت اللّه غير الظاهر لنا، وذلك بطريقة لا يدركها سواه. ومن ثم قال الوحي عن دم المسيح الذي سُفك على الصليب إنه دم اللّه (أعمال 20: 28)، كما قال عن اللّه نفسه، إنه مخلصنا (تيطس 1: 3).

3 - هل من الجائز أن يُنسَب الألم إلى اللّه؟ .

الرد: (ا) لو كان اللّه مجرد فكرة أو طاقة أو كائناً لا يتصف بصفة، كما يقول بعض الفلاسفة، لما جاز أن ننسب إليه الألم (أو السرور) بأي معنى من المعاني. لكنه كائن حقيقي يتَّصف بكل صفات الكمال، وفي الوقت نفسه يتصل بنا كل الإتصال، ولذلك فإنه، كما يُسَرُّ على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة، بالأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمنون الحقيقيون، كذلك يحزن على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة، بسبب الشرور التي تصدر من غيرهم وما يترتب عليها من حلول التعاسة بهم. (تكوين 6: 6 ، مزمور 78: 40 ، إشعياء 63: 10). وإذا كان من الممكن أن يحزن اللّه على نحو ما، يمكن أيضاً أن يتألم على نحو ما، لأنه لولا ذلك لكان مجرداً من الشعور والإِدراك، وهذا محال.

وكان من البديهي أن لا تظل آلام اللّه بسبب خطايانا سراً فيه، بل أن يعلنها لنا بوضوح وجلاء. والواسطة الوحيدة لإِعلانها هو كلمته أو أبنه ، لأنه هو الذي يعلنه كما ذكرنا. فاللّه في أبنه أظهر محبته لنا، وكشف عن الآلام التي كان يحس بها منذ القديم بسبب خطايانا. أو بتعبير آخر جسَّم لنا الفداء الكامن في نفسه، والذي لم نكن نراه أو نعرف عنه شيئاً سوى أسمه. فيمكننا أن نقول عن يقين إنه لولا المحبة التي لا حدّ لها الكامنة في اللّه، لما كان يتألم لآلامنا، ولما كان أيضاً يكفّر عن خطايانا - هذا مع العلم بأن تألُم اللّه بسبب هذه الخطايا لا يقلل من مجده، بل بالعكس يزيده مجداً في أعيننا. ولا يقلل من كماله، بل بالعكس يعلن هذا الكمال لنا في أسمى معانيه. لأن هذا التألُّم يؤكد لنا أن اللّه ليس غريباً عنا أو غير مبالٍ بنا، بل أنه قريب منا يعطف علينا ويرثي لنا ويهمّه أمرنا.

أخيراً نقول إن تأثر اللّه لم يكن متوقفاً على ظهورنا في العالم، بل إن مبدأ التأثر كان موجوداً في ذاته أزلاً، لأنه قائم بأقانيم، والأقانيم من شأنهم أن يتأثر أحدهم بالآخر. ولذلك عندما تألم اللّه على نحو ما بسبب ما بدا منا من شر، لم ينفعل كما ننفعل نحن، بل أظهر فقط عدم رضاه على هذا الشر، لأن عدم الرضا به هو وجه من وجوه الكمال الذي يتصف به من الأزل إلى الأبد.

4 - هل من العدالة أن يحل اللّه في الإِنسان يسوع المسيح ويدفعه لتحمُّل آلام الصلب المريرة، ليكفّر فيه عن البشر؟.

الرد: إن اللّه لم يدفع المسيح إلى الصلب رغماً عنه كما كانت تساق الحيوانات للذبح كفارة في العهد القديم، حتى كان يجوز القول إن هذا التصرف لا يتفق مع عدالة اللّه. لكن ما حدث هو أن اللّه دبر منذ الأزل أن يقوم بعمل الفداء. وفي الوقت المناسب لنا، اتخذ من المسيح ناسوتاً له وذهب فيه إلى الصليب ليحمل خطايا البشر ويكفر عنها بنفسه. وقد أدرك المسيح من الناحية الناسوتية هذه الحقيقة إدراكاً تاماً، وتوافق مع اللّه الحال فيه كل التوافق من جهتها، وأطاعه كل الطاعة في إتمامها، ومن ثم لا يكون اللّه قد ظلم المسيح من الناحية الناسوتية على الإِطلاق.

فضلاً عن ذلك فقد قدّر اللّه طاعة المسيح من الناحية الناسوتية كل التقدير، فكافأه من ناحيتها بأجل مكافأة. فقد قال الوحي لذلك رفعه اللّه أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل أسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد اللّه الآب (فيلبي 2: 9 - 11)، فلا مجال لهذا الإعتراض على الإِطلاق.

5 - إذا كان المسيح قد توافق مع اللّه كل التوافق من جهة الفداء، فلماذا طلب منه في بستان جثسيماني أن يجنبه الصلب في أول الأمر؟ أليس قوله للآب وقتئذ لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت دليلاً على أنه قبل آلام الصلب مرغماً؟ فضلاً عن ذلك ألا يتعارض حزنه وقتئذ مع القول إنه قام بالفداء برضى وسرور؟.

الرد: (ا) إن المسيح بسبب كماله المطلق طلب من اللّه أن يجيز عنه كأس الصلب إن أمكن - لأنه من الناحية الناسوتية كان يحسّ بالألم كما نحس به نحن، ومن ثم كان يأبى عليه طهره الفائق أن تحسب عليه خطايانا، ومركزه الرفيع أن ينحني ليحمل في نفسه قضاءها وعقوبتها، ومجده العظيم أن تحل به لعنتها وفضيحتها، وإحساسه الرقيق أن يذوق مرارتها التي تفوق العلقم بما لا يقاس. ولكن لأنه لا يمكن أن يتمجد اللّه ويخلص الناس دون تجرع المسيح لكأس الصلب، لذلك فإنه بسبب كماله المطلق أيضاً رضي بها عن طيب خاطر إتماماً لمشيئة اللّه الصالحة.

هذا، وقد قدّر اللّه موقف المسيح حق التقدير. لذلك وإن كان لم يجز عنه هذه الكأس، غير أنه أرسل له ملاكاً ليعضد جسده الذي كان قد دب فيه الضعف بسبب الإِحساس بمرارتها (لوقا 22: 43)، ومن ثم نهض بكل قوة واستقبل آلام الصلب المريعة ببطولة تنحني أمامها كل بطولة.

(ب) ومن جهة تسليم المسيح الأمر لإِرادة الآب، فليس دليلاً على قبولها مرغماً، بل دليلاً على أنه جعل إرادته الإِنسانية بما لها من مطالب خاصة، طبق الأصل من إرادة الآب، على الرغم مما يتطلبه تنفيذها من تحمل قصاص الخطيئة الأبدي نيابة عن البشر جميعاً، وعمل مثل هذا عمل عظيم لم يكن لغير المسيح أن يقوم به، ونصر مبين لم يكن لغيره أن يحققه.

(ج) أما من جهة حزن المسيح فنقول: إنه ليس هناك أي تعارض بين السرور الروحي وبين الحزن والألم، لأن هذا السرور ليس هو الطرب والمرح، بل هو الرضا بالقيام بالواجب من نحو اللّه والناس بكل محبة وإخلاص. لذلك فإنه لا يكون خالياً من الحزن والألم بل خالياً من التضجر والتذمر. والإختبار يعلمنا هذه الحقيقة، فنحن نرى الآباء البررة مع تحملهم المتاعب والآلام في سبيل خدمة أبنائهم، والجنود المخلصين مع تحملهم المشقات المتعددة في سبيل إعلاء شأن بلادهم، يشعرون جميعاً في قرارة نفوسهم بكل غبطة وسرور على الرغم من كل ما يتحملون من آلام. فليس هناك مجال للاعتراض على أن المسيح كان مسروراً بآلام تقديم نفسه كفارة.

وقد أشار اللّه إلى هذه الحقيقة في بعض الذبائح، التي كانت ترمز إلى المسيح في العهد القديم. فذبيحة المحرقة التي كان يتطوع صاحبها بتقديمها للّه لمجرد إكرامه وتمجيده دون الإرتباط بخطيئة ما، كانت مراسيمها تدل على الفرح (لاويين 1). أما ذبيحة الخطيئة أو الإِثم، التي كان الخاطئ يقدمها كفارة عن نفسه فكانت مراسيمها تدل على الحزن (لاويين 4)، الأمر الذي كان ينبئ منذ القديم عن إقتران فرح المسيح لتحقيق مقاصد اللّه وتمجيده، مع حزنه لتحمل قصاص الخطيئة وشناعتها.

6 - إذا كان المسيح قد قام من الناحية الناسوتية بالفداء طاعة لأمر اللّه، يكون اللّه وحده هو الذي يستحق المحبة والإكرام.

الرد: إذا كان المسيح قد قام بالفداء لمجرد الطاعة لأمر اللّه، لا يكون قد قام به برضا، ولا يكون اللّه قد ضحى بشيء، فلا يكون أحدهما يستحق المحبة أو الإكرام. وإذا كان اللّه قد أرغم المسيح على احتمال الآلام لكي يُحبه الناس، لا يكون مستحقاً للمحبة بل للبغضة، ويكون المسيح مستحقاً للعطف والشفقة. وإذا كان المسيح قد قام بالفداء بمعزل عن اللّه، لكان هو وحده الأولى بالمحبة (لأننا لا نحب شخصاً لما عمله شخص آخر)، غير أنه يكون في هذه الحالة قد سلب من اللّه مجده، إذ يكون قد نال من دونه إكرام الناس ومحبتهم - ولكن الحقيقة هي أن اللّه نفسه كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه (2 كورنثوس 5: 19)، وأن المسيح حتى بوصفه إبن الإِنسان كان مسروراً كل السرور بهذا العمل، ولذلك ليس هناك مجال لهذا الإعتراض.

7 - إذا كان المسيح مات كفارة، فليس من المعقول أن يكون قد كفّر فقط عن خطايا المؤمنين الحقيقيين، بل لا بد أن يكون قد كفر أيضاً عن خطايا البشر جميعاً. وبناء عليه لا يكون هناك داع للإِيمان الشخصي به.

الرد: (ا) إن لكفارة المسيح طرفين (الأول) متعلق باللّه من جهة إيفاء مطالب عدالته وقداسته، وعلى أساسه يقدم الخلاص لكل الناس دون استثناء، فقد قال الوحي: هكذا أحب اللّه العالم (أجمع) حتى بذل أبنه الوحيد . (الثاني) متعلق بالناس من جهة استعدادهم لقبول المسيح، أو بالحري الإِيمان الحقيقي به. فقد قال الوحي: لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

(ب) أما من جهة الشطر الثاني من الإعتراض فنقول: كلنا يعلم أن الهدايا (مثلاً) وإن كانت تُقدم مجاناً لمن تُهدى إليهم، غير أن تمتعهم بها يتوقف على قبولهم إياها. وهكذا الحال من جهة الخلاص من الخطيئة، فالمسيح وإن كان قد دفع ثمنه بنفسه ويقدمه للناس هبة مجانية، لكن لا يمكن أن يتمتع به واحد منهم إلا إذا قبله، وقبوله هو عين الإِيمان الحقيقي بالمسيح.

-4-

الإعتراضات العقلانية والفلسفية والرد عليها

1 - المسيح لا يجوز أن يكون نائباً عنا، لأنه ولد من إمرأة دون رجل. ولو جاز أن يكون نائباً، فإنه لا يكون إلا نائباً عن الرجال وحدهم، لأنه كان رجلاً.

الرد: فضلاً عن أن ولادة المسيح العذراوية ضرورة اقتضتها أزليته وقيامه بحياة ذاتية خاصة به، وفضلاً عن أن التفرقة بين الرجل والمرأة هي تفرقة نسبية في الوقت الحاضر فحسب، لأنهما معاً في نظر اللّه بشر، إذ أن كلا منهما إنسان (1 كورنثوس 11: 11)، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض نقول:

(أولاً) إن المسيح لا يُدعى إبن رجل أو إمرأة، بل يدعى إبن الإِنسان أي الذي تمثلت فيه الإِنسانية كنائبها (ثانياً) إن حواء ليست كائناً منفصلاً عن آدم بل كانت في الأصل جزءاً منه، حتى أن الوحي ينسب الخطيئة إلى آدم وحده، فيقول: في آدم يموت الجميع (1 كورنثوس 15: 22). (ثالثاً) إن المسيح لم يفرق بين رجل وإمرأة من جهة العلاقة به، فقد قال لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات، هو أخي وأختي وأمي (متى 12: 50)، ولذلك لا مجال لهذا الإعتراض كما ذكرنا.

2 - لو كان اللّه يريد أن يكفر عن خطايانا في المسيح، فلماذا لم يقم بهذا العمل بينه وبين المسيح، دون أن يكون لأحد من البشر يد في صلبه؟.

الرد: إن الهدف الذي كان اللّه يرمي إليه، ليس أن يكفر عن خطايانا فحسب، بل أن يكشف لنا أيضاً عن مقدار الشر الكامن في نفوسنا من نحوه، وعدم إستحقاقنا لأي محبة أو عطف منه، حتى نقدّر كفارته حق التقدير. لذلك سمح لنا أولاً أن نعامله بكل شر يمكن أن يخطر ببالنا، قبل أن يعلن لنا كرد على هذه المعاملة، مقدار محبته لنا وعطفه علينا، حتى بضدها تتميز الأمور، كما يقولون. أما لو كان اللّه قد كفر عن خطايانا في المسيح بعيداً عن الصليب، لما اكتشفنا مقدار شر نفوسنا وعدم استحقاقنا لأي إحسان منه، ولما عرفنا أيضاً محبته الفائقة التي لا نستحق منها شيئاً، أو أدركنا قدراً زهيداً من الآلام التي تحملها بسبب خطايانا. لذلك إذا رجعنا إلى التاريخ، نرى المخلصين من اليهود وغير اليهود تأثروا بصلب المسيح تأثراً عظيماً، فأقبلوا إليه وآمنوا به إيماناً حقيقياً، كما أحبوه وأكرموه بدرجة لم يكن لهم أن يبلغوها، لو كان قد قدّم نفسه كفارة بعيداً عنهم. فتحقق بذلك قول المسيح وأنا إن ارتفعت (على الصليب) أجذب إليّ الجميع (يوحنا 12: 32).

3 - إذا كان اللّه يحب جميع الناس، لماذا سمح أن يأتي المسيح من اليهود دون غيرهم، لأن في تصرفه هذا تحيزاً لأمة دون أخرى.

الرد: فضلاً عن أنه لو لم يأت المسيح من أمة اليهود لكان قد أتى من أمة غيرها، وفي هذه الحالة يمكن أن يقال أيضاً عنه إنه تحيز لأمة دون أخرى، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض نقول: إن اللّه ظهر في أول الأمر لواحد من الوثنيين (لأنه لم يكن هناك سواهم على وجه الأرض وقتئذ) يُدعى إبراهيم، فآمن هذا به إيماناً صادقاً، ثم دعاه اللّه إليه، فأطاعه طاعة كاملة. وتقديراً لإِيمانه وطاعته وعده أن في نسله ستتبارك كل أمم الأرض دون استثناء (تكوين 12: 3). وبذلك لم يكن اللّه متحيزاً لجنس من الأجناس أو شخص من الأشخاص. ولما وُلد لإبراهيم إسماعيل وإسحق، خصّ اللّه أبناء الأول ببركات أرضية، وخصَّ أبناء الثاني ببركات روحية، ولذلك كان يرسل لهم الأنبياء من وقت لآخر ليعلنوا لهم مشيئته من جهة الفداء، حتى يتهيئوا لقبول المسيح عند مجيئه إليهم. ولذلك إذا رجعنا إلى تاريخ اليهود نرى أن الأتقياء منهم كانوا يتوقعون مجيء المسيح إلى العالم (لوقا 2: 25 ، 26) وبمجرد أن رأوه رحبوا به (يوحنا 1: 47 - 49)، بينما لو كان المسيح قد أتى من أمة أخرى لم تكن لديها نبوات عن المسيح، لما وجد فيها من ينتظره أو من يفهم رسالته.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المسيح وإن كان قد أتى من اليهود، لكنه لم يكن متحيزاً لهم، فقد كان يحب جميع الناس ويرحب بهم. فضلاً عن ذلك كان يعلن أن الوثنيين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون في حضن إبراهيم، أما اليهود غير المؤمنين فسيُطرحون خارجاً (لوقا 13: 28)، كما أوصى تلاميذه الذين حملوا رسالته أن ينادوا بها ليس في اليهودية فحسب، بل وفي كل أنحاء العالم أيضاً (مرقس 16: 15)، ففعلوا كما أوصاهم تماماً.

4 - لو فرضنا أن اليهود لم يصلبوا المسيح، فكيف كان يُكفر عن خطايانا؟.

الرد: فضلاً عن أنه لم يكن من الممكن أن يحدث لشخص قدوس طاهر يعيش وسط جماعة من الأشرار، موبخاً إياهم على شرورهم وآثامهم، غير ما حدث للمسيح. فالأشرار في كل عصر يبغضون الحق ويقاومونه، لذلك لو كان المسيح قد عاش في أي عصر من العصور، أو في أي بلد من البلاد، لظهر شر معاصريه فيها أيضاً، بالصورة التي ظهر بها شر اليهود من قبل، فإن الآلام التي تحملها المسيح من اليهود عندما صلبوه، كانت الآلام الكفارية بينه وبين عدالة اللّه مباشرة، فكان من الممكن أن يتحملها في أي وقت من الأوقات، وبأي وسيلة من الوسائل الخاصة به، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض. نقول: إن اللّه قصد منذ الأزل أن يكون مجيء المسيح إلى العالم نوراً يكشف للناس عن فداحة خطاياهم في ابتعادهم عنه، ورفضهم لحقه، وفي الوقت نفسه يكشف لهم بتكفيره عنهم مقدار محبته لهم، وعطفه عليهم.

5 - إذا كان اللّه قد قصد بصلب المسيح أن يعلن لنا تكفيره عن خطايانا، يكون اليهود الذين صلبوا المسيح قد تمموا مشيئة اللّه وأسهموا في خلاص العالم. وبناء على ذلك لا يكونون قد فعلوا جريمة ما!!.

الرد: إن الآلام التي تحملها المسيح من اليهود على الصليب كانت محصورة في الساعات التي سبقت الظلمة، وهذه الآلام لم تكن الآلام الكفارية بل آلام الإستشهاد فحسب. لأن الآلام الأولى كانت من يد العدالة الإِلهية وحدها كما ذكرنا - فضلاً عن ذلك فإن اليهود لم يصلبوا المسيح لكي يتمموا مشيئة اللّه، بل لأنهم كانوا يبغضون المسيح بسبب كماله الأدبي الذي كان يكشف شرورهم وآثامهم، لذلك فإنهم بصلبهم إياه أرادوا أن يصلبوا الحق والقداسة والكمال، وهذه جريمة دونها كل جريمة في الوجود.

لكن اللّه في حكمته اللانهائية استخدم جريمتهم ضده لإِعلان محبته لهم وللعالم أجمع، إذ بعدما صّوبوا نحوه كل ما في جعبتهم من عدوان، واستحقوا وقتئذ أن تحل عليهم دينونة اللّه بكل هولها، تقدم المسيح وقبل هذه الدينونة في نفسه عوضاً عنهم وعن غيرهم من البشر (لأن الكل عصوا اللّه وتمردوا عليه دون استثناء)، ومن ثم احتمل في نفسه آلام الكفارة (بعد) آلام الإستشهاد، فتحقق بذلك قول الوحي حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً (رومية 5: 20).

6 - لو كان المسيح قد مات كفارة عن خطايانا، لما كان قد قام من بين الأموات، لأن أجرة الخطيئة هي موت أبدي. وأيضاً لما كان الخلاص من الخطيئة هو بالنعمة كما يعلن الكتاب المقدس، بل كان بالعدل، لأن عدالة اللّه تكون قد وفيت مطالبها.

الرد: إن قيامة المسيح من الأموات ليست دليلاً على أن موته لم يكن موتاً كفارياً، بل دليلاً على أن لاهوته غير المحدود أكسب آلامه الكفارية كإنسان قيمة غير محدودة، ولذلك استطاعت أن تفي مطالب عدالة اللّه غير المحدودة، ومن ثم لم يكن هناك مجال لبقائه في القبر. أما لو كان المسيح قد ظل فيه، لكان مثله مثل الذبائح الحيوانية التي لم تحز رضا اللّه، لعدم تكفيرها عن الخطيئة تكفيراً حقيقياً.

كما أن تكفير المسيح عن خطايانا إلى الأبد، وإن كان يجعل حصوله على الخلاص لأجلنا عدلاً، لأنه صار حقاً مكتسباً له، لكن عندما نحصل نحن عليه، يكون ذلك على أساس النعمة، لأننا لم نعمل شيئاً من جانبنا نستحق بسببه هذا الخلاص. ولذلك حق للوحي أن يقول لنا لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإِيمان، وذلك ليس منكم هو عطية اللّه (أفسس 2: 8).

7 - كيف استطاع المسيح أن يفي في ثلاث ساعات الظلمة وحدها، مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها مع أن ناسوته محدود لا يتحمل إلا آلاماً محدودة، والآلام المحدودة لا تفي مطالب لا حد لها.

الرد: (ا) من المعلوم لدينا أن الشخص الكفء يستطيع القيام بالأعمال التي تسند إليه في مدة وجيزة، بينما إذا أسندت هذه الأعمال إلى غيره، قد يعجز عن القيام بأي شيء منها. وعلى هذا القياس نقول: بما أن المسيح بسبب كماله المطلق له كفاية غير محدودة، لذلك لا غرابة إذا استطاع أن يفي مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها، في الساعات المذكورة التي قضاها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسيح لم يكن قائماً بالكفارة بمعزل عن اللاهوت، بل أن اللاهوت الحال فيه كان هو القائم بها، أدركنا أن مطالب عدالته قد وفيت تماماً على الصليب، لأن اللّه أو اللاهوت لا يمكن أن يكون متساهلاً أو متهاوناً في شيء من مطالب عدله، كما ذكرنا فيما سلف.

(ب) كما أننا إذا وضعنا أمامنا أن اللّه كان مسروراً بتقديم المسيح كفارة عنا، وأن المسيح كان مسروراً أيضاً للقيام بهذه المهمة فقد قال الوحي عن اللّه إنه سُرَّ أن يسحق المسيح بالحزن (إشعياء 53: 10)، وقال عن المسيح إنه كان مسروراً بإتمام مشيئة اللّه (مزمور 40: 8)، وإنه من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهيناً بالخزي (عبرانيين 12: 2)ى، اتضح لنا بدليل ليس بعده دليل أن المسيح لا بد أنه وفى مطالب عدالة اللّه (أو بالحري وفاها اللّه فيه) إلى التمام، لأن الذي يقوم بعمله بسرور، لا يترك شيئاً منه على الإِطلاق.

وقيام اللّه بفدائنا بسرور في المسيح، أمر يتفق مع كماله المطلق، لأنه من دواعي هذا الكمال أنه لا يعمل عملاً على الرغم منه، أو كمجرد واجب من الواجبات. كما يتفق أيضاً مع علاقته الكريمة بنا، لأنه يحبنا محبة لا حدّ لها، وهذا ما يجعل لكفارته في أعيننا قيمة تفوق كل قيمة في الوجود.

8 - لو كان اللاهوت متحداً بالناسوت في المسيح، لما اقتضى الأمر أن يظل المسيح في تكفيره عن الخطيئة على الصليب ثلاث ساعات، إذ كان يكفي أن يبقى لحظة واحدة، لأن اللاهوت له كفاية لا حدّ لها.

الرد: إن أساس الزمن في نظرنا ليس هو أساس الزمن في نظر اللّه، لأن يوماً واحداً عند اللّه كألف سنة (في نظرنا). وألف سنة (في نظرنا( كيوم واحد (لديه) (2 بطرس 3: 8). وإذا كان الأمر كذلك، فإن المدة التي نعتبرها بضع ساعات، قد تكون في نظر اللّه لحظة، وقد تكون أيضاً دهراً، وقد تكون كذلك أبدية لا حد لها. وهذا ما يواجهنا أيضاً عند صلب المسيح، وإن كان في صورة أخرى، فهو له المجد تحمّل آلام الكفارة كإنسان محدود، ومع ذلك كان في ذاته هو اللّه غير المحدود فكانت لكفارته فعالية لا نهاية لها. أما السر في أن مدة آلام الإستشهاد كانت ثلاث ساعات، ومدة آلام الكفارة كانت ثلاث ساعات أيضاً، فيرجع إلى أن الرقم (3) في الكتاب المقدس يدل على الكمال. ويكفينا أن نعرف أن المسيح لم ينزل عن الصليب إلا بعد أن قال هذه الكلمة الخالدة قد أُكمل ، إذ أنها أوضح دليل على أنه أكمل الفداء لنا.

9 - إذا كان المسيح بقوله: قد أُكمل أعلن إتمامه لعمل الفداء، فلماذا لم ينزل عن الصليب حياً بعد ما قال هذه العبارة مباشرة.

الرد: نظراً لإبتعاد الناس عن اللّه وارتكابهم ما شاءوا من شر، وُضع لهم أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة (عبرانيين 9: 27) فكان ينبغي للمسيح في سبيل تكفيره الكامل عن الناس أن يتحمل الحكمين. فاحتمل آلام دينونة العدل الإِلهي في ساعات الظلمة الثلاث. واحتمل بعد ذلك تنفيذ حكم الموت في جسده الكريم. مما تقدم نرى أن قوله: قد أُكمل ، ليس منفصلاً عن موته بل مقترناً به كل الإقتران، إذ أنه مات بمجرد أن قال هذه العبارة، فيكون المراد بها، أنه أكمل الكفارة بموته على الصليب.

10 - إذا كان الخلاص هو بالمسيح، فلماذا لم يأت مباشرة عندما سقط آدم في الخطيئة، أو بعد سقوطه فيها بمدة يسيرة، ليقدم نفسه كفارة عنه وعن أبنائه، عوضاً عن أن يلزمهم آلاف السنين بتقديم الذبائح الحيوانية، التي لم تكن كافية في ذاتها للتكفير الحقيقي عن خطاياهم؟.

الرد: (ا) إن البشر كانوا لا يدركون قديماً شر الخطيئة وخطورتها إدراكاً كاملاً، ولذلك لو كان المسيح قدم نفسه كفارة عندما أخطأ آدم مباشرة، أو بعد ذلك بمدة يسيرة (مثلاً)، لما كان هناك شخص يقدرها حق قدرها. أو يتأثر بها ويفيد منها. ومن ثم شاء اللّه، وهو العليم بطبائع البشر وطرق تهذيبهم وتعليمهم، أن يتركهم أولاً لأنفسهم حتى يعرفوا أن الكل زاغوا وفسدوا معاً، وأنه ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد (رومية 3: 10 - 12)، وأن الذبائح الحيوانية، مهما كثرت، لا تكفي للتكفير عن خطيئة واحدة من خطاياهم. وأن يرقى بعد ذلك بأذهانهم شيئاً فشيئاً لتدرك خطورة الخطيئة ليس بالنسبة إلى أنفسهم فقط،بل وأيضاً بالنسبة إليه، حتى يتضح لهم أنهم لا يستطيعون بأي وسيلة من الوسائل أن يؤهلوا ذواتهم في حضرته.

(ب) ولما اتضحت لهم هذه الحقيقة، أخذ يهيئهم لقبول خلاصه في المسيح. وذلك بالنبوات التي كان يرسلها لهم على أفواه أنبيائه من وقت لآخر عن ألقاب المسيح وأسم أسرته، وعن المكان والزمان اللذين سيولد فيهما، وعن صفاته وأعماله المتنوعة، وعن قيامه بنفسه بالتكفير عن الخطيئة (إقرأ مثلاً: إشعياء 7 و 9 و 53 ، دانيال 9 ، ميخا 5 ، ملاخي 3). فإذا رجعنا للكتاب المقدس نرى أن قبيل ظهور المسيح، كان كثيرون من الأتقياء في انتظاره (لوقا 2: 25 و 26 ، يوحنا 1: 41 و 45 و 49 ، 4: 25 و 29، 7: 26 و 27) كما ذكرنا، وإذا كان الأمر كذلك فإن مجيء المسيح لإِعلان خلاص اللّه بعد انتشار الناس في العالم، وقيامهم بإنشاء السجلات التي يدونون فيها ما يقع أمامهم من أحداث، وبعد إدراك المخلصين منهم شر الخطيئة وقصورهم الذاتي عن التوافق مع اللّه بأعمالهم، وظهور الرغبة الصادقة فيهم للخلاص من الخطيئة ونتائجها (لوقا 2: 25 ، 36)، تصرف يتفق مع الحق.

11 - إذا كان اللّه قد تألم بسبب الخطيئة عندما سقط فيها آدم وأولاده منذ القديم (إشعياء 43: 24)، يكون قد كفر عنها بينه وبين نفسه منذ القديم أيضاً، ويكون كل إنسان يُقبل إليه تائباً عن خطاياه، له أن يحظى بالصفح والغفران. فلا يكون الصلب سوى صورة للآلام التي كان اللّه يشعر بها منذ القديم بسبب الخطيئة، وبالتبعية لا يكون أمراً ضرورياً للتكفير عنها.

الرد: حقاً إن اللّه كان يتألم بسبب الخطايا منذ القديم (آلام العطف على البشر، بسبب البؤس الذي تردّوا فيه، وبسبب كسرهم لشريعته التي أعطاها لهم لأجل خيرهم، وبسبب قصورهم في إدراك فضله العظيم عليهم)، وذلك بحالة تتفق مع روحانيته المطلقة. لكن ألمه هذا لم يكن ألماً كفارياً، لأنه كان يدعوه لصبّ القصاص على الفجار من وقت لآخر (تكوين 17 و 19). أما في الصلب فقد احتمل اللّه في المسيح كل آلام دينونة خطايانا، دون أن يصبّ شيئاً منها علينا. ولذلك تكون آلامه على الصليب هي وحدها الآلام الكفارية. ولا غرابة في ذلك، ففي الصليب وفي الصليب وحده، أعلن اللّه أن محبته تفوق كل خطايانا، وأن السيول مهما طمت لا تستطيع أن تطفئ هذه المحبة أو تقلل من شدتها (نشيد 8: 7). ولذلك فعند الصليب نجد نحن الخطاة غفراناً كاملاً، نستريح له كل الراحة ونطمئن له كل الإطمئنان.

12 - إن الكفارة لا تُقدَّم عن الخطايا التي لم تُرتكب بعد، بل عن الخطايا التي ارتُكبت فيما سلف. لذلك فإن كفارة المسيح هي عن الخطايا التي كانت قد ارتُكبت لغاية صلبه فقط.

الرد: لو كان مخلوق ما هو الذي قام بتقديم كفارة عن خطايانا، لكان قد قدمها عن خطايانا الماضية فحسب، لأنه لا علم له بالخطايا التي تُرتكب في المستقبل. أما واللّه نفسه هو الذي قدّم الكفارة، فإنه كان يعلم منذ الأزل كل البشر الذين سيأتون إلى العالم، كما كان يعلم أيضاً كل الخطايا التي سيأتونها. وبما أنه لا يعسر عليه التكفير عنها جميعاً دفعة واحدة، لذلك لم يكن هناك داع أن يكفر في نهاية كل قرن (مثلاً)، عن الخطايا التي ارتكبت فيه. وإذا كان الأمر كذلك، تكون كفارته هي عن البشر في كل البلاد والعصور كما أعلن الوحي. فقد قال عن المسيح لكي يذوق بنعمة اللّه الموت لأجل كل واحد عبرانيين 2: 9).

13 - إن الإعتقاد بالخلاص وتكفير اللّه عن الخطايا، مقتبس من أساطير الوثنيين. فقد كانوا يعتقدون أنه بسفك الدم يخلصون من خطاياهم. كما كانوا يعتقدون أن آلهتهم مثل مثرا وكريشنا وبوذا وتامور وأوزيريس وبروميتيه تألموا، لكي يخلّصوا أتباعهم من خطاياهم.

الرد: فضلاً عن أن الإعتقاد بضرورة سفك دم الذبائح للحصول على المغفرة هو من صميم العقائد التي ينادي بها الكتاب المقدس منذ وجود آدم على الأرض، وأن الوثنيين هم الذين نقلوه عن أجدادهم الذين كانوا فيما سلف يؤمنون باللّه دون سواه، كما ذكرنا في الباب الثالث. وفضلاً عن أن تلاميذ المسيح كانوا يختلفون من جهة النشأة والطباع والثقافة والسن والمركز الإجتماعي، كما أنهم لم يكونوا من رجال الفلسفة أو السياسة أو التاريخ الذين لهم إلمام بأساطير الوثنيين، أو كانوا من التجار الذين يجوبون البلاد ويعرفون شيئاً عن عادات أهلها ودياناتهم، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الإعتراض، فإن ما جاء بالأساطير المذكورة بعيد كل البعد عن العقيدة المسيحية في الخلاص من الخطيئة، كما يتضح مما يلي:

(ا) إن مثرا (كما تقول أسطورته) خرج من صخرة وهو يحمل مدية ومشعلاً، فحارب الشمس وقهرها وجعلها حليفة له. ثم حارب أول مخلوق في الكون، وهو الثور الرهيب الذي كان يزعج الناس، فأرداه قتيلاً، وبذلك صار دم هذا الثور عنواناً لخلاص الناس، إذ بقتل مثرا إياه أنقذهم من بطشه. لكن أعوان أهريمان إله الشر (وهي العقارب والحيات والنمل) طغت على هذا الدم وأضاعت معالمه، ولذلك ترك مثرا الأرض وطار إلى الشمس حليفته - فأية صلة بين هذه الرواية وبين موت المسيح كفارة عن البشر تحقيقاً لمطالب قداسة اللّه وعدالته!!

(ب) وكريشنا كان يرتكب آثاماً لم يرتكب غيره مثلها، حتى أطلق عليه الوثنيون أسم إله الشر . كما أطلقوا عليه أسم المخلص لأن الخلاص في نظرهم لم يكن التحرر من عقوبة الخطيئة وسلطانها على النفس (حتى تستطيع أن تنعم بالتوافق مع اللّه في قداسته كما هي الحال في المسيحية)، بل كان هو الإنغماس الكلي في الدنس، لأن هذا الإنغماس (كما زعموا) يطفئ نار الشهوة المتقدة. فاستخدم المعترضون هذا المعنى النجس للخلاص من الخطيئة، ودون أن يشيروا إلى التناقض الذي لا حدّ له بين المعنى المذكور وبين معنى الخلاص من الخطيئة في المسيحية، قالوا إن أتباع كريشنا كانوا يعتقدون أنه يخلص من الخطيئة كما يقول المسيحيون عن المسيح، لكي يدخلوا في روع البسطاء منهم أن معتقداتهم منقولة من الوثنية.

أما الطريقة التي مات بها كريشنا فهي أنه بينما كان يسير مرة في غابة، أخطأ أحد الصيادين فيها مرماه، فنفذت حصاته (كما تقول الرواية) أو سهمه (كما تقول رواية أخرى) إلى مقتل كريشنا، فسقط لساعته ومات. لكن المعترضين أضافوا إلى ذلك من عندياتهم أنه عندما طعن جنب كريشنا بالحربة، قال وهو مصلوب للصياد الذي رماه بالنبلة: إذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة - وهذه الإِضافة فضلاً عن أنها لا تنسجم مطلقاً مع حادثة موت كريشنا، فإنها تدل على أن المعترضين اقتبسوا من الإنجيل قوله إن أحد الجنود طعن المسيح بحربة عندما كان على الصليب، وقال المسيح للص الذي تاب اليوم تكون معي في الفردوس ، ثم حشروا هذين القولين في روايتهم حشراً لا يقره عقل، وذلك ليخرجوها بالصورة التي أرادوها. لكن خانهم التوفيق كما يخون جميع المزّورين، لأن الصلب لم يكن معروفاً عند الهنود بل عند الفينيقيين والمصريين والرومان واليهود فحسب، كما يقول المؤرخون.

(ج) وبوذا كان يرفض مبدأ الكفارة لأنه كان يعتقد أنه لا يستطيع كائن ما أن يخلص أحداً من خطاياه، فكان ينادي بأنه يجب على كل إنسان أن يرتقي بنفسه فوق أهوائه وشهواته حتى يبلغ طور النرفانا الذي يتحرر فيه (كما يقال) من الشهوات تحرراً تاماً. ولذلك كانت كلماته الأخيرة لأتباعه هي كونوا لأنفسكم نوراً وملجأ حصيناً، ولا تلوذوا بغير أنفسكم!! . ولذلك كان البوذيون (كما يقول المؤرخون) يقّومون أنفسهم بأنفسهم دون أن ينتظروا معونة من أحد، ظانين أنهم يستطيعون الإرتقاء فوق قصورهم بقوتهم الذاتية - وقد أشارت جريدة الأهرام الصادرة في 7 مايو سنة 1971 إلى هذه الحقيقة فقالت: إن بوذا كان معلماً لا مخلصاً، وإنه لم يعد إنساناً بمعونة خلا المعونة التي يتلقاها هو من نفسه. وإن من أقواله المأثورة لأتباعه واصلوا جهادكم حتى تبلغوا سبيل الخلاص .

أما الطريقة التي مات بها بوذا فهي أنه عندما كان في بلدة بافا، أراد حداد يُدعى تشوندا أن يكرمه، فقدم له لحماً مشوياً. فلما أكل منه بوذا أحس بألم شديد في أمعائه لم يمهله في الحياة إلا بضع ساعات - ولكن المعترضين ادّعوا أنه قال دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، لكي يخلص العالم من قصاصها ، حتى يوهموا البسطاء من المسيحيين أن اعتقادهم بخلاص المسيح منقول من الأساطير الهندية!!

(د) وتاموز كان يعتبر عند الوثنيين إله الزراعة والربيع، ولذلك كانوا يعتقدون أنه يحيا بظهور النباتات ويموت بذبولها. وعند موته (أو بالحري عند ذبول النباتات) كانت معظم النساء يبكين عليه كثيراً. وعند ظهوره (أو بالحري ظهور النباتات) كن يفرحن فرحاً عظيماً ويستسلمن للأهواء الجنسية دون قيد أو شرط. وكان هذا العمل يعتبر لديهن خلاصاً، ليس خلاصاً من نجاسة الخطيئة كما هي الحال في المسيحية، بل خلاصاً من قانون الطهارة والعفاف كما ذكرنا فيما سلف. لذلك فالقول إن بعض الوثنيين كانوا يعتقدون أن تاموز تألم من أجل الناس، وأنه كان يدعى المخلص والفادي والمصلوب فضلاً عن أنه مجرد إدعاء، فهو جريمة أدبية شنيعة، لأنه يهدف إلى تشويه الحقائق الثابتة وتشكيك البسطاء في عقائدهم.

(ه) وأوزيريس، كما تقول أسطورة، كان يحب الناس ويخلصهم من متاعبهم، ولكن أخاه ست قتله وقطع جسده إلى أجزاء كثيرة، فجمعت زوجته هذه الأجزاء، وأعادته إلى الحياة. وتقول أسطورة أخرى إنه لما مات أوزيريس بكت عليه زوجته فنزلت دموعها على جسده، ومن ثم قام من الموت. وتقول أسطورة غيرها إن أوزيريس كان يغرق في وقت الفيضان وكانت أيزيس تنزل إلى النيل لكي تنتشله، فكان يموت ويحيا كل عام. ولذلك فقول المعترضين إن بعض قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن أوزيريس يخلص من الخطيئة، هو قول هراء.

(و) وبروميتية، كما تقول أسطورته، كان يقاوم الأرستقراطية في بلاد اليونان، وكان يحب الناس ويساعدهم في شؤونه. فحقد عليه جوبتر رب الآلهة هناك، وصلبه على جبال القوقاز، كما أمر فلكان بتعذيبه. فأخذ هذا يغرس حديداً محمى بالنار في جسمه، كما أثار عليه النسور لكي تمزقه وتأكل منه ما تستطيع أكله، فظل بروميتية على هذه الحالة حتى أنقذه هرقل.

فرواية بروميتية (كما نرى) تختلف عنحادثة صلب المسيح كل الإختلاف، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن هذه الحادثة مقتبسة أيضاً من الرواية المذكورة. فالمسيح قدم نفسه باختياره للموت، أما بروميتية فسيق للموت رغماً عنه. والمسيح قبل الموت كفارة عن خطايا البشر، أما بروميتية فلم يمت عن خطيئة إنسان ما. أما قول المعترضين إن بروميتية جرح بسبب ذنوب الناس، وإنه سحق بسبب عصيانهم ، فليس له وجود في رواية بروميتية، بل هو مسروق من نبوة إشعياء النبي (ص 53)، التي قيلت عن المسيح قبل ظهور رواية بروميتية بمئات السنين. وكان من الواجب على المعترضين إذا أرادوا أن يستعيروا أسلوب الكتاب المقدس في هذا الصدد، أن يقولوا: إن بروميتية جرح بسبب دفاعه عن الديمقراطية، وإنه سحق بسبب إخلاصه لها. ولكنهم شاءوا أن يغيروا الحقائق الثابتة، فأخذوا الآيات التي قيلت عن المسيح وأسندوها إلى بروميتية، لكي يوهموا البسطاء من المسيحيين أن أجدادهم سرقوا العقائد المسيحية من أساطير اليونان، والحال أنهم هم السارقون!!

وقد عرف المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد معنا أن المعترضين تحاملوا على العقائد المسيحية دون مبرر، فقال: إن أصحاب هذه الملاحظات اتخذوا تشابه المراسيم والأخبار دليلاً على تلفيق تاريخ السيد المسيح: ويبدو لي أن نشوء علم المقابلة بين الأديان هو الذي دفع أصحابه في القرن الثامن عشر إلى تحميل المشابهات والمقارنات فوق طاقتها . ثم قال ليس من الصواب أن يقال إن الأناجيل جميعاً عمدة لا يعّول عليها في تاريخ السيد المسيح، وإنما الصواب أنها العمدة الوحيدة في كتابة ذلك التاريخ. وسواء رجعت هذه الأناجيل إلى مصدر واحد أو أكثر من مصدر واحد، فمن الواجب أن يدخل في الحسبان أنها هي العمدة التي اعتمد عليها قوم هم أقرب الناس إلى عصر المسيح، وليس لدينا نحن بعد قرابة ألفي عام أحق منها بالإعتماد . (عبقرية المسيح ص 126 واللّه ص 149 - 154).

وقد سبق الأستاذ العقاد إلى هذه الحقيقة سير جيمز فريزر ودكتور إدوارد ماير المؤرخ السويسري. فقد قال الأول في كتاب إن الشكوك التي تثار ضد حقيقة تاريخ المسيح لا يقام لها وزن، وإنها سخافة لا تقل في بطلانها عن محاولة جعل نابليون (مثلاً) أسطورة لا شخصاً حقيقياً . وقال الثاني في كتاب: ليس هناك شيء ما يحملنا على رفض تاريخ المسيح المدّون في الإنجيل - والعالمان المذكوران، كما يتضح من حياة كل منهما، لم يكونا من الأشخاص المتدينين الذين يهمهم تأييد الموضوعات المسيحية الواردة في الإنجيل، بل كانا من علماء التاريخ الذين لا ينظرون إلى هذه الموضوعات إلا من الناحية التاريخية وحدها. ولذلك فشهادتهما، مثل شهادة الأستاذ العقاد، لا يجوز الطعن فيها بحال

عودة الى الصفحة الرئيسية